لم يعد المزارعون في محافظة لحج جنوبي اليمن يواجهون مواسم الزراعة باليقين ذاته الذي اعتادوه لسنوات طويلة، فمع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد فترات الجفاف وتغير مواسم الأمطار، أصبحت الزراعة أكثر عرضة للخسائر، ما دفع كثيرًا منهم إلى البحث عن وسائل جديدة تحمي محاصيلهم من تقلبات الطقس.
في عدد من مديريات المحافظة، بدأت البيوت المحمية تفرض نفسها كأحد الحلول الزراعية الحديثة لمواجهة آثار التغيرات المناخية، عبر توفير بيئة أكثر استقرارًا للمحاصيل وتقليل استهلاك المياه والحد من انتشار الآفات الزراعية.
يقول المزارع محمد فضل، وهو يتأمل البيوت البلاستيكية المنتشرة في أحد الوديان الزراعية بلحج: “كنا نراقب السماء ونخشى أن تضيع مواسمنا بسبب الحر أو الرياح أو قلة الأمطار، أما اليوم فأصبحت هذه البيوت توفر حماية أكبر للمحصول وتخفف من حجم المخاطر التي نواجهها”.
ويضيف لـ”ريف اليمن:” طوال عقود كانت الأرض كتاباً مفتوحاً نكتب فيه بمحاريثنا، وكانت الشمس هي التي تملي علينا متى نزرع ومتى نحصد، أما اليوم، ومع هذا التغير في الجو والحرارة التي لم نعهدها، صارت هذه البيوت هي ملجأنا الأخير”. لافتا أن كثيرا من المزارعين باتوا يعتمدون على البيوت المحمية للحفاظ على إنتاجهم، بعد أن أثرت التقلبات المناخية المتزايدة على مواسم الزراعة خلال السنوات الأخيرة.
مواضيع مقترحة
- الزراعة المائية.. خيار المزارعين لمواجهة شحة المياه
- الرطوبة في المحمية الزراعية.. كيف معالجتها؟
- الزراعة في اليمن.. صمود رغم التحديات
منظومة ذكية
كغيرها من المحافظات اليمنية، تواجه لحج تحديات مناخية متزايدة تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر وتراجع رطوبة التربة، إلى جانب ظهور آفات زراعية في غير مواسمها المعتادة وهو ما جعل المزارعين يلجؤون إلى هذه الحلول الممكنة وذات الفائدة الكبيرة.
المهندس الزراعي علي أحمد قال إن الزراعة في لحج لم تعد مجرد نشاط تقليدي يورث، بل تحولت إلى منظومة ذكية تعتمد الزراعة الرأسية؛ حيث يتم استبدال النمط الأفقي القديم بأنماط تكنولوجية متقدمة ترفع من كفاءة الإنتاج.
ويضيف لـ”ريف اليمن:” نغادر عصر “عشوائية الحقول” إلى عصر “الهندسة المناخية”، وداخل هذه “المنظومات”، تصل شتلة الطماطم إلى ارتفاع كبير ويمتد عطاؤها لـ 8 أشهر متواصلة، في تحدٍ صارخ للدورة الإنتاجية التقليدية التي كانت تتوقف عند الشهرين.
لافتا أن هذه التقنيات تسهم في خفض استهلاك المياه والأسمدة والمبيدات الزراعية، مع تحقيق إنتاجية أعلى من المساحات الزراعية نفسها، وهو ما يمنح المزارعين فرصة أفضل لمواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج.

ويتابع: “نحن نضع حجر الأساس لنهضة اقتصادية حقيقية في لحج، حيث حققنا المعادلة الصعبة مبيدات أقل، واستهلاك مياه أدنى، وإنتاجية تتضاعف عشرات المرات من نفس وحدة المساحة، مما يجعل المحاصيل المتسلقة حلاً جذرياً لمواجهة تكاليف الزراعة المرهقة”
قراءة رقمية
في تجربة مقارنة لزراعة الخيار بمديريتي تبن والحوطة على مساحة بلغت 189 مترًا مربعًا، أظهرت النتائج فارقًا واضحًا بين الزراعة المحمية والزراعة التقليدية، وبحسب بيانات المشروع، بلغ إنتاج الخيار داخل البيت المحمي نحو 1600 كيلوغرام، مقابل 500 كيلوغرام فقط في الحقول المكشوفة، بزيادة إنتاجية بلغت 220 بالمئة.
ولم تتوقف لغة التفوق عند حدود الوفرة، بل امتدت لتشمل “الأمن المائي”؛ إذ استهلك البيت المحمي 80 ألف لتر من المياه فقط، بينما استنزفت الزراعة التقليدية رقمًا مهولًا بلغ أكثر من مليون و455 ألف لترًا، وهو ما يمثل توفيرًا مائيًا بنسبة 95%.
وعلى صعيد حماية المحصول ومدخلات الإنتاج، انخفضت كمية التلف بنسبة 75% لتسجل 15 كجم فقط في المحمي مقابل 60 كجم في المكشوف، كما سجل استهلاك المبيدات تراجعًا حادًا بنسبة 81%، حيث لم يتجاوز الـ 0.25 لتر مقارنة بـ 1.3 لتر للزراعة التقليدية.
في ظل التحديات المناخية تبدو هذه التقنية واحدة من أهم الأدوات التي تساعد المزارعين على تعزيز قدرة القطاع الزراعي على التكيف والصمود
أما الأسمدة، فقد وفرت المنظومة المحمية ما نسبته 67% من الاستهلاك، مكتفية بـ 78.5 كجم من الأسمدة، بينما احتاجت الأرض المكشوفة لـ 235.5 كجم لنفس المساحة، مما يؤكد أننا أمام منظومة اقتصادية وبيئية متكاملة تضمن أعلى عائد بأقل كلفة ومخاطرة.
خارطة الدعم
وتشير الناشطة المجتمعية سهى ناصر إلى أن انتشار البيوت المحمية في لحج جاء نتيجة تدخلات عدد من الجهات الداعمة للقطاع الزراعي تهدف لتعزيز الصمود، موضحة أن منظمة (الفاو) والصندوق الاجتماعي للتنمية نفذا مشاريع لدعم صغار المزارعين في مديريتي تبن والحوطة، فيما وزعت منظمة “يمن أيد” 41 بيتًا محميًا كمرحلة أولى في مديرية تبن.
كما شملت التدخلات – بحسب سهى – مناطق أخرى مثل طور الباحة، حيث نفذت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مشاريع لدعم الإنتاج الزراعي، بينما قدم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن بيوتًا محمية مزودة بأنظمة تكييف في عدد من المواقع الزراعية.
وتضيف أن هذه المشاريع لا تقتصر على توفير البيوت المحمية فقط، بل تشمل أيضًا تدريب الأسر الريفية على تقنيات الري بالتنقيط وأساليب الزراعة الحديثة.

في مديرية طور الباحة بالمحافظة ذاتها، تقود إدارة تنمية المرأة الريفية جهودًا لتمكين النساء من الاستفادة من تقنيات الزراعة الحديثة، وتقول فتحية أرشد، مديرة الإدارة، إن مشروع زراعة الخضروات بالبيوت المحمية استهدف 152 أسرة ريفية في عشر قرى، من خلال إنشاء 30 بيتًا زراعيًا.
وتوضح أن المشروع ركز على الأسر الفقيرة والنساء المعيلات التي تمتلك خبرة ورغبة في العمل، حيث تلقين تدريبات مكثفة يبدأ من تجهيز الأرض وصولاً إلى صناعة السماد البلدي والمبيدات الطبيعية، ليكون الإنتاج صحياً وغير مكلف، نحن نرافقهن خطوة بخطوة حتى يكتمل الحصاد والتسويق”.
ومن بين المستفيدات المزارعة أم أحمد، التي تؤكد أن المشروع ساعد أسرتها على توفير احتياجاتها من الخضروات وبيع الفائض في الأسواق المحلية، وتقول لـ”ريف اليمن”:”استفدنا وأفدنا، أصبحنا نزرع الطماطم والخضار والكبزرة والبسباس، ووفرنا غذاءنا وبعنا الفائض للناس، ونرجو أن يوسعوا المشروع ليشمل كل القرى”.
تحديات الاستدامة
ورغم النتائج الإيجابية، ما تزال البيوت المحمية تواجه تحديات تتعلق باستمرارية الإنتاج، خاصة في المناطق الحارة، ويشير المهندس حسن بحرق إلى أن مديرية تبن تضم نحو 70 بيتًا محميًا، إلا أن معظمها غير مزود بأنظمة تبريد، ما يجعل الاستفادة منها تقتصر غالبًا على أشهر الشتاء.
ويضيف أن ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف يحد من الإنتاج داخل هذه البيوت، الأمر الذي يتطلب توفير أنظمة تكييف وطاقة شمسية وشبكات ري أكثر استدامة.
لافتا أن تجارب جديدة للزراعة المائية بدأت في مديريتي الحد والمقاطرة، عبر إنشاء ثمانية بيوت زراعية في كل مديرية تعتمد على المحاليل المغذية بدلًا من التربة الزراعية، خلاف المناطق الحارة مثل تبن والحوطة، المزارع يحتاج بيوتاً مكيفة، وشبكات ري مستدامة، وطاقة شمسية ثابتة في الأرض بدلاً من الحلول المؤقتة.

من جانبه، يؤكد المزارع علي حسن الذي دخلت البيوت المحمية مزرعته مؤخراً أنها ساعدته في تقليل خسائر الآفات الزراعية التي ارهقته، ورفع إنتاجية مزرعته، إضافة إلى توفير كميات كبيرة من المياه بفضل أنظمة الري الحديثة.
ونتيجة للفائدة يطالب المزارعون بالدعم الذي يأتي بنتيجة مستدامه، إذ يضيف: “الفائدة كبيرة، صرت أزرع في مساحة صغيرة وأجني خيراً كثيراً، لكننا نحتاج إلى بيوت أكثر تطورًا حتى نستطيع الإنتاج طوال العام، وليس خلال مواسم محددة فقط، فالمزارع يحتاج شبكة ري قوية وطاقة شمسية لكي يرفع الماء بأقل تكلفة.
ويرى المزارعون أن نجاح تجربة البيوت المحمية في لحج يستدعي توسيع نطاق الدعم ليشمل مزيدًا من الأسر الريفية، مع توفير أنظمة تبريد وشبكات ري حديثة ومصادر طاقة مستدامة، وفي ظل التحديات المناخية المتزايدة، تبدو هذه التقنية واحدة من أهم الأدوات التي تساعد المزارعين على تعزيز قدرة القطاع الزراعي على التكيف والصمود.

