الخميس, 15 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
حوار

الصيادي: الحرب فاقمت أزمة المياه في اليمن لكنها لم تبدأها (2-2)

📅 أكتوبر 15, 2026

قال المستشار فؤاد الصيادي المتخصص في تحسين سُبل العيش وإدارة المياه، إن الحرب فاقمت أزمة المياه في اليمن بشكل كبير، لكنها لم تبدأها، لأن جذور المشكلة تعود إلى عقود قبل الحرب، بدء من التوسع في استخدام المياه الجوفية.

وحذر الصيادي في مقابلة مع «ريف اليمن» من أن تصبح المياه خلال العقود المقبلة عاملاً رئيسياً للهجرة من الريف، وفقدان الأراضي الزراعية، وظهور نزاعات محلية جديدة، وأعتبرها من أخطر النتائج المحتملة.

وقال: ‹انخفاض منسوب المياه يرفع كلفة الضخ، وغالباً ما يكون صغار المزارعين أول من يتأثر، ثم قد تضطر بعض الأسر إلى ترك أراضيها والانتقال إلى المدن أو مناطق أخرى›.

إقرأ الجزء السابق

فؤاد الصيادي: سوء إدارة المياه يهدد مستقبل الأمن المائي 〈2-1〉

وعن الحلول استعرض المستشار الصيادي خمس أولويات وقرارات مهمة، وقال بأن ‹ملف المياه لا يمكن أن تديره مؤسسة واحدة لأنه عمل تكاملي بين الوزارات والهيئات والسلطات المحلية، ويحتاج قرارات سياسية واضحة وثابتة›.

وأعتبر بأن مشاريع تحلية مياه البحر خيار واقعي للمدن الساحلية على المدى الطويل، لكنها ليست بديلاً عن إدارة الموارد المحلية. وقال: ‹التحلية تقلل الضغط على المياه الجوفية، لكنها تحتاج استثمارات وطاقة مستقرة وتشغيلاً وصيانة مستمرين›.

 

نص الجزء الثاني من المقابلة


  • لماذا تنجح بعض مشاريع المياه أثناء فترة تمويل المنظمات، ثم تتراجع أو تتوقف بعد انتهاء المشروع؟

لأن بعض المشاريع تنجح أثناء وجود التمويل والحوافز والإشراف، لكنها لا تبني دائماً نظاماً يستمر بعد انتهاء المشروع وهذا هو الأهم في الإستدامة للمشروع.

ومن أجل تحقيق الاستدامة تبدأ قبل التنفيذ المشروع يجب أن نجد إجابة عملية لهذه الأسئلة: من سيشغل المنشأة؟ من سيصونها؟ من سيدفع تكاليف الصيانة؟ كيف ستوزع المياه؟ وكيف ستحل النزاعات؟

إذا لم تكن هذه الأسئلة محسومة، فقد نستلم منشأة ناجحة فنياً، لكنها غير مستدامة مؤسسياً واجتماعياً على المدى البعيد.

  • من واقع خبرتك في العمل مع المجتمعات المحلية، ما الدور الذي يجب أن تلعبه القبيلة والمجتمع المحلي في إدارة المياه وحل النزاعات حولها؟

في اليمن لا يمكن إدارة المياه بالمؤسسات الرسمية وحدها. للمجتمع المحلي والقيادات القبلية والأعراف دور تاريخي في تنظيم الحقوق وتقاسم المياه وحل النزاعات.

لكنني لا أدعو إلى استبدال القانون بالعرف. المطلوب هو التكامل: الدولة تضع الإطار والحقوق الأساسية وتحمي الفئات الأضعف، والمجتمع يشارك في التخطيط والرقابة والتشغيل وحل النزاعات المحلية.

القانون يحتاج إلى شرعية اجتماعية، والعرف يحتاج إلى إطار يضمن العدالة وحقوق الجميع.

الصيادي: أزمة المياه ليست قضية بيئية فقط بل قضية مستقبل الريف والأمن الغذائي والهجرة والاستقرار الاجتماعي

  • هل يمكن للمعرفة المحلية المتوارثة، مثل مراقبة مؤشرات السيول والمناخ، أن تتكامل مع الأقمار الصناعية والإنذار المبكر والتقنيات الحديثة؟

نعم، وهذا هو الاتجاه الصحيح. المزارع أو الراعي الذي عاش عقوداً في منطقة معينة يمتلك معرفة دقيقة بتوقيت الأمطار ومسارات السيول والتربة والنبات ومواقع تجمع المياه.

هذه المعرفة ليست بديلاً عن العلم، لكنها مصدر مهم للسياق المحلي. وفي المقابل توفر الأقمار الصناعية ومحطات الرصد والإنذار المبكر بيانات أوسع وأكثر انتظاماً.

الأفضل أن نجمع الاثنين، حيث أن المعرفة المحلية تعطينا التفاصيل، والتكنولوجيا تعطينا الرصد والتوقع على نطاق أوسع، والهدف دقة التوقع والإنذار المبكر للسكان والمزارعين.

  • هل الحرب هي السبب الرئيسي في أزمة المياه الحالية، أم أنها فاقمت أزمة كانت جذورها موجودة قبل الحرب بوقت طويل؟

الحرب فاقمت أزمة المياه في اليمن بشكل كبير، لكنها لم تبدأها، لأن جذور المشكلة تعود إلى عقود قبل الحرب، خاصة مع التوسع في استخدام المياه الجوفية منذ الستينيات والسبعينيات، والسياسات التي شجعت الضخ والتوسع الزراعي، ثم ضعف التخطيط والرقابة والحوكمة.

الحرب أضافت طبقة جديدة من التعقيد حيث تضررت المؤسسات والبنية التحتية، وتراجعت أعمال الرصد والصيانة، وفقد القطاع كوادر مؤهلة، وزاد النزوح الضغط على المياه في بعض المناطق.

باختصار، الحرب سرعت أزمة كانت موجودة بالفعل وجعلت معالجتها أصعب في المستقبل عندما تبدأ البلاد في مرحلة التعافي.

  • كيف يمكن إدارة الموارد المائية في بلد ضعف فيه قدرة المؤسسات الرسمية على الرقابة والتنظيم؟

في هذا السياق لا ينبغي انتظار مؤسسة مركزية واحدة تدير كل شيء. الحوض المائي يجب أن يكون الوحدة الأساسية للإدارة، لأن المياه لا تتبع الحدود الإدارية أو السياسية.

داخل كل حوض نحتاج إلى قواعد مشتركة للضخ، وحماية مناطق التغذية، وتوزيع المياه، ومراقبة الاستخدام، مع إشراك السلطات المحلية والمزارعين وجمعيات المستخدمين والقيادات المجتمعية.

وفي الوقت نفسه نحتاج إلى حد أدنى من التوافق الوطني حول بيانات المياه، وحماية الأحواض الحرجة، وتنظيم الآبار، وأولوية مياه الشرب، والمطلوب حوكمة مرنة ومتعددة المستويات للحفاظ على الموارد المائية لأجل الأجيال.

  • كيف سيغير تغير المناخ طبيعة أزمة المياه في اليمن؟ هل الخطر الأكبر هو انخفاض الأمطار أم عدم انتظامها وزيادة شدة السيول والجفاف؟

بدأ اليمن منذ سنوات مبكرة في التعامل مع قضية التغيرات المناخية وإعداد خطط للتكيف معها، ثم جاءت سيول حضرموت عام 2008 لتظهر بشكل واضح حجم المخاطر التي يمكن أن تسببها الظواهر المناخية المتطرفة.

وفي تقديري، الخطر ليس فقط انخفاض كمية الأمطار، بل أن تصبح أقل انتظاماً وأكثر تطرفاً في فترات مختلفة خلال الموسم.

حيث قد نشهد فترات جفاف أطول تتبعها أمطار غزيرة في وقت قصير. وهذا يزيد مخاطر السيول والانجراف وفقدان التربة، حتى إذا لم ينخفض مجموع الأمطار السنوي بشكل كبير.

لذلك يجب أن يركز التكيف على تحسين قدرة الأرض على استقبال المطر والاحتفاظ به، عبر المدرجات والغطاء النباتي والتربة وإدارة المساقط وحصاد المياه.

  • هل يمكن أن تصبح المياه خلال العقود المقبلة عاملاً رئيسياً للهجرة من الريف، وفقدان الأراضي الزراعية، وظهور نزاعات محلية جديدة؟

نعم، وهذه من أخطر النتائج المحتملة. انخفاض منسوب المياه يرفع كلفة الضخ، وغالباً ما يكون صغار المزارعين أول من يتأثر، ثم قد تضطر بعض الأسر إلى ترك أراضيها والانتقال إلى المدن أو مناطق أخرى.

كما ترفع المنافسة على مورد يتناقص باستمرار احتمالات النزاع بين المستخدمين، وبين مناطق المنبع والمصب، وبين مياه الزراعة ومياه الشرب.

أزمة المياه ليست قضية بيئية فقط، بل قضية مستقبل الريف والأمن الغذائي والهجرة والاستقرار الاجتماعي.

  • هل التحلية خيار واقعي لمستقبل المدن الساحلية اليمنية، أم أن الاستثمار الأكبر يجب أن يذهب أولاً إلى حصاد الأمطار وإدارة المياه الجوفية؟

التحلية خيار واقعي للمدن الساحلية على المدى الطويل، لكنها ليست بديلاً عن إدارة الموارد المحلية، وجود البحر يوفر فرصة لمياه الشرب وتقليل الضغط على المياه الجوفية، لكن التحلية تحتاج استثمارات وطاقة مستقرة وتشغيلاً وصيانة مستمرين، وهي أنسب للاستخدامات الحضرية من الزراعة الواسعة.

لذلك أراها جزءاً من مزيج مائي متكامل، بالتوازي مع حصاد مياه الأمطار والسيول، وحماية مناطق التغذية، وتنظيم المياه الجوفية، وإعادة استخدام المياه المعالجة حيثما أمكن.

الخطأ في تقديري هو إنتاج مياه جديدة بتكلفة عالية، مع استمرار إدارة المياه الموجودة بطريقة غير مستدامة، سيجعل المياه في المستقبل تكلفتها عالية.

  • لماذا تفشل  مشاريع السدود في اليمن في تحقيق أهدافها على المدى الطويل؟ وهل المشكلة في التصميم والتنفيذ، أم في غياب منظومة متكاملة لإدارة الحوض المائي والصيانة والمشاركة المجتمعية؟

جميع هذه العوامل موجودة، لكن المشكلة الأكبر هي التعامل مع السد باعتباره المشروع كله، بينما هو مجرد جزء من منظومة مائية أكبر.

بعض المنشآت عانت من مشكلات في اختيار الموقع أو التصميم والتنفيذ، وبعضها من غياب الصيانة وإزالة الرسوبيات وتشغيل المخارج، كما ظهرت مشكلات في حقوق استخدام المياه ومسؤوليات التشغيل والصيانة.

حتى السد المصمم جيداً سيفقد كفاءته إذا كانت المنطقة التي تغذيه تعاني من تدهور المدرجات والغطاء النباتي وتعرية التربة، لأن جريان المياه وتدفقها بشكل مناسب جز من إدارة المخاطر على السدود.

لذا نجاج مشروع السد يبدأ من إدارة مسقط المياه ونتحدث هنا عن الغطاء النباتي والمدرجات الزراعية وغيرها، ثم التصميم المناسب، ثم التشغيل والصيانة والمشاركة المجتمعية.

  • لو أُعطي لك خمس سنوات وميزانية وطنية محدودة لإحداث تحول حقيقي في ملف المياه، فماهي أول خمسة قرارات ستتخذها، وبأي ترتيب؟

في البداية أرى خمس سنوات لا تكفي لحل أزمة تراكمت خلال عقود. ما يمكن فعله في هذه الفترة هو وضع الأساس الصحيح لتحول يمتد لسنوات طويلة. وتجارب دولية مثل إعادة تأهيل هضبة اللوس في الصين تبيّن أن استعادة الأنظمة المائية والأرضية تحتاج عملاً متكاملاً واستمرارية طويلة.

كما أن ملف المياه لا يمكن أن تديره مؤسسة أو وزارة واحدة في اليمن، وهو عمل تكاملي بين الوزارات والهيئات والسلطات المحلية، ويحتاج قبل المال إلى قرارات سياسية واضحة وثابتة.

أولاً: إدارة الأحواض الحرجة على أساس موازنة مائية واضحة تحدد ما يتجدد وما يُسحب سنوياً.

ثانياً: وقف التوسع غير المنظم في حفر الآبار وإخضاع الضخ للقياس والرقابة، مع أولوية مياه الشرب.

ثالثاً: تغيير السياسة الزراعية في الأحواض المستنزفة، ووقف التوسع في المحاصيل شديدة الاستهلاك، وعلى رأسها القات، ودعم الزراعة المطرية والبدائل الاقتصادية.

رابعاً: الاستثمار في المساقط المائية والحلول البسيطة قليلة الكلفة، مثل المدرجات والغطاء النباتي وحصاد المياه وتأهيل الري السيلي، قبل التوسع في المنشآت الكبيرة.

خامساً: وضع نظام تمويل مستدام يفعّل مبدأي ‹المستخدم يدفع› و ‹الملوث يدفع› ويعيد جزءاً من الإيرادات إلى حماية الأحواض والرصد والصيانة وتنمية الموارد.

الفكرة الأساسية أن الأزمة لن تُحل بمشروع واحد أو سد واحد أو ميزانية كبيرة فقط، بل بسياسة طويلة المدى وقرارات سياسية وتكامل مؤسسي واستمرارية في التنفيذ.

إطلع على المزيد

  • إذا استمر اليمن في إدارة المياه بالطريقة الحالية، كيف تتوقع أن يبدو المشهد المائي والزراعي والاجتماعي في اليمن عام 2045؟ وما القرار الذي يجب اتخاذه اليوم حتى لا نصل إلى ذلك السيناريو؟

إذا استمر المسار الحالي، فأخشى أن نرى بحلول 2045 مزيداً من الأحواض التي يصعب استغلال مياهها اقتصادياً، وآباراً أعمق وكلفة ضخ أعلى، وخروج عدد متزايد من صغار المزارعين من الزراعة.

زراعياً، قد تتراجع قدرة بعض المناطق على إنتاج الغذاء، واجتماعياً قد يزداد النزوح والمنافسة على المياه واحتمالات النزاعات المحلية.

لكن هذا ليس سيناريو محتوماً. القرار الأهم اليوم هو اعتبار الأمن المائي أولوية وطنية طويلة المدى، وإدارة الأحواض على أساس موازنة حقيقية تربط سياسات المياه بالزراعة والطاقة والعمران.

وأرى بأن تأجيل القرارات الصعبة اليوم بشأن إدارة الموارد المائية سيجعل كلفتها أكبر مستقبلاً.

  • من واقع تجربتك، اذكر مشروعاً مائياً تعتبره نموذجاً ناجحاً وتفتخر بأن لك دوراً فيه. احكِ لنا كيف بدأ، وما الذي تغيّر على الأرض بعد تنفيذه؟

من التجارب التي أعتز بها مجموعة من مشاريع الإدارة المتكاملة للموارد المائية التي عملنا عليها في عدد من المحافظات اليمنية. لم نبدأ من سؤال: ما المنشأة التي سنبنيها؟ بل من فهم المشكلة المائية والبيئية في المنطقة ككل.

عملنا مع المجتمعات لفهم مصادر المياه ومسارات السيول ومناطق التعرية وحالة المدرجات والغطاء النباتي والآبار وطرق الري، ثم ربطنا ذلك بالدراسات الفنية لتحديد الأولويات.

لذلك اختلفت الحلول من منطقة إلى أخرى، سواء من خلال تأهيل منشآت الري السيلي وحماية الأراضي في بعض المواقع، أو حصاد مياه الأمطار وحماية التربة وتأهيل المدرجات والحواجز بالإضافة إلى إدارة المراعي في مناطق أخرى.

كان دورنا يتركز على الجانب الفني وضمان النظر إلى المسقط المائي كوحدة واحدة، وألا نعالج مشكلة في مكان ونخلق أخرى أسفله.

وأهم تغيير لم يكن في المنشآت فقط، بل في طريقة التفكير نفسها من خلال النظر إلى المياه والتربة والأرض والغطاء النباتي والمجتمع كمنظومة مترابطة.

وأعتقد بأن نجاح المشروع المائي لا يقاس بحجم المنشأة، بل بقدرته على معالجة أسباب المشكلة وخدمة المجتمع والاستمرار بعد انتهاء التنفيذ.