في الوقت الذي تشتد فيه المواجهات العسكرية بمحافظة تعز والساحل الغربي، تُهدد الألغام الأرضية حياة السكان، وتشلّ أنشطتهم المعيشية بمختلف مجالات حياتهم اليومية.
ومع تكرار حوادث الانفجارات نتيجة اتساع رقعة التلوث، يمتد الأثر الإنساني إلى ما هو أبعد من الخسائر البشرية المباشرة، إذ أخرجت الألغام المتفجرة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن الخدمة، وعرقلة الوصول إلى الموارد الطبيعية، وقلصت قدرة الأسر الريفية على تأمين الأمن الغذائي.
وفي حين يقدر المركز الأمريكي للعدالة إجمالي الضحايا المدنيين بنحو 15 ألف شخص بين قتيل وجريح ومصاب بإعاقة دائمة منذ اندلاع الصراع، تحذّر منظمات دولية بالتزامن مع التصعيد العسكري من اتساع رقعة التلوث بالألغام وتضاعف مخاطرها على السكان، لا سيما في مناطق الساحل الغربي ومحافظة تعز.
مواضيع مقترحة
- الألغام في البيضاء.. خطر يهدد حياة السكان وسبل العيش
- كيف تؤثر الألغام على سبل عيش المزارعين والغطاء النباتي؟
- صعدة: “البارود” يٌفسد الأراضي الزراعية
ضحايا أطفال وتلوث متصاعد
حذرت منظمة «HALO Trust» من أن تجدد القتال في اليمن لا سيما الهجمات المكثفة حول مدينة تعز الواقعة على خط المواجهة ينطوي على خطر تسجيل ارتفاع حاد في أعداد ضحايا الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، مستهدفاً مجتمعات تعاني بالأصل من تبعات النزوح الجماعي والجوع وتصاعد معدلات سوء التغذية بين الأطفال.
ويُصنف اليمن ضمن أكثر دول العالم تضرراً من مخلفات الحرب المتفجرة؛ إذ سجل ثالث أعلى معدل للإصابات الناجمة عن الألغام الأرضية خلال العقد الماضي. كما أضحت الصواريخ الباليستية والقذائف الصاروخية وقذائف الهاون مشهداً مألوفاً يهدد حياة المدنيين داخل المراكز الحضرية المكتظة بالسكان.
وتتضاعف حدة الأزمة لدى الأطفال بشكل خاص، إذ تسببت الألغام ومخلفات الحرب خلال عام 2024 وحده في سقوط 260 ضحية مدنية، كان من بينهم 44 طفلاً لقوا حتفهم.
تجبر موجات النزوح الجماعي العائلات للجوء إلى مناطق ملوثة ما يرفع احتمالات وقوع الحوادث والضحايا
ويواجه الأطفال المخاطر القاتلة أثناء ممارستهم لأنشطتهم اليومية مثل المساعدة في الأعمال الزراعية ورعي الماشية أو نتيجة انخداعهم بالمتفجرات وظنهم أنها ألعابٌ براقة، مما يجعل الأجسام المنفجرة تهديداً مستمراً يلاحق تفاصيل حياتهم.
حصار تعز ومخاوف النزوح
وتعد مدينة تعز من أكثر المحافظات التي شهدت مواجهات مسلحة منذ أكثر من عقد. وظلت المدينة تعاني من الحصار منذ عام 2015، والذي أدى إلى قطع الطريق الرئيسي الذي يربطها بمدينة عدن، وعرقلة وصول الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الغذاء والمياه.
وتحتل محافظة تعز المرتبة الأولى بين المحافظات اليمنية من حيث أعداد ضحايا الألغام، إذ سجلت 964 قتيلًا و1321 مصابًا حتى عام 2025، وفق بيانات وزارة حقوق الإنسان اليمنية.
وحذرت المديرة القطرية لمؤسسة هالو «HALO» الخيرية في اليمن، مارا فان دير كامب، قائلة: ‹تعمل المنظمة في اليمن منذ سبع سنوات رغم النقص الحاد في التمويل؛ حيث كانت تواجه ضغوطاً شديدة حتى قبل تجدد المواجهات الأخيرة›.
وأضافت: ‹أمضت فرقنا الميدانية سنوات في إزالة المخلفات القاتلة لتأمين الأحياء والمنازل، غير أن تجدد القتال ينذر بتلوث جديد يفاقم أزمة هائلة في الأصل›.
وأشارت المنظمة إلى أن تجارب النزاعات في أوكرانيا وسوريا والعراق أظهرت كيف يؤدي تجدد القتال إلى تسارع التلوث بالمتفجرات، مؤكدة أن العائلات التي تعاني النزوح والجوع وتدهور القطاع الصحي لا ينبغي أن تواجه مخاطر إضافية تتمثل في وجود قنابل غير منفجرة في شوارعها وأراضيها الزراعية ومدارس أطفالها.
كما حذرت فان دير كامب من أن موجات النزوح الجماعي قد تدفع العائلات للجوء إلى مناطق ملوثة دون علمها، ما يرفع احتمالات وقوع الحوادث وسقوط المزيد من الضحايا المدنيين.

إيقاف العمليات ونقل المعدات
أدى تصاعد المواجهات إلى قيام منظمة «هالو» بنقل جانب من موظفيها وكافة معداتها من مدينتي تعز والمخا إلى العاصمة المؤقتة عدن جنوب اليمن.
وتترافق الخطوة مع توقف عمليات إزالة الألغام التابعة للمنظمة في عدن وتعز والمخا مؤقتاً، مقابل إعداد خطط لنشر فرق ميدانية جديدة في محافظتي لحج والضالع، اعتماداً على تقنيات تطهير المناطق الحضرية المتبعة في الشرق الأوسط لإزالة الأجسام المتفجرة من المباني المتضررة والأنقاض.
وتأتي التحركات الميدانية وسط تفاقم الأزمة الإنسانية الشاملة، إذ تُقدّر خطة الأمم المتحدة للاحتياجات والاستجابة الإنسانية أن 22.3 مليون شخص في اليمن بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، يواجه 18.3 مليون منهم انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.
كما يسجل القطاع الصحي أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، من بينهم نحو 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم.
ويُذكر أن منظمة هالو بدأت أنشطتها في اليمن عام 2019 من عدن، قبل أن توسع نطاق عملياتها إلى تعز أواخر عام 2022، حيث تضم كادرها الميداني حالياً نحو 70 موظفاً يتوزعون على محافظات عدن وتعز والضالع.
تجدد القتال في عدد من المناطق اليمنينة ينذر بتلوث جديد بالإلغام يفاقم أزمة هائلة في اليمن
وتمكنت المنظمة منذ بدء أعمالها في البلاد من تأمين أكثر من مليوني متر مربع من الأراضي، وتدمير ما يزيد على 114 طناً من المتفجرات ومخلفات الحرب، إلى جانب تقديم تدريبات توعوية حول السلامة من الذخائر المتفجرة استفاد منها أكثر من 58 ألف شخص.
إجمالاً تظل إزالة الألغام شرطاً أساسياً لتمكين سكان المناطق المتضررة من العودة إلى أراضيهم واستعادة مصادر رزقهم، إذ إن استمرار وجودها يبقي الطرق والمزارع والمراعي ومصادر المياه عرضة للخطر، حتى بعد توقف الحرب.





