الإثنين, مايو 4, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 90

مياه الصرف الصحي والنفايات.. قاتل يتفشى بالأرياف

مياه الصرف الصحي والنفايات.. قاتل يتفشى بالأرياف
مستنقع نفايات بمنطقة “المحمول” التي يأتي لها الزوار للتنزة بضواحي مدينة إب وسط اليمن، يوليو 2023 (هاجر نبيل/ ريف اليمن)

تفتقر المناطق الريفية في اليمن لشبكات الصرف الصحي، ويواجه السكان تلوث تسبب بانتشار الأمراض والأوبئة، منها الكوليرا التي عاود الانتشار خلال منذ مطلع العام الجاري 2024.

وأدت الحرب التي تعصف بالبلاد منذ تسع سنوات إلى تدمير البنية التحتية، بالإضافة إلى توقف كافة المشاريع الخدمية أبرزها إصلاح شبكات الصرف الصحي، سواء بالمدن الحضرية أو الريف.

تشير تقارير دولية، إلى أن أكثر من 14 مليون شخص يحرمون من إمدادات المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي وجمع القمامة في اليمن.

“إسماعيل محسن” أحد سكان الريف بمحافطة إب، يقول إن “مشكلة غياب خدمات الصرف كارثة صحية، وكثير من مجاري المنازل مكشوفة وبعضها يسل في الطرقات”.

ويضيف لمنصة ريف اليمن “ليست المجاري وحسب حتى النفايات، وبعض الازقة في القرى لا يمكن المرور بها أو دخولها من رائحة النفايات، ومخلفات الطعام والقمامة يتم رميها”.

وقال: “في قريتنا التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 10 آلاف نسمة يواجه السكان صعوبات كبيرة نتيجة عدم توفر شبكات صرف صحي”.

تفشي الكوليرا

وبسبب الفقر والنزوح خلال الحرب، هناك الكثير من المواطنين بلا دورة مياه، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار الأمراض بسهولة، وانتشرت عدد من الأوبئة.

أدى تلوث البيئة في المناطق الريفية، جراء غياب خدمات الصرف الصحي، وإهمال المواطنين لانتشار الأمراض والأوبئة خاصةً وباء الكوليرا الذي ينتقل عبر استهلاك المياه أو الطعام الملوث وتسبب بوفاة مئات الآلاف من اليمنيين.

مياه الصرف الصحي والنفايات.. قاتل يتفشى بالأرياف
مستنقع نفايات بمنطقة “المحمول” التي يأتي لها الزوار للتنزة بضواحي مدينة إب وسط اليمن، يوليو 2023 (هاجر نبيل/ ريف اليمن)

ورصد تقرير 1,566 حالة يشتبه بإصابتها بالكوليرا، بينها 9 حالات مؤكدة و6 حالات وفاة مرتبطة بالمرض، في 15 محافظة يمنية، خلال الفترة بين 1 يناير و17 مارس 2024. وفق مشروع تقييم القدرات (ACAPS)، أصدرته أمس الاثنين.

يقول استاذ البيئة بجامعة الحديدة عبد القادر الخراز، إن “الأثار البيئية خطيرة جداً لو نتحدث فقط عن المحتوى العضوي الموجود في مياه الصرف الصحي إذا تم أخذها بدون المياه الأخرى أو التصريفات الأخرى للمعامل وغيرها”.

ويضيف لمنصة ريف اليمن “بدون معالجة ستكون ذات محتوى عالي من المحتوى العضوي وهذا يشكل خطرا حتى عندما يتم تسربها في الأحواض وتسربها إلى المناطق الزراعية”.

يحدث تسرب للمياه الجوفية وتُغيّر خصائصها مما يؤدي إلى تلوثها، وهذا يؤثر في حال استخدامها للشرب أو ري المزارع، وتسبب بانتشار أمراض الكلي والفشل الكلوي، وفق الخراز.

وتابع: “المناطق الريفية متأثرة بشكل كبير لأنها غالباً تستخدم مثل هذه المياه للزراعة، بالإضافة تراكم المستنقعات من الملوثات وانتشار الأمراض والأوبئة والحميات وتكاثر الحشرات الناقلة للكثير من الأمراض”.

معاناة الريف

وفقاً لمنظمة يونيسف شهدت اليمن قبل أربع سنوات أسوأ تفشي لوباء الكوليرا في التاريخ الحديث والذي شمل 96 في المائة من المحافظات.

كما تدهورت أنظمة الرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي والإصحاح البيئي في البلاد في ظل الحرب التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

مياه الصرف الصحي والنفايات.. قاتل يتفشى بالأرياف
الكوليرا في اليمن 2024 (منصة ريف اليمن)

تتزايد مخاوف السكان في المناطق الريفية النائية في اليمن جراء الأوضاع البيئية والصحية التي باتت تشكل خطراً كبيراً على حياتهم، وحياة أطفالهم بسبب غياب شبكات الصرف الصحي.

وتحولت بعض الأحياء السكنية ببعض القرى الريفية إلى مستنقعات خصوصاً خلال فترة هطول الأمطار بفصل الصيف الذي يستمر لنحو ستة أشهر.

وتؤكد منظمة اليونيسف اشتداد الحاجة لخدمات الصرف الصحي والإصحاح البيئي وإمدادات المياه الصالحة للشرب أكثر من أي وقتٍ مضى لا سيما بالنسبة للسكان الأشد ضعفاً في البلاد.

دعوة لإنهاء المعاناة

ومع ذلك، فإن أقل من 10 في المائة من النازحين (70 في المائة منهم من النساء والأطفال) الذين يمكنهم الوصول إلى دورات مياه آمنة، أصبحوا مُجبرين للتعامل مع الأمر على نحو تنعدم فيه الخصوصية ويتعرضون فيه للأمراض والإسهال المائي الحاد.

ناجي حسن (46 عاماً) أب لتسعة أولاد يسكن معهم بقرية ريفية نائية بمحافظة إب وسط اليمن، قال لمنصة ريف اليمن إن: ” قريته تفتقر إلى وجود شبكات الصرف الصحي.

مشيراً أن بعض السكان الميسورين يتغلبون على تلك المشكلة عن طريق القيام بحفر مساحة تحت الأرض لكنهم مع ذلك يشكلون خطراً على البيئة فهم يقومون بشفط مياه المجاري إلى الطرقات والأحياء السكنية بشكل شبه مستمر خاصةً خلال هطول الأمطار”.

ودعا حسن المنظمات الدولية المعنية والسلطات الحكومية إلى القيام بدورها، وإنها معاناة المواطنين والسعي وراء عمل شبكات صرف صحي.

وينهي حديثه بالقول “إصلاح شبكات صرف صحي، ليست مكلفة خصوصاً في المناطق الريفية، فهناك مناطق مفتوحة وبعيدة عن السكان يمكن استخدامها في استقبال مياه المجاري”.

طريق دار الجبل.. مبادرة تتحدى الطبيعة في إب

سكان القرية يعملون بشق طريق "دار الجبل" بريف إب وسط اليمن (فيسبوك/ عمران هلال)

أطلق سكان قرية دار الجبل، بمديرية المشنة، جنوب محافظة إب بوسط اليمن، مبادرة مجتمعية لشق طريق للقرية، بهدف التخفيف من معاناة سكانها الذين يستعملون طرقات لا تكفي مساحتها للدراجة النارية، متمنين الوصول إلى أعلاها راجلين دون أن تتقطع أنفاسهم.

ويقول مؤسس المبادرة عمران هلال (33 عامًا): “إن الأهالي يعيشون هنا حياةً تعيسة للغاية، ننقل المرضى على نعش الأموات أو على الأخشاب المسطّحة نزولاً من الجبل، وإذا أتى المخاض امرأة وتعسرت ولادتها، تنتظر إلى الليل اضطرارا، لتُنقل على النعش أو في البطانيات إلى أقرب مركز صحي”.

هذه الأسباب، دفعت السكان لإطلاق مبادرة شق الطريق بأيديهم، بعد أن ضاقت بهم السبل، ويئسو من تدخل السلطات. بحسب هلال.

قصة المبادرة

لاحظ “عمران” نظرات الرعب في عيون أطفاله وأطفال القرية، حينما حملوا جارهم المريض لإسعافه على النعش، بعد جنازة موتٍ بأيام قلائل، استغرب الأطفال بكاء الناس خلف الجنازة السابقة، والهدوء في الجنازة الثانية، فسألوا آباءهم عن الفرق.

ويذكر محمد علي، سبعيني من سكان القرية، أنه حينما كُسرت قدمه، وبسبب النقل غير الآمن للمركز الصحي الأقرب، على بعد 3 كيلومتر، تضاعفت حالته، ومضت السنون وهو يمشي اليوم بقدم غير مستوية.

طريق دار الجبل.. مبادرة تتحدى الطبيعة في إب
ينقل المواطنين في منطقة “دار الجبل” إحتياجاتهم فوق الحمير (عمران هلال)

وتحدثت سعاد (28 عامًا) عن مخاضها العسير أثناء ولادتها، وكيف أجبرتها غيرة رجال العائلة على الانتظار طوال النهار في حالة صحية متدهورة، لتُنقل للمركز الصحي ليلًا إلى المركز الصحي.

جميعهم يؤكد أن الواقع المرّ دفعهم للبدء بحشد الناس من أجل “مبادرة شق طريق دار الجبل، عزلة الحوج العدني”، أسوة بمبادرات مجتمعية سابقة في قرى محافظة إب هي ما ألهمتهم وحفزتهم.

وأشاروا إلى، مبادرة أصدقاء ناصر المجيدي في مديرية العُدين، ومبادرات طريق ذي شراق، وعميد الداخل في مديرية السياني، بالإضافة إلى عشرات المبادرات في المحافظة، خلال السنوات الماضية.

آلية العمل

يشرح مؤسس المبادرة هلال: “تتكون اللجنة المجتمعية من رئيس، ومسؤول مالي، ومسؤول رقابة، ومسؤول عمال، وقسّمنا المشروع إلى أربع مراحل، نحن بصدد ختام المرحلة الأولى التي تشق الطرقات وتسويها وتبني الجدران الحامية للطريق والبيوت في القرية”.

وعن المرحلة الثانية، قال إنها ستتضمّن شق طريق من الجبل إلى ملتقاها مع القرى المجاورة، وتمتدّ نحو ٨٠٠ متر، ويمكن شقّها بمعدات الشق الآلية، ثم المرحلة الثالثة وهي رص الطريق والعقبات الصعبة وبناء الجسور والعبارات الخاصة بمجاري المياه، ثم المرحلة الرابعة بتوصيل الطريق إلى أعالي الجبل حيث بقية السكان.

ووجهت المبادرة طلبا رسميا للمسؤولين بالمديرية بزيارة المنطقة وتقييم احتياجاتها، والاستجابة لها، غير أن ذلك قوبل بإدراج المنطقة ضمن مناطق التخطيط الجديدة، ولكن ضمن المشاريع بعيدة الأمد، بحسب السكان هناك.

وتفيد أم نائف، من سكان المنطقة، بأن النساء يقفن إلى جانب الرجال في سبيل المصلحة العامة، ورغم شظف العيش، يسهمن بتوفير الزاد للعمال بالتداول، موضحة بأن المرأة أشد تضررًا من الرجل في حالات الطوارئ، وحكت بعض الحوادث التي قهرت النساء بسبب عدم توفر الطرقات كحالات الولادة والمرض والحرمان من التعليم.

يفيد المسؤول المالي في المبادرة نايف البربري (28 عامًا) من سكان دار الجبل: “نعتمد في المصروفات اليومية على تعاون الأهالي بواقع ٢٠ ألف ريال على كل مستفيد بصورة مباشرة”.

وأضاف في حديث لمنصة ريف اليمن: “سلم منهم قرابة ٩ أشخاص فقط، بقية السكان في حالة فقر مدقع، فيعملون معنا ثلاثة أيام أسبوعيا بكل جهد ونية صادقة رغم حالتهم المادية الصعبة”.

ويوضح: “أُنفقت أكثر من ٤٨٠ ألف ريال يمني (الدولار 530 ريال) كمصاريف يومية في مدة العمل الماضية، منها قرابة ٥٠ لتر بنزين، ومتطلبات عمل أخرى، وتوفر المبادرة أكياسا من القمح أسبوعيا للعمال المتطوعين لإعالة أسرهم”.

وكشف البربري “أن الديون المستحقة على المشروع لصالح العمال بالمشروع، بلغت أكثر من ٥٠٠ ألف ريال يمني خلال الثلاثة الأسابيع الأولى من العمل”.

دعوة للدعم

“نحتاج الآن إلى لفتة حقيقية من جهة الدولة وفاعلي الخير لإكمال المرحلة الأولى، فما زلنا بحاجة لبناء أكثر من ١٩٨ مترًا من الجدران الساندة للمرحلة الأولى فقط، وهي تكلف قرابة 3 ألف حجر تقريبا”، وفق المسؤول المالي للمبادرة.

ويضيف “يبلغ تكلفة تكسيرها ونقلها وبنائها مليوني ريال على الأقل، بالإضافة إلى أسمنت ورملة للبناء لا تقل عن ٦٠٠ ألف ريال للحفاظ على مسار الطريق من التهدم بفعل الأمطار والخطورة الجبلية وحفاظا على البيوت”.

حسين علي حمود، ثلاثيني متطوع في المبادرة، يقول إنه يضطر لاستئجار منزل باهظ الثمن لقربها من الطريق العام، لأن وظيفته في المدينة ووالدته تحتاج المتابعة الصحية المتكرّرة، والمسافة بينه وبين بيته الذي يملكه لا تزيد عن كيلو متر واحد إذا ما شقت الطريق وتعبدت.يعمل حالياً متطوعا ضمن المبادرة، ويحاول إقناع الأهالي بأهمية المصلحة العامة.

عدد المستفيدين من المرحلة الأولى نحو 500 نسمة من سكان المنطقة. ويشير حمود “أن تجاهل الدولة جعل بعض مُلاك الأراضي يبيعون منافذ الطريق، ويحاصرون فتحاتها المؤدية إلى المنطقة”.

ودعا القائمون على المبادرة الأهالي -على الأقل- إلى ترك الأودية للزراعة والبناء في أعالي الجبال، وطالبوا السلطات بالوفاء بالتزامها في توصيل الخدمات إليهم، من أجل شق الطريق باستخدام المعاول ومكائن التكسير.

وبالاعتماد على مساهمات الأهالي وعملهم، مع التأكيد بأن المنطقة سياحية بامتياز، وسترفد الاقتصاد الوطني بالملايين، إذا ما اهتمت الدولة بها، وعبدت الطرقات، وبنت المتنزهات فيها.

جهود مجتمعة

وشقت المبادرة حتى زمن نشر التقرير -بحسب القائمين عليها- قرابة ٦٠٠ متر، في الصخور والجبال الوعرة لحماية المنازل، وشرعت في تكسير الأحجار لبناء الجدران الساندة، وتوسعة الطريق والطريق لتكون الطريق بعرض ٤ متر تقريبا.

وقال رئيس المبادرة عمران هلال “حتى الآن لم نحصل على دعم من أي فاعل خير، أو من السلطة المحلية ولو بالإشراف والمعدات، على الرغم من كثرة الوعود، ونعتمد على التبرعات الذاتية من أبناء المنطقة”.

من جانبه، أشار مساعد مدير عام مديرية المشنة جميل الصُهباني، أن المديرية تلقت دعوة من الأهالي للزيارة والدعم، وقال: “نعمل على تنفيذ المشروع ودعمه بشكل أفضل، لكن السلطة المحلية تعاني انعدام الصلاحيات لتنفيذ المشاريع المحلية، والتعامل المركزي في تنفيذ المشاريع وتحديد الاحتياجات”.

وأكد لمنصة ريف اليمن أنه “تم إقرار مشروع شق الطريق ضمن خطة 2024-2026 وإعطائه الأولوية في التنفيذ، وهذا ما يستطيعون تقديمه” لافتا “أن المبادرة تستحقّ الدعم والإسناد، وإنجازاتها كبيرة مقارنةً بإمكانياتها”.

وقال الصهباني: “لو كان لدينا الاعتمادات، لقمنا بهذا المشروع المهم والحيوي فورًا، وفقًا لقانون السلطة المحلية، والموازنة العامة للمديرية”.

بائعات اللحوح.. صائمات يكافحن الفقر

بائعات اللحوح.. صائمات يكافحن الفقر
بائعات اللحوح في مدينة صنعاء القديمة

مسك اللحجي (29 عاما) تعمل في بيع اللحوح في سوق مدينة الحوطة بمحافظة لحج، وهذا مصدر دخلها الوحيد، منذ 10 سنوات، في ظل الأوضاع المعيشية التي تعاني منها اليمن بسبب الحرب.

تبدأ مسك يومياتها في رمضان قبل الظهيرة بتحضير اللحوح، وذلك بخلط كمية من دقيق الذرة البيضاء والذرة الرفيعة والخميرة بالماء، وتترك الخليط لمدة ساعة، ثم تبدأ بعد ذلك عملية تجهيزه، ثم تنقله مع الثالثة عصرا إلى سوق المدينة لعرضه للبيع.

واللحوح نوع من الخبز الرقيق يستخدم بإعداد وجبة الشفوت (فتّة خبز باللبن الرايب)، ومن الوجبات الرئيسية في المائدة الرمضانية اليمنية، ولا يتوفر هذا النوع من الخبز في المخابز العامة ويُعد منزليا بأيادي النساء.

تقول مسك لمنصة ريف اليمن، “أعمل بهذه المهنة من 10 سنوات، وابيع في اليوم الواحد بما يعادل من 12-13 ألف ريال يمني (الدولار 1600 ريال يمني)، وهذا يمكّني من توفير المتطلبات اليومية التي أحتاجها لتحضير اللحوح”.

تضيف: “ليس كل ما يُوّرد للسوق يُباع، فهناك كمية في بعض الأحيان تُعاد”، لكن مسك تشعر برضى تام، فهي تؤمن أن ما قُسم لها من رزق ستأخذه من دون نقصان.

بائعات اللحوح

وتشير منظمة العمل الدولية في إحصاء لها إلى انخفاض عمالة النساء في اليمن، عمّا كانت عليه قبل الحرب بنسبة 28% بالإضافة إلى خسارة 293 ألف امرأة يعملن في مجال الزراعة وتربية الحيوانات ومنتجات الألبان لعملهن.

ويبيّن مسح للمنظمة الدولية أن نسبة العاملات من أصل جميع اليمنيات في سن العمل 4,5% فقط، فيما أظهر المسح أن معدل بطالة المرأة 26%، وهو رقم يفوق معدل بطالة الرجل 12%.

علياء محمد (55 عاما) أيضا دفعتها الظروف المعيشية والاقتصادية نحو الاتجاه لبيع اللحوح، وتعد من أقدم بائعات اللحوح في الحوطة بمحافظة لحج.

وتذكر علياء لمنصة “ريف اليمن”، أن عدم وجود عائل لها، غير منحة مالية فصلية بمبلغ زهيد تستلمها من صندوق الرعاية الاجتماعية، دفعها للعمل، وتعاني من أمراض السكر والضغط، لكنها تسعى جاهدة للبحث عن لقمة العيش.

وتضيف: “حُرمت من معونات برنامج الغذاء العالمي من الإغاثة بسبب شروط الاستيعاب، واعتمد كليّا على ما أبيعه من اللحوح أو الكَدِر من اجل توفير المتطلبات وتوفير قيمة أدوية الضغط والسكر”.

تحضير شاق

تصف علياء التحضير بالعمل الشاق، مقارنة بعمرها، فهي تعتمد على الحطب الذي تقوم بشرائه من بعض البائعين في ضواحي مدينة الحوطة، وتبدأ تحضير ما تبيعه من كدر ولحوح مع وقت الظهيرة، ويتولى أحد شباب الحي مساعدتها في نقل الطعام إلى السوق.

تمكث “عليا” ساعتين ونصف، لتبيع حبة اللحوح بمائتين ريال، وتختلف ما تبيعه يوميا بين 50 إلى 80 حبة، وأحيانا تبيعه كاملا، وما يبقى تعطيه لمن يقوم بتمويلها بالحطب لأغنامه مقايضة  مقابل عدم دفع قيمة الحطب.

لكن ما يشغل مسك وعلياء هو عدم الاستقرار في الأسعار، سواء في المواد الأساسية مثل الدقيق والذرة، أو في مادة الغاز الذي يستهلك ما يكسبنه في عملية البيع، ولذا يضطررن أحيانا للدين.

يقول محمد عبد الله وهو أحد ملاك المحال التجارية في مدينة الحوطة: “إن للكدر واللحوح اللحجي مذاقه المتميز حيث تستخدم في وجبات الإفطار الذي يستخدم فيه الشفوت، ويوجد في كل المائد اليمنية”.

يضيف محمد، “يحرص الناس على الشراء من النساء اللاتي يبعن اللحوح أو الكدر، ويمثل ذلك لهن مصدر العيش في الظروف المعيشية الصعبة التي يعانيها، لذلك الشراء منهن تشجيعا لهن في الاعتماد على ذاتهن في توفير لقمة العيش”.

مثل مسك وعلياء، توجد المئات من بائعات اللحوح في مختلف الأسواق اليمنية، ويقمن يوميا ببيع الوجبة المفضلة لدى اليمنيين، لا سيما في رمضان، بهدف إعالة أسرهن، وتوفير متطلبات الحياة، في بلد فرضت الحرب على المرأة دورا أساسيا في تحمل المسؤولية لمواجهة الأوضاع.

كلية المجتمع بريف تعز تفتح الآفاق أمام الطلاب

كلية المجتمع بريف تعز تفتح الآفاق أمام الطلاب
حفل تخرج طلاب وطالبات بساحة كلية المجتمع بشرعب، مارس 2023 (فيسبوك/ عبدالله البرازيلي)

تمكّن المئات من طلاب وطالبات منطقة شَرْعب بمحافظة تعز من مواصلة تعليمهم الجامعي، عقب إنشاء “كلية المجتمع” عام 2013، ودراسة تخصّصات مهنية وطبية، مكنتهم من الحصول على فرص للعمل، وتخفيف معاناتهم.

وأنشئت كلية المجتمع بمنطقة شَرْعب السلام الواقعة في ريف تعز الغربي، بقرار جمهوري عام 2011، وافتُتحت عام 2013. وقد بدأت الكلية أولى دفعاتها بعدد 187 طالبا وطالبة، في أربعة تخصصات هي: الإدارة والتمريض والتسويق والشبكات، في بادرة شكّلت علامة فارقة على مستوى التعليم في المنطقة.

عبير محمد، التي كانت تحلم بالدارسة الجامعية، تمكنت بفضل وجود الكلية من تحقيق حلمها ومواصلة تعليمها، وتخرجت من قسم التمريض عام 2017، على غرار كثير من الطلاب الذين تمكّنوا من مواصلة تعليمهم في الكلية والحصول على فرص عمل.

وفور تخرجها من قسم التمريض، تمكّنت عبير من الحصول على فرصة عمل بإحدى المستشفيات الريفية بالمديرية، وذلك مكّنها من مساعدة زوجها بتحمل تكاليف نفقات المنزل وتجاوز التحديات المعيشية، وهي تشعر بامتنان كبير لدور كلية المجتمع.

تقول عبير: “لولا كلية المجتمع، لحُرمت وكثير من الطالبات من مواصلة الدراسة بعد تخرجنا من الثانوية، نتيجة لعدة عوامل يأتي في مقدمتها التكاليف الباهظة للدراسة بالمدن”.

وتضيف لمنصة ريف اليمن: “عند التحاقي بالكلية كنت أمّا لطفلتين، وكان لدي مسؤوليات كثيرة تجاه أسرتي، وعلى الرغم من تشجيع زوجي لمواصلة تعلمي الجامعي، كان الانتقال إلى المدينة يكلف مبالغ مالية كبيرة، لكن وجود الكلية وفّرت علينا كل ذلك”.

منع تعليم الفتيات

بالإضافة إلى العامل الاقتصادي، تشير عبير إلى وجود عوامل أخرى تعاني منها الفتيات، وهو اكتفاء بعض الأسر  بالمديرية بتعليم الفتيات إلى مرحلة الثانوية فقط، واعتبار التعليم الجامعي غير مهم لهن، والأولوية للزواج والقيام بالواجبات المنزلية، لكن وجود الكلية في المنطقة غيّر هذه النظرة وحفز أولياء الأمور للسماح لهن بمواصلة التعليم.

وشهدت الكلية إقبالا كبيرا، بحسب مدير الكنترول بالكلية، نبيل حمود، الذي أوضح أنه منذ افتتاح الكلية حتى العام 2023، استُقبل ما يقارب 3,090 طالبًا وطالبة، منهم 1908 طالبات أي ما نسبته 60%.

كلية المجتمع بريف تعز تفتح الآفاق أمام الطلاب
فتيات متخرجات من كلية المجتمع في شرعب السلام بتعز 2023 (فيسبوك/ عبدالله البرازيلي)

وعن التخصصات في الكلية أجاب حمود: “المحاسبة، الحاسوب، التسويق، التمريض، الإدارة، نظم المعلومات، تقنية المعلومات، القبالة، مساعد طبيب، وفني عمليات، لكن بعض تلك الأقسام تُفتتح لدُفع محدودة، وليس بشكل مستمر بسبب شحة الإمكانات”.

وأضاف نبيل لمنصة ريف اليمن: “إذا فتحنا هذا العام، على سبيل المثال، باب التقدم لتخصص فني عمليات، فقد نغلقه العام القادم، ونفتح مساعد طبيب، لأن الهدف هو تنويع الخريجين وليس تراكم عدد كبير في تخصص معين بالمديرية”.

مشيرا إلى أن هذه الآلية تضع بالاعتبار مساعدة الطلاب بعد تخرجهم وحصولهم  على شهادة دبلوم عالي تقني، على القبول بالوظائف التي تخدم المجتمع.

موضحا أنهم فتحوا هذا العام باب التسجيل في كل من التخصصات الآتية: فني قبالة، فني مساعد طبيب، فني صيدلة، فني مختبرات، محاسبة، ويضيف: “وكنا في صدد فتح باب التسجيل في قسم الحاسوب، لكنه لم يستوف العدد المطلوب من المتقدمين هذا العام”.

تعز وتداعيات الحرب

عن تداعيات الحرب، قال عميد كلية المجتمع الدكتور أحمد الحيدري: “إن الحرب انعكست سلباً على الكلية، وكان لها تأثيرات أبرزها: الميزانية التشغيلية التي لم تكن كافية بالشكل المطلوب لتجويد العملية التعليمية والارتقاء بها؛ إذ توقفت تماما بعد الحرب”.

وأضاف قائلا: “إن ظروف الحرب حالت بين وصول كثير من الكادر التدريسي الذي كان يعمل في الكلية، فلجأت العمادة إلى التعاقد مع حاملي الشهادات والخبرات من أهالي المديرية، ويمثل حملة شهادة الدكتورة ما نسبته 20% فقط، فيما 80% هم من المعيدين”.

يضيف الحيدري: “نعتمد حاليا على نفقات رسوم التسجيل التي يدفعها الطلاب، وبسبب الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها الناس، ولذا يصعب علينا تجميع ما نسبته نصف الرسوم مؤخرا، وهي لا تفي حتى لو دُفعت مكتملة، لذا نكتفي على صرف النفقات الضرورية والماسة لاستمرار العملية التعليمية”.

وأكد عدم توفر الدعم المالي من قبل الأطراف المختلفة، سواء في صنعاء، أم عدن، وما نحصل عليه لا يكاد يمثل 5% من النفقات التشغيلية، لافتا إلى أن 30 موظفا وعاملا في الكلية ما زالوا متعاقدين ولم يُثبّتوا حتى الآن.

يتطلع الحيدري إلى صرف منحة الصندوق الكويتي التي تعرقلت بسبب أحداث 2011 وما تبعها من ظروف، والتي كانت تشمل تقديم 60 مليون دولار أمريكي لـ12 كلية من كليات المجتمع في الجمهورية اليمنية، من ضمنها هذه الكلية، وتغطي نفقات تجهيز تلك الكليات بالأثاث والمعامل الدراسية وغيرها.

وقال الحيدري إنهم حاليا على تواصل مع السلطات في عدن، لكي تحصل كلية المجتمع في شرعب على حقها، لافتاً إلى أن أملهم كبير في تعاطيهم الإيجابي.

ويختم: “نطمح أن يكون هناك دعم كاف يمكننا من تطوير البنية التحتية وتجهيز المعامل، مما يساعد في افتتاح أقسام جديدة واستيعاب أعداد كبيرة من الطلبة، ويمكن من افتتاح برنامج البكالوريوس التقني، فلدينا البنية التحتية من مبان ومرفقات، ولا ينقصنا سوى الدعم اللازم والرعاية الحكومية الفاعلة”.

الكراث.. رفيق المائدة الرمضانية في اليمن

الكراث.. رفيق المائدة الرمضانية في اليمن
أكوام من الكراث بجوار بائع في صنعاء، مارس 2023 (فيسبوك/ أكرم تاج الدين)

تحرص السيدة أماني القادري على شراء الخضروات الورقية لا سيما “الكراث” يوميا طوال أيام شهر رمضان المبارك، فهي من الأشياء الأساسية ضمن مائدة الإفطار الرمضانية في منزلها الكائن بريف محافظة إب وسط اليمن.

والكراث نبات عشبي من الفصيلة الثومية، ويحتوي على عناصر غذائية مفيدة للجسم، ويحرص كثير من المواطنين في المناطق الريفية بمحافظة إب على شراء الخضروات الورقية مثل: الكراث والبقل والجرجير والخس، ويزداد ذلك في شهر رمضان بشكل ملحوظ.

ويُباع الكراث بشكل يومي، ويتطلب كثيرا من العناية المستمرة، وهو مصدر دخل مهم لكثير من المزارعين؛ لأنه يُعتبر جزءا من المائدة في الريف والحضر.

بحسب إحصائيات وزارة الزراعة والري اليمنية، بلغت مساحة الأراضي المزروعة بالخضروات الورقية في اليمن نحو 40 ألف هكتار عام 2019، في حين تُقدر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن مساحة الأراضي المزروعة بالخضروات في اليمن بشكل عام تجاوزت 200 ألف هكتار عام 2020 وفقا لآخر التقديرات.

الكراث رفيق المائدة

في حديثها لمنصة ريف اليمن، تؤكد أماني القادري أن سر حرصها على شراء الكراث برمضان، يعود إلى مذاقه الفاتح للشهية، بالإضافة إلى الفوائد الصحية المتعددة التي تمد الجسم بكميات من مادة “الأينولين” التي تعزّز عملية الهضم وتساعد على تهدئة المشاكل المعوية مثل الانتفاخ والغازات، وتزويدها الجسم بالدم.

وتضيف أن من الأسباب الأخرى في إقبال عائلتها على شراء الخضروات الورقية -الأسعار المناسبة، فهي تتناسب مع محدودي الدخل؛ لأنها منتجات محلية متوفرة في السوق بسهولة وبشكل مستمر.

أم شهاب (50 عاماً) ربة أسرة بريف إب، أيضا تحرص على شراء الكراث بشكل يومي في رمضان وتقول لمنصة ريف اليمن: “منذ أكثر من 30 عامًا، لم تمر علينا وجبة إفطار في رمضان أو غداء من دون الخضروات الورقية، ولم أفكر الاستغناء عنها يوم. إنها تشكل مفتاح شهيتنا للأكل مع عائلتي، لدرجة أننا نتبادلها يوميًا مع جيراننا لما تشكل من أهمية لدينا يُصعب الاستغناء عنها”.

في حين تحرص أم شهاب على شراء الكراث، تقول أم لؤي وهي تعمل في زراعة الكراث بريف محافظة إب: “تتطلب زراعة الخضروات المتنوعة: كراث، وكزبرة، وبقل، وجرجير، وخس، اهتماما يوميا ومتابعة مستمرة، منذ بذر البذور حتى وقت الحصاد”.

الكراث.. رفيق المائدة الرمضانية في اليمن
ازدحام يمنيون لشراء الكراث وأنواع أخرى من مزارع بصنعاء، مارس 2023 (فيسبوك/ أكرم تاج الدين)

وعن كيفية زراعتها تقول أم لؤي لمنصة ريف اليمن: “الحصاد الواحد بعد غرس البذور يتطلب الانتظار ثلاثة أشهر، ويتم فيها عملية السقي والرعاية، ثم نحصد الحصاد الأول، وبإمكاننا بعده الحصاد كل نصف شهر”.

وتلفت إلى أن أسعارها رمزية جدًا، مقارنة ببقية الخضروات، وهذا سبب رواجها، مشيرةً بأنها وعائلتها يحرصون على نظافتها وبيعها طازجة وتقديمها للمستهلك بشكل مميز يفتح شهيته لشرائها.

فوائد صحية

ويقول الطبيب جهاد قائد: “الخضروات الورقية، إذا زُرعت وحصدت بشكل صحي، تعزز صحة العيون، وتعالج فقر الدم، ومفيدة لصحة الحامل والجنين، وتعزز صحة العظام، إضافة لدورها الكبير في مقاومة السرطانات، وتحسينها للبشرة وللشعر، وفائدتها لكل من الجهاز الدوري والهضمي والعصبي لا تحصى”.

من جانبها تؤكد أخصائية التغذية رقية الخياط: “الخضرة بما تحوي من الكراث، البقل، الخس، والجرجير غيرها -تملك قوة فاعلة في تعزيز صحة العظام والقلب والدماغ، لأنها غنية بالماغنسيوم والفولات والفيتامينات، وإن لديها إمكانية في تقليل ضغط الدم وتقليل نسبة الكولسترول وتعزيز جهاز المناعة”.

وتضيف الخياط لمنصة ريف اليمن: “هذه الخضروات تساعد على فقدان الوزن؛ لأنها قليلة السعرات الحرارية، وغنية بالألياف لذلك تساعد على الشعور بالشبع وتقليل الشهية”.

يتمسك محمد علي (60 عاما) بمهنة زراعة الكراث التي ورثها عن أجداده، على الرغم من أنه يواجه رفضا ومقتا من بعض أفراد المجتمع، لكنه يقول: “لا أهتم، ولا تعنيني نظرة المجتمع، وزراعة الكراث من وجهة نظري مثل زراعة أي خضروات أخرى، ولها سوقها ومحبوها، وإلا لما أقامت لي بيتي ووفرت متطلباته”.

ويستغرب محمد من النظرة المجتمعية التي تمتهن العاملين في بيع الكراث، قائلاً: “أرجو أن تشرحوا للناس أن زراعة الكراث مهنة شريفة تفيدهم لا تضرهم، مع أنهم يعلمون ذلك جيدّا، وللأسف لا يزالون متمسكين بالأفكار القديمة”.

أما عن التحديات التي يواجهها فيقول: “اكتساح شجرة القات على مساحات واسعة، وأخذها النصيب الأكبر من مياه الآبار، وارتفاع أسعار المياه التجارية في فصل الشتاء، وضعف الاهتمام الرسمي بهذا النوع من المزروعات المحلية، كلها تحديات تواجهنا في زراعتها وتسويقها والعناية الواعية بها”.

وفي هذا السياق، يقول نائب مدير مكتب الزراعة بمحافظة إب يحيى إدريس: “إن زراعة الكراث انخفضت بشكل ملحوظ بسبب انتشار زراعة الطماطم مؤخرًا مع انتشار المحميات الزراعية”.

طرق تقليدية

وعن دور مكتب الزراعة في دعم المزارعين الذين يعملون في زراعة الكراث، يؤكد إدريس أنهم لا يوفرون بمكتب الزراعة أي نوع من الإمدادات بالأسمدة أو المبيدات لافتاً إلى أن العاملين بهذا المجال يكتفون بالطريقة التقليدية لاستخدام الأسمدة الطبيعية والبلدية، ويؤكد أنها أفضل بكثير من استخدام المبيدات والأسمدة الكيميائية.

ويلفت إلى أن مكتب الزراعة يقدم دورا ملموسا في الحد من استخدام مياه الصرف الصحي في عملية السقي من قبل المزارعين بشكل عام، حيث بنيت خزانات مياه ببعض المناطق الريفية مثل وادي ميتم ووادي نخلان ووادي بنا. مشيرا أن مكتب الزراعة نفذ حملات توعية للمزارعين بخطورة السقي بمياه الصرف الصحي في كثير من المناطق الريفية.

وعن استخدام مياه الصرف الصحي، يذكر الطبيب جهاد قائد أن ذلك يضر المستهلكين، بسبب امتصاص الخضرة لهذه المياه، لا سيما الخضروات التي تنمو تحت التراب، ومعها تتفاقم المشكلة أكثر، إضافةً إلى الأضرار التي تصيب المزارع الذي يقوم باستخدام تلك المياه، حيث يقوم بملامستها، والإصابة بالأمراض ونقلها إلى أهل بيته.

الحديدة: مبادرة تغير حياة المزارعين في الخوخة

الحديدة: مبادرة تغير حياة المزارعين في الخوخة
جانب من مزرعة "أحمد أمين" وعدد من الأسر مساحتها نحو 20 فداناً في الخوخة غربي اليمن (منصة ريف اليمن)

بعد سنوات من التوقف، نجح المواطن أحمد أمين (28 عاماً) من استعادة النشاط الزراعي لأراضي آبائه وأجداده، عبر مبادرة تمكن من خلالها تشغيل بئر مياه عن طريق الطاقة الشمسية، وزراعة مساحات شاسعة في وادي ظمي بمنطقة الخوخة بمحافظة الحديدة غربي اليمن.

يقول أحمد أمين، وهو متزوج وأب لطفلة تبلغ من العمر عامين، إنه عاش منذ طفولته على وقع مشكلة ارتفاع أسعار الوقود وأبرزها مادة الديزل، مشيراً إلى أن تلك المشكلة كادت أن تقضي على النشاط الزراعي بشكل كامل، مما جعله يفكر بالبديل منذ سنوات.

وبحسب أمين، اقتصر النشاط بالوادي على زراعة الذرة الحمراء فقط، وبشكل محدود، حتى بات عائدها المادي يكاد لا يكفي لإعالة أسرة واحدة، في وقت حُرمت فيه عشرات الأسر التي تعيش منذ عقود على خيرات الزراعة، الأمر الذي أجبر كثيرا من الناس على مغادرة المنطقة والبحث عن وسائل أخرى للعيش.

ويضيف أمين أن المزرعة التي يمتلكها جدّه تقدر بـ 20 فدانا، تعيش فيها أكثر من 15 أسرة من أهله، بالإضافة إلى كثير من الأسر بالمناطق المجاورة للمزرعة الذين كانوا يعملون فيها.

ويقول أمين في حديثه لمنصة ريف اليمن: “عقب اندلاع الحرب كان الناس في القرية قد عزفوا عن ممارسة الزراعة تماما بسبب غلاء الديزل وصعوبة التنقل إلى مدينتي حيس والخوخة، وكانتا مصدرا لشراء الغذاء والاحتياجات الأساسية، حينها بدأت الفكرة التي راودتني منذ طفولتي لإنقاذ أسرتي وسكان قريتي والقرى القريبة منا”.

الحديدة الخوخة
جانب من مزراع تهامة غربي اليمن

مبادرة تصنع نقطة تحول

في أواخر عام 2022، استغل الشاب أمين أول فرصة أتاحتها إحدى المنظمات الخيرية بتقديم قروض لتمويل المشاريع الزراعية، وتمكن من تحقيق حلمه بتركيب منظومة الطاقة الشمسية مقابل أكثر من خمسين ألف سعودي، ودفع ثمنها على أقساط ليمثل المشروع نقطة التحول الكبرى في حياة أهل القرية والمئات من سكان القرى في الجوار.

ويقول: “المنظومة الشمسية وفرت لنا الماء من الآبار لري الأرض وزراعتها وكانت بأقساط شهرية أدفعها بمفردي، وشاركني الأهل وأبناء المنطقة بالعمل في الأرض والزراعة، وقد واجهتني كثير من الصعوبات مثل عدم توفر الآلات الزراعية الحديثة”.

يقول صبري المشولي (60 عاما) وهو أحد المستفيدين من المزرعة: “صرنا نأكل من الحبوب التي تنتجها أراضينا؛ إذ وفر لنا مشروع الطاقة الشمسية فرصة أخرى للعيش بعدما كانت حياتنا أشبه بحياة المجاعة نتيجة إغلاق الطرقات وصعوبة الوصول إلى المدن ولندرة العمل في البحر؛ إذ كنت أعمل في الصيد.

وقد تمكن المشولي بالاعتماد على منظومة الطاقة الشمسية من التوسع في مساحة الأراضي المزروعة وتنويع زراعة المحاصيل مثل الحبوب والفواكه والخضار”.

أما عباس الزريعي (70 عاما)، وهو أحد العمال في المزرعة، فيقول: “أتى المشروع في الوقت المناسب، وكان بمنزلة الإنقاذ الفعلي لحياة كثير من المزارعين في المنطقة وإنقاذ حياة أطفالهم ومواشيهم”.

ويضيف: “عاد العشرات، ممن سبق أن غادروا، إلى المنطقة مجددا بعد توفر وسيلة أفضل للعيش الكريم، كما عاد كثير من الناس لاقتناء الأبقار والماعز، وكان ذلك إنعاش للقرى المتناثرة على ضفتي وادي ظمي”.

طموحات مستمرة

تمكن أحمد أمين من تنويع المحاصيل بزراعة محاصيل زراعية لم تكن متوفرة من قبل، وصار يزرع الخضروات المتنوعة مثل: البسباس، والبصل، والحَبحَب، وغيرها، وهو يطمح إلى توسيع مشروعه الزراعي بإدخال طرق جديدة وحديثة.

يقول أمين: “الآن وبعد إكمال مبلغ التقسيط للطاقة الشمسية مع نهاية عام 2023، بدأت عمليا إجراءات إدخال شبكة الري الحديث بالتقطير والاستغناء تماما عن وسيلة السقي بالغمر، وهو ما سيحدث نقلة نوعية في الزراعة، وسينعكس إيجابا على وضع ومعيشة الناس في المنطقة”.

وجّه أمين رسالة للشباب بضرورة التمسك بأحلامهم والعمل على تحقيقها والنظر لقراهم وأراضي أجدادهم وآبائهم وإقامة المشاريع فيها، فالأرض موعودة بالحياة إن عمل فيها الإنسان، ويؤكد أنه سيعمل جاهدا لتوسيع مشروعه وتطويره مع الأيام.

المهندس الزراعي عبد الكريم عكيش علّق على التجربة قائلا: “إن الشاب أمين حقق نجاحات كبيرة، أعاد الحياة للأرض، ومعه للعشرات من المزارعين، مشيرا إلى أن الانتقال إلى الري بالتقطير بتركيب شبكة الري الحديث سيكون هو النجاح الأكبر للمشروع”.

وذكر أن الشاب يقدم المزيد من النجاحات الملهمة التي انعكست بشكل إيجابي على حياة المئات من المزارعين في المنطقة، ومبادرته مميزة لمس خيرها الكثير ويجب المساهمة في تقديم الدعم لها.

أبين.. الحياة تعود لأراضي بعد سنوات من التوقف

أبين.. الحياة تعود لأراضي بعد سنوات من التوقف
سنبلة من مزرعة البحوث الزراعية في أبين جنوب اليمن 26 نوفمبر 2023 (فيسبوك/ عبد القادر السميطي)

بعد توقّفٍ استمرّ أكثر من ثماني سنوات بسبب الحرب وتداعياتها، عاد المواطن مقبل جابر (35 عاما) للعمل في النشاط الزراعي، بمنطقة دلتا بمحافظة أبين جنوب اليمن، ومعه عاد المئات من المزارعين لاستغلال أراضيهم، وتأمين الغذاء لأسرهم.

وبسبب الحرب، توقّف النشاط الزراعي في المنطقة ذات المساحة الزراعية التي تقدر بـ85 ألف فدان، وأُجبر مئات المزارعين للعمل في مهن مختلفة وبعضها شاقّ، بعد أن كانوا يزرعون كثيرا من المحاصيل أبرزها: الحبوب، والخضار، والبصل، والبطيخ، وغيرها.

يقول جابر لـ”منصة ريف اليمن” : “أثقلت سنوات الحرب كواهلنا، وعشنا أتعس أيام حياتنا، نشعر بالأسى ونحن ننظر إلى أراضينا وهي خالية، وفي الوقت نفسه نحن عاجزون عن العودة إلى حراثتها بسبب القتال، رغم أنها السبيل الوحيد لتأمين لقمة عيش أطفالنا”.

ويضيف وهو يفتتح أول أيامه بالمزرعة التي تعج بالنشاط قائلا: “تعود بك الزراعة إلى تاريخ الأجداد، وهم يبذلون أوقاتهم في مزارعهم، لأجل يوم تقطف فيه ثمار زاكية من جهدك، وتتجمع الأهالي من أقطار مختلفة إلى ملاذ الأرض، حيث الخير والبركة”، على حد وصفه.

ويبدأ المزارعون الموسم في دلتا أبين من نهاية يوليو، وحتى نهاية ديسمبر، بعدد من الأهازيج الشعبية المتنوعة، والمهاجل الريفية الجميلة، ويستمرون في بذل الجهود لمدة ثلاثة أشهر، حتى يحين وقت الحصاد، الذي يكون ثمرة جهد طال انتظاره.

أبين.. الحياة تعود لأراضي بعد سنوات من التوقف
جزء من المحاصيل الزراعية في منطقة دلتا أبين الزراعية جنوب اليمن (منصة ريف اليمن)

مرحلة فارقة في أبين

المزارع ناصر الخليفي (50 عاما) أيضا يشعر بالسعادة والفرح لعودته إلى العمل بالمزرعة، بعد سنوات من شظف العيش والعوز والصراع المرير مع لقمة العيش التي كانت بعيدة المنال، نتيجة فقدان مصدر دخله المتمثل بالزراعة.

يقول الخليفي في حديثه لمنصة ريف اليمن: “هذه مرحلة فارقة. زرعتُ العام الماضي أكثر من 10 فدانات من المساحة الزراعة التي أمتلكها كمرحلة أولى، إلى أن تتوفر الإمكانيات، وحينها سأقوم بزراعة جميع الأراضي”.

وعن عمله أثناء توقف الزراعة، قال الخليفي: “لم يكن من حيلة أمامي إلا اللجوء للعمل بالأجرة، وهو عمل مرهق لرجل كبير في السن، خاض مسيرة كفاح هي الأصعب، حتى أشرقت بارقة أمل بعودة النشاط الزراعي، فأعادت له روح الحياة”.

ويقول الخبير الزراعي عبد القادر السميطي: “إن استعادة الزراعة لنشاطها في أبين انتشلت المئات من المزارعين الذين كانوا يرزحون تحت وطأة الفاقة والعوز، بعد أن اجتاحت المعارك العسكرية المدينة، وحوّلت الأراضي إلى ساحة حرب مشتعلة، انعكست سلباً على مختلف مجالات الحياة”.

تداعيات الحرب

استعرض السميطي في حديثه لمنصة ريف اليمن، ما تعرض له القطاع الزراعي بالمحافظة في الحرب، منها نهب مراكز الأبحاث الزراعية، وتدمير جهة الإرشاد الزراعي التي كان لها دور فعال في توعية المزارعين وإرشادهم في طرق المحافظة على المحصول ومحاربة الآفات واستمرارية العمل الزراعي.

ويضيف: “كذلك تعرّض مشروع تطوير المساحة الزراعية في أبين للعبث، ونُهبت معداته، وقد كانت ستسهم في تمديد المساحة المزروعة، وقلع النبات والأشجار غير المفيدة، لافتاً إلى أن آلة النهب والتمزيق تعمّدت إتلاف كمية كبيرة من البذور والأصول الوراثية، الأمر الذي أدى إلى انتكاسة كبيرة للمزارعين الذين عزفوا كلياً عن ممارسة نشاطهم الزراعي خوفاً من تعرضهم للخسارة”.

أبين.. الحياة تعود لأراضي بعد سنوات من التوقف
الخبير الزراعي “السمطي” أثناء المشاركة بعملية حصاد القمح فب محافظة أبين جنوب اليمن

وخلال هذا الموسم، رافق عودة المزارعين دخول آلة حديثة، وهي “الغربال الأوتماتيكي” الذي يعمل بالطاقة الشمسية ويصفي جميع أنواع الحبوب، من بينها الذرة الرفيعة، والذرة الشامية والدخن، والقمح، والكنب، والسمسم، والفول السوداني.

والغربال مزوّد بفرن يعمل بالغاز المنزلي، ويقوم بتحميص الفول السوداني، وحبوب البن وفقا لمعايير متعارف عليها عند المحمّصين، كما يحافظ على البذور المحلية، ويسهم في تحقيق الأمن الغذائي ويحقّق سبل العيش ببيع وشراء المنتجات الزراعية وحفظها وبيعها للمزارعين.

وقال مالك الآلة المزارع غالب بن فليس: “إن الآلة ستسهم في تسهيل إنتاج محصول الحبوب، بعد أن كان المزارع يبذل جهدا مضاعفا في استخراجها وجني المحصول السنوي، بما في ذلك الحفاظ على الحبوب من التلوث وغيرها”.

وأضاف غالب لمنصة ريف اليمن: “كانت مسألة إدخال آلة حديثة للمزارعين مسألة مهمّة للتخفيف عن المزارعين، ولتسهيل بيع وشراء المنتجات الزراعية وجميع المحاصيل، بعملية سريعة بعيدة عن التعقيدات الحاصلة، لا سيما بعد عودة الزراعة للمنطقة”.

تكاليف كبيرة

ورغم عودتهم للزراعة، يشكو كثير من المزارعين من ارتفاع غير مسبوق لأسعار الأسمدة والمبيدات المكافحة للآفات التي تغزو محاصيلهم، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، وارتفاع أجور الحراثة التي وصلت إلى نحو 30 ألف ريال للساعة الواحدة.

ويقول المزارع جابر: “إن تلك التكاليف الكبيرة تثقل كاهل المزارعين، الذين يكابدون ويلات العمل تحت أشعة الشمس الحارقة، ومعها تصبح فوائدهم غير مجدية”، ويدعو الجهات ذات العلاقة إلى النظر في تلك المعاناة، والعمل على تخفيفها، من أجل استمرار القطاع الزراعي في العمل.

ويؤكد الخبير الزراعي السميطي أن تلك الصعوبات ذات تأثير كبير على قيمة المحصول، وتراجع تداوله في السوق المحلّي، لا سيما مع وجود الحبوب الخارجي الذي طغى على الأسواق المحلية، وتراجع تداول الحبوب المحلية مما يكبّد المزارعين خسائر فادحة، مشدّدا على ضرورة الاهتمام بالقطاع الزراعي ودعم المزارعين.

مدينة شهارة.. ماضٍ مزدهر وحاضر مهمل

مدينة شهارة.. ماضٍ مزدهر وحاضر مهمل

شهارة، مدينة يمنية عريقة، تقع شمال العاصمة صنعاء، على ارتفاع يبلغ نحو ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر، وهي إحدى المدن اليمنية المعلقة في سلسلة من الجبال الوعرة.

تتميز شهارة  (إحدى مديريات محافظة عمران)، بوجود تصميمات معمارية فريدة، وكانت تعد إحدى أهم وجهات السياح الذين يصلون اليمن، إلا أنها تواجه كغيرها من المناطق الأثرية اليمنية، تحديات جمة، وتتعرض المعالم الأثرية فيها للإهمال الكبير، مع غياب تام لدور السلطات المعنية.

تواجه المدينة التاريخية مخاطر وتحديات جمة بسبب الإهمال، حيث تعرضت بعض المعالم الثقافية والسياحية خصوصاً القصور التراثية للتدمير وأخرى لأضرار كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية، دون أي تدخل مما يساهم في توسع دائرة الانهيار لما تبقى من آثار للمدينة.

يقول مدير مكتب الثقافة والسياحة بمديرية شهارة علي هراوة إن “الأماكن والمعالم الأثرية بمدينة شهارة تعاني من الإهمال، ولم تلقَ المعالجة والترميم اللازمين، كما هو حال جسر شهارة وحصن الناصرة ودار سعدان وبواباتها القديمة”.

وأضاف هرواة لـ “منصة ريف اليمن”، :”هناك بيوت معرضه للانهيار في الوقت الحالي مثل: بيت إسماعيل معرض للانهيار التام على الرغم من كونه قصر قديم بالإضافة دار سعدان وذلك ما يجعل صورة المدينة مشوهه وتفقد جمالها”.

وسرد أسماء بعض المباني التراثية المنهارة وهي :”بيت الحاجري، وبيت قسوة وبيت المنصور في الناصرة الداخلية وانهيار بيت حنش الجزء الشمالي منه وبيت المنصور في المزرابة”.

مدينة شهارة.. ماضٍ مزدهر وحاضر مهمل
جسر شهارة يقع بمحافظة عمران شمال اليمن (فيسبوك/ معاذ الشعيبي)

جسر شهارة

خططت مدينة شهارة على شكل حارات، رغم أن مساحتها  ضيقة، ويلغ عدد حاراتها نحو 16 حارة تقريباً، وكل حارة بها مسجد، وساحة، وبركة، ومقبرة، ونحو ذلك.

ضمت المدينة عدد من القصور الكبيرة، والمباني العالية، التي تتميز بتصميمات فريدة، ونسبة المباني العالية والقصور العظيمة في المدينة أضعاف المباني العادية.

يعتبر جسر شهارة لوحة فنية رائعة في الإبداع والتصميم، فهو يربط بين شهارة الأمير، وشهارة الفيش، بعد أن انفصلا بهوة طبيعية سحيقة.

قبل الجسر عاشت شهارة مقصية مستبعدة بسبب جبالها العصية، التي كان يصعب على ساكنيها الذهاب والعودة، حيث كانت الطريق تتطلب الكثير من الوقت والجهد، وكان الأهالي يلجأون للنزول إلى أسفل الأخدود الفاصل بين الجبلين ثم الصعود إلى الجبل الآخر.

وفي عام 1905م، تم إقامة الجسر على أخدود شديد الانحدار يفصل بين الجبلين، يبلغ ارتفاعه من أسفله إلى أعلى قمة الجبل حوالي 200 متر. أقيم الجسر على ارتفاع 50 متراً من أسفل الأخدود، في منطقة يبلغ مسافتها 20 متراً، ونتيجة للارتفاع البالغ 50 متراً من قاع الأخدود فقد بنيت في الأسفل عدة جسور ونوبة ـ برج ـ تم الاعتماد عليها في إقامة هذا الجسر.

أبواب وحصون وسدود

للمدينة 6 أبواب منيعة، تم تشييدها لحماية المدينة من أي غزو خارجي، وهي باب النصر، باب النحر، باب السرو، باب الحرم، باب السويد، باب بيت لقمان، كما يوجد فيها حصن الناصرة، الذي شيده العثمانيون أثناء مكوثهم في المدينة نهاية القرن العاشر الهجري كما جاء في كتاب “شهارة في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر” للدكتور الباحث محمد الدبي الشهاري.

مدينة شهارة.. ماضٍ مزدهر وحاضر مهمل
أهم معالم مدينة شهارة (ريف اليمن)

استغل سكان المدينة التاريخية مياه الأمطار عبر بناءهم سدودا كبيرة، وبركا واسعة، تستوعب كميات كبيرة من المياه، تكفي سكان المدينة لعدة سنوات، وجعلوا المدينة عبارة عن صبابات وسواقي تصب في تلك البرك، التي معظمها تجاوز عمرها ما يقارب 1000عام.

صممت تلك البرك والسدود بإتقان عجيب، واختيرت ووزعت أمكنتها بعناية، فقد احتوت المدينة مع صغر مساحتها على أكثر من (17) سداً وبركة بين كبيرة ومتوسطة منها: بركة الطوف، والأحسني، والشرقي الأسفل، والأعلى، والعنكبوت، وسد الجامع, والسبع، وسد النحر، وبركة باب النصر، والخارجية، والمحطة، والصلال، وأبو طالب، والشحنة، وبركة الشفاء وغيرها.

وفي ختام تصريحه، دعا مدير مكتب الثقافة والسياحة بمديرية شهارة “الجهات المختصة إلى إصلاح مجاري الصرف الصحي، ورصف الشوارع بالأحجار، وترميم المباني المعرضة للانهيار والحفاظ على الحصون القديمة وإعادة بناء الأسوار المتضررة.

كما دعا إلى ترميم الجامع الكبير وحفظ المخطوطات التاريخية والمصاحف، مناشدا المنظمات الدولية المعنية بحماية التراث للقيام بدورها في حماية المدينة التراثية من الانهيار، مشددا على ضرورة توعية الناس بأهمية الحفاظ على المواقع الأثرية”.

جسر وادي نخلة.. السيول لن تكون مميتة بعد اليوم

جسر وادي نخلة.. السيول لن تكون مميتة بعد اليوم
جسر "وادي نخلة"

تمكّنت مبادرة تعاونية بمحافظة تعز من تشييد “جسر” يقع على طريق رئيسية، ويربط بين ثلاث محافظات، بعد سنوات من المعاناة والخسائر المادية والبشرية التي تعرض لها سكّان تلك المناطق نتيجة الأمطار والسيول التي أودت بحياة العشرات.

ويربط جسر نخلة بين ثلاث محافظات هي: تعز، إب، والحديدة،  حيث يستفيد منه أكثر من نصف مليون نسمة من سكان تلك المحافظات بشكل مباشر وغير مباشر.

في منتصف شهر أغسطس من عام 2013، كان وادي نخلة شاهدا على مأساة إنسانية مؤسفة؛ إذ جرفت السيول موكب عرس بأكمله، ما أدى إلى وفاة 27 شخصا من أسرة واحدة، معظمهم من النساء والأطفال.

هذه الحادثة، وإن كانت هي الأكبر تكلفة من جهة الخسائر البشرية، واحدة من كثير من المآسي التي تخلفها السيول في مواسم الأمطار نتيجة لغياب الإنشاءات الضرورية من جسور وعبارات وأنفاق وتصريفات مياه ونظام إنذار مبكر في الوادي.

الدافع للمبادرة

هذه المآسي المستمرة دفعت الأهالي في المنطقة إلى إطلاق مبادرة مجتمعية لتشييد جسر “نخلة” لتجنب تكرار خسائر الأرواح والممتلكات، بحسب غسان أبو عدي أحد أهالي المنطقة، في حديثه لمنصة “ريف اليمن”.

ويعد الجسر واحد ضمن المئات من المبادرات والمشاريع الخدمية التي موّلتها ونفذتها مبادرات مجتمعية بمختلف مناطق الريف اليمني خلال سنوات الحرب، ومثلت تلك المبادرات شاهدًا على تماسك المجتمع اليمني، ومؤشرًا يبعث على التفاؤل بإمكانية تجاوزه مأزق الحرب.

يقول أبو عدي في حديثه لريف اليمن: “على الرغم من أن معاناتنا جراء غياب الجسر ليست جديدة، انتظرنا تدخل الحكومات المتعاقبة لإنجازه منذ تشييد الطريق الإسفلتي في تسعينيات القرن الماضي دون فائدة”، ويضيف: “عندما لمسنا مؤخرا قدرتنا كمجتمع على حلحلة مشاكلنا الخدمية المتعثرة من خلال النجاحات التي حققتها المبادرات المجتمعية التي انطلقت في مناطق مختلفة، تداعى الأهالي والتجار والمغتربون إلى إطلاق حملة لتشيد الجسر بمجهود ذاتي عام 2021”.

ونُفذت المرحلة الأولى من المشروع المتمثلة بالأعمال الخرسانية من قواعد وركائز ومجنحات، والتكلفة النهائية بحسب التصاميم الهندسية وجداول الكميات والإنشائية، 460 مليون ريال، ما يعادل 855 ألف دولار أمريكي، بحسب المدير التنفيذي للمشروع المهندس أحمد القحطاني.

تفاصيل الجسر

بحسب المهندس القحطاني، يبلغ الطول الإجمالي للجسر 194 مترا، بعرض 10.76م، وارتفاع فتحة الجسر لمرور الماء 5.5م، وبعرض 13م، مؤكدا أن التصاميم راعت المعايير الهندسية المتعارف عليها عالميا، بما في ذلك إضافة “البرنجات الأفقية” التي تعمل على امتصاص الصدمات الناتجة عن الأثقال والقوى الأفقية الناتجة من حركة المركبات فوق الجسر وقوى الزلازل، كما تضمنت أعمال التنفيذ وجود جدران حماية وموجهة للسيل وجدران مانعة، ورصف أرضية السائلة بالكتل الصخرية مع الخرسانة بطول 30 مترا وعرض 13 مترا.

بالنسبة للتحديات يؤكد القحطاني “الإمكانيات المادية من العوائق التي واجهتنا، لإعتمادنا بالمشروع على تمويل المواطنين والتجار والمغتربين، واقتصرت مشاركة السلطات المحلية على مبلغ 100 مليون ريال يمني، سُلم نصفها، والنصف الأخر ما زلنا ننتظر ونأمل تسلّمه بأقرب وقت”.

ويضيف: “حاليا نقوم بالأعمال في قاع السائلة وقبل حلول موسم الأمطار القادم، ونأمل أن ننتهي من صبّ الجيردرات والسطح وبلاطات مقتربات الجسر قبل موسم الأمطار القادم”، متمنيا من جميع أبناء المناطق المستفيدة من هذا المشروع أن يبادروا بالمساهمات السخية قبل حلول موسم الأمطار.

نتيجة لشحّة الإمكانيات، كان العمل بالمشروع قد توقف لعدة أشهر، ثم عاود استئنافه من جديد مطلع شهر يناير الماضي، بفضل حملة تبرعات أطلقها الطفل المبدع في مجال الإعلام وصناعة المحتوى محمد فواز العامر (12 عامًا)، وتمكنت الحملة من جمع مبلغ يزيد عن 100 ألف ريال سعودي في يومين.

يتحدث الطفل العامر لمنصة “ريف اليمن” عن تفاعل الناس مع الحملة قائلاَ: “المشروع بالنسبة للأهالي  يعد حلما طال انتظاره وكان قاب قوسين من التعثر، وبدأ الناس يشعرون بخيبة الأمل، فقررت استثمار مساحة تواصلي مع جمهوري على منصات التواصل الاجتماعي لخدمة المشروع”.

ويضيف: “دعوت الناس للتبرع بمنشورات  ومواد إعلامية تظهر أهمية إنشاء الجسر وتبرز الجهود التي بذلت، وسرعان ما هبّ الجميع من محبي الخير، وجمعنا مئة وخمسة آلاف وسبعمائة ريال سعودي”.

جسر وادي نخلة.. السيول لن تكون مميتة بعد اليوم
تفاصيل مشروع جسر وادي نخلة (ريف اليمن)

إنقاذ المشروع

يعود الفضل لحملة التبرعات التي أطلقها بإنقاذ المشروع ودفع عجلته إلى الأمام، للطفل “العامر” والذي يعد نموذج يعكس الروح الإيجابية التي يتميز بها الموهوبين والناشطين المجتمعيين اليمنيين، الذين سخّروا قدراتهم، لخدمة المبادرات المجتمعية التي تشكلت في مناطقهم النائية، وكان لهم دور كبير في إنجاحها وإظهارها لتكون مصدر إلهام.

الصحفي والناشط المجتمعي، محمد زياد، أشاد بالمبادرة، وأكد في حديثه لمنصة ريف اليمن أن “المبادرات المجتمعية التي شهدتها مناطق الريف اليمني في سنوات الحرب، تمكّنت من خلق حراك قائم على الشعور بالمسؤولية المجتمعية لدى المواطنين ومنطلق من حاجاتهم الخدمية الماسة”.

وقال أيضا: “إن المشاركة بالمبادرات واجب الجميع سواء الجانب الرسمي أم المجتمع من تجار وناشطين ومؤثرين، وعليهم أن يتجاوزا الخلافات التي يفرزها الصراع والحرب، ويلتفوا حول ذلك الحراك ويدعموه ماديا ومعنويا، ويذللوا الصعوبات أمامه، ويرفعوا مستوى الوعي الشعبي بأهمية المشاركة الإيجابية فيه، ويوصلوا الصورة الإيجابية التي ترسمها الجهود الجبارة للأهالي للعالم”.

ويختم حديثه بالإشارة إلى أن “الخروج من مأزق الحرب وإعادة دفع عجلة التنمية لن يتحقق إلا بتظافر كل الجهود ابتداءً بوعي الفرد مرورا بدور المجتمع وانتهاءً بواجب الدولة ومسؤوليتها تجاه التنمية الشاملة بمختلف الجوانب وعلى المستويات كافة”.

بسبب الفقر.. سكان الريف يستقبلون رمضان بفرحة منقوصة

الفقر
إمرأة تعاني أسرتها من ظروف معيشية سيئة تسبب لأطفالها بسوء التغذية (يونيسف)

“لم أشترِ شيئاً من الاحتياجات الرمضانية، ظروفي قاسية، وبصعوبة أتمكن من تأمين متطلبات الحياة اليومية”، بهذه الكلمات بدأ محمد حِزام (50 عاما) سرد معاناته مع حلول شهر رمضان المبارك الذي يستقبله اليمنيون على وقع أوضاع صعبة جراء الحرب المستمرة.

ينحدر حزام من ريف السَّيّاني جنوب محافظة إب وسط اليمن، ويعمل بالأجر اليومي بمهنة النجارة منذ سنوات، لكنه على غرار ملايين اليمنيين المتعبين والمثقلين بهموم الحرب، يستقبل رمضان هذا العام وسط ظروف قاسية أثقلت كاهله وأجبرته على التخلي عن شراء الاحتياجات الرمضانية المتنوعة.

توسع رقعة الفقر

ومثل حزام ملايينُ اليمنيين بالمناطق الريفية النائية، يستقبلون رمضان في ظل أوضاع قاسية انعكست سلباً على مختلف مجالات الحياة وتسببت بحرمان غالبية المواطنين من شراء الاحتياجات الرمضانية التي طالما كانت تزيّن موائد الإفطار بمنازل اليمنيين منذ عقود طويلة.

يقول حزام إنه “سيكتفي بوجبة “الشَّفُوت” و”العَصيدة”، فهما الوجبتان المتاحتان على مائدة الإفطار”، مضيفاً بأنه سوف يُحرم من شراء الخضروات.

ويضيف لـ”منصة ريف اليمن”،: “الناس في ضيق كبير، سابقا كنا نستعد لقدوم شهر رمضان والأسواق مكتظة والبسمة بوجوه الناس، أما الآن فالوضع مختلف تماما، غيّبت الحرب طقوس اليمنيين الرمضانية”.

ويتميز رمضان باليمن بكثير من الطقوس التقليدية المتعارف عليها في الأكلات التي تحضر بالمطبخ اليمني، وتزين موائد الإفطار الرمضانية في منازل اليمنيين، وتختلف من منطقة إلى أخرى، وتنفرد كل محافظة بطقوسها الخاصة المتوارثة منذ عقود طويلة.

عامل البناء بريف محافظة إب بشير محسن البالغ من العمر (53 سنةً) أيضا لم يتمكن من تأمين الاحتياجات الرمضانية بسبب ظروفه المعيشية القاسية.

ويقول لـ” منصة ريف اليمن”، “كل همنا الوحيد هو توفير التمر والزبادي، أما بقية الأشياء فقد أصبحت من الماضي”، ويضيف: “وضعنا المعيشي صعب للغاية، حتى المساعدات الإنسانية التي كنا نحصل عليها كل ثلاثة أشهر أصبحت متوقفة منذ عدة شهور”.

من جانبه أكّد المزارع جابر مقبل (60 سنةً) الذي يعمل بالزراعة وتربية الثروة الحيوانية منذ طفولته قائلاً لمنصة ريف اليمن: “تمكّنت من شراء التمر وقليل من الاحتياجات الأخرى بفضل بيع إحدى المواشي. أما الزبادي فمن الأبقار، نحن مبتهجون بقدوم شهر رمضان”.

أسعار باهظة

في ظل تحذيرات دولية من ارتفاع جنوني بأسعار المواد الغذائية والوقود على المدى القصير في عموم اليمن، بسبب تأثيرات أحداث البحر الأحمر تشهد بعض أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية ارتفاعا ملحوظاً، ولا سيما الاحتياجات الرمضانية والأكثر استخداما خلال شهر رمضان، بالإضافة إلى ارتفاع السلع الأساسية: القمح والدقيق والسكر والزيوت وغيرها من المواد الغذائية.

وتشكو السيدة عائشة محسن (37 سنةً) من ارتفاع أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية بشكل لافت وتقول لـ”منصة ريف اليمن”،:”أسعار السلع باهظة، زوجي يعمل موظفاً حكومياً وبسبب توقّف صرف الرواتب الحكومية أواخر عام 2016 ليس بمقدورنا تحمل أعباء الاحتياجات الرمضانية”.

وفي حين تشكو عائشة ومثلها ملايين اليمنيين بالمناطق الريفية من ارتفاع أسعار السلع، يؤكد الصحافي الاقتصادي وفيق صالح أن أزمة الغلاء تعود في المقام الأول إلى تفاقم الأزمات في سلاسل الإمداد إلى اليمن وارتفاع تكاليف الشحن البحري بصورة قياسية، بسبب تأثيرات التصعيد في البحر الأحمر.

وقال الصحافي صالح لـ”منصة ريف اليمن”،: “هناك موجة من الغلاء والتضخم تجتاح الأسواق التموينية شملت مختلف السلع الأساسية والضرورية، مع حلول شهر رمضان المبارك الذي تزداد فيه عملية الإقبال والطلب من قبل المستهلكين”.

أسواق فارغة من الزبائن

على غير العادة، بدت الأسواق الشعبية في مراكز المديريات الريفية والمحلات التجارية هذه الأيام شبه خالية من المشترين مع تراجع ملحوظ للقدرة الشرائية عند المواطنين بشكل لافت مقارنة مع الأعوام الماضية، وذلك بسبب استمرار توقف الرواتب وركود الأعمال بمختلف القطاعات الحيوية، بحسب إفادة تجار من محافظة إب لمنصة ريف اليمن.

وبحسب الأمم المتحدة، يظل 80% من سكان اليمن البالغ عددهم 32 مليونا بحاجة إلى المساعدات، في حين تعاني المنظمات الإغاثية من نقص تمويل عملياتها الإنسانية، ما يؤثر سلبا على حياة كثير من الفقراء في البلد الذي يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية بالعالم.