الإثنين, مايو 4, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 88

مهرجان المانجو.. إعادة اعتبار للمنتج الوطني

مهرجان المانجو.. إعادة اعتبار للمنتج الوطني
جانب من فاكهة المانجو اليمني في مهرجان بحديقة السبعين بالعاصمة صنعاء 12 مايو/ آيار 2024 (ريف اليمن)

احتضنت حديقة السبعين بأمانة العاصمة صنعاء، فعالية المهرجان الوطني الأول للمانجو اليمني، الهادف للترويج والتسويق لثمار فاكهة المانجو، ولإعادة الاعتبار له، وذلك عقب استهدافه بحملة تشويه واسعة، تسبّبت بخسائر كبيرة للمزارعين.

وأعلن اعتماد 12 مايو من كل عام يوماً وطنياً لفاكهة المانجو، رداً على الإشاعات التي استهدفت المنتج الوطني، وزعمت وجود “ديدان”، داخل الفاكهة، الأمر الذي أضر بالمزارعين وتراجع نسبة مبيعاتهم، وأدى إلى كساد هائل في الأسعار.

مهرجان المانجو

“نتمنى أن يكون هناك معارض لكل الفواكه الموسمية”، بهذه الكلمات عبّر المزارع محمد علي عن سعادته بالمهرجان، وأضاف في حديثه لريف اليمن: “الدعاية السلبية على وسائل التواصل أثرت بشكل كبير على نسبة المبيعات، وعرّضتنا لخسائر كبيرة”.

وقال محمد الذي شارك بالمهرجان: “للأسف حملة التشويه أثّرت على المواطنين، كثير منهم تجنب الشراء، وأُجبرنا على البيع بأسعار أقل تفاديا للخسارة المضاعفة في حال فسدت الفاكهة”، لافتا إلى أن مشاركته في المعرض جاءت لعرض جودة المانجو اليمني وتحسين صورته ودحض الادعاءات الكاذبة.

مهرجان المانجو.. إعادة اعتبار للمنتج الوطني
أنواع المانجو اليمني معروضة في مهرجان المانجو بحديقة السبعين في صنعاء 12 مايو/آيار 2024 (ريف اليمن/ عبدالرحمن المحجري)

وتقدر الهيئة العامة للتنمية الزراعية والريفية، عدد أشجار المانجو المزروعة في اليمن بحوالي 2 مليون و17 ألف شجرة منها 30% أشجار غير مثمرة، ويتوقع أن تبلغ إنتاجية اليمن من فاكهة المانجو خلال العام الجاري 2024 أكثر من 477 ألف طن، بحسب بيانات تقديرية رسيمة نشرتها مصادر رسمية، بإرتفاع بنسبة 16% خلال العاميين الماضيين.

بدوره قال صالح ناجي: “إن عملية التصدير استمرت بشكل طبيعي ولم تتأثر بالدعايات السلبية”، مُرجعا السبب إلى أن العملاء في الخارج يثقون بجودة المانجو اليمني، وما يصل لهم إلا عبر فحص المقاييس والجودة، ولهذا لم يصدق أحد الشائعات.

ويضيف ناجي وهو مسؤول في أحد شركات تصدير المانجو: “منذ بدء الموسم، كُنا نصدر شاحنة إلى شاحنتين يومياً، حتى وصل الموسم للذروة التي كنا نصدر فيها ما يصل أحيانا لـ5 شاحنات، واستقر العدد عند 3 شاحنات بسبب اقتراب نهاية الموسم”.

مشيرا إلى أن المانجو اليمني يُصدر إلى جميع دول الخليج والعراق. أما التاجر محمود ناصر، فأوضح أن التصدير لا يعود دائماً بالربح على التجار، فالموضوع يعتمد على حالة المانجو عند وصوله إلى الدولة المستهدفة، لافتا إلى أن بعض الشحنات التي تُصدّر تحدث فيها خسارة، وبعضها تأتي بالتعويض وهكذا.

إنتاج وفير للمانجو اليمني

وتحتل اليمن المرتبة 21 حسب التصنيف العالمي لكمية إنتاج فاكهة المانجو بنسبة 0,69% وفق بيانات موقع التجارة الدولية Tridge، وتصل مساحة الأراضي المزروعة بفاكهة المانجو في اليمن إلى نحو 26,815 هكتارا، ومن المتوقع أن تصدر اليمن ما نسبته 28% من إنتاجية هذا الموسم إلى دول الخليج العربي.

مهرجان المانجو.. إعادة اعتبار للمنتج الوطني
جانب من المشاركين بمهرجان المانجو في صنعاء 12 مايو/ آيار 2024 (ريف اليمن/ عبد الرحمن المحجري)

وبلغ عدد المشاركين في المهرجان 120 مشاركا، منهم عشر جمعيات زراعية، و26 مشاركا ما بين وكلاء محليين ومصدرين خارجيين، بالإضافة إلى كبار المزارعين، وجمعيات تسويقية.

ويقول المزارع ياسر علي: “كان من المفترض أن يُقام المهرجان في شهر فبراير أو مارس ذروة الموسم، لكن أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي”.

وبيّن ياسر خلال حديثه لريف اليمن قائلا: “الجهود المجتمعية المدافعة عن المنتج الوطني التي كان بطلها رواد مواقع التواصل، أنقذت البيع داخلياً إلى درجة بسيطة، ولو كان المهرجان أقيم عقب الإشاعات مباشرة كان سيكون له تأثير أكبر”.

من ناحيته قال المزارع صالح سنان لريف اليمن: “الموسم شارف على الانتهاء، أبيع مخزوني هنا في المهرجان بخسارة، شاركت فقط من أجل إظهار المانجو بعكس ما روجت له الدعايات السلبية”.

سر الجودة

وللمانجو اليمني تحديداً مذاق متميز ومختلف، وقد انتشرت مقاطع لمواطنين من دول الخليج وهم يتغنون بطعم المانجو اليمني، كما أن له فوائد كثيرة أبرزها الوقاية من السرطان، وتسهيل عملية الهضم، وعلاج فقر الدم، وتقوية المناعة، وتعزيز صحة ووظائف الدماغ.

وعن سر جودة المانجو اليمني، قال المهندس الزراعي وليد الزريقي: “إن الأراضي الزراعية في اليمن غنية بمادة البوتاسيوم التي تزيد من حلاوة الفواكه بشكل طبيعي دون الحاجة لأسمدة بشكل كبير”.

وأضاف الزريقي لريف اليمن: “ليس فقط المانجو، ولكن جميع الفواكه اليمنية تتميز بالجودة الفريدة، وعند تصديرها إلى الدول الأخرى تلقى استحسان المستهلكين أكثر من الفواكه المنافسة من الدول الأخرى”.

وتتميز اليمن بزراعة أصناف كثيرة ومتنوعة من المانجو مثل: التيمور، التيمور المصري، قلب الثور، السمكة، البركاني، أبو سنارة، الحافوص، الفونس، الباميلي، السوداني، خدود البنات، بالمر، آرتش، كود 10، كِنت، وغيرها.

سوء التغذية.. تهديد يتربص بأطفال الحديدة

سوء التغذية.. تهديد يتربص بأطفال اليمن
سوء التغذية.. تهديد يتربص بأطفال اليمن

بعد معاناة مع سوء التغذية الحاد، رحلت الرضيعة “شهد” عن عالمنا، وكان بمقدروها العيش، وهناك قصصا مأساوية لأطفال يعانون، وربما قد يكون مصيرهم متشابه إذا لم يتلقوا الرعاية اللازمة.

ويُعدّ سوء التغذية أحد أكبر أسباب وفيات الأطفال دون سن الخامسة في اليمن، لا سيما في المناطق الريفية، وبحسب منظمة اليونيسيف، أكثر من 45% من وفيات الأطفال سببها سوء التغذية.

ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2021، فإن هناك لاحتمال وفاة 61.9 طفلاً في اليمن، دون سنة الخامسة من كل ألف طفل مولود في البلاد.

تقول والدة شهد لمنصة ريف اليمن: “كنتُ أبذل قصارى جهدي لإنقاذ فلذة كبدي”، وتضيف وهي تحاول كبت دموعها: “لم أترك مستشفى في الحديدة إلا وذهبت إليه، لكن للأسف لم أتمكن من إنقاذها بسبب سوء حالتها الصحية”.

تهديد يتربص بالأطفال

رحيل شهد يعكس مأساة كثير من الأطفال اليمنيين الذين يفتقرون إلى الرعاية الطبية الأساسية بسبب الحرب التي تدخل عامها العاشر، ومعها تتلاشى آمال كثير من الأسر في العيش الكريم، وتصطدم بواقع مرير.

وبسبب سوء التغذية كذلك، تعاني الطفلة ميسون من التقزم، وتقول والدة ميسون: “ابنتي البالغة عامين تبدو كأنها ما زالت في الأشهر الأولى من عمرها، نحن نحاول جاهدين توفير المغذّيات لها، ولكنها لا تزال تعاني”.

تتجرع الأم وابنتها الألم الدائم، فلا يمكن لأم ميسون النوم بشكل جيد، بسبب قلقها على ابنتها وتقول: “أستيقظ باكرًا كل يوم، أشعر بالقلق والخوف على ميسون، وأتساءل يوميا هل ستنمو بشكل صحيح؟ هل ستكون قادرة على مواجهة التحديات؟”.

الصراعات المستمرة تجعل الأم تشعر بالعجز واليأس، “نحن نعيش في ظروف صعبة جدًا، ولا يوجد لدينا الكثير لنقدمه لميسون، أريد فقط أن تكون ابنتي بخير، ولكن الظروف تجعل من الصعب تحقيق ذلك”، تقول والدتها.

ومع استمرار الصراع وتعقيداته المتعددة، يجد الأطفال أنفسهم محاصرين بدوامة الفقر والجوع، بعيدًا عن الأمان والاستقرار الذي يحق لهم الاستمتاع به.

وبينما تتزايد حالات النزوح وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، يبقى الوضع الغذائي للأطفال الريفيين في اليمن تحديًا يتطلب تدخلًا عاجلاً وفعّالًا لتخفيف معاناتهم وحمايتهم من آثار الجوع الناجمة عنه.

يروي والد وفاء أحمد (35 عامًا) من مِيدي محافظة حجة بألم بالغ قصة ابنته ذات الأربعة أعوام، التي تعاني من التقزم بسبب سوء التغذية.

ويقول لمنصة ريف اليمن: “ولدت وفاء بين أحضان الحرب وظلم الظروف، فكانت معركتها الأولى للبقاء في عالم تجتاحه المعاناة والفقر، لم يكن لدينا الوسائل الكافية لتأمين الغذاء السليم والرعاية الطبية الأساسية لها، فتدهورت حالتها الصحية بسرعة”.

ويشير والد وفاء إلى نقص التغذية الذي تعاني منه ابنته، بسبب عدم تناولها الكميات الكافية من الطعام الصحي، ويقول: “كانت تبدو هشة وضعيفة، ولم يكن لديها القوة للعب مع أقرانها. كانت تبدو متعبة دائمًا وكأنها تكافح من أجل كل نَفَس تستنشقه”.

وبسبب انعدام الرعاية الصحية الأساسية، لم يتمكن والد وفاء من تشخيص حالتها في الوقت المناسب أو توفير العلاج اللازم، مما أدى إلى تفاقم حالتها وتقزمها.

يقول والد وفاء: “كانت لحظة صدمة عندما أخبرني الطبيب أن وفاء يجب أن تكون أطول من هذا بكثير. شعرت بالذنب والعجز، فكنتُ أعلم أنه كان بإمكاننا تفادي هذا لو كنا قد حصلنا على المساعدة الطبية في الوقت المناسب”.

سوء التغذية.. تهديد يتربص بأطفال الحديدة
طفلة تتعالج من سوء التغذية في بيت الفقية بمحافظة الحديدة غربي اليمن (يونيسف)

أرقام مقلقة

المسؤول الإعلامي لمنظمة اليونيسيف مكتب اليمن، كمال الوزِّيزة، قال لمنصة ريف اليمن: “إن أحدث المسوحات العنقودية متعددة المؤشرات (MICS) التي أجرتها المنظمة والجهاز المركزي للإحصاء في اليمن التي صدرت في نوفمبر 2023، وجدت أن مستويات الهزال بين الأطفال دون سن الخامسة تبلغ 16.9% بينما بلغت مستويات التقزّم عند الأطفال نسبة 48.6%”.

وأكد الوزّيزة أن هذه الأرقام مثيرة للقلق، كما أن ضعف الأطفال، خاصة في المناطق الريفية حيث الخدمات ضعيفة، يتفاقم بسبب تفشي مرض الحصبة وسوء الصرف الصحي ونقص المياه النظيفة.

وأضاف: “يُعد سوء التغذية أحد أكبر أسباب وفيات الأطفال دون سن الخامسة، خاصة في المناطق الريفية في اليمن، حيث يسهم في أكثر من 45% من وفيات الأطفال، فالطفل الذي يعاني من سوء التغذية يكون أكثر عرضة لخطر الوفاة بثماني مرات مقارنة بنظيره الذي يتمتع بتغذية جيدة”.

ويفيد الوزيزة قائلا: “ومن المحتمل أن يعاني الطفل المصاب بسوء التغذية (التقزم) من عواقب جسدية أو معرفية سلبية مدى الحياة حتى بعد أفضل علاج. يمنع سوء التغذية في سن مبكرة الطفل من الوصول إلى كامل إمكانات نموه وتطوره”.

وللحد من ذلك، قال مسؤول إعلام مكتب اليونيسيف كمال الوزيزة: “إن استراتيجية الاستجابة المقترحة تشمل اختيار المحافظات والمديريات وتحديد أولوياتها باستخدام خرائط حرمان الأطفال المركبة لتوسيع نطاق التدخلات القطاعية في المناطق المحرومة للغاية، وكذلك الحفاظ على الحد الأدنى من حزمة الخدمات في المواقع الأقل ضعفًا”.

بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تلبي زيادة التنبؤات والمشتريات والتجهيز للأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام الطلب المتزايد للأطفال الذين يعانون من الهزال الشديد والمعرضين لخطر الموت.

ويضيف: “نظرًا للدور القيادي الذي تلعبه اليونيسيف، سيتم أيضًا توسيع نطاق القيادة والتنسيق القويين للاستجابة الإنسانية في القطاع الذي تقوده اليونيسيف. ويمكن تحقيق الاستهداف والاستجابة بفعالية ومرونة، بناءً على الاحتياجات الناشئة بالاستخدام الفعال لقاعدة بيانات التغذية لمراقبة، ورصد المزيد من التدهور في الوضع”.

ماهو سوء التغذية

اختصاصية التغذية نعمة العزي بدورها قالت: “إن سوء التغذية الحاد مشكلة تتسبب في نقص العناصر الغذائية الأساسية التي تحتاجها أجساد الأطفال للنمو السليم والتطور العقلي، وبسبب نقص هذه العناصر، يواجه الأطفال تحديات تؤثر بشكل كبير على صحتهم ونموهم”.

وتضيف لمنصة ريف اليمن: “تؤدي سوء التغذية إلى تدهور في الصحة العامة، وقد يتعرض الأطفال المتضررين لمضاعفات صحية خطيرة مثل ضعف المناعة والأمراض المعدية وتأخر النمو والتطور”.

وعبّرت عن أسفها؛ لأن الأطفال في الريف اليمني لا يستطيعون الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية والعلاج المناسب؛ إذ تضطر كثير من العائلات إلى اتخاذ قرارات صعبة بشأن توجيه الموارد المحدودة نحو الغذاء بدلاً من العناية الطبية.

أما رئيسة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان رجاء المصعبي، فقد قالت: “إن اليمن شهدت أزمة غذائية خانقة تتفاقم يوماً بعد يوم، والضحايا الأبرياء الذين يدفعون الثمن الأكبر هم أطفال الريف.

تعتبر هذه الأزمة نتيجة لعدة عوامل، من بينها الحرب المستمرة، والتدهور الاقتصادي، وتغيرات المناخ، وتدهور البنية التحتية”. وتضيف المصعبي : “أزمة الغذاء في اليمن تُعرّض حياة الأطفال في الريف للخطر وتعرقل فرص نموهم وتطورهم الطبيعي”.

وشدّدت رئيسة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان على ضرورة وقف الحرب لإيجاد حلول فعّالة، فلا يمكن التوصّل إلى حلول دائمة ما لم تتوقف الصراعات؛ لأنها سببت أضرارًا هائلة لليمن وسكانه، لذا من الضروري توحيد الجهود لمواجهة هذا التحدي.

ودعت إلى تحويل المساعدات إلى مشاريع مدرة للدخل لضمان استفادة الجميع وتحقيق التنمية المستدامة، وهذا سيقلل من العبء على الدولة ويمنح الأفراد القدرة على توفير متطلباتهم الأساسية لضمان حياة آمنة لهم ولأطفالهم في الريف اليمني”.

عزيز المعافري.. ريشة فنان تُحاكي حياة الريف

عزيز المعافري.. ريشة فنان تُحاكي حياة الريف

عندما كان “عزير المعافري” طفلا في العاشرة من عمره كانت عصاه لا تفارق يده، يهشّ بها على غنمه كعادة أطفال الريف، وتارة يرسم بها على الأرض أشكالا ورسومات، غير مدرك أنها ستحوله من راعي أغنام إلى رسام محترف يحمل في سيرته قصة نجاح من نوع مختلف.

ولد الرسام التشكيلي عزيز عبد العليم المعافري عام 1993م، بقرية المعافر -مديرية جبل حبشي بمحافظة تعز جنوب غربي اليمن، كان وما زال، بحسب قوله، طفل القرية المحبّ الذي ارتوى منها حب الطبيعة والحياة الريفية بكل تفاصيلها وتضاريسها، وقسوة الحياة فيها، وانعكس تمسكه بها جليا في رسوماته وإبداعاته التشكيلية.

يقول لـريف اليمن: “الريف هو عشقي الوحيد وملهمي في كل لوحاتي الفنية، فيه المنازل العتيقة التي أضاءت نور عيني منذ لحظاتي الأولى، وذكرياتي الجميلة منذ طفولتي. جل أعمالي مستوحاة من الواقع والحياة الريفية”.

بدأت موهبة المعافري في الرسم منذ طفولته، حينما رسم وجه أحد أصدقائه بالطين في أثناء رعيه للأغنام في القرية، وقد برزت ملامح الريف اليمني في تفاصيل لوحاته الفنية، وحظي بإعجاب الجمهور، ويؤمن عزيز أن الريف منبع الإنسان اليمني، ومهما طغت المدينة بمعالمها وزخرفتها على حياته، يظل الريف ومعالمه وكل تفاصيله مصدر إلهام له ولرسوماته المتنوعة.

محاكاة حياة الريف

يضيف المعافري قائلا: “الفن التشكيلي يستطيع توصيل رسالة قيمة وهادفة إلى الجمهور، ويمكن أن يعالج قضايا الناس والتعبير عنهم، وقد أردت في رسوماتي أن نقل تفاصيل المجتمع الريفي، تبني قضاياه، عرض همومه ومعاناته، وقسوة ظروفه، لا سيما على المرأة التي تواجه صعوبات كبيرة منها جلب الماء”.

لوحات الريف هي عشق عزيز، ويعتبرها الأقرب إلى قلبه؛ لأنه ابن الريف، ولأنه متأثرا بشكل كبير بالحياة الريفية وبساطتها وعفوية الحياة فيها، ويلفت إلى أن جو الريف هو ما يحرك مشاعره وهوايته التي نقلها عبر لوحات فنية تحاكي الطبيعة.

لوحة فنية للمعافري تجسّد معاناة المرأة الريفية في نقل الماء على ظهر الحمير (عزيز المعافري)

“الريف هو الملهم الأول والأبرز لإنتاج لوحاتي الفنية، ومنها أول لوحة أنتجتها عن معاناة المرأة الريفية وهي تعدّ الطعام، ولوحة أخرى عن امرأة ريفية مسنة تنقل الماء بواسطة الحمار، ولوحة ثالثة لامرأة ريفية تنقّي حبوب الذرة بعد الحصاد”، يقول المعافري.

كانت لوحاته عن المرأة الريفية ومعاناتها أعماله الفنية الأبرز، وقد حققت تفاعلات إيجابية عند المشاهد والجمهور، ونالت الإعجاب والدهشة لجمالها الفريد، وانتشرت بشكل كبير في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، وحققت مشاركات عدّة في معارض فنية داخلية وخارجية.

الفن بالدبابيس

في مسار فني صعب وحديث النمو في اليمن “الرسم بالدبابيس”، خاض المعافري طريقه، ونظرا لعدم وجود قاعدة تعليمية أو دراسات سابقة، وجد الأمر صعبا، لكنه كان فخورا في حديثه، لا سيما أنه أول من رسم بالدبابيس في اليمن، باستثناء فنان آخر بصنعاء.

وأوضح قائلا: “خلال الدراسة الجامعية، اخترت الرسم بالدبابيس رغم ندرته؛ إذ يتطلب بذل جهد كبير وتركيز بالغ، بالإضافة إلى صعوبة المحاكاة الواقعية لبعض الصور، ويجب أن يكون لكل دبوس مكانه المناسب ووظيفته المعينة، بما يحقق التوازن وتنظيم المساحات بين الدبابيس، وبما يؤدي المهمة المطلوبة”.من أبرز رسوماته بالدبابيس لوحة الفنان اليمني أيوب طارش عبسي، وقد كانت الأكثر انتشارا ورواجا بين الجمهور، وقد لاقت استحسان كثير من اليمنيين الذين تناقلوا الصورة بشكل لافت.

حققت اللوحة، التي أنجزها في عام 2021م، تفاعلا كبيرا، واشتهرت بشكل كبير في مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات والمواقع الإلكترونية، ويعد العمل الأبرز الذي جلب له أغلب القنوات الفضائية للتصوير وتوثيق أعماله بشكل عام.

يتابع لريف اليمن: “يشرفني جدا أني قدّمت هذا العمل هدية للهامة الفنية الكبيرة أيوب طارش عبر مكتب الثقافة في يوم المهرجان العيدي لتكريم أيوب طارش، وقد كان سعيدا منبهرا به، قدمتها هدية باسمي، هدية من فنان إلى فنان”.

لوحة للفنان اليمني أيوب طارش تم استخدام 17100 دبوس فيها (عزير المعافري)

أما عن أسباب اختياره رسم الفنان أيوب، فيقول: “اخترت رسم صورة الفنان أيوب طارش؛ لأنه المطرب المفضل بالنسبة لي، كما أنه غنى للحب والوطن والريف والزراعة، وقد استغرق العمل قرابة أربعين ساعة متقطعة، بالإضافة إلى أكثر من 17 ألف دبوس لتنفيذه”.

ومن المؤسف أن عزيزا لم يستطيع أن ينتج لوحات أخرى من الرسم بالدبابيس على الرغم من نجاح أول تجربة له، ويرجع ذلك إلى التكلفة المادية والوقت الذي يتطلبه العمل.

خيبة أمل المعافري

ناضل المعافري في سبيل مواصلة تعليمه الجامعي، فهو على غرار مئات الآلاف من طلاب الريف عاش أوضاعا صعبة، وكان يواجه صعوبات كبيرة، فلم يجد السكن في المدينة، وليس لديه أهل هناك.

يقول لمنصة ريف اليمن: “عندما وجدت سكنا خاصا بالطلاب، تقاسمت مع بعض الزملاء غرفة برفقة لوحاتي وفرشي وأدواتي الخاصة. تمنيت لو كان مكانا لي وحدي أستطيع فيه ممارسة شغفي بالرسم من دون الشعور بالإحراج من زملائي بسبب سهري حتى ساعات متأخرة من الليل”.

ثم يضيف: “عملت عدة أعمال من أجل توفير مصاريف دراستي الجامعية، والأدوات اللازمة للرسم. عملت حتى في الأعمال الشاقة مثل البناء، وبرغم ذلك لم تتوفر لدي أبسط الإمكانيات لممارسة حياتي الطبيعية كفنان، وكل أدواتي ومستلزماتي أوفرها بمجهود شخصي”.

ويختم عزيز حديثه لريف اليمن بالقول: “مؤسف جدا أن أعيش بلا مَرسَم لمزاولة عملي الفني، وأن يعجز الفنان عن توفير أدواته البسيطة لإعداد لوحاته، مؤسف أن لا يجد الفنان الاستقرار الفني والأسري ليستطيع مواصلة مشواره الفني، وأن يظل منشغلاً بظروف الحياة ومتطلباتها”.

ويواصل كلامه بحسرة: “أن تموتَ كل أفكارك وطموحاتك في الخيال من دون أن تستطيع تحقيقها على الواقع بسبب عدم الاستقرار أمر غاية في الأسى، لذلك يواجه الفنان، في ظل كل هذه الظروف، المعاناة والتدهور، وينقطع إنتاجه الفني لفترات طويلة، ويظل في صراع بين شغف الفن وتعاسة الحياة، حتى يجبره الوقت على عرض لوحاته للبيع لتلبية أبسط أمور الحياة ليحيا ولو بالقليل”.

إمرأة ريفية أثناء صناعة الطعام باستخدام موقد الحطب الذي يشتهر به الريف اليمني (عزيز المعافري)

ووجه المعافري رسالته إلى الجهات المعنية للالتفات ورعاية المواهب والفنانين بالشكل المطلوب، فالمساندة، من وجه نظره، تجعل الفنان يشعر بالكرامة والاستقرار، وذلك يثمر في استمرار الإنتاج ويعزز من إحياء الفن اليمني وريفه.

مثابرة المعافري في سبيل تحصيله العلمي وإبداعه في الفن التشكيلي لم تشفع له أمام الجهات المسؤولة للحصول على فرصة للعمل، فهو اليوم يقبع داخل منزله في قريته الريفية من دون عمل أو راتب شهري يمكن أن يوفر له احتياجاته الأساسية، بالإضافة إلى عدم مقدرته على توفير أدوات الرسم ليستمر في شغفه الطفولي علّه يتمكن من بيع لوحات فنية تمكنه من تأمين متطلبات الحياة.

التعليم أولاً في قرية “الباركة” حَزْم العُدين

التعليم أولاً في قرية "الباركة" حَزْم العُدين
الصورة: طفل يمني يكتب في دفتر خارج المدرسة التي تدمرت بسبب الحرب في الحديدة غربي اليمن (أ ف ب/ خالد زياد)

يقطع الطفل محمد الصوفي (15 عاما) نحو 4 كيلومتر مشياً على الأقدام، كل يوم للوصول من قرية الباركة، إلى المدرسة الحكومية الوحيدة التي يتلقى فيها تعليمه الدراسي، بمنطقة بني يوسف بحزم العدين بمحافظة إب وسط اليمن.

يضطر الصوفي للمرور بأودية ومنحدرات خطيرة تحت أشعة الشمس الحارقة، ويخشى أثناء ذهابه من الدراجات النارية والسيارات والكلاب الضالة، وهذا حال معظم الطلاب الذين يفتقرون إلى وجود مدرسة حكومية في قريته.

محمد الصوفي واحد من عشرات الطلاب في عزلة بني يوسف الذين يقطعون منذ سنوات طويلة كل هذه المسافة إلى المدرسة الوحيدة، ويواجهون كثيرا من الصعوبات في سبيل مواصلة التعليم.

وبحسب تقارير أممية، فإن قطاع التعليم هو القطاع الأكبر تضررًا في اليمن، وقد خَلَّف نسبًا عالية من الأمية، وكان للريف النصيب الأكبر من هذا التدهو، ووصل عدد الطلاب المتسربين من المدارس نحو مليوني طالب بجميع المراحل التعليمية، فيما بلغ عدد المتضررين من الحرب قرابة 4 ملايين طالب، بإجمالي 6 ملايين طالب بين متسرب ومتضرر.

التعليم في قرية الباركة

يقول والد الصوفي: “إن كثيرا من زملاء نجله تركوا دراستهم، وذهبوا للبحث عن أعمال أخرى، وذلك بسبب ضعف تحصيلهم العلمي، وقد أصبحت المدرسة ممتلئة تماما، ومن يصل في أوقات متأخرة لا يجد مقعدا للجلوس إلا بمشقة، وبعض الطلاب يظل واقفا بسبب الازدحام”.

ويضيف لمنصة ريف اليمن: “بعض الأمهات مجبرات على مرافقة أولادهن لمسافة تقدر بنحو 2 كيلومتر خوفا عليهم من المنحدرات الخطيرة التي قد تودي بحياتهم، خصوصًا الذين ما زالوا في المرحلة الابتدائية، وهذا يعتبر كفاحا يضاف إلى رصيد المرأة، إلى جانب الأعمال الشاقة التي تنتظرها كل صباح، ويظل همّ أولادهن يؤرقهن خوفًا من أن يصابوا بأي مكروه”.

وتابع: “بالإضافة إلى المخاطر التي يواجهها الطلاب أثناء الذهاب للمدرسة، يُحرمون من الحصص الدراسية الأولى، وهذا يقلل من نسبة الاستيعاب لديهم”.

ويعلق التربوي حمود علي على ذلك قائلاً : “نحن اليوم بحاجة إلى عدد من المدارس في عزلة بني يوسف التي تضم أكثر من 10 قرى جميعها مكتظة بالسكان. نحن نتحدث عن عزلة تضم كثيرا من القرى بمسافات متفاوتة في البعد وتعداد سكاني هائل، ومدرسة العزلة أصبحت عاجزة تماما عن استقبال المزيد من الطلاب”.

وقال علي لمنصة ريف اليمن: “معظم الطلاب يأتون في أوقات متأخرة إلى المدرسة بسبب طول المسافة التي يقطعونها من قرى مختلفة مشيا على الأقدام، ونحن نقدر جهودهم ونعفو عن تأخرهم، لكن العفو وحده ليس له جدوى إذا حُرموا من بعض الحصص الدراسية؛ لأن التأخر يؤثر على تحصيلهم العلمي بشكل كبير”.

وبحسب وزير التربية اليمني السابق الدكتور عبد الله لملس، لم تبنَ أي مدرسة جديدة في اليمن منذ عام 2011، ولم يوظّف معلّم واحد منذ ذلك العام، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة، أهمها أن ما تخصصه الدولة من موازنة لقطاع التعليم لا يلبي الاحتياجات اللازمة لتشييد المدارس، ولا يتناسب مع طلبات الالتحاق بالتعليم.

مبادرة بناء مدرسة

المعاناة والمخاوف التي يواجهها الطلاب والطالبات بقرية الباركة دفعت أولياء الأمور إلى إطلاق مبادرة تعاونية لبناء مدرسة لتعليم أطفالهم، فقد أنشؤوا جمعية خيرية لبناء المدرسة.

مسؤول المبادرة يونس الطويل قال لمنصة ريف اليمن: “بدأنا بإطلاق المبادرة مع مجموعة من شباب القرية، وشكلنا مجموعة في برنامج التواصل الاجتماعي (الواتس اب)، وقمنا بإضافة كثير من الشخصيات التي لها ثقلها في المجتمع، وناشدنا المغتربين وفاعلي الخير والتجار، وقد لاقت هذه المناشدة استجابة واسعة”.

ويضيف الطويل لـمنصة ريف اليمن: “جُمعت المبالغ الأولية للمبادرة، واقتُرحت أرض تتوسط قرية الباركة والقرى المجاورة لها، وتبرع أحد الأهالي بقطعة أرض بمساحة 90 لبنة بتنازل رسمي في المحكمة، وتم البدء في 2020 بالعمل ببناء ثلاثة فصول كمرحلة أولى لطلاب الابتدائية الذين نخشى عليهم من مسافة الطريق”.

وتابع: “في 2023 بدأنا بالمرحلة الثانية ببناء ثلاثة فصول أخرى. الآن أصبحت مدرسة ابتدائية بستة فصول”، ويلفت إلى أن العمل تأخر بسبب الظروف الاقتصادية، فقد كان البعض يعِد بمبالغ ويتأخر في تسديدها نتيجة للأوضاع، ولكن العمل اكتمل، وهذا إنجاز ليس هيّنا.

ويقول التربوي حمود علي: “نثمن الجهود التي يقوم بها أهالي قرية الباركة. هذه المبادرة عظيمة في سبيل تذليل الصعوبات لأبنائهم والصعود بهم إلى مستقبل مشرق، وتضمن للوطن العيش الكريم، والخروج به من براثن الجهل والتخلف”.

وأشاد الطويل بجهود المبادرة، واعتبرها نقلة نوعية لأبناء قرية الباركة نحو تأمين مستقبل أطفالهم، مؤكدا أن نجاح المبادرة سيسهم في رفع مستوى التعليم في المناطق الريفية التي حُرمت من أبسط حقوقها، وستساعد الأطفال كثيرًا في الإقبال على العملية التعليمية، داعيا فاعلي الخير ورجال الأعمال والمغتربين إلى إكمال ما تبقى من صفوف دراسية.


الصورة: طفل يمني يكتب في دفتر خارج المدرسة التي تدمرت بسبب الحرب في الحديدة غربي اليمن (أ ف ب/ خالد زياد)

مقبنة تعز.. ثكنات الحرب تمنع إنقاذ حياة المرضى

مقبنة تعز.. ثكنات الحرب تمنع إنقاذ حياة المرضى

يتخوف المواطن علي عبد الحفيظ (26 عاما) من عودة انتشار وباء الكوليرا، ويخشى أن يُصاب به هو أو أحد أفراد عائلته، وذلك مع استمرار إغلاق المركز الصحي الوحيد في منطقته الواقعة في ريف محافظة تعز، وتحويله إلى ثكنة عسكرية.

وكان عبد الحفيظ ومعه آلاف من سكان عُزلة اليمن مديرية مَقبنة، يعتمدون على مركز الكويحة الصحي الوحيد في منطقتهم، وبعد أن حُوّل إلى ثكنة عسكرية، زاد الأمر تعقيداً، وباتوا يفتقدون أبسط الخدمات، ويجبرون على قطع مسافات طويلة للوصول إلى أقرب مركز صحي.

يقول عبد الحفيظ لمنصة ريف اليمن: “كنا نقطع مسافات قليلة للحصول على الخدمات الصحية، أما الآن ونتيجة لاستمرار إغلاق المركز، فالمواطنون مجبرون على السفر لمسافة 10 كيلومتر عبر طرق وعرة، للوصول إلى مركز الأشروح الطبي الذي يُعد أقرب مركز للمنطقة.

سكان مقبنة تعز

ويتذكر عبد الحفيظ معاناته مع إصابة شقيقه، فيقول: “أُصيب شقيقي بحمى فيروسية، ولأن المركز بعيد لم نتمكن من إسعافه، ومكث في المنزل قرابة أربعة أيام من دون حصول على علاج، وعندما ساءت حالته، اضطررنا إلى الذهاب به إلى مركز مناقل الطبي في عزلة بني بكاري لتلقي العلاج”.

ويضيف: “عاش شقيقي مع الألم طوال أربعة أيام، ولم يكن عدم إسعافه تهاونا، بل لانعدام الإمكانيات المالية، وحينما تمكّنتُ من اقتراض المبلغ المطلوب، ذهبنا به للعلاج”، ويذكر أن حياته المادية صعبة، وأنه يعتمد على رعي الأغنام لتوفير القوت اليومي لأسرته.

مقبنة تعز.. ثكنات الحرب تمنع إنقاذ حياة المرضى
نقالة مرضى متهالكة داخل مركز الكويحة الطبي عقب توقفه في مقبنة غربي مدينة تعز  (ريف اليمن/ سهيل الشارحي)

وبحسب منظمة اليونيسيف، يقف النظام الصحي في اليمن على شفير الانهيار بسبب النقص الحاد في الأدوية والمعدات والموظفين، وإذا لم يُوفر الدعم اللازم، فسيصبح الأمر كارثياً.

ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية، فإن 46٪ من إجمالي المرافق الصحية في اليمن، تعمل جزئيًّا، أو قد تكون خارجة عن الخدمة بشكل كلي.

قال مدير مكتب الصحة بمديرية مقبنة الدكتور توفيق الخليدي: “إن الحرب تسببت بإغلاق كثير من المراكز والوحدات الصحية في الأرياف، ما جعل حياة كثير من المواطنين أكثر تعقيدًا”.

وأضاف لمنصة ريف اليمن “أن المرافق الصحية، التي لا تزال تعمل، لا تقدم الخدمات الطبية للمواطنين بالمستوى المطلوب، وتعاني من نقص كبير في الكادر والمستلزمات”.

غياب دعم المراكز الصحية

إلى ذلك أرجع، نائب مدير مركز الأشروح الطبي، الدكتور جهاد التاج، سبب تراجع مستوى المراكز الصحية في تقديم الخدمات الطبية للمواطنين لغياب الدعم من قبل المنظمات والجهات الحكومية.

ويضيف لمنصة ريف اليمن: “المنظمات المتخصصة في المجال الصحي تستهدف المرافق الصحية في المدن بشكل متكرر، أما المراكز في المناطق الريفية، فلها النصيب الأقل من الدعم لوقت محدود”.

تماما مثل عبد الحفيظ ، مرّ المواطن محمود القاحلي (44 عاما) بمعاناة كبيرة، حينما أُصيب نجله بمرض الكوليرا قبل عامين، فقد مكث ليومين من دون علاج، بسبب بُعد المركز الصحي، وانعدام المال المطلوب لإسعافه.

يقول القاحلي لمنصة ريف اليمن: “بعد حصولي على المال، أسفعناه إلى مركز الأشروح لتلقي العلاج، لكن حالته تدهورت بسبب تضاعف المرض نتيجة الإسهال الحاد، وعلى الرغم من افتقار مركز الأشروح للعلاجات والأدوات، لم يكن هناك من خيار أمامنا”.

الطبيب ماهر الكويحي – أحد العاملين في المركز الصحي –  قال: “إن الحياة الصحية لسكان المنطقة ازدادت تدهورًا بعد إغلاق المركز الطبي الذي كان ملاذا للمواطنين للحصول على الخدمات الصحية”، ويلفت النظر إلى أنه قد تحوّل لثكنة عسكرية، وأن ممتلكاته الطبية نُهبت.

ويضيف لمنصة ريف اليمن “سكان المنطقة، خاصةً النساء والأطفال، يعانون ويلات المرض، ومعظم المواطنين لا يملكون المال للذهاب إلى المراكز الأخرى بسبب بعدها عن المنطقة”.

أطفال بدون لقاحات

ولا يحصل الأطفال على التطعيم ضد شلل الأطفال والحصبة والحميات، بحسب ما أفاد الطبيب الكويجي محذرا من أن حرمانهم من ذلك قد يتسبب بكارثة مستقبلية وانتشار الأمراض بما يسبب في ارتفاع نسبة الوفيات.

ويقول مصطفى غليس (أحد سكان المنطقة): “إن إغلاق المركز تسبب بحرمان الأطفال من اللقاحات، وعدد من الأطفال أصيبوا بالشلل والحصبة بسبب حرمانهم من اللقاحات”،

وناشد السكانُ – عبر منصة ريف اليمن – مكتبَ الصحة بالمحافظة والمنظمات بالنظر إلى حالتهم الصحية، والعمل على الحفاظ على حياة أطفالهم، وإعادة تفعيل المركز أو إنشاء مركز بديل للتخفيف من معاناة السكان.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، لم يُحصّن نحو ثلث الأطفال اليمنيين بشكل كامل ضد الأمراض الفتاكة الرئيسية التي يمكن الوقاية منها باللقاحات كالحصبة والحصبة الألمانية، وهذا أدى بالمجمل إلى حقيقة أن اليمن يعاني من أحد أعلى معدلات وفيات الأطفال في العالم.

وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من ثُلثَي سكان اليمن (21.6 مليون شخص) بحاجة ماسة إلى مساعدات وأصبح قرابة 17.8 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات صحية، ونصفهم أطفال، بحسب الصحة العالمية.

الطاقة الشمسية.. صديقة البيئة وسكان الريف

الطاقة الشمسية.. صديقة البيئة وسكان الريف
الألواح الشمسية.. طاقة صديقة تغطي معظم الريف اليمني

تلاشى ضجيج مضخّات الآبار الارتوازية والمولدات الكهربائية التي تعمل بالديزل في معظم مناطق الريف اليمني في السنوات الأربع الماضية، وذلك عقب إحلال منظومات الطاقة الشمسية النظيفة والصديقة للبيئة مكانها، لضخ المياه وإضاءة المنازل الريفية، ما أدّى إلى تصفير الاعتماد على الوقود الأحفوري الملوّث للبيئة، بحسب ما ذكره الشاب عثمان المرهبي لريف اليمن.

ونجح المرهبي وعدد من مزارعي 5 قرى بعزلة مرهبة – مديرية ذيبين – محافظة عمران، في شراء منظومات طاقة شمسية، لضخ المياه من الآبار الارتوازية، وريّ مزروعاتهم، بكل يُسر وسهولة، واستغنوا عن الديزل الملوث للبيئة.

وتُعدّ الطاقة الشمسية واحدة من مصادر الطاقة المتجددة في اليمن التي تتّسم بأنها واعدة؛ إذ تتمتع البلاد بأشعة شمس وفيرة، ويبلغ متوسط السطوع الشمسي نحو 3 آلاف ساعة سنويًا، وهذا يجعلها موقعًا مثاليًا لتطوير مشروعات الطاقة الشمسية، وتشجيع الاستدامة البيئية.

يضيف عثمان لريف اليمن: “استخدام الطاقة الشمسية النظيفة لم يقتصر على ضخ المياه، بل بدأ من استخدامها في إضاءة المنازل الريفية، بعد سنوات من انقطاع الكهرباء العامة وعدم توفر الغاز المنزلي، الأمر الذي حدّ من تلوث البيئة أيضا”.

الطاقة الشمسية.. صديقة البيئة وسكان الريف
منظومة شمسية مصغرة داخل إحدى مزارع محافظة عمران شمال اليمن (ريف اليمن/عبده حسين)

الطاقة الشمسية

ولا تنتج الطاقة الشمسية أي انبعاثات ضارة بالبيئة، مثل غازات الاحتباس الحراري التي تسبب تغير المناخ وتؤدي إلى زيادة درجة حرارة الأرض، وتعتبر مصدرًا نظيفًا ومتجددًا ومستدامًا لتوليد الكهرباء للمنازل والمستشفيات والمراكز والوحدات الصحية الريفية وضخ المياه للمزارع، بحسب ما أكده المهندس يوسف شمسان لريف اليمن.

بالإضافة إلى ذلك، لا تستهلك موارد طبيعية نفطية أو غازية، ومن ثَم تقلّل من الاعتماد على الوقود الأحفوري وتحد من التلوث البيئي، وفق شمسان. ويرى شمسان أن منظومات الطاقة الشمسية مكلفة وغالية الثمن عند إدخالها لأول مرة، غير أنه في أقل من عام بإمكان المستفيد استعادة رأس المال المدفوع لشراء المنظومات الشمسية.

وقد استهلكت بئر واحد في سنة نحو 27 مليون ريال قيمة محروقات، بمعدل استهلاك يومي 200 لتر، بينما كلفت المنظومة الشمسية للبئر نفسها نحو 13 مليون ريال فقط، ما يؤكد أنها ذات جدوى اقتصادية وبيئية وعائد ممتاز، وفق شمسان.

ووصف شمسان التقدم التقني والأداء المميز والأسعار المناسبة التي تتناقص تدريجيا، لبطاريات الليثيوم التي تعد جزء من المنظومات الشمسية بأنه “ثورة” بالفعل؛ إذ يصل سعر بطاريتين من هذا النوع إلى 3000 دولار أو أقل، بعمر افتراضي طويل نسبيا قد يصل إلى نحو ٢٥ عاما، ويمكنها تغطية احتياجات منزل متكامل مكون من أربع شقق.

أما في المناطق والمرتفعات الجبلية الباردة التي لا تستخدم المكيفات، ستغطي ضعف ذلك الاحتياج، بحسب شمسان الذي نوه بأن المحلات والشركات والفنادق والمستشفيات التي تستخدم هذا النوع من البطاريات، ستوفر نحو 70٪ من قيمة استهلاكها اليومي للمحروقات.

تساعد الطاقة الشمسية في الحد من تغير المناخ وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، وتوفر فرصا بديلة للحصول على الطاقة، لا سيما في المناطق النائية، وفق صحيفة الوقائع الصادرة عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، بعنوان “الابتكارات والممارسات الخضراء في القطاع الزراعي”.

وعلى الرغم من ذلك، تقول مصادر حكومية: “إن منظومات الطاقة الشمسية توفر 6000 ميغاواط لتشغيل الآبار الجوفية الخاصة بالمزارع في اليمن، وقد غطت كامل الاحتياج الكهربائي للزراعة، لكنها تسببت بكارثة بيئية مدمرة في استنزاف المياه الجوفية بصورة غير مسبوقة”.

تقليل ساعات شفط المياه

البروفيسور مروان ذمرين الأستاذ الجامعي بجامعة أوسكا وكبير اختصاصيي شركة تويو المنيوم ومدير العلاقات الدولية في جمعية الطاقة الشمسية اليابانية، أكد في حديثه لريف اليمن أن الطاقة الشمسية تقلل من ساعات شفط المياه، ولا تستنزفها كما يروج البعض، وتقلل تكاليف الإنتاج، بعد تغطية تكلفة تركيب أنظمتها في أول سنتين، وذلك نفي ضمني للاتهامات التي روّجتها مصادر حكومية.

وأكد ذمرين أنه “لا يوجد تلوث صناعي في اليمن التي لديها رصيد كاف من حصة الكربون، بل تفاوض على بيعها للدول الصناعية التي تعاني من نقص فيها”، داعيا إلى “تقنين استخدام الطاقة الشمسية لضخ المياه، وإعفاء مدخلاتها من الجمارك وتوعية المهندسين بكيفية تركيبها وصيانتها”.

وتتمتع اليمن بظروف مناسبة لحصاد الطاقة الشمسية، ويُقدر إجمالي إمكانات الطاقة الشمسية التقنية بنحو 17 جيجاواط للطاقة الشمسية المركزة على نطاق واسع، و2.2 جيجاواط لأنظمة الطاقة الشمسية المحدودة، وفق دراسة “التحول المستدام لنظام الطاقة اليمني” أعدتها مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية.

وبحسب الدراسة، يتراوح المتوسط السنوي للتعرض الشمسي في اليمن بين 5.2 إلى 6.8 كيلو واط/ساعة/متر مربع/ يوم، فيما سجلت محافظة عمران إشعاعا بين 6.6 إلى 6.7 كيلو واط/ساعة/متر مربع/ يوم.

الطاقة الشمسية.. صديقة البيئة وسكان الريف
ضخ المياه من إحدى الآبار الارتوازية بعمران باستخدام منظومة طاقة شمسية (ريف اليمن/عبده حسين)

ويرى البروفيسور ذمرين أن “الطاقة الشمسية صديقة للبيئة، والكهرباء الشمسية هي الأرخص عالمياً، ولا تزال أسعارها في تناقص”، مضيفا أن “توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية واستخدام بطاريات الليثيوم للبيوت يجعل المواطنين يستغنون عن الكهرباء التجارية”، وتوقع أن “جميع اليمنيين سيستخدمون الطاقة الشمسية خلال العامين المقبلين، خصوصا مع دخول بطاريات الليثيوم”.

واعتبر أن “إغراق السوق بألواح شمسية رديئة أدى لإيجاد صورة قاتمة لسوق الطاقة الشمسية، تسبب بها بعض التجار وسوء الاستخدام وغياب الضمانات”، ولفت إلى أن “دخول الطاقة الشمسية في قطاع الزراعة عام 2018، أعاد الثقة فيها، نتيجة استيراد ألواح ومنظومات شمسية ذات كفاءة، إضافة إلى منح ضمانات للمستهلكين”.

ونوه البروفيسور ذمرين إلى أنَّ “ضعف المحطات الكبيرة والشبكات الكهربائية الوطنية في تقديم خدمتها بالشكل المناسب للمواطنين، جعل من عملية التفكير بالاستفادة من الطاقة الشمسية ضرورة من قبل كثير من المواطنين في اليمن؛ لأنها الملاذ الوحيد على مستوى المنازل والمصانع التي كانت تُشغَّل اعتمادا على مصادر أخرى كالبطاريات ومحولات الديزل”.

طاقة صديقة للبئية

ونظراً لامتلاك اليمن مستويات عالية من الإشعاع الشمسي ولمتوسط عالٍ من ساعات السطوع الشمسي اليومي على مدار السنة، تُعدّ الطاقة الشمسية بديلًا مناسبا ومجدیا من جهة التكلفة مقارنة بإمدادات الكهرباء السائدة التي تعتمد على الوقود الأحفوري، بحسب ما أكدته دراسة “توسيع نطاق استثمارات الطاقة الشمسية في اليمن“، وبينت الدراسة أنه یمكن للقطاع الخاص أن يؤدي دورا حاسما في توسيع نطاق توليد الطاقة الشمسية في اليمن، لا سیما في تنفيذ المشاريع الكبيرة والشبكات الصغيرة.

ومنذ عام 2016 حصلت غالبية الأسر اليمنية على منظومة لتوليد الطاقة الشمسية، وبلغت نسبة الأسر التي تمتلك منظومات شمسية منزلية في ريف محافظة عمران 78% خلال العام الجاري 2024م، مقابل 22% لا تمتلك منظومات إضاءة شمسية، و80% لديها منظومات شمسية للآبار، مقابل 20% ليس لديها منظومات للآبار، ممن استُطلعت آراؤهم، بحسب استبيان إلكتروني أجرته منصة ريف اليمن، على 150 مواطنا من أبرز المستفيدين من خدمات الطاقة الشمسية في مديريات ذيبين وخمر وريدة وبني صريم وحوث وحرف سفيان والقفلة والعشة وصوير والسودة.

ويوجد في اليمن فرص ممكنة لتنفيذ ثلاث فئات من مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية هي مشاريع الطاقة الشمسية الكبيرة، وشبكات الطاقة الشمسية الصغيرة، وأنظمة الطاقة الشمسية الصغيرة والمتوسطة، وفق دراسة “توسيع نطاق استثمارات الطاقة الشمسية في اليمن”، الصادرة عن مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن.

المانجو اليمني: جوهرة ثمينة يستهدفها التشويه

المانجو اليمني: جوهرة ثمينة يستهدفها التشويه
مانجو يمني يسمى "قلب الثور" بسوق ذهبان المركزي للفاكهة في صنعاء (الإعلام الزراعي)

يتحسّر المزارع محمد سعدان (37 عاما) بشدة، وهو ينظر إلى محاصيله من ثمار المانجو مكدّسة داخل مزرعته، نتيجة قلة الطلب، وتراجع نسبة التصدير، فضلا عن الشائعات وحملات التشويه التي استهدفت المحصول، الأمر الذي تسبب له كغيره من المزراعين بخسائر مالية كبيرة.

وانتشرت شائعات التشويه التي روجت لإصابة ثمار المانجو بالديدان كالنار في الهشيم، وتداول كثيرٌ من رواد التواصل الاجتماعي صورا تُظهر بعض حبات فاكهة المانجو التي تعرّضت لسوء تخزين، وهي مصابة بالديدان، محذرين من شراء المانجو، الأمر الذي يُعتقد أنه أسهم في ارتفاع نسبة الكساد.

تشويه المانجو اليمني

يقول سعدان لمنصة ريف اليمن إنه زرع ما يزيد عن 15 معادا (المعاد = 4.400م²) بأشجار المانجو قبل عشر سنوات، بعد أن باع جزءا من أراضي مزرعته من أجل حفر الآبار، وشراء الشتلات، وتوفير منظومة شمسية تساعده في حال غلاء المشتقات النفطية، متفائلا بالمواسم القادمة.

ومنذ سنوات ارتبطت علاقة سعدان، المنحدِر من ريف مديرية الضَحي -محافظة الحديدة، بتجار محليين يقومون بشراء وتصدير المانجو إلى المملكة العربية السعودية وغيرها، أما هذا الموسم فكان الإقبال ضعيفا، مما رفع نسبة الكساد، ولم يتمكن من إعادة خسارته التي تزيد عن 16 مليون ريال يمني (الدولار 530 ريالا).

ولا يُخفي سعدان خيبة الأمل، نتيجة الكساد الذي شهده الموسم الحالي، لا سيما بعد خسارته مبالغ مالية لشراء مبيدات وأسمدة، بهدف الحفاظ على منتجه من الآفات الزراعية، وللحصول على ثمار ذات جودة عالية من أجل بيعها وتصديرها للخارج.

يقول المهندس الزراعي عبد الرحمن شوقي: “إن ظهور الديدان في بعض ثمار المانجو، ناتج عن سوء التخزين بدرجة أساسية، وتعرض الثمار للذبابة البيضاء التي تضع بيضها لتفقسَ بعدها على شكل يرقات (ديدان)”.

وأضاف شوقي لمنصة ريف اليمن أن من الأسباب كذلك بعض المبيدات الحشرية التي لا تقضي على الحشرات والآفات الزراعية، بل قد يتسبّب خلطها مع مبيدات أخرى، بإنتاج مادة جديدة لا علاقة لها بمكافح بالحشرات والفطريات، بل تعمل على تسميم النباتات. ويحذر من استخدام المبيدات المحظورة مثل كابتافول، ديكلورفوس، دي دي، ميثيوكارب، ميثو ميل، وغيرها، لما تمثله من خطورة على الأرض والنباتات والحيوانات والإنسان.

ويواجه مزارعو تهامة عدة صعوبات، منها تلاعب كبار المصدّرين بأسعار المنتجات، وزيادة نسبة العرض على الطلب، وغياب التسويق والدعم الحكومي، مما يُثقل كاهلهم ويعيق قدرتهم على الاستمرار في الزراعة.

ومنذ سنوات تعاني مناطق تهامة من كساد للمنتجات المتنوعة سواء الفواكه أم الخضروات، الأمر الذي انعكس سلبا على الأوضاع المعيشية لسكان تهامة الذي يعتمد غالبيتهم على الزراعة، وسط مطالبات للجهات الحكومية والمنظمات المهتمة بالزراعة إلى الالتفات إلى قطاع وتحديد أسعار المنتجات وفقا للطلب والأسعار العالمية.

المانجو اليمني: جوهرة ثمينة يستهدفها التشويه
فاكهة المانجو نوع “تيمور” معروض للبيع في سوق ذهبان بالعاصمة صنعاء (الإعلام الزراعي)

ويبدأ موسم المانجو في آذار/ مارس وتنتهي أواخر حزيران /يونيو من كل عام، في عدد من المحافظات، وتتصدر محافظات حجة والحديدة نسبة الإنتاج، يليها محافظة لحج وتعز وحضرموت، بالإضافة إلى بعض المناطق الأخرى.

تهامة وزراعة المانجو

وتعتبر فاكهة المانجو من أكثر المنتجات الزراعية جودة في تهامة ومن أهم أصنافها: تيمور، قلب الثور، السمك السوداني، وقد بلغ صادرات مانجو التيمور 51090 طنا، و12260 طنا من قلب الثور، فيما وصل إنتاجها من صنف السمكة 3189 طنا، و893 طنا من المانجو السوداني، وفقا لتقرير قسم التسويق بالمنطقة الزراعية الوسطى بالهيئة العامة لتطوير تهامة.

أما المزارع مشهور (42 عاما) فقد رسم صورة قاتمة لمحصول فاكهة المانجو الذي يعتبر من أهم المحاصيل الزراعية في تهامة، فقال لـمنصة ريف اليمن: “إن الموسم الحالي هو الأسوأ على الإطلاق”.

وأضاف: “شهد الموسم الحالي سلسلة من الصعوبات التي جابهت المزارعين، بداية بارتفاع معدل الإنتاج عن الأعوام الماضية، ومثّل انتشار شائعات إصابة المانجو بالديدان ضربة كبيرة للمزارعين، مما زاد من تكدّس كميات كبير داخل المزارع، واستغلال تجار الجملة للمزارعين”.

ورغم تفاوت أسعار المانجو في كل موسم، لم تشهد تدنيّا مثل هذا العام، فقد هبط سعر السلة التي تزن 20 كيلوجراما من المانجو التيمور إلى 5 ألف ريال يمني، فيما وصل سعر السلة المانجو الأقل جودة إلى ثلاثة آلاف ريال (أقل من 6 دولار)، وبعض أصناف المانجو لا تُباع بتكاليف جنيها.

ويعتقد المزارع أنور فاضل أن الحملة التي استهدفت المانجو هي منظمة لتشويه سمعة وزراعة المنتج الذي يغطي الأسواق المحلية وتصدر كميات كبيرة منه إلى الخارج.

وأضاف: “عندما رأينا أن تهامة تحصد أفضل المانجو الطبيعي، شعرنا بالفخر والإلهام. نحن فخورون بأن نكون جزءًا من هذه الزراعة المزدهرة، ونحن ملتزمون بالحفاظ على معاييرنا العالية، رغم كل الحملات التي تستهدف المنتج”.

مخاوف وحلول

المواطن عبدالرحمن زُريقي أبدى مخاوف كبيرة من أن يعزف المزارعون عن زراعة المانجو مستقبلا، مخافة تكبدهم خسائر فادحة كما حصل هذا الموسم.

ويعجز غالبية المزارعين عن شراء المبيدات الزراعية المحددة ورشّها في الأوقات المناسبة، مما يضاعف من احتمالية تكاثر وانتشار الآفات الزراعية وقلة الإنتاج، ويلجأ الغالبية منهم إلى الاقتراض من أجل شراء المعدات الزراعية، وتوفير البذور لبعض المحاصيل، وتُسدّد عند الحصاد، وهو ما عجز عنه مزارعو المانجو هذا العام، كما هو الحال بالنسبة للمزارع محمد مشهور.

الكاتب الاقتصادي محمد الجماعي قال: “إن الكساد الحاصل في كثير من المنتجات الزراعية يترتب عليه خسائر كبيرة على المزارعين وصغار التجار، وسيؤثر على الأيادي العاملة في القطاع الزراعي وخاصة في المناطق التهامية الأكثر فقرا في البلاد”.

وأضاف  لمنصة ريف اليمن: “ما يحدث من كساد هو نتيجة متوقعة للأسف في ظل غياب القانون والجهات المعنية بالتسويق والمواصفات والمقاييس، الأمر الذي فتح المجال أمام كبار التجار والمصدرين للتلاعب بأسعار المنتجات المحلية، إضافة إلى ضعف القوة الشرائية لدى المواطن اليمني، مما ساعد على زيادة كساد المنتج ومنها المانجو”.

واقترح الجماعي، حزمة من الحلول لتفادي الخسارة في المواسم القادمة، أهمها فتح المنافذ والطرقات، وإنشاء جمعيات تدعم القطاع الزراعي بتوفير البذور والمعدات الزراعية، وشراء المنتج المحلي بأسعار ثابتة تساعد المزارع على الاستمرارية في المستقبل.

وأدى إغلاق منفذ حرض البري الذي كان يعتمد عليه المزارعون والتجار في تهامة لتصدير المنتجات، أدّى إلى شل حركة القطاع الزراعي وفرض تكاليف مضاعفة نتيجة المسافات الكبيرة، مما تسبب في كساد المحصول وخسارة المزارع بشكل مباشر.

ذمار: طُرق “عُتمة” شريان الحياة المقطوع

ذمار: طُرق "عُتمة" شريان الحياة المقطوع

يكابد المواطن علي محمد قطع مسافة طويلة مشيًا على الأقدام، سواء لشراء احتياجات أسرته الضرورية، أو للذهاب إلى عمله بسبب انعدام الطريق، الذي يُعد شريان الحياة لسكان قريته الجبلية الواقعة بمحمية عُتمة بمحافظة ذمار وسط اليمن.

يعمل عبد الكافي عاملاً بالأجر اليومي، ويسابق شروق الشمس للعمل، فيقطع نحو اثنين كيلومتر، كي يصل إلى الطريق الرئيسي، ويقول: “نكابد الحياة لتأمين المتطلبات اليومية لأفراد العائلة، وانعدام الطريق يثقل كواهلنا”.

عبدالكافي واحد من السكان الذين يعيشون في المناطق الريفية النائية بريف محافظة ذمار، وبقية المحافظات اليمنية، ويواجهون صعوبات وتحديات جمة في مختلف مجالات حياتهم، بسبب انعدام الطرقات أو وعورتها في قراهم، ويستخدم غالبية السكان الحمير والجمال، لنقل احتياجاتهم.

مشقة قاسية وتكاليف مضاعفة يتكبدها سكان قرية القابل وما جاورها، وسكان قريتي نقيل الحداد، في محمية عُتمة بمحافظة ذمار بسبب غياب الطريق، ويحرم أطفالهم من مواصلة تعليمهم الدراسي، في حين تواجه النساء ويلات المعاناة خصوصا النساء الحوامل وكبار السن.

وتوجد أقرب مدرسة على بعد نحو 2 كيلومتر، أما أقرب مركز صحي، فيبعد عن القرية بحدود 4 كيلو متر تقريبا، ويتحمل السكان أعباء مضاعفة بسبب غياب الخدمات الصحية، وذلك يتطلب مشقة سفر قد تنتهي أحيانا بوفاة المريض قبل وصوله لأقرب مشفى، ويكلف السفر من القرية إلى مراكز المدينة مبالغ مالية كبيرة، وذلك بدوره أثقل كاهل المواطن اليمني الذي يعيش أوضاعاً قاسية.

ذمار: طُرق "عُتمة" شريان الحياة المقطوع
صورة عامة تظهر منطقة القابل وماجاورها في عُتمة بمحافظة ذمار (ريف اليمن/ رفيق محمد)

وتقول تقارير الأمم المتحدة إن 80% من سكان اليمن البالغ عددهم 32 مليوناً بحاجة إلى المساعدات، في حين تعاني المنظمات الإغاثية من نقص في تمويل عملياتها الإنسانية، ما يؤثر سلباً على حياة كثير من الفقراء في البلد خصوصاً سكان المناطق الريفية الذين يشكلون 70% من السكان في اليمن.

يروي محمد عبد الكافي معاناة رحلته الشاقة، فيقول لمنصة ريف اليمن: “لا يوجد في القرية محلات تجارية، ولا خدمات ضرورية، لذلك يجب علينا قطع مسافة طويلة وشاقة، تفتقر قريتنا حتى لوجود طريق يسمح بمرور الدراجة النارية نظرا لوعورة المنطقة الجبلية التي نعيش فيها”.

ويضيف: “نعتمد على الحمير في نقل الدقيق والسكر وغيرها من احتياجاتنا الأساسية، الطريق التي نسلكها جبلية تحتوي على عقبات صعبة، وممرات ضيقة، ومنحدرات تعرض حتى حياة الحيوانات التي نعتمد عليها للخطر”.

طرق وعرة

ويلفت إلى أن قريتهم تتميز بجمال طبيعتها وعلى ضفاف سائلة وجيس إحدى السيول أو الأودية المائية في محمية عتمة التي تستمر طوال العام لكن غياب الطريق لعبور المركبات يفسد علينا تلك المتعة.

تختلف معاناة المواطنين من قرية لأخرى، فهناك قرى ريفية تتوفر فيها طرقات، لكنها طرق ترابية وعرة ومتهالكة بسبب سيول الأمطار والسيول التي عملت على تجريف التربة خلال السنوات الماضية، وهي حاليًا بحاجة ماسة إلى تعبيد حتى تصبح متاحة لعبور كافة المركبات دون صعوبات.

ومن ذلك عزلة الشرم العالي المحاطة بالجبال الشاهقة بمحمية عتمة، حيث يستخدم السكان سيارات قديمة لنقل الخدمات والمواد الغذائية وإسعاف المرضى، ويتم العبور فيها رغم المخاطر الكبيرة جراء تهالكها. ويشكو السائقون من تعرض سياراتهم لأضرار مختلفة تكلفهم إنفاق مبالغ مالية باهظة في إصلاحها مرات عديدة سنوياً للأسباب نفسها.

“الطرق الوعرة”.. شريان الحياة المقطوع في عُتمة ذمار
مناظر للطبيعة الخلابة في محمية عُتمة في ذمار (فيسبوك/ طلال نهشل 2023)

تجدر الإشارة إلى أن الطرقات التي تربط قرى عزلة الشرم شقّتها الدولة قبل الحرب، لتسهيل حركة السكان وتخفيف معاناتهم، لكن العمل عليها لم يُستكمل بشكل نهائي، ولم يُستعمل الأسفلت أو الجدران الساندة وتصريف مياه السيول، مما أدى إلى انهيار الطرقات والتي بدورها انعكست سلبًا على حياة المواطنين.

ويضطر توفيق الرميش (٣٣ عاما) عند قدومه من صنعاء، إلى إيقاف سيارته الصغيرة على بعد ثلاثة كيلو مترات من قريته بسبب وعورة الطريق ثم يواصل السفر على متن سيارة قديمة بتكلفة مالية مضاعفة.

أعباء مضاعفة

يقول الرميش بأنه يقضي وقتاً طويلاً في السفر على متن إحدى السيارات القديمة بسبب وعورة الطريق التي تجبر السائقين على قيادة سياراتهم ببطء لأنهم يخشون من التعرض للسقوط.

ويضيف الرميش لمنصة ريف اليمن: “أخشى على سيارتي من التعرض للسرقة. أتمنى التمكن من الوصول إلى قريتي على متنها؛ لأن ذلك الوضع يضاعف الأعباء ويكلفني كثيرا من الجهد والمال”.

على غرار توفيق يتكبّد السكان في عزلة الشرم أعباء مضاعفة بمختلف مجالات حياتهم بسبب وعورة الطريق؛ إذ يقول أمين العزي (50 عاما) إنه واجه صعوبات كبيرة في نقل مواد البناء أثناء قيامه بتشييد منزله في القرية.

وأضاف لمنصة ريف اليمن أن تكاليف النقل كلفته ضعف تكاليف شراء المواد، وكبدته خسارة كبيرة لم يستطع بسببها إكمال تشييد المنزل، وفي حال كانت الطريق سالكة سيوفر نصف المبلغ الذي صرفه دون إكمال البناء.

وتعاني غالبية المناطق الريفية اليمنية، خاصة القرى الجبلية، من انعدام الطرقات، أو وعورتها، الأمر الذي يشكل عبئا يثقل كاهل السكان، ويفاقم من معاناتهم، خاصة المرضى وكبار السن، ومما يزيد المشكلة قتامة هو غياب أي دور للجهات المختصة لوضع الحلول الممكنة.

سكان تهامة بين جحيم النزوح وتوسع رقعة الفقر

سكان تهامة بين جحيم النزوح وتوسع رقعة الفقر
أطفال يأكلون الخبز الذي جمعوه من مكب للقمامة على مشارف (الحديدة / صوت أمريكا

يقف عبد الرحمن البحري (45 عاما)، على متن دراجته النارية، تحت أشعة الشمس الحارقة بشكلٍ يومي في شوارع مدينة الحديدة الساحلية، ينادي المتسوّقين الذين يمرون بجواره للركوب معه لإيصالهم إلى الأماكن التي يقصدونها، بهدف توفير الاحتياجات الضرورية لأفراد عائلته.

يسكن البحري مع أسرته المكونة من 9 أفراد، في شُقة شعبية بمحافظة الحديدة جنوب غرب اليمن، بعد أن أجبرته الحرب على النزوح من مديرية الخوخة مطلع عام 2018.

ويمرّ النازحون في تهامة بحالة إنسانية صعبة لانعدام فرص العمل، وإيقاف المساعدات الإنسانية، وتراكم ديون الإيجارات، وعجز غالبيتهم عن العودة إلى القرى الريفية نتيجة لارتفاع تكاليف البناء لاستعادة منازلهم التي دمرتها الحرب، بيد أن انتشار الألغام يُعدّ العائق الأخطر.

جحيم النزوح في تهامة

يحتاج البحري إلى المال لشراء المواد الغذائية الأساسية، لكنه يشكو من قلة الدخل، فهو يعتمد على دراجته النارية التي تُعدّ مصدر دخله الوحيد؛ إذ يقول إن ما يحصل عليه من العمل طوال اليوم لا يتعدى نحو 4 ألف ريال يمني، أي ما يعادل 8 دولار أمريكي، وهي لا تكفي لشراء أبسط الاحتياجات الضرورية.

وقال البحري لمنصة ريف اليمن متحدثا باللهجة التهامية: “الناس كرهوا ام عيش (العيش)” ويضيف: “لا رواتب ولا فرص، العمل تراجع بشكل غير مسبوق. أقضي ساعات أنتظر المارّة، لكنهم يفضلون المشي على الأقدام لأنهم لا يمتلكون تكاليف المواصلات”.

ويضيف البحري أن شحّ الدخل وظروفه المعيشية التي يمر بها أجبرته على التخلي عن كل شيء، عدا الاحتياجات الأساسية التي تبقيه مع أسرته على قيد الحياة، ودفع إيجار الشقة التي يسكن بها.

وفي ظلّ المعاناة التي يتكبّدها النازحون يحنّ البحري إلى الحياة الريفية التي كان يعيشها قبل النزوح رغم بساطتها، في إشارة إلى أنها لا تثقل كاهل أرباب الأسر كما هو الحال في المدن.

وتقول الحكومة المعترف بها دوليا إن نسبة انعدام الأمن الغذائي وصلت إلى 60% من السكان، وهناك 80% من السكان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فضلاً عن نزوج حوالي 4.3 مليون إنسان، جلهم يفتقرون إلى الخدمات الأساسية.

مشقة البحث عن عمل

الظروف القاسية نفسها أجبرت محمد راشد (50 عاما) على مغادرة قريته التي يعيش فيها بمديرية جبل رأس بالحديدة، متجها صوب محافظة إب وسط اليمن، في سبيل البحث عن مصدر دخل يعول به أسرته المكونة من 6 أفراد.

يعمل راشد بالأجر اليومي في مهنة البناء، وتشييد وترميم المنازل الريفية مقابل أجر لا يساوي ما يبذله من جهد وإتقان وما قد يتعرّض له من مخاطر أثناء عملية البناء نتيجة لغياب أدوات السلامة.

ويتعرّض العمال لكثير من المخاطر، كما تعرض راشد قبل عامين؛ إذ سقط من الطابق الثاني وتعرّض على إثر ذلك إلى كسر في ساقه اليمنى، وما زال يعاني من آثاره حتى اللحظة.

جرت العادة أن يغترب معلم البناء راشد ما بين خمسة إلى 8 أشهر في العام ثم يعود إلى أسرته، لكن ظروف الحياة القاسية أجبرته على الاغتراب مدة أطول، ليستطيع توفير متطلبات الحياة.

بينما تنتظر أسرة راشد عودته لشراء الاحتياجات الأساسية، يشكو لمنصة ريف اليمن من انعدام فرص العمل قائلاً: “على الرغم من الحرب في السنوات الماضية، كنا نتمكن من الحصول على أعمال لمدة شهرين ثلاثة متواصلة، لكن في هذا العام توقف غالبية العمال عن العمل، ولا نحصل إلا على المصاريف”.

توقف المساعدات

مع دخول الحرب في اليمن عامها العاشر، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، تتضاعف معاناة سكان المناطق الريفية بريف تهامة، لا سيما عقب إعلان منظمة الأغذية العالمي للأمم المتحدة في اليمن إيقاف المساعدات مؤقتا في 5 ديسمبر 2023.

أعلنت المنظمة عن إيقاف برنامج المساعدات الغذائية في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، بسبب ما أسمته محدودية التمويل وعدم التوصّل إلى اتفاق مع السلطات هناك من أجل تنفيذ برنامج أصغر يتناسب مع الموارد المتاحة للأسر الأشد فقرا.

ويهدّد قرار إيقاف المساعدات الغذائية بانعدام الأمن الغذائي وزيادة المجاعة؛ إذ تؤكد شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة FEWS أن ملايين الأسر في اليمن ستواجه فجوات غذائية شديدة عام 2024، وتشير إلى أن ما بين  18 إلى 19 مليون شخص سوف يحتاجون إلى مساعدات غذائية عاجلة بحلول مايو من العام الجاري.

ويرى المحلل الاقتصادي محمد الجماعي أن إيقاف المساعدات الإنسانية سيؤثر على الأسر بشكل متفاوت، مشيرا الى أن النازحين هم الأكثر تضرّرا من بين كل الفئات.

وقال الجماعي لمنصة ريف اليمن: “إن المشكلة الحقيقية تتلخّص في غياب فرص العمل في ظل استمرار انقطاع المرتبات الحكومية للموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، الأمر الذي يضاعف من معاناة السكان”.

وأدى انقطاع المساعدات الإنسانية إلى انتشار الفقر والمجاعة في الساحل التهامي الأشد فقرا في اليمن، ويشكل سكان محافظة الحديدة نسبة 11% من إجمالي سكان البلاد، ويصنف غالبيتهم من الفقراء المعدمين، ويعملون في الزراعة والرعي والصيد والصناعات الحرفية.

وتسببت عدة عوامل في زيادة الأسر المحتاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وقد بلغت نسبة ذلك إلى 82% وفقا لبيانات حكومي سابقة، ومن تلك العوامل طبيعية الساحل التهامي الذي تسيطر على أجزاء منه قوات الحكومة المعترف بها دوليا.

جبل الحُشاء الضالع: وجهة سياحية خلاّبة

جبل الحُشاء الضالع: وجهة سياحية خلاّبة
جانب من جبل الحشاء بمحافظة الضالع جنوب اليمن (ريف اليمن/ نائف الحساني)

يُعدّ جبل الحُشاء واحدا من أهم الأماكن السياحية التي يقصدها الزائرون من محافظة الضالع، ومحافظات يمنية أخرى في موسم هطول الأمطار.

ويقع الجبل في الجنوب الغربي لمحافظة الضالع وسط اليمن، ويبلغ ارتفاعه 2000 متر على سطح البحر، ويشتهر بالمرتفعات الجبلية، والأودية الواسعة، والشلالات المتدفقة، والمناظر الطبيعية الخلابة، وهو يربط بين أربع محافظات يمنية: تعز، إب، الضالع، لحج.

ويتميز الجبل أيضا بوجود تراث معماري قديم أسهم في تحويله متنفّسا للزائرين؛ إذ يقصده كثير للترفيه عن أنفسهم بأقل التكاليف، رغم وعورة الطريق وغياب الخدمات.

“فاضل المحمودي، يقول لـ منصة ريف اليمن إنه،  يحرص على الذهاب مع أفراد عائلته إلى الجبل، من أجل مشاهدة المناظر الطبيعية في فصل الصيف، فهو مثل المئات من المواطنين يُفضل التنزه هناك، هربا من ضجيج المدينة، وبحثا عن الهدوء.

السياحة في جبل الحُشاء

يضيف المحمودي لمنصة ريف اليمن قائلا: “أذهب سنوياً مع أفراد الأسرة ثلاث زيارات إلى مناطق مختلفة في الجبل لقضاء وقت ممتع مع أجواء الطبيعة الخلابة والترفيه عن أنفسنا، نتناسى خلالها عن كل ضغوطات الحياة ومشاكلها”.

“ويتميز جبل الحشاء بطبيعة خلابة، ووجود أنواع المحاصيل الزراعية وآلاف الأشجار، ونستمتع بالهواء النقي بعيدًا عن ضجيج المدن، خاصةً عندما نصعد إلى جبل علمان الشاهق”، يقول المحمودي.

أما الشاب العشريني فهد الشَّغْدري الذي زار جبل الحشاء، فيقول: “وجدتُ نفسي في السماء أثناء زيارة الجبل الذي يطلّ على بلاد قَعْطبة والعَود والشِعِر وبَعدان التابعة لمحافظة إب، وأجزاء من محافظة تعز، ومن الناحية الجنوبية يطل الجبل على جبال الأزارق وعدن وجبال الضالع”.

ويضيف الشغدري الذي ينحدر من مديرية ماوية بمحافظة تعز لمنصة ريف اليمن أنه زار المعلم الأثري المتمثل بـ”قلعة صفاف”، وهي باحة سماوية كبيرة توجد فيها بركة رخامية، بالإضافة إلى زيارة أماكن أخرى، لافتا أن زيارة الجبل لا تحتاج إلى كثير من المال، على عكس الحدائق والمتنزهات في المدن.

جبل الحُشاء الضالع: وجهة سياحية خلاّبة
لقطة من أعلى جبل الحشاء في ريف محافظة الضالع جنوب اليمن – (ريف اليمن/ نائف الحساني)

معالم أثرية

يزخر جبل الحشاء بوجود عدد من القلاع، أعلاها وأشهرها قرضان وعلمان ووعل وقلعة صفاف التاريخية التي تمتاز بحصانة موقعها، وأهم محتوياته الأثرية المباني المشيدة، وبقايا أساسات الأبنية والأسوار والبرك المنحوتة في الصخور.

كما يزخر الجبل بكثير من المعالم الأثرية مثل مسجد بكر بن مبارك، الذي بُني بأحجار أثرية تعود إلى ما قبل الإسلام، وعلى تلك الحجارة نقوش بخط المسند، لكنها مطموسة ومشوهة، وفيه بركة مائية مبنية بالحجارة والقضاض، ويضم المسجد ضريح الفقيه بكر بن مبارك.

يقول المؤرخ والمرشد السياحي مسعد الجنيد: “جبل الحشاء يتمتع بعدد من الحصون التي تجذب الزائرين إليه، وأهمها حصن المنار في قمة يراخ، وحصن الناصبة في علمان، وحصون كثيرة مثل وعل، والقعوي، والمصوام، والحديدة، وخلبان، وغيرها”.

وأضاف الجنيد لمنصة ريف اليمن: “الجبل يوجد به كثير من الشواهد التاريخية، والمعالم السياحية؛ إذ إن الآثار والنقوش المكتشفة فيه تعود إلى العصر الحميري الثاني، ويكتشف ذلك من خلال النقوش المدونة التي كتبت بخط المسند، والتي سبق اكتشافها بقرية المقدار وقرضان، وفي ذلك دلالة واضحة عن اللمسات الحميرية في الجبل، لا سيما خلال العصر الحميري الثاني”.

وعن أسباب اندثار كثير من المعالم السياحية والأثرية، قال الجنيد: “ذلك يرجع إلى الحروب التي تعرضت لها بلاد الحشاء قديما سواء بين بعض أقيالها، أم بين أقيالها ومركز الحكم في حينه”.

وأما السبب الأخر، وهو الأهم بحسب الجنيد، فما تعانيه البلاد برمتها من تدني الوعي بقيمة الموروث التاريخي، ولا سيما مع تنامي ظاهرة هوس البحث عن الكنوز.

جبل الحُشاء الضالع: وجهة سياحية خلاّبة
شلال وادي بقر الذي يتوسط جبل الحشاء (ريف اليمن/ نسيم المسلمي)

تداعيات الحرب

أدت المواجهات العسكرية التي شهدتها محافظة الضالع خلال السنوات الماضية إلى إغلاق الطرق الرئيسية بين المحافظة ومحافظات أخرى، وكذلك بين بعض المديريات، مما انعكس سلباً على حياة المواطنين، وأدى إلى تراجع أعداد الزائرين للجبل.

يقول مروان الحوشبي وهو أحد سكان مديرية قعطبة: “قبل الحرب، كنت أقضي إجازة عيد الأضحى في جبل الحشاء الذي ينعش الروح بالهواء الريفي النقي، والمنتزه السياحي للمحافظة، لكن بعد أن نشبت الحرب، توقفت السياحة والحركة في ظل انقسام المحافظة، واكتفيت بقضاء إجازة العيد جوار البيت”.

ويشكو فاروق الحساني من وعورة الطريق قائلاً: “عندما أذهب للسياحة في جبل الحشاء أوقف الحافلة أسفل الجبل؛ لأن الطريق وعرة، وليس بمقدور الحافلة الوصول إلى الجبل، نتيجة المنعطفات الوعرة، فاضطر إلى استئجار دراجة نارية بتكلفة مضاعفة”.

من جانبه يقول الناشط الحقوقي مازن اليافعي: “رغم جمال الجبل وكثرة الزوار إليه كل عام، لم تصله بعض الخدمات كالأسفلت والكهرباء وخدمة الإنترنت، ولا توجد به مراكز صحية، وكوادر مؤهلة لعلاج القاطنين فيه، فيضطر الأهالي إلى الذهاب إلى المدينة لتلقي العلاج”.

ويضيف اليافعي لمنصة ريف اليمن: “الطرقات الجبلية الواصلة بين الجبل والمدينة وعرة جدًا، ويفقد كثير من سكان الجبل حياتهم جراء سقوط مركباتهم في تلك الطرقات”.

وفي ظل غياب الدولة لجأ السكان في جبل الحشاء إلى المبادرات التعاونية لإزالة الأحجار وردم الحفر وشق طرق جديدة بأيديهم، لتخفيف معاناة المواطنين وتسهيل وصول الزائرين.