السبت, 31 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تعليم

مجمع أكروف التعليمي.. 15 عاما من الإغلاق وأبناء الريف ينتظرون

عزالدين الصوفي 📅 أكتوبر 31, 2026

منذ أكثر من خمسة عشر عاما، يقف المجمع التربوي في منطقة الأكروف، التابعة لمديرية شرعب السلام شمال محافظة تعز، مغلقًا رغم أنه أُنشئ لتوفير مساحة تعليمية أوسع لأبناء المنطقة والعزل المجاورة، وخلال هذه السنوات، ظلت الحاجة إلى المنشأة قائمة، فيما تنقلت المقترحات بشأن مستقبلها بين إعادة تشغيلها كمجمع تعليمي وتحويلها إلى فرع جامعي أو كلية أو معهد، دون أن يتحول أي منها إلى واقع يستفيد منه الطلاب.

وعلى مدى عقود، ارتبط التعليم في الأكروف بمدارس صغيرة وضيقة بدأت بإمكانات محدودة، قبل أن تتزايد الحاجة إلى منشآت تستوعب أعداد الطلاب وتوفر لهم بيئة تعليمية أفضل، وجاء إنشاء المجمع التربوي استجابة لهذه الحاجة، وكان يفترض أن يشكل نقلة في واقع التعليم بالمنطقة، إلا أن المبنى ظل خارج العملية التعليمية منذ إنشائه.

وبينما واصلت المدارس الأخرى استقبال الطلاب وفق إمكاناتها المتاحة، بقي المجمع حاضرًا في المشهد دون أن يؤدي الدور الذي أنشئ من أجله. ومع تباعد التجمعات السكانية ومحدودية الخيارات التعليمية، خصوصًا في المراحل المتقدمة، أصبح استمرار إغلاقه مصدرًا لمزيد من التساؤلات لدى الأهالي بشأن أسباب تعثر تشغيله والجهات القادرة على حسم مستقبله.

ولا تقتصر القضية على مبنى مغلق منذ سنوات، بل تتجاوز ذلك إلى احتياجات تعليمية متزايدة، وفرص لم يتمكن أبناء المنطقة من الاستفادة منها، في وقت لا يزال فيه السكان ينتظرون تحويل المنشأة إلى مساحة تعليمية تخدم الأكروف والعزل المجاورة.


مواضيع مقترحة


مشقة الوصول

بالنسبة لعمرو أحمد، طالب المرحلة الثانوية من أبناء الأكروف، يمثل المجمع المغلق فرصة تعليمية لم يتمكن هو وزملاؤه من الاستفادة منها. ويقول إن الوصول إلى المدرسة يفرض عليه وعلى طلاب آخرين مشقة يومية، كان من الممكن تخفيفها لو جرى تشغيل المجمع لقربه من مناطقهم.

ويضيف أحمد لـ”ريف اليمن”: “أذهب إلى المدرسة يوميًا من منطقتي، والطريق والمسافة يجعلان الوصول إلى التعليم أكثر مشقة، خصوصًا في بعض الظروف. لو كان المجمع مفتوحًا ويعمل، لكان ذلك أسهل بالنسبة لي ولعدد كبير من الطلاب في المنطقة. نحن بحاجة إلى المجمع، ومن المؤسف أن يبقى مبنى تعليمي موجودًا منذ سنوات، بينما نضطر نحن الطلاب إلى البحث عن مدارس أخرى”.

لكن واقع التعليم في الأكروف لا يرتبط ببعد المدارس وحده؛ إذ تعاني المنطقة والعزل المجاورة، وفق التربوي مهيوب عبده فرحان، من شح بعض التخصصات التعليمية، خصوصًا في المرحلة الثانوية، إلى جانب تراجع مستوى المخرجات التعليمية ونقص الكوادر المتخصصة.

ويقول فرحان لـ”ريف اليمن” إن مشكلة التعليم في المنطقة لا يمكن اختزالها في عدد المدارس أو وجودها من عدمه، موضحًا أن المدارس قائمة، لكن التخصصات التي تحتاجها المرحلة الثانوية شحيحة، وبعضها لا يتوفر إلا بصورة نادرة.

ويضيف أن نقص الكادر يمثل جزءًا أساسيًا من المشكلة، بعدما أُحيل معلمون إلى التقاعد، وغادر آخرون بحثًا عن أعمال تساعدهم على إعالة أسرهم، فيما ظلت العملية التعليمية تعتمد على عدد محدود من المعلمين لا يستطيعون، في كثير من الأحيان، تغطية احتياجات الطلاب بالشكل المطلوب. ويقول إن أثر ذلك ينعكس على مستوى المخرجات التعليمية، التي لا تصل إلى المستوى المأمول رغم استمرار الدراسة في المدارس.

تشغيل المجمع كفرع لكلية مجتمع يمكن أن يسهم في تحسين واقع التعليم بالمنطقة(ريف اليمن)

ويشير فرحان إلى أن الحاجة الأكثر إلحاحًا في الأكروف والعزل المجاورة تتمثل في توفير التخصصات العلمية، لافتًا إلى أن هذه المشكلة لا يمكن معالجتها بمجرد بناء مدرسة أخرى أو زيادة عدد الفصول. فالقدرة الاستيعابية متفاوتة بين المدارس؛ إذ تعاني بعضها من الاكتظاظ، بينما تتوفر لدى أخرى مساحة لاستقبال مزيد من الطلاب، لكن المشكلة المشتركة، بحسبه، تكمن في غياب المعلم المتخصص.

ويرى أن الحل يبدأ بتأهيل الكادر من خلال برامج تعليمية متوسطة أو دبلوم عالٍ أو كلية مجتمع قريبة من أبناء المنطقة، بما يقلل كلفة التنقل والدراسة خارجها. ويقول إن هذا المسار لن يخدم المعلمين فحسب، بل سيفتح المجال أمام خريجي الثانوية الذين تتوقف دراستهم عند هذه المرحلة بسبب صعوبة الوصول إلى الجامعات أو مؤسسات التأهيل في مناطق أخرى.

ومن هذا المنطلق، يرى التربوي أن تشغيل المجمع كفرع لكلية مجتمع يمكن أن يسهم في تحسين واقع التعليم بالمنطقة، عبر توفير تخصصات تربوية تلبي احتياجات المدارس، إلى جانب تخصصات علمية ومهنية أخرى.

ويكتسب المجمع، في رأيه، أهمية إضافية من موقعه الذي يتوسط مناطق الأكروف وإيفوع وأمجود ونخلة، بما يجعله قريبًا من أبناء عدة عزل، وقادرًا على استيعاب أعداد من خريجي الثانوية الراغبين في مواصلة تعليمهم أو الالتحاق ببرامج التأهيل والتدريب.

مبنى يتآكل

لا يقتصر أثر سنوات الإغلاق على حرمان الطلاب من الاستفادة من المجمع، بل يمتد إلى المبنى نفسه، الذي يواجه أضرارًا مرتبطة بالأمطار وغياب الصيانة والمتابعة المستمرة.

وبحسب التربوي عبدالله سيف النقيب، في حديثه لـ”ريف اليمن”، فإن تراكم المخلفات داخل المجمع، ومنها علب المياه، وغياب أعمال التنظيف المستمر، يؤديان إلى وصولها إلى الميازيب وسدها، ما يعيق تصريف مياه الأمطار.

فرحان: واقع التعليم في الأكروف لا يرتبط ببعد المدارس وحده؛ إذ تعاني المنطقة والعزل المجاورة من شح بعض التخصصات التعليمية، خصوصًا في المرحلة الثانوية

ومع هطول الأمطار، تتجمع المياه في أجزاء من المبنى بدلًا من تصريفها عبر المخارج المخصصة لذلك، وتظل آثارها ظاهرة في عدد من الممرات. ويشير النقيب إلى أن بعض هذه الممرات تعاني انخفاضًا في مستواها، في حين تقع مخارج تصريف المياه على مستوى أعلى منها، ما يؤدي إلى بقاء المياه فيها أثناء هطول الأمطار.

ويضيف أن تكرار تجمع المياه أدى إلى تقشر وخلع بلاط الزينة الجداري في الأجزاء السفلية من الطوابق، فيما تحتاج المناطق المتضررة إلى المعالجة قبل اتساع الأضرار. كما توجد تسربات للمياه من أعلى السلم، تسببت في خلع أجزاء من ألواح الزنك وأثرت في جدار السلم.

ويرى النقيب أن استمرار هذه الأضرار، بالتزامن مع بقاء المبنى خارج الاستخدام، يجعل الصيانة والتأهيل ضرورة أساسية قبل إعادة تشغيل المجمع أو تخصيصه لنشاط تعليمي جديد.

وعود لم تنفذ

ظل مستقبل المجمع خلال السنوات الماضية مرتبطًا بوعود ومقترحات متعددة، دون أن تتحول إلى تشغيل فعلي. وبحسب بلال علي فرحان، وهو ناشط مجتمعي من أبناء المنطقة، تنقلت المقترحات بين تحويل المبنى إلى فرع جامعي أو كلية أو معهد مهني أو مركز لتأهيل خريجي الثانوية، دون أن يتحقق تقدم ملموس.

ويختصر فرحان هذا المسار بالقول: “الوعود بحر، والأفعال ما تملأ قلص”.

ويضيف لـ”ريف اليمن” أن آخر المقترحات التي جرى تداولها كانت تتجه نحو تحويل المجمع إلى كلية، مشيرًا إلى أنه سمع قبل نحو عامين عن تسجيل كوادر متخصصة في الفيزياء واللغة الإنجليزية وغيرها، وطلب سيرها الذاتية تمهيدًا للتوظيف، “لكن لم يحصل شيء”، بحسب تعبيره.

منذ أكثر من خمسة عشر عاما، والمجمع التربوي مغلقا في منطقة الأكروف، بمديرية شرعب السلام(ريف اليمن)

ويتحدث فرحان عن محاولة لتحريك ملف المجمع، قائلًا إن محمد فواز بادر إلى تنشيط الموضوع، قبل أن يتراجع بعد نحو يومين، عقب تلقيه، بحسب إفادته، تهديدًا بالتوقف.

ولا يعرف الناشط الجهة التي تقف وراء التهديد أو صلتها بالخلافات المتداولة حول المجمع، لكنه يرى أن الواقعة أضافت مزيدًا من الغموض إلى ملف المنشأة، وأثارت تساؤلات بشأن العوائق التي تحول دون حسم مستقبلها.

موافقة أولية

بعد سنوات من الوعود والمقترحات، أخذ خيار تحويل المجمع إلى كلية مجتمع مسارًا رسميًا، مع صدور موافقة أولية على إنشاء فرع لكلية مجتمع شرعب السلام في مبنى المجمع التعليمي بمنطقة الأكروف.

وتُظهر وثيقة متداولة صدور القرار الوزاري رقم (17) لسنة 1447هـ، بتاريخ 6 فبراير/شباط 2026، والمتضمن الموافقة الأولية على فتح فرع لكلية مجتمع شرعب السلام في مبنى المجمع التعليمي بعزلة الأكروف في مديرية شرعب السلام.

وبحسب القرار، حُدد مبنى المجمع التعليمي في قرية القراحي مقرًا للفرع، على أن يخضع لإشراف المركز الرئيسي لكلية مجتمع شرعب السلام، إلى جانب متابعة المجلس الأعلى لكليات المجتمع والجهاز التنفيذي وقطاع التعليم العالي.

وجاءت الموافقة بعد استكمال عدد من الإجراءات، بينها محضر مجلس الكلية بالموافقة على إنشاء الفرع في مبنى المجمع، ومذكرة القائم بأعمال محافظ محافظة تعز وموافقة السلطة المحلية بالمديرية، إضافة إلى تكليف لجنة بالنزول الميداني إلى المبنى وإعداد تقرير بشأنه.

لكن الموافقة الأولية لا تعني بدء الدراسة؛ إذ نص القرار على عدم ممارسة النشاط التعليمي في التخصصات التقنية والمهنية والصحية، ومنها التمريض والقبالة والصيدلة وهندسة الأجهزة وغيرها، قبل استيعاب ملاحظات لجنة التقييم وتنفيذ توصياتها.

وبذلك، انتقل ملف المجمع من دائرة الوعود والمقترحات إلى قرار رسمي بالموافقة الأولية، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التشغيل الفعلي. ولا تزال أمام الجهات المعنية إجراءات تتعلق بالتقييم والتجهيز وتحديد البرامج التعليمية والكادر المطلوب، قبل أن يصبح المبنى فرعًا لكلية تستقبل الطلاب.

يبقى موقف مكتب التربية والتعليم في مديرية شرعب السلام مهمًا لفهم أسباب استمرار إغلاق المجمع، خصوصًا مع تعدد المقترحات بشأن إعادة تشغيله أو تغيير طبيعة استخدامه.

تشغيل المجمع يتطلب استكمال عدد من المتطلبات، تشمل تحديد طبيعة الاستخدام والجهة المشرفة والاحتياجات(ريف اليمن)

وبحسب مسؤول في مكتب التربية والتعليم بالمديرية، تحدث لـ”ريف اليمن” مفضلًا عدم الكشف عن اسمه، فإن المديرية تعاملت مع ملف المجمع ضمن حدود اختصاصها، فيما ظلت بعض الإجراءات المتعلقة بتشغيله أو تغيير طبيعة استخدامه بحاجة إلى قرارات من جهات أخرى.

ويشير المسؤول إلى أن تشغيل المجمع يتطلب استكمال عدد من المتطلبات، تشمل تحديد طبيعة الاستخدام والجهة المشرفة والاحتياجات المتعلقة بالكادر والتجهيزات، موضحًا أن هذه الإجراءات لا تقع جميعها ضمن صلاحيات مكتب التربية في المديرية.

ويضيف أن المقترحات الخاصة بتحويل المبنى إلى كلية أو معهد تختلف عن تشغيله كمجمع تربوي، ما يجعل تحديد الجهة صاحبة الاختصاص خطوة أساسية قبل البدء بالإجراءات التنفيذية. كما أن بقاء المبنى مغلقًا طوال هذه الفترة يستدعي تقييم حالته الفنية وتحديد احتياجاته من الصيانة والتجهيز قبل إعادة استخدامه.

وبحسب المسؤول، فإن حسم وضع المجمع بصورة رسمية من شأنه تحديد الجهة التي ستتولى تشغيله، وطبيعة البرامج التعليمية التي يمكن تقديمها فيه، والاحتياجات اللازمة لذلك، بما يتيح للمنطقة الاستفادة من مبنى ظل خارج الخدمة لسنوات.

استياء الأهالي

يزيد استمرار تعثر تشغيل المجمع من استياء أبناء المنطقة، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي انعكست على قطاعات الخدمات في المناطق الريفية. ويرى السكان أن بقاء منشأة تعليمية خارج الخدمة يضيف أعباء جديدة على الأسر والطلاب، في وقت تظل فيه الخيارات التعليمية المتاحة محدودة.

ويعبر سعيد مسعار، أحد سكان المنطقة، لـ”ريف اليمن” عن استياء الأهالي من استمرار تعثر المجمع، معتبرًا أن بقاء منشأة تعليمية خارج الخدمة في منطقة ريفية يحرم السكان من فرصة كان يمكن أن تخفف جانبًا من الصعوبات التي تواجه الأسر والطلاب.

ويقول: “من المؤسف أن يظل هذا المبنى خارج الخدمة، بينما تعيش المنطقة أصلًا ظروفًا صعبة بسبب الحرب والانقسامات التي أثرت في مختلف جوانب الحياة. وتعطيل المجمع زاد من معاناة الأسر والطلاب، خصوصًا مع محدودية الخدمات الأساسية في المنطقة. نحن بحاجة إلى منشآت تعليمية فاعلة تسهم في بناء جيل متعلم وقادر على خدمة مجتمعه”.

معالجة الملف تتطلب تجاوز حالة الانتظار التي رافقت المشروع، والانتقال إلى خطوات عملية تتعلق بتحديد مستقبله واستكمال احتياجاته(ريف اليمن)

ويشير مسعار إلى أن مشكلة المجمع تأتي في وقت تواجه فيه الأسر الريفية صعوبات في توفير التعليم لأبنائها، سواء بسبب بُعد المنشآت التعليمية أو محدودية التخصصات والخيارات المتاحة أمام الطلاب بعد إكمال مراحلهم الدراسية. وبالنسبة للسكان، فإن استمرار تعثر المجمع يعني بقاء فرصة تعليمية قائمة دون استثمار، بينما تتراكم احتياجات المنطقة عامًا بعد آخر.

ويضيف: “الحاجة إلى المجمع ليست مرتبطة بمبنى أو فصول دراسية فقط، وإنما بما يمكن أن يوفره من فرصة لأبناء المنطقة لمواصلة تعليمهم والاستفادة من موقعه. وإذا جرى تجهيزه وتشغيله بالشكل المناسب، فإنه يمكن أن يخدم الأكروف والعزل المجاورة، ويخفف جزءًا من الأعباء التي تتحملها الأسر في سبيل تعليم أبنائها”.

ويؤكد أن معالجة الملف تتطلب تجاوز حالة الانتظار التي رافقت المشروع، والانتقال إلى خطوات عملية تتعلق بتحديد مستقبله واستكمال احتياجاته، قائلًا: “المطلوب اليوم أن تتعامل الجهات المعنية مع المجمع باعتباره منشأة يمكن الاستفادة منها، وأن تعمل على إزالة أسباب التعثر واستكمال احتياجاته، بدل أن يستمر إغلاقه بينما تبقى الحاجة إليه قائمة لدى أبناء المنطقة والعزل المجاورة”.

وبين مبنى أُنشئ ليكون مساحة للتعليم، وقرار رسمي يمنحه موافقة أولية ليصبح فرعًا لكلية مجتمع، لا تزال المسافة بين القرار والتنفيذ هي الاختبار الأهم لمستقبل مجمع الأكروف، فبعد أكثر من خمسة عشر عامًا من الإغلاق، ينتظر أبناء المنطقة أن تتحول الموافقة والإجراءات المتراكمة إلى واقع ملموس، وأن يستعيد المبنى دوره في خدمة التعليم، بدل أن يبقى منشأة مغلقة وسط احتياج تعليمي متزايد.