اعتاد العالم على وصف اليمن كبلد أنهكته الحرب والنزوح والجوع والفقر، لكن ثمة أزمة أخرى لا تقل خطورة وهي الهشاشة المناخية، ما يجعل مستقبله مرهونًا بقدرته على مواجهة الحرب وتداعيات تغير المناخ في آن واحد.
ورأى مقال في منصة إمباكتر «Impekter» الألمانية، أن اليمن أصبح اختباراً حقيقياً لمفهوم ‹العدالة المناخية› في ظل تعرضه لموجات الجفاف والفيضانات وشح المياه وتدهور الأمن الغذائي، مقابل محدودية التمويل الدولي المخصص للتكيف مع التغير المناخي.
وتسائل: لماذا يُطلب من بلد لا يسهم إلا قليلاً في أزمة المناخ أن يتحمل واحدة من أشد عواقبها قسوة، في ظل تمويل غير كافٍ ومؤسسات منقسمة، ومنظومة إنسانية لم تُصمَّم للتعامل مع حالة طوارئ مناخية دائمة؟
وفق المقال الذي كتبه، طارق حسن، المدير التنفيذي لشبكة التنمية المستدامة في كندا، بأن تغيّر المناخ ليس قضية بيئية مجردة في اليمن، بل إنه يتفاعل مع ندرة المياه، وانعدام الأمن الغذائي، والنزوح، ومخاطر الصحة العامة، وتضرر البنية التحتية، وتدهور النظم البيئية، والهشاشة الاقتصادية.
مواضيع مقترحة
- الهجرة المناخية: كيف تؤثر على اليمن وتفاقم النزاعات؟
- بيوت تهامة الطينية.. ذاكرة معمارية في مواجهة المناخ
- ظاهرة النينيو والتداعيات الكارثية.. هل تنجو اليمن من تأثيرها؟
- مدينة عدن قد تغرق خلال 30 دقيقة: دراسة تدق ناقوس الخطر
حيث يمكن للفيضانات أن تدمر المنازل والطرق التي أضعفتها سنوات الصراع، والجفاف يقلل الإنتاج الزراعي ويزيد من انعدام الأمن الغذائي، كما أن الحرارة الشديدة تزيد من المخاطر الصحية بسبب محدودية الطاقة والرعاية الصحة، كما تهدد المخاطر الساحلية المدن والموانئ ومصائد الأسماك والبنية التحتية على طول ساحل اليمن الذي يمتد لحوالي 2200 كيلومتر.
ويجادل المقال بأن المجتمع الدولي لا يزال عاجزاً عن ترجمة الاعتراف بالمخاطر المناخية في اليمن إلى استثمارات وسياسات فعالة تعزز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود وتحد من الأزمات الإنسانية المتكررة
تأثر اليمن بأزمة المناخ
يجسد اليمن مفارقة صارخة في أزمة المناخ العالمية؛ فبينما لا تتجاوز مساهمته في الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري 0.06%، يقف في مواجهة أشد آثار التغير المناخي قسوة، وتطرح هذه الحقيقة سؤالًا جوهريًا حول العدالة المناخية في من يتحمل كلفة التعافي.
ورأى المقال، بأن اليمن يشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي على ترجمة التزاماته المناخية إلى دعم فعلي، إلا أن الاستجابة حتى الآن لا تزال أدنى بكثير من مستوى التحديات وحجمها الحقيقي.
إن أزمة المناخ في اليمن ليست سيناريو مستقبليًا، إذ يشير تقرير البنك الدولي، أن نحو نصف السكان معرضون لخطر مناخي واحد على الأقل، بما في ذلك موجات الحر والجفاف والفيضانات، وقد ينخفض الناتج المحلي السنوي للبلاد بنسبة 3.9% بحلول 2040، بسبب تأثيرات تغير المناخ على الزراعة والبنية التحتية.
لكن هذه الأرقام لا تعكس البعد الإنساني للأزمة، فالمخاطر المناخية تتفاقم بوضع اجتماعي اقتصادي هش، فالفيضانات التي تدمر منازل، قد تتسبب نزوح، وانعدام الأمن الغذائي، وتزيد من مخاطر الأمراض، وتحرم الأطفال من التعليم، ما يحوّل الكارثة المناخية إلى أزمة تنموية.
ومابين أغسطس وسبتمبر 2025 وتسببت الفيضانات في اليمن، بوفاة 82 شخصاً وتضرر أكثر من 450 ألف شخص، كما شهدت بعض المناطق أمطار تجاوزت 300 مليمتر أي أضعاف المعدل الشهري، وحتى في بلد يتمتع ببنية تحتية متينة، سيظل مثل هذا الحدث خطيرًا، أما في اليمن تتفاقم العواقب أكثر.
ويرى الكاتب أن الخطر المناخي في اليمن نتاج تداخل الكوارث الطبيعية مع عوامل الفقر والصراع والانهيار الاقتصادي وضعف المؤسسات، مؤكداً أن بناء القدرة على الصمود والتعافي يجب أن يكون محور أي استراتيجية لمواجهة التغير المناخي في البلاد.
أزمة المياه
وتبرز أزمة المياه بوصفها أحد أوضح الأمثلة على تداخل تحديات المناخ والتنمية والصراع في اليمن. -ووفق المقال- اليمن يُعد من الدول التي تعاني من شحة المياه، في ذات الوقت بات من الصعب التنبؤ بهطول الأمطار، كما تتواصل عملية استنزاف المياه الجوفية، بينما تتعرض جودة المياه للتلوث وارتفاع الملوحة.
وتعتمد الزراعة والأسر والخدمات الصحية والاقتصادات المحلية جميعها على أنظمة مائية تعاني ضغوطًا شديدة. كما تؤثر ندرة المياه على الإنتاج الزراعي ودخل الأسر وأسعار الغذاء والصحة العامة والهجرة وسبل العيش في المناطق الريفية وأعباء العمل على النساء والاستقرار الاجتماعي.
كما يقلل ذلك من قدرة المجتمعات على التعافي من الصدمات المناخية اللاحقة، فعندما تتعطل مصادر المياه، تقضي النساء والفتيات وقتًا أطول في جلبها، على حساب التعليم والعمل، يزداد العبء وطأةً على الأسر المتضررة أصلًا من النزوح أو الفقر.
ورأى المقال بأن آثار التغير المناخي لا تصيب الجميع بالقدر نفسه، إذ تقع أعباؤها الأكبر على الفئات الأشد فقرًا وتهميشًا والأقل تأثيرًا في صناعة القرار.
حيث بإمكان الدولة الغنية مواجهة شحة المياه من خلال تحلية المياه، وأنظمة الري المتقدم، ومعالجة مياه الصرف الصحي، ومشروعات البنية التحتية واسعة النطاق، وأنظمة المراقبة المتطورة.
أما الدول الهشة إقتصادياً فلا يمكنها ببساطة شراء القدرة على الصمود، إنها بحاجة إلى تضامن دولي، ونقل التكنولوجيا، وتمويل بشروط ميسرة، ودعم مؤسسي، واستثمارات طويلة الأجل. ووفق الكاتب ‹يجب تصميم هذه الاستثمارات بما يتناسب مع الظروف الفعلية لليمن›.
ويمكن لتقنيات مثل حصاد المياه على نطاق صغير، وإعادة تأهيل مستجمعات المياه، وبناء المدرجات الزراعية، وتغذية المياه الجوفية، والري المستدام، واستعادة النظم البيئية، أن تقلل من مخاطر الجفاف والفيضانات.
إلا أن البنية التحتية وحدها لن تحل المشكلة. فاليمن بحاجة أيضاً إلى إدارة شفافة للمياه، وبيانات موثوقة، وآليات تضمن ألا تؤدي المشاريع المناخية إلى تأجيج التنافس والصراع بين المجتمعات المحلية.

الزراعة مثال على الظلم المناخي
تُقدّم الزراعة مثالاً صارخاً آخر على الظلم المناخي في اليمن، حيث تضرر القطاع الزراعي في اليمن بشدة جراء النزاع، وندرة المياه، وتدهور الأراضي، وتزايد تقلبات الأحوال الجوية، ولا تشكل الأراضي الصالحة للزراعة سوى نسبة ضئيلة من إجمالي أراضي البلاد بينما يُعاني معظمها من التصحر.
ويؤدي تغير المناخ إلى تفاقم هذه الضغوط من خلال انخفاض إمكانية التنبؤ بهطول الأمطار، وطول فترات الجفاف، والفيضانات المفاجئة المدمرة، وتآكل التربة، وارتفاع درجات الحرارة التي تسبب ضغوطًا على المحاصيل والماشية.
والنتيجة هي مفارقة خطيرة -وفق المقال- فالأشخاص الذين يعتمدون بشكل مباشر على سبل عيش حساسة للمناخ غالبًا ما يملكون أقل الموارد للتكيف مع تغير المناخ. وفهم التكيف هنا في جوهره حماية قدرة الناس على الحفاظ على سبل عيش كريمة في ظل الظروف البيئية المتغيرة.
وبالنسبة لليمن، يعني ذلك الاستثمار في الزراعة المقاومة لتغير المناخ، وإدارة مستجمعات المياه، والإدارة المستدامة للمياه الجوفية، والمحاصيل المقاومة للجفاف، وخدمات الإرشاد الزراعي، والتمويل الريفي، وإعادة تأهيل النظم الإيكولوجية، وأنظمة المعلومات المتعلقة بالمناخ.
ويعني ذلك أيضاً ضمان وصول تمويل التكيف إلى المجتمعات المحلية بدلًا من بقاءه داخل هياكل إدارة المشاريع الدولية والعمليات الإدارية المعقدة. ووفق المقال ‹لا ينبغي التعامل مع المزارعين والصيادين والنساء والسلطات المحلية والنازحين كمستفيدين فقط، بل مصدر معرفة وشركاء محتملون في تصميم الحلول›.
ومشاركتهم لا تقتصر على كونها مسألة تمثيل أو إشراك شكلي -وفق المقال- بل قد تكون عاملًا حاسمًا في استدامة مشروع للري، أو في بناء الثقة باتفاق لتقاسم المياه، أو في تحديد ما إذا كان التدخل المناخي سيسهم في تخفيف التوترات المحلية أو في تفاقمها.
لا يفتقر المجتمع الدولي إلى المعلومات حول المخاطر المناخية التي تواجه اليمن، فقد وثّق البنك الدولي التداخل بين تغير المناخ والنزاعات والتنمية، وتشمل توصياته كالتالي:
• الأمن المائي والغذائي.
• إدارة مخاطر الكوارث.
• الطاقة المتجددة.
• أنظمة الرعاية الصحية القادرة على الصمود.
• بناء القدرة على الصمود بشكل هادف.
• التمويل المناخي المبتكر.
ورغم اعتراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ بالتحديات الاستثنائية التي تواجهها الدول المتأثرة بالنزاعات، واختيار اليمن ضمن خمس دول في مبادرة تهدف إلى تسهيل الوصول إلى التمويل المناخي، فإن هذا الاعتراف لم يُترجم بعد إلى تغيير ملموس أو دعم يتناسب مع حجم التحديات القائمة.
ضعف المؤسسات وفجوة تمويلية
يحتاج اليمن إلى تمويل المناخ تحديداً لافتقاره إلى القدرة المالية والمؤسسية اللازمة لتمويل التكيف محلياً، غير أن هذه السمات نفسها تجعل من الصعب على صناديق المناخ الدولية تمويله.
ويؤدي ذلك إلى نشوء حلقة مفرغة -وفق المقال- حيث تؤدي الهشاشة إلى ضعف المؤسسات، بدوره يؤدي ذلك إلى ارتفاع المخاطر المتصورة، ما يحد من فرص الحصول على التمويل، وهذا يسهم في جعل المجتمعات أكثر هشاشة بتعرضها للمخاطر بسبب محدودية التمويل.
قد يعاقب النظام الدولي، من حيث لا يقصد، البلدان الأكثر احتياجًا إلى تمويل المناخ. فالصناديق المناخية تشترط عادةً وجود آليات تنسيق وطنية، ومعايير ائتمانية، ودراسات جدوى مفصلة، وجهات معتمدة لتنفيذ المشاريع، ونتائج قابلة للقياس، وترتيبات تنفيذ مستقرة.
ورغم أن هذه المتطلبات تهدف إلى حماية الأموال العامة وضمان حسن إدارتها. لكن فإنها قد تتحول في الدول المتضررة من النزاعات قد تتحول إلى عقبات تعرقل الوصول إلى التمويل، وتستبعد المجتمعات التي أنشئت تلك الصناديق أساسًا لخدمتها.
من غير المنطقي أن تُجبر الدول الأقل مسؤولية عن التغير المناخي على أعباء القروض لحماية مجتمعاتها لمواجهة آثاره الأكثر قسوة
لا يكمن الحل في التخلي عن المساءلة -وفق المقال- بل في تطوير آليات مساءلة مناسبة كما يمكنها العمل من خلال مؤسسات تفهم الواقع المحلي في اليمن، وصرف التمويل على مراحل، ما يسمح للمشاريع بالتكيف مع الظروف الأمنية المتغيرة دون إجبار المجتمعات على إعادة إجراءات الموافقة.
كما تُظهر فجوة التمويل العالمية اتساع التحدي، إذ تحتاج الدول النامية إلى 310 – 365 مليار دولار سنوياً للتكيف المناخي بحلول 2035، بينما لم تتجاوز تدفقات التمويل الدولي للتكيف 26 مليار دولار عام 2023، وفي اليمن لاتقتصر المشكلة على حجم التمويل فحسب، بل تشمل أيضًا شروطه، وإمكانية الوصول إليه.
إلى ذلك -يشير المقال- أن جدوى مشاريع التكيف المناخي لا تُقاس فقط بمنطق الربح والخسارة، فهي تحقق عوائد اجتماعية وإنسانية بعيدة المدى، مثل حماية الأرواح وتعزيز الأمن الغذائي والحد من انتشار الأمراض، من دون أن توفر أرباحًا مالية مباشرة تجذب المستثمرين.
لذلك، فإن اعتماد الدول النامية على القروض لتمويل التكيف يثير إشكالية عدالة واضحة، إذ تجد الدول نفسها مضطرة إلى الاقتراض لحماية مجتمعاتها من أزمة لم تسهم في إحداثها إلا بقدر ضئيل.

ماهي أولولية التكييف؟
منح الأولوية في التكيف لمجالات المياه والأمن الغذائي والصحة والنظم البيئية والحد من مخاطر الكوارث والبنية التحتية المرنة -وفق المقال- هذا ليس عملاً خيرياً، فالتمويل القائم على المنح هو استجابة منطقية لارتفاع مستوى الهشاشة، وانخفاض مساهمة الانبعاثات، ومحدودية القدرة على السداد، وطبيعة التكيف التي تخدم الصالح العام.
ورأى المقال، بأن على المجتمع الدولي أن يميز بين تكلفة بناء القدرة على الصمود وتكلفة الاستجابة بعد الفشل، فأنظمة الإنذار المبكر، وإدارة مستجمعات المياه، والمستوطنات الآمنة من الفيضانات، والبنية التحتية للمياه التي تعمل بالطاقة الشمسية، والزراعة المقاومة للجفاف.
بالإضافة للخدمات الصحية القادرة على التكيف مع تغير المناخ، كلها عوامل تُسهم في خفض النفقات الإنسانية المستقبلية، وينبغي قياس قيمتها على مدى سنوات، لا بمقارنتها فقط بأهداف المخرجات قصيرة الأجل لدورة مشروع واحدة.
من الخطأ تصوير اليمن كضحية سلبية فحسب، حيث تحدد المساهمات المحددة وطنياً لليمن أولويات تشمل الطاقة المتجددة، والإدارة المتكاملة للموارد المائية، والزراعة الذكية مناخياً، وحماية النظم الإيكولوجية الساحلية والبحرية، والبنية التحتية المقاومة لتغير المناخ، والنظم الصحية، وأنظمة الإنذار المبكر، والحد من مخاطر الكوارث، والإدارة المستدامة للأراضي، وآليات معالجة الخسائر والأضرار.
وتطمح المساهمات إلى زيادة حصة الطاقة المتجددة إلى 35% بحلول عام 2035، وتركز على التكيف في مجالات المياه والزراعة ومصايد الأسماك وإدارة المناطق الساحلية والصحة والنظم الإيكولوجية والحد من مخاطر الكوارث.
هذا أمر بالغ الأهمية -وفق المقال- فالمشكلة لا تكمن فقط في غياب الطموح السياسي، بل يكمن التحدي الرئيسي في القدرة على التنفيذ والتمويل. إذ أن استراتيجية المناخ الوطنية التي تفتقر إلى تمويل تنفيذي مضمون تُصبح مجرد وثيقة أخرى على الرفوف، لذا يحتاج اليمن إلى شركاء دوليين للانتقال من مجرد الاعتراف بالسياسات إلى شراكة فعّالة في التنفيذ.
ينبغي اعتبار بناء القدرات استثمارًا أساسيًا في مجال المناخ، بما في ذلك تعزيز بيانات المناخ، والخدمات الأرصادية، والتخطيط المكاني، والحوكمة البيئية، وإدارة المياه، والحد من مخاطر الكوارث، وإعداد المشاريع، والرصد والتقييم.
يمكن لخطة التكيف الوطنية في اليمن أن تساعد في تنسيق الجهود في مجالات المياه والزراعة والصحة والمناطق الساحلية، لكن نجاحها يعتمد على ما إذا كانت ستصبح أداة فعّالة تُصاغ من قِبل المؤسسات والمجتمعات المحلية، بدلًا من كونها وثيقة تُعدّ أساسًا للجهات المانحة.
ويوصى كاتب المقال، الشركاء الدوليين تقديم الدعم الفني والمالي دون أن يحلوا محل المؤسسات اليمنية بشكل دائم. ويجب أن يكون نقل القدرات هو الهدف المنشود. حيث يتم التفاوض على الالتزامات العالمية دوليًا، لكنّ هشاشة المناخ تُعاني منها القرى والمزارع والمجتمعات الساحلية والمساكن العشوائية والمدارس والمرافق الصحية.
المناطق الريفية
لذا، يجب أن يبدأ أي برنامج جاد للعدالة المناخية في اليمن بتعزيز القدرة على الصمود محليًا -وفق المقال- وبعني هذا في المناطق الريفية دعم إدارة مستجمعات المياه المجتمعية، وحصاد المياه، وبناء المدرجات الزراعية، وتغذية المياه الجوفية، وإعادة تأهيل النظم البيئية، والري المستدام.
ويحتاج المزارعون إلى أصناف مقاومة للجفاف، ومعلومات مناخية، وخدمات إرشادية، وري فعال، وإمكانية الوصول إلى الأسواق، والتمويل الريفي، كما يجب ترجمة التوقعات إلى معلومات عملية يمكن للمزارعين والصيادين والمجتمعات والسلطات المحلية استخدامها قبل وقوع الكوارث.
تحتاج المدن الساحلية في اليمن، إلى تبني نهج متكامل للصرف الصحي، وحماية السواحل، وتخطيط استخدام الأراضي، وشبكات المياه، وإدارة النفايات، والطاقة، وتطوير بنية تحتية مرنة، ويمكن للطاقة الشمسية أن تقلل الاعتماد على شبكات الكهرباء المركزية المعرضة للخطر،
كما ينبغي التعامل مع أشجار المانغروف، والأراضي الرطبة، ومستجمعات المياه، والمراعي، والنظم البيئية الساحلية كبنية تحتية حيوية، لا كموارد بيئية ثانوية الأهمية.
يحتاج المزارعون في اليمن إلى أصناف مقاومة للجفاف، ومعلومات مناخية، وخدمات إرشادية، وري فعال، وإمكانية الوصول إلى الأسواق، والتمويل الريفي
النساء والشباب لا ينبغي اختزالهم في صورة الفئات الأكثر هشاشة -وفق المقال- فهم مبتكرون، ومنظمات مجتمعية، ورواد أعمال، وباحثين، وصناع قرار، ويُعد الانتقال من اعتبارهم مجرد مستفيدين إلى شركاء فاعلين عنصرًا أساسيًا في جهود التنمية والتكيف.
وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن نظامًا للمياه يعمل بالطاقة الشمسية في حضرموت يوفر مياه شرب آمنة لـ 115 ألف شخص، مع تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مما يُظهر كيف يمكن للتكيف المُلائم محليًا أن يربط بين الأمن المائي، ومرونة الطاقة، وسبل العيش.
لكن للتكيف مع تغير المناخ حدود أيضا، فالمنازل يُمكن إعادة بنائها، لكن التراث الثقافي قد يُفقد إلى الأبد، ويمكن استعادة الإنتاج الزراعي، لكن سنوات من خسائر سبل العيش لا يُمكن تعويضها دائمًا. ويمكن إعادة تأهيل النظم البيئية الساحلية، لكن بعض التحولات الناجمة عن تغير المناخ قد تصبح غير قابلة للعكس.
بالنسبة لليمن، ينبغي أن تشمل الخسائر والأضرار ليس فقط الأحداث الكارثية، ولكن أيضاً الآثار طويلة المدى مثل نقص المياه، وتدهور الأراضي، وفقدان النظام البيئي، وتآكل السواحل، واضطراب سبل العيش، والنزوح، وخسائر النظام الغذائي، والأضرار المتكررة للبنية التحتية.
يجب أن يضمن إطار العدالة المناخية الفعال عدم تهميش الدول والمتضررة من النزاعات ضمن آليات الخسائر والأضرار العالمية، ولا ينبغي أن يعتمد الوصول إلى المساعدات على اكتمال المؤسسات في اليمن أولاً، يجب على المجتمع الدولي أن يُدرك أن الضعف المؤسسي جزء من السياق الذي تحدث فيه الخسائر المناخية، وليس مبرراً لحجب الدعم.
ماهي الحلول للإستثمار في مجال التعافي؟
تظل المساعدات الإنسانية ضرورية لكنها لاتساعد على الصمود في وجه تغير المناخ على مدى عشرين عاماً، فإذا تحول كل فيضان إلى حالة طوارئ إنسانية، وكل جفاف إلى عملية إغاثة غذائية، وكل انهيار في البنية التحتية إلى مشروع إصلاح طارئ، فسيستمر المجتمع الدولي في تمويل الأعراض بدلاً من الحد من الهشاشة الكامنة.
والحل ليس تقليص المساعدات، بل في ربط الاستجابة الإنسانية بالتكيف والتنمية والحد من مخاطر الكوارث وبناء السلام وتمويل المناخ، حيث يحتاج اليمن إلى ترابط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام والمناخ. وينبغي لكل استثمار في مجال التعافي أن يجيب على سؤال إضافي: هل سيقلل هذا الاستثمار من هشاشة اليمن أمام الصدمة المناخية القادمة؟
ينبغي أن يُسهم إصلاح شبكة المياه بعد الفيضانات في تعزيز قدرتها على الصمود -وفق المقال- كما ينبغي أن يشمل تأهيل المراكز الصحية توفير الحماية من الحرارة والفيضانات، وعند إعادة بناء الطرق يتم مراعاة المخاطر المناخية المستقبلية، وأن يشمل دعم النازحين رسم خرائط المخاطر المناخية ووضع خطط ايواء مرنة.
وإذا ما أُريد لليمن أن يصبح أولوية حقيقية في مجال العدالة المناخية، على الجهات الفاعلة وصناديق المناخ أن تُنشئ أو تُوسّع قنوات التمويل للدول الهشة والمتضررة من النزاعات، باستخدام ضمانات مناسبة للغرض بدلاً من افتراض الظروف المؤسسية للدول المستقرة.
إذا أُريد لليمن أن يحظى بمكانة حقيقية على أجندة العدالة المناخية، فعلى الجهات المانحة توفير آليات تمويل تراعي أوضاع الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، بدلاً من افتراض توافر مؤسسات مستقرة
ويرى المقال بأن على المانحين والشركاء الدوليين، زيادة تمويل التكيف القائم على المنح وخفض تكاليف المعاملات غير الضرورية التي تحول دون حصول الدول على الدعم، والاستثمار في المؤسسات الوطنية المحلية كأولوية مركزية في مجال المناخ، ودعم بيانات المناخ، وخدمات الأرصاد الجوية، والحوكمة البيئية، وإعداد المشاريع ومراقبتها، بدلاً من الاعتماد بشكل دائم على الاستشاريين الدوليين.
ويقترح الكاتب إنشاء منصة يمنية للاستثمار المناخي تجمع الجهات الحكومية والمحلية والشركاء الدوليين والمانحين ومنظمات المجتمع المدني، بهدف تطوير مشاريع جاهزة للتمويل ضمن إطار شفاف ومنسق. ويرى أن هذه المنصة لن تكون بديلاً للمساعدات الإنسانية أو جهود السلام، بل أداة لربطها برؤية طويلة الأمد لتعزيز القدرة على الصمود أمام التحديات المناخية.
ومن شأن ذلك أن يتيح لليمن الحضور في الدبلوماسية المناخية العالمية ليس فقط باعتباره ساحة لأزمة إنسانية، بل أيضًا كدولة تمتلك أولويات مناخية وخبرات محلية ومبتكرين من الشباب ومنظمات مجتمعية وفرصًا واعدة للاستثمار -وفق المقال- الذي شدد على أهمية توجيه الاستثمارات المناخية نحو تخفيف الضغوط على الموارد المحدودة وتعزيز التعاون المجتمعي.
موضحًا أن الموارد الطبيعية، من المياه والأراضي إلى الثروة السمكية والسواحل، يمكن أن تكون مصدرًا للنزاع أو أداةً لبناء السلام، تبعًا لمدى شفافية إدارتها ومشاركة المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار.
اليمن كنموذج لفشل المجتمع الدولي
ويرى المقال بأن قياس الطموح المناخي لا ينبغي أن يقتصر على خفض الانبعاثات أو حجم التمويلات المعلنة، بل على مدى قدرة النظام المناخي العالمي على إنصاف الدول والمجتمعات الأقل إسهامًا في التغير المناخي والأكثر تعرضًا لآثاره المدمرة.
يمثل اليمن هذا الاختبار، فإذا اقتصر تمويل المناخ على الدول ذات المؤسسات القوية والاقتصادات المستقرة، فإن الدول الأكثر عرضة لتغير المناخ ستظل تعاني من نقص الخدمات بشكل منهجي.
وإذا تم تقديم تمويل التكيف في الغالب على شكل ديون، فقد تضعف الدول الهشة مالياً في سعيها لتعزيز قدرتها على الصمود في وجه تغير المناخ. وإذا ظل التمويل الإنساني منفصلاً عن التكيف طويل الأجل، فسيستمر اليمن في الانتقال من حالة طوارئ إلى أخرى.
لا يطلب اليمن صدقة، بل ينبغي التعامل معه كشريك في حل مشكلة عالمية مشتركة -وفق المقال- حيث يمتلك البلد إمكانات هائلة في مجالات الطاقة المتجددة، وإعادة تأهيل النظم البيئية، والزراعة الذكية مناخياً، وتعزيز قدرة المناطق الساحلية على الصمود، وتنمية الاقتصاد الأزرق، والحلول القائمة على الطبيعة، والتكيف المجتمعي.
ويكمن التحدي في تحويل هذه الإمكانات إلى إجراءات قابلة للتطبيق على نطاق واسع، وهو ما يتطلب رأس مال، وتكنولوجيا، ومعرفة، ومؤسسات، وهيكل تمويلي يراعي واقع الدول الهشة والمتضررة من النزاعات.
لا ينبغي بعد الآن التعامل مع أزمة المناخ في اليمن كقضية ثانوية خلف الصراع. إذ يتفاعل تغير المناخ مع الصراع والفقر وندرة المياه وانعدام الأمن الغذائي والنزوح وضعف الصحة العامة وهشاشة المؤسسات، ليخلق بيئة مليئة بالمخاطر المركبة.
تكمن الفجوة الأساسية في المسافة بين الاعتراف بالأزمة وتطبيقها، لذا لا ينبغي لليمن أن ينتظر فيضاناً آخر أو جفافاً آخر أو نزوحاً جماعياً آخر أو نداءً إنسانياً آخر قبل أن تصبح القدرة على التكيف مع تغير المناخ أولوية تنموية. بإمكان المجتمع الدولي التعامل مع اليمن كمشكلة إنسانية.





