كشفت دراسة بحثية، عن حقائق صادمة تضع مدينة عدن جنوبي اليمن، أمام تحدٍ وجودي في مواجهة مخاطر السيول المفاجئة، وأشارت أن التوسع العمراني العشوائي عامل رئيسي في تفاقم الفيضانات في المدن الساحلية.
وحذرت الدراسة التي أجراها فريق من الباحثين من جامعة عدن وهيئة المساحة الجيولوجية عام 2024، من تحول المناطق السكنية إلى “مصبات مفتوحة” لسيول عارمة تفوق قدرة المدينة على الاحتمال.
وحددت الأماكن الأكثر عرضة للفيضانات والانهيارات الصخرية وتقييم المخاطر، مما سيساهم في تطوير خطط إدارة الكوارث في المستقبل، وتوفر معلومات قيمة للمخططين العمرانيين لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن الاستخدام الأمثل للأراضي.
الدراسة قدمت خارطة طريق وتحذير لصناع القرار في اليمن، “أن التغير المناخي مع التوسع العمراني العشوائي في عدن يجعل المدينة في خطر دائم” مشيرة “أن البنية التحتية غير قادرة على استيعاب الفيضانات الكبرى القادمة ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة”.
وفي أغسطس 2025 شهدت مدينة عدن سيول وفيضانات جارفة التي غمرت منطقتي الحسوة وبئر أحمد، وكانت تلك السيول الأشد منذ عقود، بعد أن وصلت سيول وادي الحسيني، القادمة من مديرية تبن بمحافظة لحج، إلى شاطئ الحسوة للمرة الأولى منذ نحو 60 عاما.
30 دقيقة للغرق
أخطر ما كشفت عنه الدراسة هو أن الوقت الذي قد تستغرقه السيول لتصل من قمم الجبال إلى قلب الأحياء السكنية، في مناطق مثل كريتر” و”المعلا”، يتراوح بين 11 و35 دقيقة فقط.
هذا يعني أن سكان مديريات صيرة والمعلا والتواهي لديهم أقل من ساعة واحدة للنجاة من لحظة بدء هطول المطر الغزير حتى وصول ذروة السيل المدمر، مما يجعل هامش التحذير أو الإخلاء ضيقاً للغاية ويستوجب وجود أنظمة إنذار مبكر فائقة السرعة.
وشهدت مدينة عدن فيضانات كارثية متكررة، لا سيما في أعوام 1967 و1993 و2008، والكارثة الأخيرة في 21 أبريل 2020، ومازالت المدينة تتعرض لأخطار كبيرة خلال السنوات الماضية.
وتستعرض الدراسة نتائج “النمذجة الهيدرولوجية” لأحواض التصريف بالمحافظة، وتبرز فجوة خطيرة بين بنية تحتية متهالكة وطبيعة بركانية، وتوسع عمراني عشوائي خنق مجاري الأودية الطبيعية وزاد من هشاشة المدينة أمام الفيضانات.
وتتمتع عدن بتكوين جيولوجي مميز حيث تهيمن على تضاريسها الصخور بركانية، التي تعود إلى أواخر العصر الثالث المتأخر، وتتخذ سلسلة جبال شمان (ارتفاعها 553 متراً) التواهي والبريقة، شكل “حدوة حصان”، تتركز فيها مياه الأمطار وتوجهها بسرعة كبيرة نحو المناطق السكنية الساحلية المنخفضة.
الأمطار قد تتحول إلى كارثة
الدراسة الهيدرولوجية الحديثة استخدمت أحدث تقنيات النمذجة الرياضية (WMS 11.0) وصور الأقمار الصناعية، لتحويل بيانات الأمطار التاريخية الممتدة لـ 75 عاماً إلى خرائط غمر مكانية.
من خلال تحليل بيانات الدراسة تبين أن هطول الأمطار لمدة 75 عاماً (1948-2023) المسجلة في مطار عدن الدولي، فبينما كان متوسط الأمطار السنوي الأقصى تاريخياً هو 25.3 ملم، أظهرت الإحصائيات تصاعداً متسارعاً في شدة العواصف والأمطار.
وارتفعت كمية الأمطار من 170 ملم خلال 50 عاماً إلى 266 ملم خلال 100سنة، وهذه زيادة تفوق 55%، ما يعكس بوضوح التأثير المباشر لتقلبات المناخ الإقليمية على السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية.
هذه التقلبات تحول الأمطار الموسمية إلى سيول مدمرة تتجاوز قدرة المصارف والقنوات الحالية ووفق الدراسة “فإن التغير المناخي زاد من حدة الأمطار المتطرفة، مما يضع البنية التحتية الحالية في مهب الريح”.
التوسع العمراني العشوائي
من خلال تقنيات التحليل المقارن لخرائط استخدام الأراضي، تتبعت الدراسة مسار الكارثة بين عامي 2017 و2023، ورصدت تسارع مقلق للتوسع العشوائي العمراني على حساب تصريف السيول، وهذا انعكس مباشرة على تصاعد الجريان السطحي للمياه وتسببت بزيادة ملحوظة في حجم الفيضانات.
واشارت الدراسة أن الزحف العمراني كان بمثابة إغلاق لمحابس الأرض حيث أدى استبدال التربة بالمباني إلى زيادة تدفق مياه الأمطار، وهو ما يفسر لماذا أصبحت الأمطار المتوسطة تتسبب اليوم في فيضانات كانت لا تحدث سابقاً إلا مع الأمطار الغزيرة جداً.
الوقت الذي تستغرقه السيول للوصول إلى الأحياء السكنية في مدينة عدن يتراوح بين 11 و35 دقيقة
وكشفت الأرقام أن نفاذ المياه إلى الأرض في مديريتي صيرة والمعلا وصل إلى مستوى حرج تصل إلى (85 درجة)، وهو ما يعني تقنياً أن الأرض فقدت قدرتها على امتصاص مياه الأمطار بنسبة كبير، وهذا حول الشوارع والمساحات المفتوحة إلى قنوات سريعة تدفع بالمياه نحو المناطق المنخفضة بكامل قوتها دون أي عائق طبيعي.
ورصدت الدراسة تحولاً خطيراً في أنماط الغطاء الأرضي بين عامي 2017 و2023، حيث تركز الزحف العمراني بشكل مباشر فوق ممرات التصريف الطبيعية وعند مخارج الأودية.
هذا البناء العشوائي، أدى إلى زيادة حجم السيول، وتعطيل نظام نقل الرواسب الطبيعي، وصفه الباحثون بـ “التضخيم البشري المباشر للمخاطر الهيدرولوجية”، وهذا يعني أن البناء كان له فعل مباشر على زيادة على مخاطر الفيضانات.
الوادي الكبير
على الجانب الآخر من المدينة يبرز الوادي الكبير في مديرية البريقة وهو التهديد الأكبر للمحافظة نظراً لمساحة حوضه الشاسعة التي تبلغ 1874.6 كم²، وبحسب الدراسة، فإن حجم الفيضان المتوقع لهذا الوادي في حال حدوث عاصفة تتكرر كل 100 عام، سيصل إلى 434 مليون متر مكعب، مع تصريف أقصى يبلغ 9272 متراً مكعباً في الثانية.
هذا الكم الهائل من المياه يشكل خطراً وجودياً على المنشآت الصناعية والمناطق السكنية في الحسوة وبئر أحمد. وتؤكد الرسوم البيانية للتدفقات المائية أن استقرار زمن الوصول إلى الذروة يعني وجود تدفق مستمر وضخم يغرق المصبات لفترات طويلة.
وكشفت البيانات في وادي الكبير وحده تُنقل أكثر من 33 ألف متر مكعب من الأحجار والتراب سنوياً، وحذرت الدراسة من أن إهمال تنظيف العبارات والقنوات بعد كل فيضان يشكل فخاً قاتلاً، إذ تؤدي الانسدادات الصخرية إلى خروج السيول عن مجاريها المخصصة ودخولها إلى منازل السكان، مما يضاعف من القدرة التدميرية للفيضانات.
وحذرت الدراسة من السيول والفيضانات المفاجئة، حيث إن زيادة طفيفة في معدل الأمطار قد تؤدي إلى مضاعفة قوة السيل في وادي الخساف بثلاثة أضعاف، مما يجعل التوقعات التقليدية غير مجدية.
وأوضحت الدراسة، إن أي خطأ في التخطيط الحضري بنسبة 5% قد يؤدي إلى كارثة مضاعفة بنسبة 12%، مما يستوجب إعادة النظر جذرياً في المخططات العمرانية الحالية ووقف أي بناء جديد في مناطق الحماية المحددة.

أحواض صيرة والمعلا
وتواجه مديريات صيرة والمعلا خطراً زمنياً قاتلاً، إذ لا يفصل بين سقوط المطر ووصول السيل لقمته التدميرية سوى دقائق معدودة، وبحسب الأرقام في الدراسة فإن شوارع كريتر الضيقة ستكون مسرحاً لتدفقات تصل لـ 440 متراً مكعباً في الثانية، مما يحول المدينة التاريخية إلى مصب مفتوح لطوفان لا يرحم.”
على النقيض من الحجم الهائل للوادي الكبير، تواجه أحواض صيرة والمعلا على الرغم من صغر مساحتها وشدة انحدارها يظهر حوض”كاسترو-3″ زمن وصول تركيز السيل لا يتجاوز 11 دقيقة فقط.
بينما يحتاج السيل في “وادي الطويلة” 28 قيقة فقط ليصل لذروته، هذا التباين يعني أن سكان هذه المناطق يواجهون سيولاً جارفة خاطفة تباغتهم قبل أن يتمكنوا من اتخاذ أي إجراءات وقائية.
سجلت الدراسة أعلى نسب انحدار في وادي الخصاف (0.33) وكاسترو (0.35)، وهي أرقام تعكس طبيعة الجبال البركانية الصلبة المحيطة بعدن، تتحول الأمطار الغزيرة فوراً إلى جريان سطحي بنسبة 100% تقريباً، حيث تفتقر الأحواض لسعة تخزين طبيعية تخفف من حدة التدفق قبل وصوله للمدن.
حددت الدراسة أكثر المناطق عرضة للغرق كالتالي:-
• منطقة القطيع (المرسبة): حيث تستقبل تدفقات من وادي العيدروس، بسبب طبيعتها الجغرافية التي تشبه الحوض، وصلت إلى 3 أمتار في عام 2020، مما أدى إلى غمر مساحة 31,488 متراً مربعاً.
• سوق الباز والسيلة: تصل إلى هذا السوق التجاري تدفقات من وادي الطويلة، حيث يتوقع وصول إلى 3 أمتار بالقرب من معبر القاضي، مما يهدد منطقة تجارية تبلغ مساحتها حوالي 44 ألف متر مربع.
الانفجار العمراني الصامت
وكشفت الأرقام عن قفزات في المساحات المبنية في عدن من 7,1 مليون متر مربع في عام 2017 إلى أكثر من 13 مليون متر مربع في عام 2023، أدت هذه الزيادة المهولة بنسبة 82 بالمئة خلال 6 سنوات فقط.
وتسببت الخرسانة والإسفلت بخنق مساحات شاسعة كانت تمتص مياه الأمطار، مما ضاعف حجم الجريان السطحي لمياه الأمطار وحوّل الشوارع إلى مصبات إجبارية للسيول.
وخلصت الدراسة إلى أن المعادلة الطبيعية بين الأمطار والجريان (التوازن الهيدرولوجي) في عدن قد اختل تماماً، فبدلاً من أن تمتص التربة المياه، تحولت الأرض بفعل التوسع العمراني إلى أسطح غير منفذة.
هذا التحول جعل أي هطول مطري يتحول فوراً إلى فيضان جارف وفائض، حيث لم تعد الأرض قادرة على ابتلاع قطرة ماء واحدة، مما يجعل المدينة مكشوفة تماماً أمام التغيرات المناخية القادمة.

ماهي الحلول؟
واقترحت الدراسة إنشاء سدود احتجاز جديدة في واديي العيدروس والخساف لخفض سرعة السيول واحتجاز الصخور، وتوسعة جسر مخرج وادي الكبير ليبلغ عرضه نحو 50 متراً لاستيعاب التدفقات التاريخية.
كما أكدت الحاجة إلى إحياء صهاريج الطويلة التاريخية وصيانتها دورياً لإزالة الطمي، مشددةً على أن تحديث قنوات التصريف الحالية بات أمراً عاجلاً لمواجهة ذروة تصريف تتجاوز تسعة آلاف متر مكعب في الثانية.
ودعت الدراسة إلى إنشاء شبكة أرصاد مزودة بمستشعرات في قمم الجبال، قادرة على توفير مهلة إنذار حرجة تتراوح بين 30 و60 دقيقة تسمح بإخلاء المناطق الأكثر عرضة للخطر مثل حي «القطيع».
وأكدت على أهمية ترسيخ نطاق قانوني يمنع تماماً البناء داخل المناطق المحمية المخصصة للأودية، وقالت “إن وقف الزحف العمراني هو السبيل الوحيد لكسر حلقة الكوارث المتكررة”.
استناداً إلى نتائج الدراسة، يرى الباحثون أن حماية مدينة عدن وضمان استدامتها يتطلبان تحركاً عاجلاً وفق التوصيات التالية:
• اعتماد خرائط الفيضانات المعدّة في الدراسة، والتي تمتد لفترة مئة عام، كأساس لخطط التنمية المستقبلية.
• الاستثمار في البنية التحتية: إعطاء الأولوية لتنفيذ السدود المقترحة وبناء عبارات ذات سعة تصريف عالية.
• إنشاء هيئة وطنية: تعمل على إدارة محطات الرصد وتشغيل أنظمة الإنذار المبكر وتنسيق خطط مواجهة الفيضانات.
• الرصد المستمر: تعمل الجهات المختصة على تحديث نماذج استخدام الأراضي والأنظمة المائية بشكل دوري لمواكبة التوسع العمراني السريع والتغيرات المناخية المتزايدة.
ويؤكد الباحثون في الدراسة “أن التطبيق المتزامن لهذه الإجراءات هو السبيل الأفضل لتقليل مخاطر الفيضانات وحماية سكان مدينة عدن وبُنيتها التحتية من الفيضانات”.

