الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
صحة

مرضى ريف تعز: معاناة مضاعفة وتنقلات مكلفة

📅 أكتوبر 13, 2026

في منطقة العروس بقمة جبل صبر في محافظة تعز، تبدأ رحلة العلاج للحاجة صفية حسن 〈60 عاماً〉 قبل ساعات من فتح مركز الغسيل الكلوي في مستشفى الثورة بمدينة تعز، إذ تعاني صفية من بتر ساقها اليمنى جراء مضاعفات السكري وتضرر شرايين الساق الأخرى، ما جعل حركتها الذاتية مستحيلة.

ومع كل موعد للجلسة الطبية، يحملها زوجها سلطان وأفراد من أسرتها على محفة خشبية يدوية عبر مسالك جبلية ترابية ووعرة للوصول إلى الطريق العام، تمهيداً لنقلها عبر إحدى السيارات إلى المدينة.

تعكس تجربة صفية واقع مئات المرضى القادمين من المناطق الريفية بالمحافظة، حيث يتحول الوصول إلى الجلسات الدورية بمعدل مرتين أسبوعياً إلى رحلة شاقة تستهلك طاقة الجسد وتستنزف موارد الأسرة المالية المحدودة أصلاً.


مواضيع مقترحة


ومع تجدد المواجهات العسكرية، التي بدأت في بداية سبتمبر الماضي، خصوصاً في المديريات والقرى الريفية بالمحافظة، أغلقت  الطرق الرئيسية مما يضاعف معاناة المرضى ويثقل كواهل عائلتهم.

وحذر مكتب الصحة في تعز، الاثنين 12 أكتوبر/ تشرين أول، من أن ومنع دخول الإمدادات الحيوية قد يؤدي، بحياة 1,110 مريضًا بالفشل الكلوي ممن يتلقون الخدمة في أقسام الغسيل الكلوي بمعدل 210 جلسة يوميًا.

أعباء مضاعفة

لا تبدأ معاناة صفية عند أبواب المستشفيات والمراكز المتخصصة، حيث تتشكل تفاصيلها من المنازل وعلى الطرقات الفرعية الشاقة التي تفصل القرى النائية عن مراكز تقديم الخدمة الطبية في المدينة والتي تبعد مسافات طويلة.

تتطلب حالتها مساعدات يدوية مستمرة لنقلها من منزلها في القرية الجبلية إلى الخط العام، وهو مسار يتكرر مرتين أسبوعياً لضمان استمرار عملية تنقية الدم من السموم والسوائل.

وتصل كلفة الرحلة الواحدة لأسرتها إلى ما بين 25 و30 ألف ريال يمني، وبإجمالي شهري يقدر بنحو 250 إلى 300 ألف ريال يشمل أجور المواصلات، الأدوية والمستلزمات الطبية المرافقة، ونفقات المرافقين، وهو مبلغ مرتفع يتجاوز إمكانيات الأسرة الذي تضطر إلى افتراض الأموال من الأهل والجيران.

وتضع الرحلات المستمرة الأسر الريفية أمام أعباء اقتصادية واجتماعية قاسية، إذ تضطر عائلات تعتمد على الأجر اليومي إلى تحمل مصاريف نقل تفوق قدرتها التشغيلية، أو مواجهة تراكم الديون المستمرة لتأمين تكاليف الطريق.

يستقبل مركز الغسيل الكلوي بمستشفى الجمهوري نحو 270 مريضاً بشكل منتظم، بينما يستقبل مستشفى الثورة عدداً مقارباً

في حالات متكررة، يضطر المرضى إلى تأجيل جلسات العلاج أو التغيب عنها كلياً عند العجز عن توفير أجرة التنقل، ما يعرض أجسادهم لمخاطر صحية متزايدة ومضاعفات فيزيولوجية قد تؤدي إلى الوفاة.

وتتضاعف الأعباء المالية والصحية على الأسر الريفية في تعز نتيجة انعدام وسائط النقل المباشرة وتدهور البنية التحتية للطرقات، ما يرفع التكاليف التشغيلية للرحلة العلاجية المكررة.

تماماً مثل صفية يقطع الشاب زكري السامعي (26 عاماً)، خريج قسم فني عمليات جراحية مسافات طويلة عبر طرق جبلية من منطقة سامع للوصول إلى مراكز الغسيل بالمدينة يومي الأحد والأربعاء من كل أسبوع.

وتبلغ تكاليف السفر والجلسة الواحدة لزكري نحو 30 ألف ريال يمني، وأدى عجز أسرته عن توفير أجرة التنقل إلى تفويته جلسات علاجية حيوية، إلى جانب فقدانه لقدرته على الاستمرار في عمله الطبي وتراجع استقلاله الاقتصادي، ليتحول من عائل رئيس لأسرته إلى مريض يعتمد كلياً على تدبير تكاليف التنقل الدورية.

وتظهر البيانات الميدانية الفجوة الكبيرة بين الطاقة الاستيعابية للمستشفيات الحكومية وأعداد المرضى المتزايدة القادمين من القرى الريفية ذات الكثافة السكانية العالية، إذ يستقبل مركز الغسيل الكلوي بمستشفى الجمهوري بمدينة تعز نحو 270 مريضاً بشكل منتظم، بينما يستقبل مركز مستشفى الثورة عدداً مقارباً، ليصل إجمالي الخاضعين للعلاج في المركزين الرئيسيين إلى نحو 600 مريض.

ويُقدر رئيس قسم الغسيل الكلوي بمستشفى الجمهوري، الدكتور عصام مهيوب، أن ثلثي المرضى أي نحو 67% يأتون من المناطق الريفية الممتدة في مديريات صبر، الأقروض، المسراخ، جبل حبشي، وشرعب، بينما يمثل سكان مدينة تعز الثلث المتبقي فقط.

مهيوب:نحو 67% من المرضى يأتون من المناطق الريفية بينما يمثل سكان المدينة الثلث المتبقي

وتواجه المحافظة تحدياً يكمن في محدودية عدد المراكز التشغيلية، إذ تقتصر المراكز الحكومية الرئيسية على ثلاثة فقط تتوزع بين مستشفيي الجمهوري والثورة داخل المدينة، ومركز آخر في مدينة التربة، مما يفرض على القاطنين في القرى البعيدة سفر عشرات الكيلومترات لاستخدام أجهزة الغسيل المتاحة.

مخاطر الانقطاع

يُشكل التأخر عن جلسات الغسيل المنتظمة خطراً مباشراً على حياة المرضى نتيجة تتالي احتباس السوائل وتراكم السموم في الجسم، في ظل ظروف تشغيلية ومعيشية صعبة.

ويوضح الدكتور عصام مهيوب أن انقطاع المريض عن مواعيد الجلسات يتسبب في مضاعفات صحية حادة تظهر في صورة تورمات في الأطراف، حكة جلدية شديدة، ضيق في التنفس نتيجة تجمع السوائل على الرئتين، وقد تنتهي بفقدان الوعي.

وسجلت الأطقم الطبية حالات لمرضى فارقوا الحياة قبل الوصول إلى المستشفى، ومنها حالة المريض عبد الكريم القادم من منطقة البرح، والذي توفي عند أحد منافذ المدينة بعد تعثر وصوله في الوقت المحدد نتيجة بعد المسافة.

تتضاعف الأعباء المالية والصحية على الأسر الريفية في تعز نتيجة انعدام وسائط النقل المباشرة وتدهور البنية التحتية للطرقات

وتزداد المشكلة معاقبة في ظل هشاشة التمويل التشغيلي للمراكز، حيث تقتصر مساهمة الجهات الرسمية على توفير المواد الأساسية للغسيل، بينما تعتمد المراكز في تغطية كلفة الوقود، الكهرباء، صيانة الأجهزة، وتأمين الفحوصات والأدوية الإضافية للمرضى المعوزين على التبرعات والدعم الشعبي.

التوسع الطبي

تؤكد القراءات الميدانية وتقييمات المختصين أن خيار توفير وسائط نقل مجانية لمرضى الريف يمثل حلاً جزئياً لتخفيف العبء المالي، لكنه يضاعف الضغط المباشر على مراكز علاجية تعمل بالحد الأقصى للطاقة الاستيعابية والتشغيلية.

وعلى الرغم من وجود مشروع متكامل لتوسعة مركز مستشفى الجمهوري بإضافة نحو 70 سريراً لتلبية الطلب المتزايد، إلا أن التنفيذ ما يزال معطلاً لغياب التمويل اللازم من الجهات المانحة.

وللحد من الأزمة الإنسانية يتطلب الانتقال نحو معالجة هيكلية تعتمد اللامركزية في تقديم الخدمة الصحية. ويتحقق ذلك من خلال إنشاء مراكز غسيل كلوي جديدة ومجهزة في المجتمعات والمديريات الريفية ذات الكثافة السكانية الكبيرة.

ويساهم التوجه في تقليل المسافات التي يقطعها المرضى، ويخفض الكلفة الاقتصادية للتنقل، ويضمن انتظام الرعاية الطبية للحالات الحرجة دون تحميل الأسر أعباء تفوق قدرتها.

ويواجه مرضى الفشل الكلوي في اليمن، خطر الموت المستمر بسبب النقص الشديد في إمدادات غسيل الكلى التي لا تكفي لتغطية الاحتياجات، وفق منظمة الصحة العالمية.