“قُطعت أسلاك الكهرباء في قريتنا، واكتشفنا لاحقا أنها أصبحت سياجا لمزرعة وخطوطا خاصة، حتى صار النهب أمرا مألوفا”، بهذه الكلمات يلخص بلال دوام، أحد سكان منطقة الأعروش بمديرية خولان بصنعاء، حال تآكل البنية التحتية الخدمية في قريته الريفية، حيث تحولت الأصول العامة جهارا إلى غنائم ومنافع شخصية في الكثير من المناطق الريفية في اليمن.
ورغم معرفة الأهالي التامة بهوية المتورطين، يفرض حرص المجتمع على تجنب الخلافات صمتا يضاعف التعديات، إذ يوضح دوام لـ “ريف اليمن”: “الذين استولوا عليها معروفون للجميع، لكن أحداً لا يريد الدخول في مواجهات صريحة”.
ولا تقف هذه الظاهرة عند حدود الأعروش، حيث تمتد إلى القرى المجاورة التي شهدت مؤخراً تجريد بئر مياه عامة من أعمدتها الكهربائية، إذ يقول دوام: “مشروع خصص للخدمة العامة انتهى جزء منه سياجاً لمزرعة، وآخر لخطوط خاصة، وأعمدة أُزيلت من فوق بئر مياه، كل ذلك يحدث بشكل علني وبأيدي أشخاص معروفين بالاسم.
مواضيع مقترحة
- سرقة الأغنام: كابوس يطارد أرزاق فقراء الريف
- ‹الانتقام بالماشية›: وباء اجتماعي صامت في الريف
- تفتيت الصخور بالبارود.. استنزاف للعمال وخطر يهدد السكان
نهب الخدمات
من الأعروش في صنعاء إلى الشاهل بحجة، لم تعد أسلاك الهاتف تنقل أحاديث الأهالي بل تحولت إلى ممتلكات خاصة، إذ يوثق عبد اللطيف القاعدي (36 عاماً) التجريف قائلاً:” رأيت الأسلاك مفكوكة وتتدلى إلى الأرض بعد سحبها بعنف وجمعها كلفائف للنقل”.
ولم يقتصر التعدي على الأسلاك، بل طال الأعمدة التي اقتلعت من جذورها لتثبيت سياجات المزارع أو التقطيع في ورش الخردة، إذ يتكرر المشهد ذاته في وادي الشناسي بمديرية بعدان في إب وسط اليمن.
ويؤكد التربوي مصلح القح (56 عاماً) لـ” ريف اليمن” أن سرقة كابلات الهاتف لبيع النحاس عزلت عشرات القرى عن العالم، منها حلاكة والمحاط وحزر، دون أي بوادر لإصلاح الخدمة المقطوعة تماماً.
الأمر ليس مقتصرا على الكهرباء وكابلات الهاتف، فقطاع التعليم يشهد الريف اليمني سطواً ممنهجاً على أصول المدارس، ففي بني ضبيان بصنعاء، تروي أم عبد اللطيف (40 عاماً) تفاصيل تفريغ مدرسة قريتها قائلة: الكراسي والطاولات كانت تُسحب إلى البيوت تدريجياً أمام مرأى الجميع.
وتضيف: “بعض الخياطات استخدمن الطاولات لماكينات الخياطة، العبث لم يقتصر على العوام، بل تورطت فيه أسر نافذة وجهات إدارية يُفترض بها حماية المؤسسة.
ويتفق مختار الشمري (39 عاماً) من قفل شمر بحجة مع المشهد، حيث تتجاوز الظاهرة نهب الأثاث إلى الاستيلاء على المباني التعليمية وتغيير وجهتها، يوضح الشمري: “رأيت سكن المدرسة يتحول إلى منزل لمزارع بينما المعلمون بلا مأوى، كما استُخدمت غرفة الحارس كمخزن لأدوات زراعية وقطع غيار سيارات، ليصبح الطالب والمعلم آخر المستفيدين.
تآكلت البنية التحتية الخدمية وتحولت الأصول العامة جهارا إلى غنائم ومنافع شخصية في الكثير من المناطق الريفية
أما مشاريع المياه، فقد نالت النصيب الأكبر من التفكيك. في كعيدنة بحجة، يصف مستور الهجري تتبع مسارات النهب قائلاً لـ ريف اليمن: ظهرت الحفر على امتداد المشروع، واختفت المواسير لتُمدد لاحقاً بين أشجار القات مضيفاً بأن الماسورة المدفونة تحت الطرقات باتت تُستخرج علناً لصالح مزارع قريبة.
اقتصاد الخردة
وفي مديرية الجميمة، يوضح الناشط الاجتماعي قطيش أحمد أن مشروع مياه أُنشئ عام 1993 تم تفكيكه بالكامل واستخدام مواسيره في تسقيف البيوت وبناء خلايا النحل، مناشداً الأهالي حماية مقدراتهم باعتبار المشروع العام أمانة وليس غنيمة.
وعلى الصعيد التوثيقي الرسمي، يكشف تقرير برلماني سابق حجم التعدي الكارثي على المشاريع الخدمية، مسجلاً تفكيكاً شبه كامل لمشروع مياه محلي في مديرية بني قيس بحجة. وتظهر الأرقام نهب وتكسير 6046 ماسورة من أصل 6578، ولم يتبقَّ سوى 532 ماسورة فقط.
تجدر الإشارة إلى أن التفكيك الشامل، الذي بدأ عام 2017، لم يكن مجرد سلوكيات فردية عابرة؛ إذ ضمت قائمة الاتهام البرلمانية 287 شخصاً، بينهم مواطنون ومسؤولون محليون، في مؤشر خطير يعكس غياب الرقابة التام وتراجع الوعي المجتمعي بحماية الأصول التنموية في الأرياف.
ويكشف أبو نصار (50 عاماً)، مالك ورشة لبيع الخردة، لـ “ريف اليمن” الوجهة الخفية للممتلكات العامة المنهوبة قائلاً: “المسروق من المشاريع يصل ليلاً، ويُباع سراً لأصحاب مخارط وورش ومزارع”.
ويوضح مسار تدوير المواد وإخفائها: “الأسلاك تُحرق لاستخراج النحاس وإعادة صهره، والمواسير الكبيرة تذهب لمشاريع ومزارع خاصة، بينما تُستخدم الصغيرة لهياكل الشاحنات”.
أما الآلات الثقيلة كالحفارات والونشات، فيؤكد تفكيكها لتباع كقطع غيار أو تُقطع كخردة، موضحاً طبيعة الصفقات التي تسهّل الجريمة بعيداً عن الرقابة حيث أن الدفع يتم نقداً وبلا فواتير.
غياب الرقابة
في ضواحي خولان الطيال بمحافظة صنعاء، لم تعد سرقة أسلاك الكهرباء حوادث عابرة، بل تطورت إلى ظاهرة متكررة تهدد ما تبقى من بنية تحتية متهالكة في المنطقة.
القمري: متابعة السرقات الصغيرة بالريف ليست سهلة، ونحتاج إلى بلاغات واضحة، لكننا نصطدم بضعف التعاون المؤسسي
ويوضح مدير المديرية هلال معيض لـ “ريف اليمن” أبعاد المشكلة مؤكداً تعرض خطوط شبكة الكهرباء للنهب في عدة قرى من قبل مجهولين، ويصف الوضع الميداني قائلاً: “سرقوا الوايرات، والمواطنون رفعوا بلاغات متكررة، لكن الجهات المعنية لا تزال عاجزة عن وضع حد لذلك”.
ويحذر معيض من عواقب التجاهل المستمر لهذه التعديات، مطالباً الأجهزة الأمنية بالتحرك الفوري لضبط الفاعلين، ويختتم: “السكوت عن هذه السرقات تواطؤ غير مباشر في تدمير ما تبقى من الخدمات الأساسية في المديرية”.
و يواجه العمل الرقابي تحديات في تتبع المنهوبات الفردية، إذ يوضح يحيى القمري، وكيل قطاع الرقابة على الأجهزة الإدارية للدولة لـ “ريف اليمن”: “متابعة السرقات الصغيرة بالريف ليست سهلة، ونحتاج إلى بلاغات واضحة، لكننا نصطدم بضعف التعاون المؤسسي؛ ففي عام 2022 لم تتجاوز نسبة تنفيذ هيئة مياه الريف لتوصياتنا 20% فقط”.
ويُرجع القمري تفشي الظاهرة إلى ترك المشاريع المتعثرة مكشوفة ويقول: “يتوقف المشروع وتبقى مواده في الميدان، فيأخذ هذا ماسورة وآخر كرسياً لمزرعته، وبدون حراسة وجرد مستمر يصعب اكتشاف النقص لاحقاً”.
ويؤكد أن السرقة ليست أساس المشكلة دائماً بل نتيجة لها: “الخلل يبدأ غالباً من سوء الإدارة، وضعف المتابعة، وترك المشروع من دون حماية”.
من جانبه يؤكد المهندس عبد الغني القطمة لـ “ريف اليمن” تلقي فرع هيئة مياه الريف بالمحويت بلاغات مستمرة عن اختفاء معدات المشاريع، قائلاً: “وصلتنا شكاوى عن نهب مكونات مشاريع قائمة، ووجدنا أجزاء من الشبكات مفقودة ومواسير أُخرجت من مسارها”.
المهدي: يجب تشكيل لجان حماية أهلية تعزز الشعور بالملكية المجتمعية وتستعيد الرادع الذاتي للتصدي للصوص والحفاظ على المشاريع
وعن الإجراءات المتخذة، يوضح القطمة أن الفرق الميدانية حصرت النواقص وقارنتها بمحاضر الاستلام، مضيفاً: “في الحالات التي ثبت فيها الاستيلاء على مكونات المشروع، رُفعت البلاغات إلى الجهات المختصة واتُّخذت الإجراءات القانونية”.
غياب الردع
يفسر أستاذ القانون الجنائي بجامعة صنعاء، الأستاذ الدكتور عبد الإله المهدي لـ “ريف اليمن”، ظاهرة نهب البنى التحتية بوصفها متتالية إجرامية ناتجة عن غياب الرادع.
ويبسط المسار نفسياً بالإشارة إلى أن المشاريع المتعثرة تبعث رسالة بأنها “متروكة”، ليلجأ الجاني إلى ما يُسمى “التحييد الأخلاقي”، مقنعاً نفسه بأنه يأخذ “خردة” تخلت عنها الدولة، وليس ممتلكات عامة.
وقانونياً، يوضح المهدي أن الأفعال لا تُصنف كسرقة بسيطة، بل جناية مركبة تتمثل في التخريب العمدي لمقدرات الوطن. ويشير إلى أن الجريمة تبدأ بخطوة لجس النبض كسرقة سلك كهربائي، وحين يكتشف الجاني غياب العقاب، يتمادى لنهب المدارس والمشاريع لاعتباره أن المخاطرة معدومة والمكسب مضمون.
ولمواجهة الظاهرة، يضع المهدي مسارين للحل؛ أولهما مسار أمني حازم يتضمن تفعيل القانون وتوجيه مباغتات أمنية لـ أسواق الخردة ومحاكمة مستقبلي المسروقات كشركاء في التخريب، وثانيهما مسار إداري ومجتمعي يشدد على أن العلاج الجذري يبدأ بإنهاء التعثر، إذ أن المشروع العامل يحرس نفسه بهيبته.
ولحين تحقق ذلك، يرى المهدي ضرورة تشكيل لجان حماية أهلية تعزز الشعور بالملكية المجتمعية وتستعيد الرادع الذاتي للتصدي للصوص، والحفاظ على المشاريع الخدمية المختلفة وأصولها، كواجب مجتمعي وأخلاقي ووطني.





