الأحد, 23 أغسطس 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
زراعة

زراعة أرض الأجداد.. كيف أحيا شاب قرية مهجورة؟

📅 أغسطس 23, 2026

في الوقت الذي سارع فيه شباب قريته بالتوجه نحو المدن، اختار محمد ماجد (43 عاماً) ترك المدينة والعودة إلى مسقط رأسه في قرية المسبوب بوادي أديم، وهي منطقة جبلية وعرة بين لحج وتعز، بهدف زراعة أرض أجداده، وإحياء أرضا طالها النسيان مستغلاً توفر المياه بالمنطقة.

على الرغم من نشأته في مدينة التربة جنوبي تعز، وتحقيقه نجاحا ملموسا في دكانه الصغير، إلا أن ارتباطه بقرية أجداده وشغفه بالزراعة دفعه للتخلي عن استقرار المدينة والانتقال إلى الريف، وإعادة بناء أحد منازل أجداده المهجورة، وتحمل مشقة العيش في بيئة تفتقر لأبسط الخدمات.

لم تكن تجربة العودة سهلة إذ يروي محمد أن أبرز العقبات التي واجهته والتي تمثلت في رفض والده لقراره، لدرجة رغبته في عرضه على مصحة نفسية لاعتقاده أن التخلي عن استقرار المدينة والانتقال إلى منطقة مهجورة هو سلوك غير متزن.


مواضيع مقترحة


تجاوز الصعوبات

ويقول لـ “ريف اليمن”،لم يكن الرفض داخل الأسرة فقط، إذ واجهت تشكيكا من أبناء المنطقة، الذين قللوا من مصداقية قراري بالعودة إلى مكان يفتقر لأدنى مقومات الحياة، خاصة أني قادم من منطقة حضرية تتوفر فيها مقومات الحياة ولو بالحد الأدنى.

يشيد محمد بدور زوجته الداعم له في اتخاذ هذا القرار المصيري، لافتا أنها لم تكن قد زارت القرية من قبل سوى بمشاهدتها عن بُعد من على سفوح الجبال المطلة، لكنها لم تقم بمعارضته، بل شجعته بكل ثقة على أي قرار تختاره خطاهما معا.

يصف تجربته بأنها بالغة الصعوبة، إذ واجه ظروفا قاسية تمثلت في وعورة الطريق وانعدام الحياة، ومواجهة مخاطر تساقط الأحجار، وتجمع السيول الجارفة، وما يرافق ذلك من حوادث سقوط للأحجار أو تعثر في المرتفعات أثناء التنقل.

أثمرت جهود محمد عن زراعة وإنتاج أنواع عديدة من الخضروات مثل الطماطم، البسابس، الكوسة، الخيار، البامية والليمون وغيرها

ومع بدء الاستقرار، قام محمد بتعويض شبكات الكهرباء بالمصابيح التقليدية، والغاز بالحطب، والمساكن الإسمنتية المعاصرة بالبيوت الطينية العريقة، ورغم قسوة هذه التحولات، إلا أنه أيقن أنه ظفر بالسكينة الحقيقية والطمأنينة وسط هذه العزلة الاختيارية، ويقول:” قضينا الليالي الأولى بوحشة مفزعة، لكن التجربة صنعت نقطة تحول في حياتنا”.

يقول وضاح الأديمي، أحد زملائه، “: عندما أعلن محمد قراره بالعودة إلى قريته المهجورة بدأ رحلته بصمت وعمل شاق، حاملا فأسه ليواجه أرضا صلبة طالها النسيان، وفي تلك المرحلة، علت أصوات المشككين تسأل عن العائد المتوقع من جهوده المضاعفة.

وأوضح لـ “ريف اليمن” قائلا:” كانت الأشهر الأولى قاسية وغير مثمرة، وبميزان الربح والخسارة، كان المشهد يبدو خاسرا بكل المقاييس لكن شغفه، ورغبته العميقة في إحياء الأرض، وحبه لتلك العزلة، كانت جميعها أكبر من لغة الأرقام والحسابات المادية”.

صورة تظهر اعتماد محمد على الحمير لنقل المحاصيل الزراعية بسبب انعدام الطريق

​​ويضيف”:مع مرور الأيام، بدأ المشهد يتغير ببطئ، ففي وقت الظهيرة، حين كان يعود من السوق، لم يعد وحيداً، بل صار يرافقه بعض أبناء المنطقة المهجرين الذين أيقظ فيهم الحنين، وبات يستقبل ضيوفه في مزرعته بفخر عارم، يشرح لهم تفاصيل ما انجزه بيديه لتهيئة الأرض وإصلاحها، وإن كان البعض لا يزال يرى في جهده ضياعاً للوقت.

جهود إحياء الأرض

نظراً لطبيعة الوادي الجبلية الوعرة وانعدام المساحات الزراعية الشاسعة، وجد محمد أرضاً كادت تنعدم صلاحيتها للحراثة والزراعة بسبب هجرها لعقود طويلة، لافتا أنه بذل جهودا مضنية استمرت لأكثر من سنة ونصف، وكان يبدأ العمل من خيوط الفجر الأولى حتى المساء.

وإلى جانب المشقة البدنية، اصطدم محمد بنقص الخبرة بخصائص التربة وأساليب الري الصحيحة، مما تسبب في تلف محاصيله وفشله خلال الموسم الأول، غير أن تلك الانتكاسة لم تثنه عن مواصلة التعلم والعمل ليتحول تدريجيًا إلى من مجرد عامل إلى مزارع متمرس.

مثلت زراعة الخضروات الورقية نقطة التحول الأولى والنتيجة الملموسة في تجربته، لكونها الأسرع حصادًا والأسهل نقلاً، لتتحول لاحقًا إلى مصدر دخل مستدام، ومع تراكم الخبرة، عاد بجرأة إلى المحاصيل التي فشل فيها سابقاً، مطبقًا الأساليب السليمة في الري وتغذية التربة.

صورة توضح الطبيعة الجغرافية الصعبة للمنطقة التي عاد إليها محمد للإقامة وزراعة الأرض (ريف اليمن)

نجح محمد في استثمار الوادي، وازدهرت الأرض بشتى أصناف الخيرات، فإلى جانب الخضروات، أثمرت جهوده عن زراعة وإنتاج أنواع عديدة من الخضروات مثل الطماطم، البسابس، الكوسة، الخيار، البامية والليمون، بالإضافة إلى الفواكه الطازجة كالموز والجوافة.

بدأت محاصيله تشق طريقها نحو سوق مدينة التربة المجاور عبر الحمير بسبب وعورة الطريق، واكتسبت سمعة طيبة حتى بات بعضها يُصنف ضمن الأفضل في السوق، ويعود سر التميز إلى فلسفته القائمة على الإنتاج العضوي إذ يرفض استخدام المبيدات الكيميائية أو الأسمدة المصنعة، ورغم أن حجم الإنتاج لا يزال محدوداً بسبب العمل اليدوي، فإن الطلب على منتجاته في تزايد مستمر.

ولم يقتصر نجاحه على الزراعة، حيث استثمر طبيعة الوادي في تربية الأبقار والأغنام والدواجن والأرانب، لتثمر جهوده عن إنتاج أصناف متعددة،  إلى جانب المواشي، أما عن المردود المادي، فيقول محمد إن القناعة هي المعيار الرئيسي مشيراً إلى أن الخضروات الورقية توفر دخلاً مستمراً، بينما يتحسن العائد في الصيف ويقل نسبياً في الشتاء.

تحديات الطريق

على صعيد التنقل والمعيشة، يمثل طريق المُشرقة الشريان الأساسي لمحمد وعائلته إذ يقطعونه يومياً برفقة الحمير لنقل المحاصيل، إلى جانب مسلك آخر بالغ الخطورة يصعب عبوره حتى على المشاة، وتتضاعف المعاناة مع اضطرار الأطفال لقطع مسافات شاقة للوصول إلى أقرب مدرسة في مديريتي المقاطرة أو الشمايتين.

إصرار محمد صنع الفارق وبدأت البذور تؤتي أكلها وتحولت الأرض الهامدة إلى واحة خضراء

وتزيد السيول الجارفة من حدة التحديات بقطع الطرق وتآكلها ورغم المبادرات المجتمعية لصيانة المسار بالحجارة والمدرجات، فإن الوعورة الشديدة تعيق حركة الحمير المحملة، وتتجسد المأساة الحقيقية وفق محمد في نقل المرضى ذوي الحالات الحرجة على النعوش لتعذر وصول السيارات، ما يكرّس عزلة المنطقة وقسوة عيشها.

ورغم الظروف القاسية، يؤكد الأديمي أنه مع مرور الأيام بدأ المشهد يتغير تدريجياً، فأثناء عودته من السوق، لم يعد محمد وحيداً، بل أصبح يرافقه بعض أبناء المنطقة المهجرين الذين أيقظت تجربته الحنين في نفوسهم، وبات يستقبل ضيوفه في مزرعته بفخر، ويشرح لهم أنجزه بجهده الذاتي لتهيئة الأرض وإصلاحها، رغم استمرار تشكيك البعض بجدوى عمله.

لافتا أن إصرار محمد صنع الفارق، إذ بدأت البذور تؤتي أكلها وتحولت الأرض الهامدة إلى واحة خضراء، فهو اليوم لا يحتاج إلى الدفاع عن قراره، بل يسوّق محاصيله يومياً في الأسواق مفاخراً بإنتاجه، ليتحول في عيون محيطه من مغامر إلى نموذج حي للكفاح والنجاح.