عند مشاهدة أرض قاحلة وتربة متشققة بفعل الجفاف، قد يبدو للوهلة الأولى أنها بحاجة إلى أمطار غزيرة كي تعود إليها الحياة. غير أن دراسات حديثة تؤكد أن هذه الأمطار الغزيرة كثيرًا ما تتحول إلى فيضانات مميتة في المناطق الصحراوية، خصوصًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تُعد من أكثر مناطق العالم جفافًا.
تزداد المخاطر بصورة كبيرة في اليمن وعدد من البلدان العربية، وتكرر التحذيرات من ارتفاع مخاطر الفيضانات سنوياً في عدد من المناطق اليمنية خلال موسم الأمطار. وتوقعت نشرة الإنذار المبكر هطول أمطار غزيرة في اليمن أعلى من المعدل الطبيعي خلال أغسطس الجاري، وحذرت من حدوث فيضانات مفاجئة.
ولعل أكثر ما يعمق مخاوف اليمنيين من مآسي محتملة للفيضانات هي الهشاشة الكبيرة في البنية التحتية التي تدهورت بشدة جراء استمرار النزاع منذ 12 عاماً، مما يضاعف حجم الخسائر البشرية والمادية للمناطق المتضررة بشكل كارثي.
الفيضانات ‹تهديداً مدمرا› في المناطق الجافة
برغم أن الكوارث المرتبطة بفيضانات الأمطار ظاهرة طبيعية باتت مألوفة وتحدث في الكثير من بلدان العالم، إلا أن ما يعمق المخاطر وينذر بتضاعف الأضرار والخسائر المتوقعة الناجمة عنها في اليمن والمنطقة العربية بشكل خاص هو حقيقة أن الفيضانات أصبحت أكثر فتكاً في الصحاري والمناطق الجافة من العالم.
وتكشف أبحاث علمية حديثة أن هذه المناطق الصحراوية القاحلة تواجه تهديدًا أكثر غموضًا وتدميرًا يتمثل في الفيضانات، كما وجد العلماء أن التصحر يُفاقم من حدة آثار الفيضانات خصوصاً على المدن الساحلية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويينما كان الجفاف يُعتبر منذ فترة طويلة مصدر القلق الرئيسي في الصحاري، فإن تزايد وتيرة وشدة هطول الأمطار الغزيرة يثبت أنها تشكل خطورة بنفس القدر، إن لم تكن أكثر، وفق موقع إيرث «Earth» العلمي.
وكانت دراسة أجراها باحثون من كلية فيتربي للهندسة بجامعة جنوب كاليفورنيا، بالتعاون مع باحثين من معهد فيزياء الأرض في باريس التابع لجامعة باريس سيتي، في سبتمبر 2024،كشفت أن الفيضانات تمثل أكبر تهديد يواجه الصحاري، وأشارت إن تآكل التربة في المناطق الساحلية نتيجة التصحر يُفاقم آثار الفيضانات على المدن الساحلية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ركز الباحثون على الفيضانات التي ضربت مدينة درنة الليبية في سبتمبر 2023 التي أودت بحياة أكثر من 11300 شخص، وأظهرت كيف ساهم ازدياد تآكل التربة بشكل كبير في الخسائر الفادحة لهذه الفيضانات الصحراوية غير المسبوقة، نُشرت الدراسة في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» بعد مرور عام تقريبًا على الفيضان المميت.
ويتفق حاجب الحاجبي أستاذ علوم البيئة والتغيرات المناخية في جامعة صنعاء مع هذه النتائج فهي كما يقول ‹مدعومة بأدبيات علمية في الهيدرولوجيا وإدارة مخاطر السيول، فالمناطق الصحراوية والقاحلة قد تكون أقل مطراً، لكنها غالبًا أكثر تعرضًا لفيضانات مفاجئة وعنيفة عندما تهطل أمطار غزيرة›.
وأضاف في حديث لـ«ريف اليمن» أن هناك عدة أسباب رئيسية أبرزها ‹شدة الهطول خلال فترة قصيرة ففي البيئات القاحلة يسقط جزء كبير من المطر خلال ساعة أو ساعتين، فتتجاوز شدة المطر قدرة التربة على الامتصاص وتتحول خلال دقائق إلى سيول جارفة›.
وأوضح أن الجفاف الطويل أدى إلى ضعف نفاذية التربة وتكوّن قشرة سطحية تزيد من الجريان السطحي، كما أن الانحدارات الجبلية تسرّع وصول المياه إلى مجاري الأودية، في حين تسهم قلة الغطاء النباتي في تقليل إبطاء الجريان والحد من احتجاز المياه.
لماذا تزيد المخاطر في اليمن وعُمان؟
وكشف تحقيق أجرته صحيفة «واشنطن بوست» استند إلى بيانات الغلاف الجوي العالمي، تحولاً جوياً حاداً بنقل كميات أكبر من الرطوبة إلى سواحل شمال سلطنة عُمان المجاورة لليمن، وهنا تتصاعد أقوى أعمدة الأمطار في السماء بمعدلات تزيد عن 1.5 ضعف المتوسط العالمي.
تتلقى مساحات واسعة من عُمان أقل من 10 سنتيمترات من الأمطار سنويًا في المتوسط، وهو من أدنى معدلات الهطول في العالم. وخلال القيادة عبر الريف، تبدو مناظر الصخور والرمال خلابة رغم قسوة الطبيعة، فيما يعتمد معظمة السكان على محطات تحلية مياه البحر للحصول على مياه الشرب.
كان الجفاف يُعتبر منذ فترة طويلة مصدر القلق الرئيسي في الصحاري لكن شدة هطول الأمطار يثبت أنها تشكل خطورة بنفس القدر
مع ارتفاع درجات الحرارة وازدياد امتصاص العواصف البحرية للرطوبة من البحار الدافئة، تتغير أنماط الأمطار وكمياتها. حيث قلّت الأيام الممطرة وأصبحت الظواهر المناخية المتطرفة متكررة، وزادت تيارات الرطوبة القوية من احتمالية هطول أمطار غزيرة في مختلف مناطق سلطنة عُمان، خلال العقود الثلاثة الماضية.
وتفاقهم هذه العواصف خطر الفيضانات المفاجئة التي تسبب دمار واسع، وتسببت عاصفة عام 2021 في هطول أمطار غزيرة بلغت 18 بوصة على أجزاء من الساحل الشمالي، أي أكثر من ستة أضعاف المعدل السنوي.
ودفعت المياه بقوة عبر وادي الحواسنة، وهو وادٍ صخري يقع على بعد ساعتين شمال غرب العاصمة مسقط، بارتفاع مبنى من ثلاثة طوابق. وتجاوزت المياه سداً، ودمرت أكثر من 300 منزل، وأغرقت منطقة ساحلية يقطنها نحو ربع سكان البلاد.
أحد أسباب صعوبة التنبؤات هو طبيعة هطول الأمطار في الصحراء، فبدلاً من هطول رذاذ مستمر على مساحة واسعة، أظهرت الأبحاث أن هطول الأمطار في المناطق القاحلة يميل إلى أن يكون شديد التركيز في مناطق محددة.
ويشير الدكتور الحاجبي إلى أن ماورد عن سلطنة عمان ينطبق على أجزاء واسعة من اليمن، لأن البلدين يشتركان في عدة عوامل وتتمثل في ‹مناخ جاف إلى شبه جاف وانتشار الأودية الجافة وسلاسل جبلية قريبة من السواحل، وأمطار متقطعة لكنها قد تكون شديدة جداً، بالإضافة إلى تأثير بحر العرب وخليج عدن كمصدر رئيسي للرطوبة›.
ولفت -في حديث لـ‹ريف اليمن›- إلى تشابه البلدين في مسألة التعرض للعواصف المدارية والحالات الجوية القادمة من بحر العرب، وكذلك هو الحال بالنسبة لارتفاع خطر السيول الخاطفة بسبب الطبيعة الجبلية والأودية.

مخاطر استثنائية للسيول
مع ذلك، ورغم تشابه اليمن وعُمان مناخياً، إلا أن هناك فرقاً يجعل الفيضانات أخطر في اليمن الذي يمتلك مرتفعات أعلى وأكثر اتساعاً لذلك تتولد سيول أكبر في بعض الأحواض مقارنة بعُمان. وفق أستاذ علوم المناخ الحاجبي.
وتلحق الفيضانات المفاجئة الضرر بالمدرجات الزراعية والبنية التحتية الزراعية والمحاصيل، لا سيما في الأودية وسط استمرار الإجهاد المائي العام الذي تعاني منه المناطق الزراعية الإيكولوجية الرئيسية، وتسبب تآكل للتربة التي تفقد عناصرها الغذائية بسبب الجريان السطحي الغزير على الأراضي الزراعية المنحدرة.
وتسببت الأمطار الغزيرة والفيضانات خلال 2025 بوفاة 82 شخصاً وإصابة أكثر من 100 آخرين، وفق تقديرات الأمم المتحدة، كما دمرت عشرات المنازل ومنشآت البنية التحتية الحيوية بما في ذلك الجسور والطرق والمستشفيات وملاجئ النازحين والأراضي الزراعية في مختلف أنحاء اليمن.
يشير الحاجبي أن تضاريس اليمن تجعل الخطر أكبر من كثير من الدول العربية، وأكثر المحافظات عرضة لمخاطر السيول هي:
• الحديدة: خاصة وادي مور ووادي سردد والمناطق الساحلية المنخفضة.
• حجة: بسبب الأودية الكبيرة المنحدرة نحو تهامة.
• إب: حيث غزارة الأمطار مع الانحدارات الشديدة.
• تعز: حيث السيول الجبلية السريعة والكثافة السكانية.
• صنعاء ‹المدينة ومحيطها الريفي›: نظراً للسيول الحضرية والتوسع العمراني داخل مجاري السيول.
وحذر من خطر أحواض التصريف الواسعة والسيول الموسمية في ذمار، والتضاريس شديدة الانحدار في كل من ريمة والمحويت، وأشار إلى تعاظم الخطر في وديان حضرموت وأبين الواسعة.
حاجب الحاجبي: تضاريس اليمن تجعل الخطر أكبر من كثير من الدول العربية
وبدرجة أقل خطورة، يشير الحاجبي إلى خطر الفيضانات في المهرة عند تأثرها بالأعاصير المدارية، وعدن بسبب العمران الكثيف وضعف تصريف مياه الأمطار في بعض المناطق.
ويُعد اليمن من أكثر الدول العربية تعرضًا للسيول الخاطفة، ليس بسبب كمية الأمطار السنوية فقط، وإنما بسبب اجتماع ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل بأمطار غزيرة وقصيرة المدة، تضاريس جبلية شديدة الانحدار، وانتشار التجمعات السكانية والبنية التحتية داخل الأودية ومخارجها. يعزو الحاجبي ارتفاع خسائر السيول في اليمن إلى عدة عوامل أبرزها:-
- البناء داخل مجاري الأودية أو القرب منها.
- ضعف أو غياب شبكات تصريف مياه الأمطار.
- محدودية أنظمة الإنذار المبكر.
- تدهور السدود والحواجز والمنشآت المائية.
- التوسع العمراني غير المخطط.
كما أشار إلى عوامل أخرى كإزالة الغطاء النباتي وزيادة انجراف التربة، وضعف صيانة العبارات والجسور، ونقص بيانات الرصد الهيدرولوجي والأرصاد في بعض المناطق، بالإضافة إلى محدودية الإمكانات المؤسسية والاستجابة للطوارئ، وكذا الكثافة السكانية في بعض الأودية والسهول الفيضية.
لماذا ترتفع الخسائر في اليمن؟
علمياً، شدة المطر وحدها لا تحدد حجم الكارثة بل قابلية المنطقة للتعرض ومستوى الهشاشة وكفاءة إدارة المخاطر، إذ تفسر هذه العناصر لماذا قد تتسبب عاصفة واحدة في خسائر بشرية ومادية كبيرة في اليمن، بينما تؤدي كمية أمطار مماثلة إلى أضرار أقل في دول تمتلك بنية أفضل لإدارة مخاطر السيول، وفق حديث الحاجبي، أستاذ علوم البيئة في جامعة صنعاء.
فكما أشار تحقيق واشنطن بوست إلى أنه لطالما فوجئت عُمان وجيرانها، الذين لم يعتادوا على ازدياد وتيرة الفيضانات، بهذه الظاهرة، لكن بالنسبة لهذه الدول الغنية بالنفط، التي تُعلي شأن النظام والاستقرار، فقد أجبرتها الصدمة الناجمة عن الفيضانات الأخيرة على إعادة النظر في بيئتها المتغيرة.
تملك دول الخليج شبكات تصريف أمطار حديثة وتشهد تطبيقا صارما للبناء فضلا عن جاهزية فرق الدفاع المدني والإخلاء، وتنشئ عُمان شبكة من السدود الجبلية للحماية من مخاطر الفيضانات في اجتياح الأودية، وتعتزم بناء 58 سداً جديداً، كما تُعلن لوحات إعلانية على الطرق السريعة عن قرب إنشاء مراكز إيواء جديدة في حالات الفيضانات.
تلك الوسائل الدفاعية هي تماماً ما يفتقر إليه اليمن، فليست المسألة أن دول الخليج تمنع الفيضانات، بل إنها ـحسب قول الحاجبي ـ تدير مخاطرها بصورة أفضل، من خلال أنظمة إنذار مبكر متطورة، ورادارات طقس وشبكات رصد كثيفة، ونماذج تنبؤ هيدرولوجية وتشغيل غرف طوارئ، بالإضافة إلى سدود للحماية وحواجز تحويل السيول.
في نهاية المطاف وكما يعتقد الباحثون، تُسلط الأبحاث العلمية المشار إليها في هذا التقرير الضوء على الهشاشة المقلقة التي تواجهها المناطق القاحلة في ظل تزايد وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة نتيجة لتغير المناخ، كما تبرز الحاجة المُلحة إلى برامج متقدمة لرصد الأرض لمراقبة هذه المناطق وتوصيفها.





