حين تتوارى الشمس خلف قمم الجبال، وتبدأ ظلمة الغسق بالتمدد في شوارع صنعاء وإب وتعز وغيرها، لم يعد الهدوء وحده ما يستقبل به بعض السكان ساعات المساء، بل بات يرافقه خفقان أجنحة خفيفة ومباغتة لخفافيش تتخذ من الشرفات وأغصان الأشجار القريبة من النوافذ مأوى لها.
ظهور خفافيش الليل لم يعد مجرد مشهدا عابرا، بل أصبح لافتا في بعض المناطق، حيث تقترب هذه الكائنات من المساكن والمزارع، في وقت تتعرض فيه موائلها الطبيعية لتغيرات متزايدة بفعل التوسع العمراني وقطع الأشجار وتبدل الظروف المناخية.
وبينما يثير حضورها القريب مخاوف لدى السكان والمزارعين، تؤدي الخفافيش في المقابل أدوارا مهمة في التوازن البيئي ومكافحة الآفات وتلقيح النباتات ونشر البذور، ما يجعل ظاهرة اقترابها من الإنسان قضية تتقاطع فيها المخاوف الصحية والخسائر الزراعية مع الحاجة إلى فهم التحولات التي تشهدها بيئاتها الطبيعية.
شهادات من الأحياء
تفاوتت تجارب السكان مع الخفافيش من منطقة إلى أخرى، لكن القلق من ظهورها المفاجئ يظل قاسما مشتركا بينهم، ففي صنعاء تصف جهينة عبده، إحدى سكان حي الأصبحي تعامل الأهالي مع هذه الكائنات بأنه تجاوز حدود التعايش العابر إلى حالة التوجس المستمر.
وتقول جهينة لـ” ريف اليمن”، إن ذلك دفع السكان لإغلاق المنافذ مع حلول المساء والاعتماد الكلي على الشبكات الحديدية كوسيلة لحماية المنازل من دخول هذه الكائنات غير المرغوبة، خصوصا مع اقترابها المفاجئ من الشرفات والنوافذ المرتفعة.
مواضيع مقترحة
صيد الطيور في حجة خطر يهدد التنوع الحيوي
حملة مكافحة الغربان بعدن..حماية للمدينة أم تهديد للتوازن البيئي؟
محمية الحسوة في عدن: وجهة الطيور تحتاج إنقاذ
ويسند هذا القلق إلى مواقف أثارت الخوف بينهم، وتروي جهينة تفاصيل حادثة وقعت في محافظة إب عندما تفاجأت إحدى النساء بخفاش يختبئ بين طيات ملابس كانت تجمعها من على الحبل وقت الغسق، قبل أن يباغتها بعضة قوية في رقبتها.
وتقول إن شقيقها تدخل سريعا لإنقاذها، وأبعد الخفاش عنها، إلا أن الحادثة تركت أثرا من الخوف بين السكان، ودفعت بعض النساء والأطفال إلى تجنب الاقتراب من الشرفات أو حبال الغسيل بعد غروب الشمس.
وفي المحافظة ذاتها، تكشف شهادات السكان عن تغير لافت في أماكن وجود الخفافيش ويربطون ذلك بتدخلات بشرية طالت موائلها، وفي تعز، تقول أم علي إن هذه الكائنات كانت تعيش سابقاً في الأماكن المهجورة وبعض المباني الحكومية التي تخلو من الحركة ليلا.
وتوضح أن نقطة التحول بحسب ما لاحظه السكان تمثلت في إقدام السلطات قبل نحو عامين على قطع شجرة ضخمة ومعمرة كانت تتوسط مبنى المحافظة القديم وتعد المستعمرة الأساسية للخفافيش، وترى أن تدمير ذلك الموئل تسبب في تشتت الأسراب ونزوحها المباشر نحو الحارات ليبدأ تسللها إلى المنازل والغرف المفتوحة مسببة بحالة من الخوف بين السكان.
ومع انتشار الخفافيش في الأحياء رافقت الظاهرة معتقدات شعبية، إذ يتداول بعض السكان اعتقادا بأن عضة الخفاش تحمل مادة مخدرة تشل حركة الضحية، بينما يرى آخرون أن الخفافيش كائنات خجولة ولا تهاجم الإنسان عادة، إلا عند شعورها بالتهديد.

ووثقت عدسات الهواتف في مدينة تعز والمناطق المجاورة في لحج مشاهد لافتة لأسراب كثيفة من الخفافيش عند الغسق حيث تتقاطع هذه المشاهد مع تواجد أنواع بيئية مستوطنة مثل خفاش فاكهة لون القش والخفاش الروزيتا العربي.
لا تتوقف أضرار هذا الانتشار القريب من السكان عند حدود الرعب النفسي بل تتعداه إلى منغصات سكنية حقيقية كالأصوات الرنانة والعالية التي تتسبب في إزعاج الأهالي طوال الليل، فضلاً عن الفضلات التي تلطخ واجهات المباني والجدران، علاوة على مخاوف القرى القريبة من تعشيشها من تلوث أوراق النباتات ومصادر المياه بتلك الفضلات.
خسائر المزارعين
لا تقتصر تداعيات وجود بعض أنواع الخفافيش على الأحياء السكنية فقط، بل تمتد إلى الحقول والمزارع حيث تتحول بعض الأنواع إلى منافس للإنسان على المحاصيل الزراعية، ويتحدث المزارع قاسم نصير من ريف تعز عن معاناتهم الميدانية مع خفافيش الفاكهة التي تتغذى على محاصيل ذات أهمية اقتصادية.
ويقول لـ”ريف اليمن”، إن خفافيش الفاكهة تتسبب في أضرار تطال محاصيل البابايا والبلح الناضج والموز ونخيل الدوم، موضحا أن تنقل الخفافيش بين الأشجار يتسبب في تلف الثمار، إلحاق أضرار بالأغصان ونضج الفاكهة قبل أوانها، ما يؤدي إلى خسارة جزء من المحصول.
ويطرح هذا الواقع الميداني تساؤلاً بيئياً حول نجاعة التخلص من هذه الكائنات أو إبادتهـا وهو الخيار الذي يجيب عنه الخبراء بالنفي القاطع، مؤكدين أنه على الرغم من تلك الأضرار يظل الخفاش حارساً خفياً لا غنى عنه للتوازن البيئي ومكافحة الآفات والحشرات إذ يمكن أن تلتهم أعدادًا كبيرة منها خلال ليلة واحدة.
وفي تصريحات علمية سابقة، أشارت عالمة الأحياء والباحثة في مجال الخفافيش دوينيفريد فريك إلى القيمة الاقتصادية الكبيرة لهذه الخدمات البيئية للقطاع الزراعي عالميا، وتلفت أنها توفر ملايين الدولارات سنويا على القطاع الزراعي العالمي من خلال القضاء على الحشرات ودورها الحيوي في تلقيح الأزهار ونثر البذور.

وتحذر فريك من أن القضاء العشوائي على الخفافيش قد يؤدي إلى اختلال في التوازن البيئي وزيادة أعداد بعض الآفات والحشرات، مؤكدة أن معظم الأنواع الموجودة في اليمن والمنطقة العربية ليست من الخفافيش مصاصة الدماء، وإنما تنتمي إلى أنواع تتغذى على الحشرات أو الفواكه، وأن هجومها ليس سلوكاً منسقاً بل رد فعل مدفوع بالخوف.
وتجزم الدراسات البيئية بأن ظهور الخفافيش المتزايد في التجمعات السكنية ليس دليلاً على زيادة أعدادها، بل هو مؤشر على تراجع موائلها البرية وقسوة الظروف الناتجة عن الزحف العمراني وقص الأشجار المعمرة وتغير المناخ وموجات الجفاف التي أجبرتها على النزوح القسري نحو الأحياء السكنية بحثاً عن المأوى.
إجراءات الوقاية
ومن الناحية الطبية، يوضح أخصائي الطب الوقائي والأوبئة الدكتور حمدي الحكيمي أن الخفافيش تتمتع بخصائص مناعية مميزة تمكنها من حمل بعض الفيروسات دون ظهور أعراض مرضية عليها، وهو ما يجعل التعامل المباشر معها أمرا يستدعي الحذر، دون أن يعني ذلك أن وجودها في البيئة المحيطة يمثل خطرا صحيا تلقائيا.
وتتوافق هذه المعطيات مع دراسات علمية مرجعية حول خفافيش اليمن تناولت خفافيش اليمن وتوزيع أنواعها وموائلها، من بينها دراسة أعدها فريق بحثي مشترك من جامعة صنعاء وقسم علم الحيوان في المتحف الوطني وجامعة تشارلز في جمهورية التشيك، ورصدت عددًا من أنواع الخفافيش وموائلها في اليمن.
وتشير المعطيات البحثية إلى وجود أنواع من الخفافيش في اليمن قد تحمل فيروسات معينة، ومنها خفاش فاكهة لون القش الذي رصد في محافظة تعز، والذي يعرف كحامل لـ فيروس “لاغوس لسعار الخفافيش”، غير أن وجود الفيروس في الحيوان لا يعني بالضرورة انتقاله إلى الإنسان.

وتؤكد المعطيات الطبية أن هذا الفيروس تحديدا لا يعرف عنه انتقاله المباشر للبشر، وتدرج خطط العمل الدولية صون خفافيش اليمن ضمن فئة نقص البيانات الإحصائية لغياب المسوحات الميدانية المستمرة، ويشدد الدكتور حمدي الحكيمي على أن مجرد طيران الخفاش في الفضاء الخارجي لا يشكل خطرا صحيا وإنما تكمن الخطورة في محاولة الإمساك به باليد المجردة.
ونصح في حال تسلل خفاش إلى المنزل بعدم الارتباك، بل فتح المنافذ الخارجية وإطفاء الأنوار لدفع الكائن للخروج بتوجيه راداره الطبيعي، أما في حال وقوع عضة أو خدش فيوصى بغسل موضع الجرح فورا بالماء والصابون لمدة لا تقل عن خمس عشرة دقيقة بشكل مستمر والتوجه العاجل لأقرب مركز صحي لتلقي اللقاح والمصل المضاد لداء الكلب.
في ظل غياب توضيحات رسمية من مكاتب البيئة والجهات المعنية بشأن خططها الميدانية للتعامل مع هذه الظاهرة، يجد الأهالي والمزارعون أنفسهم أمام الحاجة إلى اتخاذ تدابير وقائية آمنة، من بينها تركيب المشبكات على النوافذ والشرفات وإغلاق المنافذ المفتوحة مع حلول الغسق، وتجنب التعامل المباشر مع الخفافيش، دون اللجوء إلى قتلها أو إبادتها.
في المقابل، يتطلب التعامل مع الظاهرة تدخلا رسميا يقوم على الحد من القطع العشوائي للأشجار المعمرة وحماية الموائل الطبيعية، إلى جانب تشجيع المراكز البحثية والجامعات على إجراء مسوحات ميدانية ترصد أعداد الخفافيش وأنواعها وأماكن انتشارها وتقييم التغيرات التي طرأت على موائلها.
وبين مخاوف السكان والحاجة إلى حماية المحاصيل، تبدو المعالجة الأكثر أمانا في تحقيق توازن بين الوقاية الصحية والحفاظ على هذا الكائن ودوره البيئي، بدلا من التعامل معه بوصفه مصدرا للخطر فقط، فأجنحة الغسق التي تثير القلق لدى البعض، قد تكون في الوقت ذاته، جزءا من خط الدفاع الطبيعي عن المزارع والبيئة.





