تشهد مدينة عدن تزايدا ملحوظا في أعداد طيور الغربان، التي باتت تشكل مصدر إزعاج للسكان في مختلف الأحياء السكينة، وسط شكاوى من الضوضاء ونثر القمامة والانتشار المتزايد لهذه الطيور، التي تقدر أعداداها بمئات الآلاف.
ومؤخرا، أطلق ناشطون شباب حملة شعبية لمكافحة الغربان بهدف الحد من انتشارها، في ظل حديث متداول عن تضخم أعدادها، الأمر الذي فتح بابا واسعا للنقاش بين مؤيد يرى في الحملة ضرورة لحماية السكان، وآخرين يحذرون من آثارها البيئية.
ويرجع مختصون تنامي أعداد الغربان في عدن إلى عدة عوامل، أبرزها تراكم النفايات والمخلفات العضوية المكشوفة، وتراجع مستوى خدمات النظافة، واتساع مصادر الغذاء داخل الأحياء والأسواق، وهي ظروف وفرت بيئة مناسبة لتكاثر هذه الطيور وانتشارها بصورة أكبر خلال السنوات الأخيرة.
مواضيع مقترحة
- محمية الحسوة في عدن: وجهة الطيور تحتاج إنقاذ
- مدينة عدن.. أرض النسيم والبحر والتجارة الحرة
- ساحل البريقة: حكاية من جمال مدينة عدن
ويرى الناشط المجتمعي أبو يامن أن انتشار حملات صيد الغربان خلال الفترة الأخيرة وتحول بعضها إلى محتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعالج جوهر المشكلة، لافتا أن الحد من أعدادها يبدأ أساسا بتحسين مستوى النظافة العامة ومعالجة الأسباب التي أدت إلى انتشارها، وليس بالاعتماد على الصيد وحده.
ويقول لـ”ريف اليمن:” طالما استمرت القمامة والمخلفات العضوية في الشوارع والأحياء والأسواق ستظل هذه الطيور تجد مصادر غذاء، الأمر الذي يشجعها على التكاثر والانتشار بصورة متسارعة.
ويشير أبو يامن إلى أن الغربان تؤدي أدوارا بيئية مهمة فهي تتغذى على الجيف وبقايا الحيوانات النافقة والمخلفات العضوية ما يساعد على تنظيف البيئة والحد من بعض مصادر التلوث، كما تساهم كما يقول في مكافحة بعض الحشرات واليرقات والآفات وتلعب دورا في نشر بذور بعض النباتات والحفاظ على التوازن البيئي.
جدل ومخاطر بيئية
تشير دراسة بيئية إلى أن طيور الغربان تؤدي أدواراً حيوية داخل النظم البيئية الحضرية من خلال التخلص من بقايا الكائنات النافقة، والحد من انتشار الآفات، والمساهمة في الحفاظ على التوازن الطبيعي، مما يجعل التوجه نحو صيدها على نطاق واسع يثير تساؤلات قوية حول الآثار السلبية المحتملة لمثل تلك الحملات.
مدير الإعلام والتوعية البيئية بالهيئة العامة لحماية البيئة في عدن، أيمن أمين، قال إن الهيئة تابعت الحملة الشعبية التي أطلقها شباب على منصات التواصل الاجتماعي لمكافحة الغربان في الأحياء السكنية وفوق المنازل، مؤكدا أن تناول الموضوع يجري للأسف بشكل عشوائي وغير منظم، ودون مراعاة للشروط والضوابط البيئية الصحيحة.

وأوضح أمين لـ “ريف اليمن” أنه على الرغم من عدم ممانعة الهيئة للمبادرات المجتمعية، إلا أن تنفيذ مثل هذه الحملات يجب أن يسند حصرا إلى الجهات المختصة التي تمتلك الأدوات الكافية والقدرة على الرقابة وحماية النظام البيئي، وليس عبر الاجتهادات الأهلية.
ولفت أن الأنباء التي تتحدث عن وجود مليونين ونصف المليون غراب في عدن بأنها شائعات غير صحية، إذ لم تقم الهيئة برصد هذا الرقم نهائياً ولا أي إحصاءات رسمية تثبت ذلك.
كما نفى أن تكون الغربان هي السبب وراء عزوف الطيور الأخرى عن أجواء المدينة، عازياً السبب الحقيقي إلى التغيرات المناخية والارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة خلال السنوات الماضية، فضلاً عن شح الموائل الطبيعية ومصادر الغذاء، والنشاط البشري المتمثل في التوسع العمراني والقضاء على المساحات الخضراء والغطاء النباتي في البلاد.
وأكد أن الهيئة لم تستشر قبل إطلاق الحملة ولذلك لا تتبناها أو ترفضها رسميا، لكنها تتابع تطوراتها عن كثب، محذرا من استخدام السموم أو الوسائل غير المدروسة، كما دعا إلى التخلص الصحي من الغربان النافقة وعدم تركها في الأزقة أو الشوارع، تفاديا لانتشار الأمراض.
وعلى الرغم من تفهمه لشكاوى المواطنين من إزعاج الطيور وفضلاتها، إلا أنه قال إن” النظم البيئية محكومة بتوازن دقيق يمنع الإبادة الجماعية أو الكلية لأي كائن حي، مستشهداً بتجارب سابقة لدول أخرى سعت إلى تقليص أعداد الغربان بصورة حادة، فكانت النتيجة عكسية وتسببت في تلف مساحات شاسعة من المحاصيل الزراعية وظهور أزمات بيئية أخرى.
هيئة حماية البيئة: تنفيذ مثل هذه الحملات يجب أن يسند حصرا إلى الجهات المختصة التي تمتلك الأدوات الكافية والقدرة على الرقابة وحماية النظام البيئي وليس عبر الاجتهادات الأهلية
وحذر مدير الإعلام والتوعية البيئية أيمن أمين من مغبة ترك الطيور النافقة في الأزقة، مشدداً على ضرورة قيام الشباب الذين يمارسون الصيد ببنادق الهوائية بالتقاط الغربان المصيدة فوراً ووضعها في الحاويات المخصصة، لضمان التخلص منها بطرق صحية وسليمة تمنع انتشار الأوبئة والأمراض داخل عدن.
حلول مقترحة
من جهته قال الباحث الأكاديمي أكرم حسن إن حملات قتل الغربان بصورة عشوائية لا يخلو من مشكلات أكبر ستنجم على المدى البعيد مشيرا الى ان ذلك قد يؤدي إلى اختلالات بيئية وصحية غير متوقعة
ويوضح أن الحل العملي للأزمة لا يبدأ من استهداف الطيور ذاتها، بل بدراسة ومعالجة الأسباب التي وفرت بيئة خصبة لتكاثرها، وفي مقدمتها تراكم النفايات وسوء إدارتها وانتشار مصادر الغذاء المكشوفة في الأسواق.
وشدد على ضرورة الانتقال نحو استراتيجيات بيئية مستدامة ترتكز على تحسين منظومة إدارة المخلفات، وإغلاق حاويات القمامة، والحد من مصادر الجذب الغذائي لمعالجة المشكلة من جذورها بدلاً من الاقتصار على الحلول المؤقتة.
وأضاف أن الاستدلال ببعض النصوص الدينية لتبرير القضاء الشامل على الغربان لا يعكس الفهم الكامل للسياق الفقهي، موضحًا أن تلك النصوص تتعلق بدفع الضرر في حالات محددة، وليس بإبادة هذا النوع من الطيور.

بدوره يؤكد الكاتب والمختص في البيئة خالد مهدي أن الغربان تؤدي أدوارا متعددة داخل المنظومة البيئية؛ فهي تساهم في تنظيف البيئة من الجيف وبقايا الحيوانات النافقة، وتساعد في مكافحة بعض الحشرات والآفات الزراعية، كما تشكل جزءًا من السلسلة الغذائية بما يعزز التوازن الطبيعي.
وأوضح لـ”ريف اليمن”، أن الغربان تسهم أيضًا في التخلص من النفايات العضوية، غير أن لها جوانب سلبية تتمثل في إتلاف بعض المحاصيل الزراعية، ومهاجمة أعشاش الطيور الأخرى، وإثارة الضوضاء عند تجمعها بأعداد كبيرة، فضلًا عن نثر القمامة واحتمال نقل بعض الطفيليات أو مسببات الأمراض في ظروف معينة.
ويضيف:” من هنا تتضح الحقيقة أن الغربان ليست كائنًا ضارًا أو نافعًا بصورة مطلقة، بل عنصر ضمن منظومة بيئية معقدة لها أدوار إيجابية وسلبية، وأن التعامل معها ينبغي أن يقوم على إدارة أعدادها بطرق علمية ومدروسة تحد من أضرارها وتحافظ في الوقت نفسه على دورها الحيوي في النظام البيئي.
وبين مطالب السكان بالتخلص من الإزعاج اليومي، وتحذيرات المختصين من الإخلال بالتوازن البيئي، تبدو قضية الغربان في عدن أكثر تعقيدا من مجرد حملة صيد. فالمشكلة، بحسب الخبراء، لا تبدأ من الطيور نفسها، بل من البيئة التي سمحت بتكاثرها، وهو ما يجعل تحسين إدارة النفايات وتعزيز النظافة العامة الحل الأكثر استدامة لمعالجة الظاهرة.





