في قرى اليمن لا تكون الشيخوخة مرحلة راحة بعد عمر طويل من الكفاح، بل امتداد لعزلة قاسية يفرضها الغياب والهجرة وتفكك شبكات الرعاية الأسرية، حيث يجد كثير من كبار السن أنفسهم وحيدين في مواجهة الحياة، متمسكين بأرضهم باعتبارها آخر ما تبقى لهم من معنى الانتماء والحياة.
نعمة محمد، امرأة ثمانينية في إحدى قرى مديرية مزهر بمحافظة ريمة، تبرز في قلب هذا المشهد، إذ اختزلت حياتها ملامح هذه العزلة القاسية، فهي تقضي ما تبقى من عمرها وحيدة داخل منزل والدها القديم.
لم تتزوج، ولم تغادر قريتها طوال حياتها، حتى أنها لا تعرف ركوب السيارات، لكنها وجدت نفسها مع مرور الزمن آخر من بقي في بيت عاشت فيه سنوات طويلة مع والديها اللذين لم يُرزقا سواها.
تستيقظ نعمة كل صباح على واقع لم تختره، فبعد أن هاجر الأقارب وأبناء العمومة إلى المدن بحثًا عن فرص أفضل للحياة، بقيت وحدها في قرية جبلية قاسية، تواجه الشيخوخة بإمكانات محدودة وجسد أنهكه العمر.
مواضيع مقترحة
- أروى عثمان: الأمثال الشعبية ذاكرة الريف المهدَّدة بالنسيان
- كبار السن في الريف: ذاكرة المجتمع بين رماد المعاناة
- موسم زراعة الذرة الرفيعة: هندسة المدرجات وترانيم المهاجل
نتيجة كبر سنها، لم تعد نعمة تقوى على القيام بالكثير من الأعمال التي كانت تمارسها في شبابها، ورغم ذلك لا تزال تتمسك بأرضها الصغيرة التي ورثتها عن والدها، وتستعين ببعض الأهالي لزراعة أرضها، بينما تعتمد في معيشتها على بقرة تربيها منذ سنوات وتعدها مصدر دخلها الوحيد ورفيقتها الدائمة في العزلة.
بين الحين والآخر تتلقى مساعدة من أبناء عمومتها أو بعض الجيران في إعداد الطعام أو قضاء الاحتياجات الأساسية، لكنها تبقى في الغالب وحيدة، ورغم محاولات إقناعها من أبناء عمومتها بالانتقال إلى المدينة، ترفض ذلك باستمرار، متمسكة بأرضها التي تعتبرها تاريخًا شخصيًا وذاكرة عمر كامل.
الهجرة وتفكك الرعاية
يقول الباحث في العلوم الاجتماعية صلاح الحقب لـ”ريف اليمن” إن الأسرة الريفية كانت تمثل تاريخيًا شبكة حماية طبيعية لكبار السن، حيث يعيش الأبناء والآباء في منظومة واحدة من الدعم اليومي، لكن الهجرة غيّرت هذا النموذج بشكل جذري.
ويضيف أن غياب الأبناء للعمل في المدن أو خارج البلاد ترك كثيرًا من كبار السن يواجهون الحياة وحدهم، في مرحلة تتراجع فيها القدرة الجسدية وتزداد الحاجة للرعاية.
ولا تقتصر آثار ذلك، بحسب الحقب، على الجانب المعيشي فقط، بل تمتد إلى الصحة النفسية، فالعزلة الطويلة وغياب التفاعل الاجتماعي المستمر يضاعفان مشاعر الوحدة والقلق والحزن لدى كبار السن، وقد ينعكس ذلك على صحتهم الجسدية أيضا، إذ يصبحون أقل قدرة على التعامل مع الأمراض المزمنة أو تلبية احتياجاتهم اليومية.
مع حلول عام 2025، بلغ عدد المسنين في اليمن حوالي 2.7 مليون شخص، يمثلون نحو 10% من إجمالي السكان، وفقًا لتقرير نشرته منظمة الصحة العالمية، وتشير تقارير منظمة HelpAge International إلى أن كبار السن في اليمن من أكثر الفئات هشاشة خلال سنوات الحرب، وقُدّر عدد المحتاجين منهم إلى مساعدات إنسانية بنحو 1.65 مليون شخص، فيما أظهرت البيانات أن 95% منهم لا يمتلكون مصدر دخل ثابت.

في قرية أخرى من مديرية مزهر، تبدو ملامح هذه التحولات واضحة في حياة حمامة، البالغة من العمر نحو 70 عامًا، والتي تعيش مع شقيقتها الأصغر فاطمة (45 عامًا) داخل منزل الأسرة القديم.
التمسك بالأرض
فقدت حمامة والدتها وهي صغيرة، ثم عاشت سنوات طويلة تحت رعاية والدها الذي رفض الزواج مجددا وكرّس حياته لتربية أبنائه، ومع مرور الوقت، فقدت أحد أشقائها، بينما يعيش شقيقها الآخر وحيدًا في منزل منفصل ويعاني من اضطرابات نفسية أثرت على حياته وقدرته على إدارة شؤونه.
تعاني من مشكلات صحية وآلام في العمود الفقري تحد من قدرتها على الحركة، لكنها ما تزال متمسكة بالأرض التي ورثتها عن والدها، وتحرص على رعاية بقرتها والعمل في أرضها الزراعية بقدر ما تسمح به حالتها الصحية.
أما فاطمة، فتشاركها أعباء الحياة اليومية، وتعتمد على تربية الأغنام والعمل في الأرض لتأمين احتياجاتهما الأساسية، وتعيش المرأتان في ظروف بسيطة، لكنهما تواصلان الاعتماد على ما تنتجه الأرض باعتباره المصدر الرئيسي للعيش.
ويقول جارهن صالح محمد لـ”ريف اليمن” إن حمامة ترفض مغادرة القرية أو السفر للعلاج حتى عندما تتدهور حالتها الصحية، مشيرًا إلى أنها تخشى ركوب السيارات ولم تعتد مغادرة بيئتها الريفية طوال حياتها.
لا تمثل الأرض مجرد ملكية زراعية، بل مصدر الأمان الوحيد المتبقي لديهن، فحياة المدينة بالنسبة لحمامة مجهولة، ولا تملك فيها مصدر دخل أو وسيلة للعيش، بينما توفر لها الأرض، رغم مشقتها، الحد الأدنى من الاستقلال والكرامة.
ويؤكد الباحث صلاح الحقب أن هذا التمسك بالأرض يتكرر لدى كثير من كبار السن في الأرياف اليمنية، ويقول إن الأرض بالنسبة لهم ليست مجرد مورد اقتصادي، بل تمثل الذاكرة والانتماء والهوية الاجتماعية، ولهذا يفضل كثير منهم البقاء في قراهم حتى عندما تصبح الحياة فيها أكثر صعوبة.
تأثيرات نفسية
التمسك بالمكان لا يلغي التحديات الصحية التي تواجه كبار السن في المناطق الريفية، وهي تحديات تظهر بوضوح في قصة ناصر الشامي، البالغ من العمر نحو 70 عامًا، والذي يعيش مع زوجته المسنة في قرية عدنة الشامي بمرتفعات مديرية قعطبة في محافظة الضالع.
النظاري:غياب وسائل النقل بسبب وعورة الطريق يحرم كثيرًا من المرضى المسنين من الوصول إلى المرافق الصحية في الوقت المناسب
تقع القرية في منطقة جبلية معزولة لا تصلها السيارات بشكل منتظم، ولا تتوفر فيها خدمات أساسية كافية، ومع مرور السنوات، تحولت العزلة الطويلة التي يعيشها ناصر إلى عامل ضغط نفسي ترك آثارًا واضحة على حياته اليومية.
وبحسب إفادات أسرته وجيرانه، بدأ ناصر يعاني من هواجس وشكوك متزايدة تجاه من حوله، وأصبح يعتقد أن بعض أهالي القرية يتجسسون عليه أو يراقبونه، ما انعكس على علاقاته الاجتماعية وسلوكه اليومي.
ورغم أن أبناءه حاولوا أكثر من مرة إقناعه بالانتقال معهم، لكنه ظل يرفض مغادرة قريته، ويقول نجله عبد الله لـ”ريف اليمن” إنه نقل والديه أكثر من مرة إلى منطقة عزاب حيث يقيم وتتوفر الخدمات الصحية، لكنهما كانا يعودان في كل مرة إلى القرية الجبلية.
ويضيف أن والده لا يعاني فقط من اضطرابات نفسية، بل يواجه أيضًا أمراضًا مزمنة في القلب والشرايين، ويحتاج إلى أدوية بشكل منتظم، إلا أن صعوبة الوصول إلى القرية وبعد الخدمات الصحية يجعل الحصول على العلاج أمرًا معقدًا.
يروي جاره صدام معاناته، ويقول إن ناصر أصبح قليل النوم خلال الليل، ويقضي ساعات طويلة متنقلًا حول منزله معتقدًا بوجود أشخاص يراقبونه، ويشير إلى أن زوجته تضطر أحيانًا إلى مغادرة المنزل والمبيت لدى الجيران نتيجة الأجواء المضطربة التي ترافق حالته.
ويشير إلى أن معاناة كبار السن في القرى الجبلية تتجاوز الجانب النفسي أو الصحي، إذ تصبح عملية نقل المريض المسن إلى أقرب مركز صحي تحديًا بحد ذاته، ففي كثير من الحالات، يضطر الأهالي إلى حمل المريض على نعش أو وسيلة بدائية لمسافات طويلة حتى الوصول إلى أقرب نقطة يمكن أن تصل إليها سيارة.
رعاية صحية غائبة
في تقرير أحدث نشرته المنظمة ذاتها في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2024، أكدت أن استمرار الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية واتساع موجات الهجرة أسهمت في إضعاف شبكات الرعاية الأسرية التقليدية التي كان يعتمد عليها كبار السن، ما أدى إلى زيادة مستويات العزلة وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية.

هذه الظروف، بحسب الطبيبة فاطمة النظاري تجعل كبار السن من أكثر الفئات عرضة للمخاطر الصحية، وتقول لـ”ريف اليمن” إن التقدم في العمر يضعف مناعة الإنسان ويجعله أكثر عرضة للأمراض والمضاعفات الصحية في ظل تأخر وصول الخدمات الطبية إلى القرى النائية.
وتضيف أن كثيرًا من كبار السن يرفضون اللجوء إلى الطب الحديث أو السفر للعلاج، إما بسبب الخوف من مغادرة بيئتهم المألوفة أو نتيجة ضعف الوعي الصحي، الأمر الذي يؤدي إلى تأخر التشخيص وتفاقم الأمراض حتى تصل إلى مراحل يصعب علاجها.
مشيرة إلى أن غياب وسائل النقل بسبب وعورة الطريق يحرم كثيرًا من المرضى المسنين من الوصول إلى المرافق الصحية في الوقت المناسب، ما يجعل بعض الحالات البسيطة تتحول إلى مضاعفات خطيرة.
وترى أن الحل يبدأ من تعزيز الرعاية الأسرية والتكافل المجتمعي، إلى جانب تفعيل الوحدات الصحية في الأرياف وتنفيذ زيارات ميدانية دورية لمتابعة أوضاع كبار السن الصحية، خصوصًا المصابين بالأمراض المزمنة أو العاجزين عن الوصول إلى المرافق الطبية.
وبين التمسك بالأرض باعتبارها آخر ما تبقى لهم من حياة وذكريات وانتماء وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية، يعيش كبار السن في الأرياف اليمنية واقعا معقدا تتداخل فيه العزلة مع المرض والتمسك بالمكان حتى النهاية.





