الأحد, أبريل 12, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

أروى عثمان: الأمثال الشعبية ذاكرة الريف المهدَّدة بالنسيان

تُعرف وزيرة الثقافة السابقة، أروى عثمان، الأمثال الشعبية بأنها خلاصة حكمة الأجيال وفلسفتها، مؤكدة أنها ليست مجرد عبارات متوارثة، بل تمثل “أرشيفًا حيًا لذاكرة المجتمع وتجاربه”، تختزل قصصًا ومواقف وقيمًا اجتماعية عميقة.

مع تسارع التحولات الاجتماعية والثقافية في اليمن، يواجه التراث الشعبي، وفي مقدمته الأمثال الشعبية، تحديات متزايدة تهدد حضوره في الحياة اليومية، خاصة في الأرياف التي شكّلت تاريخيًا الحاضنة الأساسية لهذا الموروث.

وفي حوار  ‹ريف اليمن› تحدثت رئيسة بيت الموروث الشعبي، عن الأبعاد الثقافية والاجتماعية العميقة للأمثال الشعبية، ودورها في توثيق حياة الريف اليمني، محذّرة من مخاطر تراجعها في ظل تغير أنماط الحياة وغياب التوثيق المؤسسي.

ولفتت أروى عثمان، إلى الدور المحوري الذي لعبته المرأة الريفية في حفظ هذا التراث، معتبرة إياها “الحارس الأمين” للأمثال الشعبية، إذ لم تكن مجرد ناقل لها، بل البيئة التي تنمو فيها وتستخدم.

أروى عثمان: الأمثال الشعبية ذاكرة الريف المهدَّدة بالنسيان
مقتطفات من حوار الأديبة ووزير الثقافة سابقا أروى عثمان

نترككم مع نص الحوار

• بداية، كيف تعرّفين الأمثال الشعبية اليمنية؟ ولماذا تُعدّ جزءًا أساسيًا من التراث الثقافي؟

الأمثال الشعبية هي خلاصة حكمة الأجيال وفلسفتها، ليست مجرد عبارات متوارثة، بل تمثل أرشيفًا حيًا لذاكرة المجتمع وتجاربه، تختزل في كلمات موجزة قصصًا ومواقف وقيمًا اجتماعية عميقة، وأنا أعدّها جزءًا أساسيًا من التراث لأنها بمثابة “الدستور الشفهي” الذي حكم علاقات الناس ونظّم حياتهم، وهي تعبير صادق عن علاقة الإنسان اليمني بأرضه ومجتمعه وزمانه.

• من خلال عملك الميداني، كيف تعكس الأمثال الشعبية حياة الريف اليمني وقيمه؟

في الريف، تتجلى الأمثال كمرآة صافية لنمط الحياة، إذ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأرض والمواسم والمطر والزراعة، فالأمثال التي تتحدث عن البذر والحصاد أو الصبر في انتظار الغيث تعكس قيم الكد والترقب والاعتماد على الطبيعة، كما توثّق علاقة الفلاح بأرضه، وتعبّر عن منظومة قيم قائمة على العمل الجماعي والتوكل والرضا.

• بحكم نزولك الميداني، ما الدور الذي لعبته المرأة في حفظ الأمثال الشعبية ونقلها؟

المرأة هي الحارس الأمين لهذا الموروث، لم تكن مجرد ناقل، بل كانت البيئة الحاضنة التي تنمو فيها الأمثال وتُستخدم، كنا نسمعها في الحقول، وعند طحن الحبوب على الرحى، وفي جلسات السمر، وحتى في تربية الأبناء، استخدمتها الجدات والأمهات لتقديم النصح والعبرة والترفيه، وبذلك ضمِنَّ استمراريتها عبر الأجيال بشكل عفوي وتلقائي.

• كيف كانت الأمثال تُتداول قديمًا في القرى؟ وفي أي سياقات اجتماعية كانت تُستخدم؟

قديما، كانت الأمثال تمثل القانون الاجتماعي غير المكتوب. كانت حاضرة في كل تفاصيل الحياة، في مجالس الرجال لحل الخلافات، وفي الأسواق أثناء البيع والشراء، وفي البيوت لتقييم السلوك أو وصف الأحوال، وكانت تستخدم لتعزيز الحجة، أو اختصار نقاش طويل، أو إيصال فكرة معقدة بكلمات بسيطة ومؤثرة، ولم تكن للتسلية فقط، بل أداة تواصل فعالة.


أروى عثمان: الأمثال الشعبية ليس مجرد عبارات متوارثة بل خلاصة حكمة الأجيال وفلسفتها، وتمثل أرشيفًا حيًا لذاكرة المجتمع


• هل يمكن القول إن كل مثل شعبي يحمل قصة أو حادثة اجتماعية؟

إلى حد كبير، نعم، كل مثل هو لقطة تاريخية مكثفة أو خلاصة تجربة إنسانية متكررة، بعض الأمثال نشأت من حوادث حقيقية، وأخرى من تراكم تجارب وملاحظات تحولت إلى حكمة جماعية، وحتى إذا ضاعت القصة الأصلية، يبقى المثل شاهدًا على تلك التجربة.

• ما أبرز الأمثال التي لفتت انتباهك خلال جمعك للموروث الشعبي؟ ولماذا؟

هناك أمثال كثيرة تحمل عمقًا فلسفيًا، من بينها مثل “في النار وبيتحاقروا”، الذي يعبّر عن مأزق الإنسان بين خيارين صعبين، ويعكس قسوة الظروف، كما لفتتني الأمثال المرتبطة بشخصيات وقصص تاريخية، مثل قصة “سعيد اليهودي” في عمران، لما تحمله من دلالات اجتماعية وتاريخية معقدة.

• كيف تغيّر حضور الأمثال الشعبية اليوم مقارنة بالماضي؟

تغيّر بشكل كبير، في الماضي، كانت الأمثال جزءًا عضويًا من الحديث اليومي ومنطق التفكير، أما اليوم، فقد تحولت إلى ما يشبه التحف الفلكلورية التي تُستدعى في سياقات محددة، هذا التحول أفقدها الكثير من حيويتها، بعدما انتقلت من كونها أداة حياة إلى مجرد رمز ثقافي.

• هل ساهمت وسائل التواصل الحديثة في حفظ الأمثال أم أضعفتها؟

هي سلاح ذو حدين، من جهة، ساهمت في نشرها ووصولها إلى الشباب، وهذا جانب إيجابي، لكن من جهة أخرى، يتم تداولها أحيانًا بشكل سطحي أو خارج سياقها، وقد تُحرّف أو تُستخدم للتفاخر، مما يفرغها من عمقها الثقافي.

• ما أبرز المخاطر التي تهدد الأمثال الشعبية اليمنية اليوم؟

الخطر الأكبر هو النسيان نتيجة الفجوة بين الأجيال، خاصة مع رحيل كبار السن الذين يمثلون ذاكرة حية، إلى جانب ذلك، هناك تغير نمط الحياة وتراجع الثقافة الشفهية، وغياب التوثيق العلمي والمؤسسي الذي يحفظ هذا التراث ويقدمه بشكل مناسب للأجيال الجديدة.


أروى عثمان: يمكن للمنصات أن تلعب دورًا محوريًا عبر تكوين أرشيف رقمي يوثق الأمثال صوتيا ونصيا، مع شرح سياقاتها وقصصها


• ما مسؤولية الأسرة والمجتمع في نقل هذا التراث؟

المسؤولية تبدأ من الأسرة، فهي المدرسة الأولى، يجب على الآباء والأجداد استخدام الأمثال في حواراتهم اليومية لترسيخها في أذهان الأبناء، أما المجتمع، فعليه خلق مساحات ثقافية تحتفي بهذا الموروث عبر التعليم والإعلام والفعاليات، ليُدرك الجيل الجديد أن هذه الأمثال جزء من هويته.

• كيف يمكن للمنصات الثقافية مثل “ريف اليمن” الإسهام في حماية هذا الموروث؟

هذه المنصات يمكن أن تلعب دورًا محوريًا، عبر أن تكون أرشيفًا رقميًا حديثًا يوثق الأمثال صوتيًا ونصيًا، مع شرح سياقاتها وقصصها، كما يمكنها بناء جسر بين الباحثين وكبار السن في القرى، وتقديم هذا المحتوى للشباب بأساليب جذابة، مثل الفيديوهات والوسائط الحديثة، لتحويل التراث من مادة جامدة إلى ثقافة حية متجددة.

شارك الموضوع عبر: