يعد تسلق جرف عمودي يبلغ ارتفاعه 390 قدمًا باليدين العاريتين أمراً مرعباً، أما القيام بذلك فوق بحيرة بركانية ملوثة دون أي حبل أمان فهو ضربٌ من الجنون، مع ذلك، قضى القعقاع بن عنتر، المتسلق اليمني البالغ من العمر 30 عامًا والمعروف عالميًا باسم “سبايدر مان اليمني”، في الثاني عشر من يونيو/حزيران عام 2026، لحظاته الأخيرة في بحيرة بركانية في منطقة دمت بمحافظة الضالع جنوبي البلاد.
لاقت حادثة القعقاع اهتماماً لافتاً من قِبل مختلف وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، كونها أثارت تساؤلات عديدة رأت أن للحادثة جذوراً وخلفية تكشف عن واقع إنساني واقتصادي مرير متواصل في اليمن، بلغ مستوى مرعباً إلى حد إجبار الشباب على المخاطرة بأرواحهم في سبيل درء الفقر وكسب لقمة العيش.
وبحسب تقرير موقع lavenderhotel البريطاني، من السهل النظر إلى هذه المأساة وإلقاء اللوم على التعطش المعاصر للشهرة الرقمية، إذ امتلأت صفحات التعليقات بالفعل بأشخاص يصفون سلوكه بالتهور؛ لكن اختزال موت القعقاع في مجرد سعي وراء المشاهدات يتجاهل حقيقةً أكثر قسوةً وإزعاجاً. فبالنسبة للشباب العالقين في دول مزقتها الصراعات ودمرتها الأوضاع الاقتصادية، فإن الحركات الاستعراضية المتطرفة على الإنترنت ليست مجرد هواية، بل هي سبيل يائس للخروج من براثن الفقر المستشري.
مواضيع مقترحة
- الضالع.. المحافظة اليمنية الشهيرة بالسياحة العلاجية
- شباب الريف: أحلام متواضعة تصطدم بواقع صعب
- حضرموت: “إبراهيم باسلم” مغامر بين أنياب الثعابين
لا تُعد “حرضة دمت” أو “سد الحرضة” وجهةً نموذجيةً لتسلق الجبال؛ حيث يقع هذا المعلم وسط مدينة دمت، وهو عبارة عن فوهة بركانية ضخمة تتميز بتضاريسها الهشة وغير المستقرة، وتقع في قاعها بحيرة خطيرة مليئة بمياه غنية بالكبريت، تتراوح درجة حرارتها بين 38 و60 درجة مئوية.
ولم يكن القعقاع غريباً على هذا المكان، فقد حظي بمتابعة جماهيرية واسعة على الإنترنت بفضل أدائه حركاتٍ بهلوانية وتسلقاته الفردية الخطيرة هنا؛ إذ كان يتدلى بانتظام من حواف صخرية وعرة بأصابعه، تاركاً ساقيه معلقتين فوق الهاوية. وفي يوم مصرعه، كان يتسلق جزءاً من الجدار حيث كُتبت أسماء بالطباشير العربي الأبيض، وتوقف ليرفع يده اليسرى ملوّحاً أو ليُثبّت نفسه، ثم خانته يده اليمنى.
وطأة الفقر
وتحوّل انتشال جثته إلى مهمة بالغة الصعوبة بالنسبة لفرق الإنقاذ المحلية؛ إذ اضطرت مصلحة الدفاع المدني إلى تنفيذ عملية معقدة وخطيرة استمرت أربع ساعات، نشرت خلالها فرق إنقاذ مائي متخصصة، وغواصين، ومعدات إضاءة ثقيلة داخل الفوهة.
وكانت الظروف المحيطة قاسية للغاية؛ فقد ضخت فتحات تهوية جوفية غازات كبريتية سامة في الهواء، مما صعّب على رجال الإنقاذ التنفس. وفي نهاية المطاف، عثر الغواصون على جثة القعقاع على عمق 100 قدم تحت سطح المياه الكبريتية الحارة. وكانت المهمة شاقة إلى حدٍ دفع المصلحة الحكومية إلى الإشادة علناً بـ”القدرات الميدانية الاستثنائية” لفريقها، ومنح رجال الإنقاذ المشاركين ترقيات فورية.
وبحسب التقرير، لا مجال للمقارنة بين ما فعله القعقاع وبين أساطير التسلق الحر الغربيين، مثل “أليكس هونولد” الذي اشتهر بتسلقه جبل “إل كابيتان”، وتسلقه مؤخراً برج “تايبيه 101” في تايوان بدون حبال؛ فهم يمارسون ما يفعلونه بدافع الإثارة النفسية الخالصة والبراعة الرياضية، ويحظون برعاية من الشركات، وفرق طبية، وشبكات أمان مالية.

أما المبدعون اليمنيون فلا يتمتعون بتلك الرفاهيات؛ فقبل موته، اعترف عنتر صراحةً لوسائل إعلام محلية بأن الفقر كان دافعه الرئيسي، حيث يعاني اليمن من انقسامات حادة نتيجة لأكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي، ما أدى إلى انعدام فرص العمل المتاحة للشباب. وفي بيئة لا تكفي فيها الوظائف التقليدية لشراء أبسط الاحتياجات الغذائية، يبدو الاستثمار في منصات التواصل الاجتماعي العالمية بمثابة طوق نجاة.
ويشير التقرير إلى أنه “عندما يكون خيارك اليومي بين الموت جوعاً ببطء، أو المخاطرة بحياتك من أجل عائدات الإعلانات، تتغير الحسابات. لقد اكتشف القعقاع أنه كلما زادت خطورة حركاته، انتشرت مقاطع الفيديو الخاصة به بسرعة أكبر؛ لقد ضحى بسلامته الجسدية مقابل فرصة لإطعام عائلته”.
فخ الموت الخوارزمي
ومن جهة أخرى، يلقي تقرير الموقع البريطاني باللوم على خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، التي وصفها بأنها “مُفترسة بطبيعتها” لصنّاع المحتوى والمغامرين؛ إذ تُكافئ هذه المنصات تصاعد وتيرة المخاطر، فبينما لا يحظى التسلق العادي إلا بتفاعل ضئيل، ينال التسلق فوق فوهة بركانية قاتلة ملايين النقرات والمشاهدات. هذا الهيكل الخوارزمي يدفع صنّاع المحتوى إلى خوض سباقٍ تنافسي ضد الموت، يتعين عليهم فيه الاستمرار في تجاوز الحدود للحفاظ على معدلات التفاعل.
ورغم أن مصلحة الدفاع المدني أصدرت تحذيرات شديدة اللهجة، ناشدت فيها الزوار والسكان المحليين الابتعاد عن منحدرات الفوهة الحادة واستخدام معدات الوقاية المناسبة، إلا أن هذه التحذيرات لا تلقى آذاناً صاغية في الغالب. ووفقاً للموقع البريطاني، فإنه طالما استمر الفقر الممنهج بالتوازي مع ثقافة الإنترنت التي تستغل المخاطر البشرية الجسيمة لتحقيق الربح، فسينتهي الأمر بمزيد من المآسي المماثلة.

وفي نهاية المطاف، يخلص التقرير إلى تقديم نصيحة مفادها: “إذا كنت ترغب في دعم صنّاع المحتوى في الدول النامية، فعليك أن تتوقف عن النقر فقط على المواد التي يعرضون فيها حياتهم للخطر؛ بل شاهد محتواهم الثقافي، وشارك فنهم، وانخرط في مشاريعهم الأكثر أماناً، إذ يجب ألا ندع الخوارزميات تحدد قيمة حياة الإنسان”.
ووفق تقرير لصحيفة’ إنترناشونال بيزنس تايمز‘ البريطانية، انتشرت مأساتان في مجال الرياضات الخطرة على جانبي العالم بشكل واسع النطاق في غضون أيام قليلة، مما أعاد إشعال النقاش حول المخاطرة ومعايير السلامة والتأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي على ثقافة المغامرة.
فبعد يوم من مأساة القعقاع بن عنتر، شهدت البرازيل مقتل الطالبة ماريا إدواردو رودريغيز دي فريتاس البالغة من العمر 21 عامًا أثناء رحلة قفز بالحبل عندما زُعم أن المدربين أطلقوها من فوق جسر دون ربط حبل الأمان، مما أدى إلى فتح تحقيق جنائي.
الصحيفة أشارت إلى أنه على الرغم من أن الحادثتين غير مترابطتين، إلا أن توقيتهما المتقارب أثار نقاشاً واسع النطاق حول السلامة في رياضات المغامرة.
وفق التقرير تسلط وفاة القعقاع الضوء على مخاطر التسلق الحر الفردي، حيث يتسلق المشاركون عمداً دون معدات وقائية. وفي الوقت نفسه، لفتت القضية البرازيلية الانتباه إلى الرقابة والتدريب وإجراءات السلامة في أنشطة الرياضات الخطرة المنظمة.





