الثلاثاء, يونيو 2, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

في محمية بُرع.. حكايات التعايش بين الإنسان والحيوان

تتجلى في محمية بُرع الطبيعية ملامح حياة استثنائية تقوم على التكيف مع البيئة، حيث يعيش السكان في قلب الغابة النابض وتشاركهم الحيوانات البرية تفاصيل يومهم الممتد من أسطح المنازل إلى مراعي الأغنام.

ولا يخلو التعايش بين الانسان والحيوانات البرية من التحديات لكنه في الوقت ذاته يكشف عن نموذج فريد من التعايش قائم على الفهم العميق لطبيعة المكان والخبرة المتوارثة في التعامل مع كائناته.

وتعد محمية برع إحدى أهم البيئات الجبلية في محافظة الحديدة، وتقع على بعد نحو 50 كيلومتراً شرق المدينة، ووفقاً للاتفاقية الدولية للتنوع البيولوجي، تُصنف المحمية ضمن المواقع ذات الأهمية العالية للتنوع الحيوي.

تشير البيانات الموثقة في إطار الاتفاقية إلى تسجيل تسعة أنواع من الثدييات البرية، من بينها قرد البابون، والنمس أبيض الذيل، والنيص، والضباع المخططة، بالإضافة إلى نحو 93 نوعاً من الطيور المقيمة والمهاجرة والزائرة، والتي تشمل أنواعاً متوطنة ومهددة بالانقراض.


مواضيع مقترحة


كما تضم المحمية 13 نوعاً من الزواحف، مثل سلاحف المياه العذبة، وسحلية المراقبة اليمنية، إلى جانب البرمائيات والعديد من اللافقاريات، ما يجعلها نظاماً بيئياً متكاملاً شديد التنوع وهو ما يلقي بظلاله مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للسكان.

غارات القرود

تقول أم عزام، وهي سيدة في العقد الرابع من عمرها، إن القرود لم تعد مجرد كائنات بعيدة تتوارى بين الأشجار، بل تحولت إلى زوار دائمين على أسطح المنازل حيث اعتادت التسلل إلى الأماكن السكنية مستغلة هدوء بعض الفترات لسرقة الملابس المنشورة أو العبث بها وتمزيقها.

وتضيف لـ “ريف اليمن” أن تكرار المواقف دفع الأهالي إلى تغيير بعض عاداتهم اليومية، كإحجامهم عن ترك الملابس على الأسطح لفترات طويلة أو اضطرارهم لمراقبتها باستمرار.

ورغم ما يحمله ذلك السلوك من إزعاج، فإن السكان باتوا يتعاملون معه بقدر من التقبل والمرونة، باعتباره جزءاً من واقع العيش في بيئة مفتوحة على الحياة البرية، وهو ما تختصره أم عزام بعبارة بسيطة وعميقة: “نحن نعرف القرود وهي تعرف بيوتنا”.

حذر ومعرفة

في المناطق القريبة، يقود أبو محمد( 60 عاماً ) أحد سكان المحمية، قطيعه من الأغنام يومياً، غير أنه لا يتعامل مع الرعي بوصفه عملاً روتينياً فحسب، فهو مسؤولية تتطلب الحذر والمعرفة العميقة بالبيئة المحيطة، إذ يؤكد لـ “ريف اليمن” أنه يتجنب التوغل عميقاً داخل الغابة، مفضلاً الرعي في المناطق المفتوحة أو تلك القريبة من القرى لتأمين ماشيتها.

كما أوضح أن حالات افتراس الأغنام تُعد نادرة جداً في المنطقة، مرجعاً ذلك إلى اعتماد الرعاة على خبراتهم المتراكمة في قراءة سلوك الحيوانات البرية ومعرفة أماكن تواجدها، إلى جانب حرصهم على اختيار أوقات محددة للرعي خلال ساعات النهار وتجنب الفترات الليلية.

وبحسب حديثه، فإن الحذر هو نتاج سنوات طويلة من العيش المشترك مع البيئة، ما خلق نوعاً من الاتفاق غير المعلن بين الإنسان والحيوان، يقوم أساساً على تجنب الاحتكاك المباشر.

ومع حلول الليل في المحمية، يفرض هدوء الغابة نفسه، مصحوباً بأصوات الحشرات الليلية، وحفيف الأشجار، وأصوات بعض الطيور والحيوانات النائية؛ وهو مشهد اعتاد عليه السكان المحليون وبات جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية.

ورغم أن الأصوات الكثيفة والمتداخلة قد تبدو مقلقة ومصدر توجس للزوار والضيوف لأول مرة، إلا أنها في حقيقتها تمثل النشاط الطبيعي للحياة البرية داخل الغابة، ومع الوقت يتأقلم الزائر مع الإيقاع الليلي ويبدأ في تفهم طبيعته الفريدة.

حيوانات متعددة

يقدم عبدالله الفيل، أحد سكان المنطقة، صورة أشمل عن الخارطة الإحيائية داخل محمية برع الطبيعية، مشيراً إلى أنها تحتضن تنوعاً حيوياً كبيراً يشمل القرود، والوعول الجبلية، والضباع، والثعالب، إلى جانب الزواحف كالأفاعي والسحالي، فضلاً عن طيف واسع من الطيور.

ويؤكد الفيل لـ “ريف اليمن” أن التنوع لا يعني بالضرورة وجود خطر دائم؛ إذ إن معظم الكائنات تعيش في حالة توازن طبيعي مع السكان، ونادراً ما تشكل تهديداً مباشراً لاستقرارهم، لا سيما مع اتباع الأهالي تدابير وقائية بسيطة لكنها ذات فاعلية عالية، مثل إغلاق حظائر المواشي ليلاً، وعدم ترك الأغنام دون مراقبة، وهي إجراءات ساهمت بشكل ملحوظ في تقليص الخسائر.

ويضيف أن الحيوانات الأكثر خطورة تفضل البقاء غالباً في أعماق الغابة حيث الكثافة النباتية العالية والموائل المنعزلة، ما يجعل الاحتكاك المباشر محدوداً ويمنح السكان مساحة آمنة للعيش والعمل.

ولا يعتمد سكان برع في عزل أنفسهم عن محيطهم الطبيعي على الحواجز أو القوانين الصارمة، بل على منظومة من المعرفة المتوارثة؛ فكل أسرة تقريباً تملك طرقها الخاصة في التعامل مع الحياة البرية، سواء عبر تأمين المنازل، أو تنظيم أوقات العمل، أو حتى فك شفرات وإشارات البيئة المحيطة.

تجدر الإشارة إلى أن الخبرة الحياتية لا تُلقن في الكتب، بل تنقلها الأجيال عبر الملاحظة والتجربة اليومية، لتتحول مع مرور الوقت إلى جزء أصيل من الثقافة المحلية التي تقوم على احترام الطبيعة والتعايش معها بدلاً من مواجهتها.

ويوضح الباحث علي البرعي أن ما يشهده مجتمع محمية بُرَع هو انعكاس مباشر لتوازن بيئي نادر؛ إذ إن كثافة الغابات وتنوع الغطاء النباتي يوفران للحيوانات البرية موائل طبيعية ومصادر غذاء كافية في عمق المحمية، مما يقلل من حاجتها للخروج نحو النطاقات السكنية.

ويشير البرعي إلى أن هذا التوازن يسمح بتوزيع الكائنات الحية في نطاقات حيوية محددة، حيث تنكفئ الحيوانات الأكثر خطورة في المناطق النائية، بينما تقترب الأنواع الأقل خطورة من القرى.

ويرى أن وعي السكان بدورهم في هذا النظام البيئي، والتزامهم بالأساليب التقليدية في الرعي والحماية، ساهم جوهرياً في الحفاظ على هذه المعادلة البيئية، مؤكداً أن المحمية باتت تمثل نموذجاً حياً لإمكانية تحقيق التعايش المستدام بين الإنسان والحياة البرية.

التعايش في بُرع

من جانبه يؤكد الباحث البيئي، أيمن الحاج، أن الطبيعة الخاصة لمحمية برع لم تنعكس على نمط الحياة اليومية للسكان فحسب، بل ساهمت بشكل عميق في تشكيل سلوكهم ونظرتهم للحياة البرية، لا سيما لدى فئة الأطفال.

وأوضح الحاج لـ “ريف اليمن”، أن الطبيعة الريفية المفتوحة والتداخل المستمر مع حركة الكائنات البرية، جعلا السكان يألفون وجود هذه الحيوانات منذ الصغر؛ مما أدى إلى تلاشي حاجز الخوف التقليدي الشائع لدى سكان المدن.

وأضاف أن الأطفال في برع ينشأون في مناخ بيئي مغاير، لا تُقدَّم فيه الحيوانات في وعيهم ككائنات مخيفة أو مصادر خطر، بل كجزء طبيعي من محيطهم اليومي.

مشيراً أن الطفل في المحمية يتحرك بثقة في فناء منزله أو أزقة قريته، ويمارس حياته الاعتيادية دون قلق حتى وإن أحاطت به كائنات المنطقة، وصولاً إلى اللعب مع صغارها بفعل الألفة اللصيقة التي فرضتها الجغرافيا.

كما أكد الحاج أن النمط من التعايش ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تجربة ميدانية متكررة أكسبت الصغار جرأة وقدرة مبكرة على قراءة سلوك الحيوانات، والتعامل معها بحذر فطري.

لافتا أن الشجاعة لا تُصنف كنوع من التهور، وإنما هي انعكاس لوعي مبكر يتشكل عبر الاحتكاك المباشر بالطبيعة، حيث يدرك الطفل حدود التعامل الآمن مع كائنات الغابة دون الحاجة إلى توجيهات نظرية؛ وهو ما يمنح تجربة التعايش في محمية برع عمقاً واستقراراً يبدأ من الطفولة، ليتحول مع الوقت إلى ثقافة مجتمعية راسخة.