تواجه أرخبيل سقطرى، الذي تحتضن أحد أغنى تجمعات التنوع النباتي الفريد عالمياً، تهديدات بيئية متصاعدة تنذر بانقراض نباتات نادرة حيث تتصدر شجرة الخيار السقطري قائمة الرموز البيئية الأكثر تضرراً وعرضةً للخطر في الجزيرة.
وفي 9 إبريل/ نيسان 2026، تعرضت إحدى أشجار “الخيار السقطري” للسقوط وهذا أثار غضب من غياب الرعاية لهذه الشجرة المهددة بالانقراض، وقالت جمعية سقطرى “وقفت شامخةً لعقودٍ طويلة، تُجسّد صمود الطبيعة وقوة الحياة في وجه الظروف القاسية”.
وتنفرد شجرة الخيار بكونها العضو الوحيد ضمن فصيلة القرعيات الذي ينمو على هيئة شجرة قائمة، إذ تتميز بجذع بصلِيّ ضخم وتاج صغير، ويراوح ارتفاعها ما بين 10 إلى 20 قدماً. ورغم قدرتها الفائقة على التكيف مع الجفاف والنمو في الظروف القاسية، إلا أنها باتت اليوم ضحية لما يُعرف بـ مثلث التهديد المتمثل في: الآفات الزراعية، والتغيرات المناخية، والرعي الجائر.
وتؤكد الدراسات البيئية أن الشجرة، المعروفة محلياً باسم “قمحين”، تمثل أحفورة حية حيث أثبتت التحاليل الجزيئية أن سلالتها تعود لزمن يبلغ ضعف عمر الجزيرة نفسها، مما يجعلها بقايا تطورية لسلالة انقرضت تماماً في البر الرئيسي.
مواضيع مقترحة
- شجرة اللبان في سقطرى.. إرث يحفظ ذاكرة الجزيرة
- شجرة دم الأخوين: جوهرة سقطرى في خطر
- سقطرى المهددة بالخطر: هل تنجو جنة اليمن من العبث؟
ومع تفاقم أزمة الجفاف وشح الأمطار مؤخراً، يحذر الخبراء من تعرض قمحين لرعي جائر من قبل الماشية يهدد فرص تجددها الطبيعي؛ فبينما تصمد الأشجار البالغة، تظل الشتلات الصغيرة عرضة للدمار، ما لم تجد حماية طبيعية شائكة تحميها من الرعي الجائر.
يؤكد عضو جمعية حماية البيئة في سقطرى، ناصر عبدالرحمن أنه رغم عدم وجود إحصائية دقيقة لعدد هذه الأشجار، إلا أنها تُعد الأهم في الجزيرة، متفوقة في قيمتها العلمية على “أشجار دم الأخوين”؛ لكونها الحالة الوحيدة في العالم لنبات قائم من فصيلة القرعيات، وهي الفصيلة المعروفة بنباتاتها الزاحفة.
وشدد عبد الرحمن لـ “ريف اليمن”، على أن استمرار تجاهل المخاطر لا يهدد الهوية البيئية لسقطرى فحسب، بل يمس عصب الحياة الحيوي؛ إذ توفر النباتات نحو 98% من الأكسجين و80% من غذاء الإنسان، مما يجعل حماية شجرة الخيار السقطري ضرورة دولية ملحة للحفاظ على التوازن البيئي العالمي.

الخيار السقطري
تعد شجرة الخيار السقطري ‹Dendrosicyo socotranus› المعروفة محلياً باسم قمحين، واحدة من أندر النباتات على وجه الأرض، حيث تمثل جنساً أحادي النمط ضمن عائلة “القرعيات” وتكمن فرادة الشجرة في كونها النوع الوحيد ضمن فصيلتها الذي يتخذ هيئة شجرية قائمة، وهو تطور استثنائي مقارنة بالأنماط الزاحفة والمتسلقة المعتادة لهذه العائلة النباتية.
وتشير الدراسات العلمية، أن سلالة هذا النبات يبلغ عمرها ضعف عمر جزيرة سقطرى تقريباً، مما يجعلها بقايا جزيرة لسلالة سلف انقرضت تماماً في البر الرئيسي، وتتميز الشجرة بجذع بصلي ضخم من الخشب الليفي يصل قطره إلى متر واحد، وتاج صغير من الأغصان، مما يمنحها شكلاً زجاجياً مميزاً يساعدها على تخزين المياه في بيئتها الجافة.
وعلى الرغم من قدرتها العالية على التكيف مع المناخ الحار والجاف، إلا أن الخبراء يصنفون هذا النوع حالياً كنوع ضعيف ومهدد بالانقراض. فبينما تنجح الأشجار البالغة في الصمود، تواجه الشتلات الصغيرة خطراً وجودياً ناتجاً عن الرعي الجائر من قبل الماعز، خاصة في ظل سنوات الجفاف الأخيرة التي ضربت الأرخبيل.
يضم أرخبيل سقطرى 850 نوعاً نباتياً، منها 37% مستوطنة لا توجد في مكان آخر؛ مما منحه ميزة بيئية عالمية فريدة
ومن الناحية العلمية، ينفرد هذا النبات بخصائص تشريحية نادرة، حيث يعتبر أول عضو في فصيلته يمتلك “كامبيوماً متتابعاً” Successiv cambium يتشكل دورياً حول محيط الجذع. كما تحتوي أجزاؤه على مركب كيميائي فريد يُعرف بـ ‹dendrosycin›.
وتتكاثر الشجرة فقط عبر البذور، حيث تنتج زهوراً صفراء برتقالية وثماراً بيضاوية تتحول إلى اللون الأحمر عند النضج، وهي ثمار صالحة للأكل وتُستخدم ضمن المطبخ المحلي السقطري.
تعتمد الشجرة في بقائها على نظام جذر ليفي وجذع يتكيف مع البيئات الجافة، وتنتج أزهارًا صفراء وتتكاثر حصريًا عبر البذور التي تتحول ثمارها من اللون الأخضر إلى الأحمر الطوبى عند النضج.
الانتشار والمواقع
تُعد شجرة الخيار السقطري واحدة من أكثر العجائب النباتية إثارة للدهشة عالمياً، ووُصف هذا النوع لأول مرة من قبل العالم إسحاق بايلي بلفور عام 1882، حيث تنتشر الشجرة بشكل واسع، في المناطق الجافة من أرخبيل سقطرى، لا سيما في السهول ذات التربة الجيرية التي يصل ارتفاعها إلى 500 متر فوق سطح البحر.
وتمتاز الشجرة بقدرة فائقة على الازدهار في مناخ الجزيرة الحار والجاف بفضل تعديلات بيولوجية فريدة، إذ يصل ارتفاعها إلى نحو 5 أمتار، وتمتلك جذعاً سميكاً يعمل كمخزن استراتيجي للمياه، بالإضافة إلى أوراق لحمية مغطاة بطبقة شمعية تساهم في تقليل فقدان الرطوبة.
وإلى جانب قيمتها العلمية، تمثل الشجرة ركيزة أساسية في حياة السكان المحليين، حيث تُستخدم ثمارها في المطبخ المحلي، ويُستفاد من لحائها في صناعة الحبال، ومن أوراقها كعلف للماشية. ويؤكد ناصر أن أعداد الأشجار باتت قليلة جداً ومحصورة في مناطق محددة، مما يستوجب تحركاً عاجلاً للحفاظ عليها ورفع مستوى الوعي المجتمعي بأهميتها.
وأوضح أن الجمعية العامة لحماية البيئة تسعى جاهدة لإنشاء مشاتل ومسيجات برية مخصصة لإعادة إكثار هذه الشجرة، إلى جانب تشجيع المجتمعات المحلية على زراعتها في البساتين والحدائق المنزلية، لضمان استدامة هذا الإرث الطبيعي الفريد وحمايته من الانقراض.
التغيرات المناخية والرعي الجائر
تواجه شجرة الخيار السقطري خطراً حقيقياً يهدد بقاءها، حيث أُدرجت ضمن الأنواع المهددة بالانقراض نتيجة نطاقها الجغرافي المحدود، وتزايد الضغوط البيئية والأنشطة البشرية. ويؤكد خبراء البيئة أن حماية هذا النوع المستوطن تُعد ضرورة قصوى للحفاظ على التوازن البيئي الهش في سقطرى، محذرين من أن فقدانها سيخلف تداعيات وخيمة على التنوع البيولوجي الذي يميز الأرخبيل عالمياً.
يوضح عبد الرحمن أن أحد أبرز أسباب تدهور شجرة الخيار يكمن في التغيرات المناخية الحادة وموجات الجفاف التي ضربت المنطقة لأكثر من ثلاث سنوات، مشيراً إلى أن طبيعة نمو الشجرة فوق المرتفعات الصخرية جعلتها عرضة لنفاد مخزونها المائي تحت وطأة الجفاف الشديد؛ مما أدى إلى ذبولها وسقوطها.
وأكد بأن هناك انتشاراً لافتاً للحشرات حول جذوع الأشجار الميتة، وهو مؤشر بيئي صريح على بلوغ الجفاف مستويات حرجة. وأضاف: أن إنقاذ الأشجار المعمرة التي بلغت مرحلة الانهيار يُعد تحدياً بالغ الصعوبة، لا سيما تلك الواقعة في تضاريس صخرية وعرة تجعل من تدخلات التثبيت أمراً مستحيلاً في ظل التقلبات الجوية المستمرة.
ناصر: تدهور شجر الخيار للمرتفعات الصخرية، وموجات الجفاف الحادة التي استمرت ثلاث سنوات؛ مما أدى لنفاد مخزونها المائي وذبولها تماماً
ويعاني أرخبيل سقطرى منذ عام 2015 وحتى عام 2026 من اضطرابات مناخية عنيفة، بدأت بسلسلة أعاصير مدمرة تسببت في اقتلاع أعداد هائلة من الأشجار وحدوث فيضانات وانجراف للتربة، وصولاً إلى سنوات الجفاف الأخيرة التي أوقفت عجلة التجدد الطبيعي للنباتات.
إلى جانب المناخ، يبرز الرعي المفتوح كعائق أساسي؛ حيث تلتهم الماشية السائبة الشتلات الصغيرة، مما يمنع نمو جيل جديد من الأشجار في البراري والجبال. كما يلقي التوسع العمراني بظلاله على المحميات الطبيعية، مهدداً باختفاء نباتات مستوطنة لا توجد في أي مكان آخر بالعالم، مثل “دم الأخوين” و”الرمان السقطري”، يقول ناصر.
وفي ختام حديثه، وجه ناصر نداءً عاجلاً للمنظمات الدولية والمشاريع المعنية بالمناخ والبيئة، بضرورة التدخل لإنشاء مشاتل لإكثار النباتات النادرة، وتطبيق أنظمة الرعي المنظم، ودعم المشاريع الميدانية التي تهدف إلى صون التنوع الحيوي الفريد لجزيرة سقطرى.

