الثلاثاء, مارس 3, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

أرخبيل سقطرى: التنوع الحيوي الفريد بمواجهة الصدمات المناخية

تتميز جزيرة سقطرى بجمال مهيب وسكون لافت يمنح الزائر شعوراً وكأنه عاد إلى عصور ما قبل التاريخ. وبموقعها الفريد الذي يبعد نحو 240 كيلومتراً شرق القرن الأفريقي، تشكل الجزيرة عالماً مستقلاً بذاته، تختلف فيه تضاريسها الجغرافية وسماتها الثقافية تماماً عن اليابسة.

في عام 2026، لم تعد قيمة الوجهات السياحية تُقاس بمدى تطور بنيتها التحتية، بل بمدى صمود عزلتها وحفاظها على هويتها الفطرية، وفي قلب هذا التحول العالمي نحو السياحة التجريبية، يبرز أرخبيل سقطرى كطليعة لهذا المفهوم، وفق تقرير مجلة «Travel and Tour World».

وبحسب المجلة الأمريكية المتخصصة في مجال السياحة فإنه في الوقت الذي تئن فيه الوجهات السياحية التقليدية تحت وطأة السياحة المفرطة، تبرز سقطرى كخيار مثالي للباحثين عن ملاذ حقيقي واستراحة عميقة من صخب الحياة الرقمية، وسط مناظر طبيعية بكر حافظت على نقائها لآلاف السنين.


مواضيع مقترحة


تنوع بيولوجي فريد

تتجلى الأهمية العالمية لجزيرة سقطرى من خلال تنوعها البيولوجي الفريد، حيث يشير الباحثون البيئيون إلى أن ما يقرب من ثلث نباتات الجزيرة مستوطنة، مما يعني أن هذه الأنواع لا توجد في أي بقعة أخرى على وجه الأرض.

ومن أبرز تجليات العزلة البيئية هي شجرة شجرة دم الأخوين وتنتشر هذه الأشجار الشامخة بتيجانها التي تشبه المظلات فوق هضبة “ديكسام”، مشكلةً لوحةً طبيعيةً خلابة تُصنف ضمن أجمل المشاهد الجيولوجية في العالم.

تاريخياً، كان الراتنج القرمزي الذي تفرزه هذه الأشجار العتيقة يُجمع لاستخدامه في الطب التقليدي وصناعة الأصباغ الحرفية. أما في المشهد السياحي المعاصر، فقد بات يُنظر إلى هذه الغابات من منظور الحفاظ البيئي والتوثيق الفوتوغرافي.

يشير تقرير المجلة إلى أن تجربة التجول في البساتين غالباً ما تُوصف بأنها تجربة مُلهمة؛ إذ تُعد الأشجار بمثابة أحافير حية لعصر نباتي اندثر منذ أمد بعيد في بقاع العالم الأخرى، حيث أُدرجت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008، وهو تصنيف لا يزال يوجه التدابير الوقائية الصارمة المطبقة لحماية الإرث الطبيعي حتى اليوم.

أرخبيل سقطرى: التنوع الحيوي الفريد بمواجهة الصدمات المناخية
سكان محليون يتجولون في أحد شواطئ سقطرى الرملية البيضاء مع مجموعة من السياح إبريل/ نيسان 2025 (إن بي سي)

سحر السواحل

بينما تهيمن القمم الوعرة والنباتات العتيقة على قلب الجزيرة، يتفرد ساحل سقطرى بجمال طبيعي بكر يقدم تضاداً مذهلاً مع المفاهيم التقليدية للمنتجعات التجارية في “المالديف” أو “سيشل”. ففي شاطئ “عرهر”، تشكل الرياح الموسمية كثباناً رملية بيضاء ناصعة تتكئ على منحدرات جيرية شاهقة، لترسم حداً بصرياً فارقاً بين امتداد الصحراء وزرقة البحر.

كما لا تقل النظم البيئية البحرية المحيطة بهذه الشواطئ روعة؛ إذ تكتنز شعابها المرجانية أنواعاً نادرة من الأسماك، مقدمةً تجربة استثنائية لمن يفضلون متعة الاكتشاف على رفاهية المنتجعات. فهذه المناطق الساحلية ليست محاطة بممرات أسمنتية أو فنادق فاخرة، بل ظلت محفوظة في حالتها الفطرية، مما يمنح الزائر سكينة نادرة الوجود في القرن الحادي والعشرين.

وفي عام 2026، يتجلى التحول العالمي نحو “السياحة التجريبية والمستدامة”، حيث أُعيد صياغة مفهوم السفر ليُعلي من قيمة “الأثر الإيجابي” على حساب “الاستهلاك المفرط”. وتجسد سقطرى هذا النموذج بأبهى صوره؛ إذ صُممت بنيتها التحتية لتعزيز السفر القائم على المعايشة بدلاً من الاستجمام السلبي. وتبرز في مقدمة الأنشطة التي يفضلها المسافر المعاصر رحلات المسير الجبلي عبر “جبال هجير”، حيث تلامس القمم الجرانيتية السحاب، والتخييم تحت سماء تُصنف ضمن الأصفى والأكثر لؤلؤاً بالنجوم على وجه الأرض.

كما تُعد أنظمة الكهوف في الجزيرة، ولا سيما كهف حوق، وجهة مثالية لعشاق الجيولوجيا والآثار؛ ففي أعماقه الممتدة لكيلومترات بين الصواعد والهوابط، توجد نقوش قديمة تروي فصولاً من التاريخ البحري للمحيط الهندي. وتُدار التجارب وفق نموذج صارم للسياحة البيئية يضع “التوازن الفطري” في المقام الأول؛ فمن خلال اعتماد رحلات السفاري بسيارات الدفع الرباعي والتخييم البيئي بدلاً من المنشآت الخرسانية الدائمة، تُصان سلامة هذه المناظر الطبيعية للأجيال القادمة.

أرخبيل سقطرى: التنوع الحيوي الفريد بمواجهة الصدمات المناخية
تتجلى الأهمية العالمية لجزيرة سقطرى من خلال تنوعها البيولوجي الفريد

تحديات المناخ

تواجه جزيرة سقطرى أزمة مناخية متصاعدة تهدد تنوعها الحيوي، وسبل عيش مجتمعات الرعاة، والأمن الغذائي في مختلف أرجاء الأرخبيل. فقد كشف تقييم حديث أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو ) أن عامين متتاليين من الجفاف الشديد وضعا الثروة الحيوانية والمراعي الطبيعية تحت ضغط غير مسبوق.
ووفقاً لأحدث تحليلات “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، فإن تدهور مناطق الرعي أدى إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الماضي.

وفي ظل هشاشة أنظمتها البيئية واعتمادها الكلي على المراعي المطرية يجعلها عرضةً بشدة لتقلبات المناخ والصدمات البيئية. فمع غياب الهطول المطري الكافي، تآكلت مصادر الدخل والغذاء للمجتمعات الرعوية؛ حيث ذبلت الغطاءات النباتية وشحت موارد المياه، مما ضيق الخيارات المتاحة لإعالة القطيع، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي .

ومنذ عام 2023، تعيش الجزيرة حالة من الجفاف الاستثنائي، حيث انعدمت الأمطار تقريباً وتراجعت مواسم الفيضانات المغذية للخزانات الجوفية، مما حول مساحات شاسعة من المراعي إلى أراضٍ قاحلة. وقد أجبر هذا التدهور البيئي عشرات العائلات الرعوية على هجر قراها بحثاً عن الماء والكلأ، حيث تضطر الأسر لقطع مسافات مضنية يومياً لضمان بقاء مواشيها على قيد الحياة، مما فاقم من ضغوط الهجرة الداخلية وانعدام الاستقرار المعيشي.

وتحذر المنظمات الدولية من أن حتى المجتمعات المجهزة بخزانات تجميع مياه الأمطار باتت تعاني من استنزاف شبه كامل لمخزونها؛ إذ لا تصمد سعات التخزين الحالية أمام فترات الجفاف الممتدة.
وفي هذا الصدد، يشدد الخبراء على الحاجة الملحة لتوسيع نطاق البنية التحتية لحصاد المياه، وإعادة تأهيل المراعي المتضررة، كخطوات حاسمة لتحقيق استقرار سبل العيش وحماية النسيج الاجتماعي والرعوي للجزيرة.

وتواجه جزيرة سقطرى تهديدات متكررة تُنذر بتدهور نظامها البيئي الفريد؛ حيث تتفاقم التحديات جراء تزايد المخالفات البشرية، الأمر الذي جعلها مهددة بالإدراج ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

شارك الموضوع عبر: