الثلاثاء, 14 يوليو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
محميات

شجرة دم الأخوين.. سقوط رمز سقطرى بعد قرون من الصمود

- 📅 يوليو 14, 2026

تعرضت إحدى أشجار دم الأخوين المعمرة، للسقوط في منطقة دكسم وسط جزيرة سقطرى، بعد صمود طويل أمام العوامل المناخية الحادة وتقلبات الزمن، لتنظم إلى قائمة الخسائر البيئية المتصاعدة التي يشهدها الأرخبيل منذ سنوات.

وتظهر المؤشرات الميدانية أن حوادث سقوط أشجار دم الأخوين لا تقتصر غالباً على المناطق القريبة من الطرق العامة والممرات الحيوية فقط، حيث تشهد السفوح المرتفعة، والأودية العميقة، والهضاب النائية البعيدة عن الأنظار حوادث سقوط مماثلة وبمعدلات أعلى بكثير دون توثيق أو رصد.

وماتت إحدى أشجار دم الأخوين المعمرة بعد ثلاثة أشهر من موت مماثل في 9 إبريل/ نيسان لشجرة “الخيار السقطري” المهددة بالانقراض، ويبرز الجفاف وغياب الرعاية البيئة لهذه الأشجار النادرة، وسبق أن فتحت منصة «ريف اليمن» ملف يسلط الضوء على جزيرة سقطرى.


مواضيع مقترحة


سقوط متكرر

يقول الناشط عبد الله بدأهن، الذي وثق سقوط إحدى أشجار دم الأخوين في جزيرة سقطرى، بأن الحادثة لا تعد مفاجئة للمراقبين لوضع الجزيرة، إذ تأتي امتداداً لظاهرة تدهور وسقوط متكرر طالت أعداداً هائلة من الأشجار المعمرة خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح بدأهن -على «فيسبوك»- إلى أن التراجع الحاد في حماية الأشجار المعمرة يثير تساؤلات حول مستوى الحماية المفترضة للأرخبيل بموجب تصنيفه الدولي ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2008، ونظراً لقيمته الطبيعية النادرة وطنياً وإقليمياً ودولياً.

وكانت مراسلة وكالة «أسوشيتد برس» لشؤون المحيطات والمناخ، أنيكا هامرشلاج، حذرت من أن التغيرات المناخية تدفع الشجرة المعمرة نحو حافة الانقراض. مؤكدة أن تداعيات هذا التدهور ستكون مدمرة للمنظومة الحيوية برمتها، بالنظر إلى الدور المحوري للشجرة في الحد من الجفاف، والحفاظ على التوازن البيئي، واستمرارية الفصائل الأخرى التي تعتمد عليها للبقاء.

وعزت “هامرشلاج” تسارع وتيرة الانهيار البيئي إلى تزايد شدة وتواتر الأعاصير في بحر العرب خلال العقد الماضي؛ حيث تعرضت سقطرى لعدة أعاصير عنيفة تسببت مباشرة في اقتلاع آلاف الأشجار التي تتجاوز أعمارها الـ500 عام.

وتتميز شجرة دم الأخوين أو دم التنين، المستوطنة حصرياً في جزيرة سقطرى، بتاجها المظلي وإفرازها راتينجاً أحمر قرمزي استُخدم عبر التاريخ كدواء وصبغة طبيعية وفق للمعلومات التي نشرتها مجلة العلوم الحية «Live Science» العلمية.

ونظراً لمعدل نموها البطيء للغاية الذي يتراوح بين 2 إلى 3 سنتيمترات فقط سنوياً فإنها تعيش لعدة قرون، مما يجعل الحفاظ عليها صوناً لرمز حي يجسد منظومة بيئية تطورت بمعزل عن العالم الخارجي طيلة 15 مليون سنة، إثر الانفصال الجيولوجي لشبه الجزيرة العربية عن القارة الأفريقية قبل نحو 30 مليون سنة، وهو الانفصال الذي تمخض عنه نشوء البحر الأحمر وخليج عدن.

شجرة دم الأخوين.. سقوط رمز سقطرى بعد قرون من الصمود

يأتي الاضطراب المناخي ليغير نظام الضباب والأمطار الموسمي الذي تعتمد عليه الشجرة تاريخياً، في وقت يعيق فيه عدم الاستقرار الإقليمي والسياسي أي جهود مؤسسية منظمة ومستدامة للحفاظ على المحمية؛ مما يضع مستقبل هذا الإرث الطبيعي والإنساني أمام خطر داهم يتجاوز بآثاره الحدود الجغرافية للأرخبيل.

خسارة لا يمكن تعويضها

يؤكد الناشط البيئي، عبد الله بدأهن أن شجرة دم الأخوين لا تعد نبتة اعتيادية يمكن استبدالها بمبادرات زراعية تقليدية، نظراً لمعدل نموها البطيء للغاية الذي يجعل من فقدان شجرة واحدة تبديداً لخمسة قرون من التاريخ الطبيعي لا يمكن استرداده. وأوضح بدأن أن الشجرة تمثل الرمز البصري الهوياتي للأرخبيل، وصيدليته الطبيعية، ومصدر اعتزاز سكانه، محذراً من أن استمرار تساقطها يهدد باقتطاع جزء أصيل من هوية الجزيرة الثقافية والبيئية.

وشدد بدأهن على ضرورة التدخل العاجل لإطلاق دراسات ميدانية متخصصة لتشخيص الأسباب العلمية وراء ظاهرة الموت المفاجئ، وتحديد طبيعة الآفات الحشرية المرصودة على الجذوع، صياغةً لخطة حماية طارئة تنقذ المواطن الطبيعية المتبقية من خطر الفناء الشامل. كما تضمن الطرح أهمية إنشاء مساحات زراعية محمية ومسيّجة لتعويض الفاقد، بما يضمن استدامة هذا الفصيل النادر للأجيال القادمة.

وإسم شجرة دم الأخوين العلمي «Dracaena cinnabari» وتمثل ظاهرة نباتية فريدة لا تنمو إلا في أرخبيل سقطرى اليمنية النائي في المحيط الهندي؛ حيث تتميز بتاجها الهندسي الذي يتخذ شكل مظلة، وبإفرازها راتينجاً أحمر قرمزي عند إصابة جذعها.

وحظي صمغ شجرة دم الأخوين بتقدير واسع عبر آلاف السنين، بفضل استخداماته المتقدمة في الطب التقليدي والصناعات الكيميائية كصبغة طبيعية. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الشجرة من مجرد فصيل نباتي فريد إلى رمز لأحد أكثر النظم البيئية تنوعًا وعزلة في العالم، وشاهد حي على حجم التهديدات المتزايدة التي تواجه الإرث الطبيعي العالمي اليوم. وفق مجلة علوم الحياة العلمية.

شجرة دم الأخوين.. سقوط رمز سقطرى بعد قرون من الصمود

إهمال بيئي

يؤكد عبد الله بدأهن، أن الوضع الراهن يعكس حالة من الإهمال البيئي الكبير وغير المبرر في سقطرى، متمثلاً في تراجع الدور التنفيذي للجهات الرسمية محلياً، إلى جانب تقصير غير مسبوق من المنظمات الدولية ذات الاختصاص، والتي باتت تكتفي بالإصدارات الإدارية للتصنيفات العالمية والزيارات الاستطلاعية الروتينية، دون تقديم حلول تطبيقية على أرض الواقع لإنقاذ الأشجار الآخذة في التهاوي.

وأضاف بدأهن أن صيحات التحذير والمناشدات البيئية تكررت مراراً على مدى السنوات الماضية للتدخل السريع قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة، مؤكداً أن غياب الاستجابة ضاعف من خطورة الظاهرة الحالية التي لم يعد من الممكن غض الطرف عنها.

وكشف بدأهن أن المعاينات الميدانية الأخيرة التي أُجريت على جذوع وألباب الأشجار المتساقطة أو تلك التي تعرضت لموت مفاجئ، أظهرت انتشاراً واسعاً ومقلقاً لحشرات غريبة؛ مما يفتح الباب أمام فرضيات وتساؤلات علمية متعددة لا تزال مجهولة حتى اللحظة، وتبحث عن حسم مختبري دقيق؛ سواء أكانت تتعلق بظهور آفة زراعية جديدة، أم بارتباطها المباشر بالتغيرات المناخية، أم بتداخل العوامل البشرية في تسريع الانهيار، وهي إجابات تظل رهناً بالبحوث والدراسات الغائبة تماماً.

ويواجه أرخبيل سقطرى الذي يحتضن أحد أغنى تجمعات التنوع النباتي الفريد عالمياً تهديدات بيئية متصاعدة تنذر بانقراض فصائل نباتية نادرة، حيث تتصدر شجرة دم الأخوين والخيار السقطري قائمة الرموز البيئية الأكثر تضرراً وعرضة للمخاطر في الجزيرة.