الأحد, 25 أكتوبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
قضايا

نازحو الأرياف.. من جحيم القصف إلى معاناة المأوى والإيجارات

📅 أكتوبر 25, 2026

في منطقة المطار القديم غربي مدينة تعز، لم يعد النزوح مجرد انتقال من مناطق القصف وخطوط التماس إلى مكان أكثر أمانًا، بل تحول إلى رحلة قاسية، فقدت خلالها أسر ريفية منازلها ومصادر رزقها، لتجد نفسها في غرف ضيقة ودكاكين تفتقر إلى مقومات السكن، وسط ارتفاع الإيجارات وتراجع المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد أعداد الأسر الوافدة إلى المنطقة، تحولت المساحات السكنية المحدودة إلى عبء إضافي على النازحين، الذين يواجهون صعوبة في العثور على مأوى يتناسب مع أوضاعهم المادية، في وقت تتزايد فيه احتياجاتهم إلى الغذاء والمياه والتعليم والرعاية الصحية.

دكان بلا خدمات

تختصر والية عبده عبدالله، النازحة من قرية الضبي بمنطقة حمير الجبل في مديرية جبل حبشي، جانبًا من المعاناة التي يعيشها النازحون بعد مغادرة منازلهم في الريف، وتقول إنها تعيش مع أسرتها المكونة من 25 فردًا، داخل غرفتين ضيقتين لا تتسعان لجميع أفرادها، في ظروف تفتقر إلى الخصوصية والراحة.

وتضيف لـ”ريف اليمن”: “نعيش اليوم 25 فردًا من عائلتي في غرفتين ضيقتين لا تتسع لنا، حتى إننا نتناوب على استخدام الحمام. فقد كنا في بلادنا وسعة ديارنا بخير وكرامة، واليوم نعيش في خانقة لا تتسع لاستنشاق الهواء”.


مواضيع مقترحة


لم تقتصر خسائر الأسرة على مغادرة منزلها ومصدر دخلها، إذ اضطرت والية إلى بيع ما تبقى لديها من مجوهرات وممتلكات لتوفير الطعام ودفع الإيجار، في ظل محدودية الدعم الإنساني.

وتقول إن انتقال الأسرة من منزلها الواسع في الريف إلى غرفتين ضيقتين غيّر تفاصيل حياتها اليومية، وحوّل تأمين الاحتياجات الأساسية إلى معركة مستمرة تستنزف ما تبقى لديها من موارد.

فرار متكرر

على مقربة من أزقة المطار القديم، تعيش “أم خالد” مع 13 فردًا من أبنائها وبناتها وأحفادها، بعد رحلة نزوح متكررة أجبرتهم على ترك منازلهم وممتلكاتهم هربًا من القصف.

بدأت رحلة الأسرة حين اضطرت إلى مغادرة قرية حمير الوادي سيرًا على الأقدام تحت وطأة القصف والرصاص، متجهة إلى حمير الجبل، لكن تجدد المخاطر، بما فيها القصف والطائرات المسيّرة، دفعها إلى الفرار مجددًا نحو مدينة تعز عند الرابعة فجرًا، مستعينة بسيارة أحد الجيران.

أسرة نزحت من الكدحة غربي تعز للمرة السادسة، في سبتمبر 2026 (الصورة: أحمد الباشا/ فيسبوك)

لم تجد الأسرة سوى دكان تجاري مهجور اتخذته مأوى، رغم افتقاره إلى الخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه وأثاث، وتقول أم خالد إن أطفالها يعانون كثيرا، فيما تضطر الأسرة إلى جلب المياه من خزانات السبيل، في ظل غياب مصدر مياه داخل المأوى.

وتتضاعف مخاوف الأسرة بسبب قرب مكان إقامتها من خطوط التماس، إلى جانب القلق من فقدان المأوى الذي لا يوفر الحد الأدنى من الاستقرار، بعد أن اضطرت إلى الفرار من منزلها أكثر من مرة.

أرقام تكشف حجم النزوح

تعكس بيانات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين بمحافظة تعز حجم التدفق السكاني الذي شهدته المحافظة خلال الفترة الأخيرة، وبحسب تقرير الرصد الميداني لحركة النزوح خلال الفترة من 10 أغسطس حتى 18 سبتمبر 2026، بلغ إجمالي النازحين الوافدين إلى مديريات المحافظة 11,534 أسرة، تضم 80,792 فردًا، بينهم 31,499 طفلًا و31,075 امرأة.

وسجلت مديرية المظفر، التي تقع فيها منطقة المطار القديم، استقرار 1,678 أسرة نازحة تضم 11,748 فردًا، بينهم 4,601 طفل و4,507 نساء، وفق التقرير، وتشير بيانات حركة النزوح اليومية إلى استمرار وصول أسر من مناطق المواجهات، ما زاد الضغط على المساكن والخدمات المتاحة في المنطقة.

بالتوازي مع تزايد أعداد النازحين، تواجه الأسر أزمة في العثور على مساكن مناسبة بأسعار تستطيع تحملها، بعدما تراجعت الخيارات المتاحة وارتفعت تكاليف الإيجار.

ويقول الدلال العقاري معتز الحميري لـ”ريف اليمن” إن التدفق السريع للنازحين أدى إلى استنفاد عدد من خيارات السكن المتاحة، ودفع بعض الملاك إلى تحويل الشقق والدكاكين إلى أماكن لإيواء الأسر.

ويضيف أن بعض الملاك رفعوا الإيجارات مستفيدين من زيادة الطلب، فيما اضطر نازحون إلى قبول أماكن غير مهيأة للسكن، لعدم وجود بدائل مناسبة.

الحميري: بعض الملاك رفعوا الإيجارات مستفيدين من زيادة الطلب، فيما اضطر نازحون إلى قبول أماكن غير مهيأة للسكن لعدم وجود بدائل مناسبة.

وبحسب الحميري، تتراوح الإيجارات الشهرية لبعض العقارات بين 500 و700 ريال سعودي، مع مطالبة بعض الملاك بالسداد بالعملة السعودية، وهو ما يضيف عبئًا على الأسر التي فقدت مصادر دخلها وتعتمد على ما تبقى لديها من مدخرات أو مساعدات.

تكاليف إضافية

ولا تتوقف الأعباء عند الإيجار، إذ يواجه النازحون تكاليف إضافية تتعلق بعمولة الوسيط العقاري، التي قد تعادل إيجار شهر كامل وتُدفع مقدمًا، وبذلك قد تضطر الأسرة إلى توفير قيمة إيجار الشهر الأول وعمولة الدلالة قبل الانتقال إلى المسكن، وهو مبلغ يصعب على كثير من الأسر التي وصلت إلى المدينة دون ممتلكاتها أو مصادر دخل ثابتة تأمينه.

وفي ظل هذه التكاليف، تلجأ أسر كبيرة إلى السكن معًا في شقة واحدة، وتقاسم الإيجار والرسوم لتقليل النفقات، رغم ما يترتب على ذلك من اكتظاظ وغياب للخصوصية.

وتكشف هذه الظروف جانبًا من التحديات التي تواجه النازحين في الحصول على مأوى ملائم، خصوصًا عندما يتحول نقص الخيارات السكنية إلى عامل يحد من قدرتهم على الاختيار والتفاوض بشأن الأسعار وشروط الإيجار.

أدى تزايد أعداد النازحين في منطقة المطار القديم إلى ضغط إضافي على الخدمات الأساسية، بما فيها المياه والتعليم والصحة، فضلًا عن صعوبة توفير الغاز والمواد الغذائية.

ويقول ممثل الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في المنطقة إن التدفق السكاني شكل ضغطًا كبيرًا على الإمكانات المتاحة، مشيرًا إلى تفاوت تعامل ملاك العقارات مع الأزمة؛ إذ بادر بعضهم إلى تخفيض الإيجارات ومساعدة النازحين، بينما رفع آخرون الأسعار.

تزايد أعداد الأسر الوافدة إلى المنطقة، حول المساحات السكنية المحدودة إلى عبء إضافي على النازحين

وفي مواجهة نقص المساعدات، تحركت مبادرات شبابية ومجتمعية للتواصل مع المؤسسات والمنظمات، بهدف توفير جزء من الاحتياجات العاجلة، ويوضح ممثل الوحدة التنفيذية أن هذه الجهود أسهمت في توفير بعض المستلزمات الصحية والسلال الغذائية والوجبات الساخنة، بالتوازي مع استمرار حصر الأسر النازحة وتحديد احتياجاتها.

مأوى لا يحفظ الاستقرار

ويضيف أن جهود التنسيق مستمرة مع الوحدة التنفيذية في مديرية المظفر ونظيرتها في مديرية مقبنة، التي ينحدر منها معظم النازحين الجدد، بهدف الوصول إلى بيانات أكثر دقة عن أعداد الأسر واحتياجاتها، مشيرا إلى أن التواصل مع السلطة المحلية لم يستكمل بعد، بسبب انشغال الفرق ميدانيًا بحصر الأسر وتوثيق بياناتها.

وتبرز هذه الجهود أهمية التنسيق بين الجهات المحلية والمنظمات الإنسانية والمبادرات المجتمعية، لضمان توجيه المساعدات إلى الأسر الأكثر احتياجًا، ولا سيما تلك التي تعيش في مساكن مكتظة أو دكاكين غير مهيأة للسكن.

بين منازل الريف التي تركها النازحون خلفهم، والغرف الضيقة والدكاكين التي تؤويهم في المطار القديم، تتواصل معاناة أسر فقدت مصادر رزقها واضطرت إلى إعادة بناء حياتها في ظروف أشد قسوة.

ولا تقف الأزمة عند توفير سقف يؤوي النازحين، بل تمتد إلى القدرة على دفع الإيجار، والحصول على المياه والغذاء، وضمان استمرار الأطفال في التعليم، والوصول إلى الخدمات الصحية.

ومع استمرار وصول الأسر وتراجع الخيارات السكنية المتاحة، تبرز الحاجة إلى استجابة إنسانية أكثر تنظيمًا، تشمل دعم الأسر الأشد ضعفًا، وتعزيز المساعدات الإيجارية والغذائية، وتوسيع الوصول إلى الخدمات الأساسية، إلى جانب متابعة ممارسات سوق الإيجارات التي تزيد الأعباء على النازحين.