في قرى وعزل نائية جنوب وغرب محافظة تعز، حيث لا يزال الحصول على مياه الشرب رحلة يومية شاقة، أمضى الناشط المجتمعي والإنساني محمد مهيوب أحمد، نحو خمس سنوات متنقلا بين المناطق الريفية ومخيمات النازحين، لمكافحة العطش عبر حفر آبار للمياه، بدعم مجتمعي.
بدأ مهيوب تجربته عام 2021 بحفر وتأهيل بئر في مخيم الراجحي بمنطقة الرحبة غربي المحافظة، قبل أن تتوسع مبادراته تدريجيا لتشمل عشرات القرى والتجمعات السكانية ومخيمات النازحين.
في لقاءه مع “ريف اليمن”، قال مهيوب إنه أسهم خلال هذه السنوات، في حفر وتجهيز نحو 20 بئرا، لم تقتصر أعمالها على توفير مصدر للمياه، بل شملت في عدد من المشاريع تجهيز الآبار بمنظومات الطاقة الشمسية والخزانات ومد شبكات التوزيع إلى المنازل والتجمعات السكانية.
مواضيع مقترحة
- كيف يهدد الصراع الجيوسياسي وصول اليمنيين إلى المياه؟
- أزمة المياه في جبل صبر.. صراع البقاء بين الشحّ والتكيف
- إدارة المياه في اليمن: بين حكمة الأجداد وجهل الأحفاد
ويضيف”: كانت بئر مخيم الراجحي بمنطقة الرحبة بداية المشوار، وهو مشروع استفادت منه نحو 160 أسرة في المخيم، إضافة إلى أكثر من 80 منزلًا في القرى المجاورة”، لافتا أن تلك التجربة فتحت المجال أمامه، وبدأ يتلمس حجم الحاجة إلى المياه في مناطق أخرى.
يشرح محمد مهيوب، كيف يتنقل بين القرى والعزل النائية لدراسة احتياجات السكان والبحث عن مناطق تفتقر إلى مصادر مياه قريبة، لتشمل مناطق ريفية ونائية في مديريات جبل حبشي ومقبنة والوازعية غربي المحافظة إلى جانب مديرية المعافر.
لافتا أن العمل على يقتصر على حفر الآبار فقط، إذ تشمل المشاريع بحسب إفادته، إعادة تأهيل بعض الآبار القائمة وتجهيزها بمنظومات الطاقة الشمسية، وتركيب خزانات للمياه ومد شبكات التوزيع إلى المنازل ومواقع النزوح.
ويكشف أن عدد الآبار التي أسهم في حفرها وتجهيزها لضخ المياه للسكان في المناطق التي استهدفتها مبادراته بلغ نحو 20 بئرًا، وعن المدة التي تستغرق عملية تجهيز المشروع، قال إن ذلك يعود إلى طبيعة البئر والمنطقة، وتتراوح ما بين شهر وشهرين في بعض الحالات، كما تتفاوت أعداد المستفيدين من مشروع إلى آخر.

مبينا أن بعض الآبار تخدم أكثر من 50 منزلًا، فيما تتجاوز الاستفادة في مشاريع أخرى 200 منزل، إلى جانب مشاريع مخصصة لمخيمات نزوح تضم مئات الأسر، ومن بين مخيمات النازحين التي شملتها هذه المبادرات مخيمات الحجب والرحبة والراجحي، ويقدّر مهيوب عدد الأسر النازحة المستفيدة في هذه المواقع بنحو 600 أسرة.
دراسة الاحتياج
وفقا لمهيوب، لا تبدأ مشاريع المياه بمجرد اختيار موقع وحفر بئر، إذ تسبقها دراسة ميدانية لتحديد احتياجات المنطقة، ويقول:” فريق العمل ينزل إلى القرية أو العزلة المستهدفة لدراسة مدى حاجتها إلى المياه، وتحديد الموقع المناسب للبئر، وعدد الأسر المتوقع استفادتها، إلى جانب اختيار مواقع الخزانات ومسارات شبكات التوزيع وتقدير تكاليف المشروع”.
ويشارك مهندسون في هذه المرحلة بحسب مهيوب لتحديد الموقع والاحتياجات الفنية قبل بدء أعمال الحفر والتنفيذ وبعد التأكد من صلاحية الموقع تبدأ عملية الحفر أو إعادة تأهيل البئر القائمة، ثم تجهيزها بمنظومة الضخ والطاقة الشمسية والخزانات ومد شبكة المياه إلى المستفيدين.
ويهدف هذا النموذج إلى إيصال المياه إلى أقرب نقطة ممكنة من السكان بحيث لا يضطرون إلى قطع مسافات طويلة أو تحمل تكاليف نقل المياه من مصادر بعيدة، ولا يتعامل مع المشروع باعتباره حفر بئر فقط، وإنما منظومة متكاملة تبدأ بدراسة الاحتياج وتنتهي بوصول المياه إلى المنازل أو التجمعات السكانية ومواقع النزوح.

وعن مصادر تمويل هذه المشاريع، قال مهيوب إن جزءا كبيرا من تكلفتها يأتي من أصدقاء وفاعلي خير، بعضهم تربطه بهم علاقات مباشرة، فيما تعرّف على آخرين من خلال صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وفي بعض الحالات يتكفل شخص واحد بتمويل المشروع كاملًا، بدءًا من أعمال الحفر وحتى التجهيز والتشغيل.
ولا يقتصر دوره، وفقا لما يرويه، على جمع التمويل، بل يبدأ بالوصول إلى المناطق المحتاجة ودراسة احتياجاتها، ثم التنسيق مع المهندسين والمجتمع المحلي ومتابعة مراحل التنفيذ حتى وصول المياه إلى المستفيدين.
ويقول إن الهدف الأساسي من هذه المشاريع هو أن يتمكن السكان من الحصول على مياه الشرب من قراهم ومنازلهم، بدلا من البحث عن مصادر بعيدة ودفع تكاليف نقل المياه، وهي مشكلة تزداد حدتها في المناطق الريفية التي تفتقر إلى مشاريع المياه.
أزمة أوسع
تأتي تجربة الناشط محمد مهيوب في ظل أزمة مياه واسعة تعانيها محافظة تعز، إذ تشير بيانات لعام 2025 صادرة عن مجموعة قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية التابعة للأمم المتحدة إلى أن أكثر من 600 ألف شخص في المحافظة يفتقرون إلى مياه صالحة للشرب، فيما لا تغطي أنظمة المياه الفعالة سوى نحو 29% من السكان.

وتبلغ الفجوة في الوصول إلى المياه نحو 71%، مع تسجيل أكثر من 620 نقطة مياه جافة، في وقت يؤدي انخفاض هطول الأمطار إلى استنزاف الآبار الضحلة وتفاقم الأزمة، خصوصًا في المناطق الريفية التي تعتمد على مصادر جوفية محدودة.
وفي مثل هذه المناطق، يتحول الحصول على المياه إلى مهمة يومية تستنزف وقت الأسر وجهدها، إذ يضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة، فيما تعتمد بعض الأسر على الحمير لنقل المياه، وتتحمل النساء والأطفال جانبًا كبيرًا من هذه المهمة.
يتذكر علي المغدري أحد المستفيدين من المبادرة، السنوات التي سبقت تنفيذ مشاريع المياه، ويقول لـ” ريف اليمن”، إن السكان كانوا يقطعون مسافات طويلة لجلب المياه، مستخدمين الحمير، فيما كانت النساء والأطفال يحملونها على رؤوسهم.
ولم تكن المعاناة تنتهي عند الوصول إلى مصدر المياه، إذ كان السكان في مناطق الداشن والمغادرة والمزجاجة والقرى المجاورة ينتظرون لفترات طويلة لتعبئة أوعيتهم باستخدام ما يعرف محليًا بـ”الدلو”، قبل العودة بها إلى منازلهم.
ويضيف أن الأطفال كانوا من أكثر الفئات تأثرًا، إذ اضطر بعضهم إلى المشاركة في جلب المياه على حساب دراستهم؛ يغادرون منازلهم صباحًا ويعودون قبل الظهر، ثم يخرجون مرة أخرى في المساء لتأمين احتياجات أسرهم.
أما النساء، فيصف المغدري معاناتهن أمام الآبار، حيث كن يقفن في طوابير طويلة تمتد أحيانًا من ساعات الليل حتى اقتراب الفجر، مستعيدًا تلك المرحلة بقوله: “هكذا كانت حياتنا وحياة القرى المجاورة من المعاناة القاهرة”.
صناعة الفرق
لكن هذا الواقع بدأ يتغير، بحسب المغدري، بعد حفر وتجهيز الآبار وربطها بشبكات المياه، إلى جانب تركيب منظومات الطاقة الشمسية والخزانات ومد خطوط التوزيع إلى المنازل.
ويقول إن مبادرات مهيوب وفاعلي الخير أسهمت في حفر وتجهيز ستة آبار وربطها بشبكات المياه في نحو ست مناطق متفرقة بمديريتي مقبنة والمعافر، ليستفيد منها أكثر من ألف أسرة، بينهم نحو 500 أسرة في مناطق الداشن والمزجاجة والمغادرة والقرى المجاورة.

ويصف المغدري أثر هذه المشاريع على الأهالي بقوله إنها كانت “كالغيث نزل عليهم بعد سنوات من العجاف”، لما أحدثته من أثر مباشر في حياتهم وتوفير المياه بالقرب من منازلهم.
مبادرات مهيوب وصلت أيضا إلى بعض مخيمات النازحين في ريف تعز، حيث كانت صعوبة الحصول على المياه جزءًا من معاناة النزوح اليومية، ويقول بندر هاشم، أحد النازحين في مخيم الحجب بمديرية مقبنة، إن السكان والنازحين كانوا يقطعون مسافات طويلة لجلب المياه، مستخدمين الحمير، فيما كانت النساء يحملنها على رؤوسهن في ظل غياب مصدر قريب.
ويضيف لـ” ريف اليمن” أن حفر الآبار وإيصال المياه إلى مخيمات الحجب والراجحي وقرية المغادرة أسهم في تخفيف معاناة السكان، خصوصًا أن تلك المناطق كانت تفتقر إلى مصادر مياه قريبة.

وشملت المشاريع بحسب هاشم تجهيز الآبار بمنظومات الطاقة الشمسية وتركيب خزانات ومد شبكات المياه إلى المخيمات ليستفيد منها نحو 600 أسرة من النازحين في مديرية مقبنة، مختصرة ساعات من الرحلات اليومية للحصول على مورد أساسي للحياة.
على مدى سنوات ظل مهيوب ولايزال ينتقل بين المناطق الريفية بحثا عن مواقع يرى أنها الأكثر حاجة إلى مشاريع المياه، وتكشف تجربته عن جانب من الاحتياج الذي تعانيه مناطق ريفية ومخيمات نزوح في تعز، حيث يمكن لبئر واحدة وشبكة مياه أن تغيّرا تفاصيل يومية ظل السكان يعيشونها لسنوات.
ومع استمرار الحاجة إلى مصادر مياه قريبة، تبقى المبادرات الفردية محدودة أمام اتساع الاحتياج، لكنها بالنسبة إلى السكان الذين تبدأ رحلة البحث عن الماء قبل شروق الشمس، تعني شيئاً كبيرا، خاصة أنهم يمضون ساعات في البحث عنه وإيصاله للمنازل.





