أصبحت سلة الغذاء في اليمن أكبر من قدرة ثلثي السكان على توفيرها، في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية جراء موجة التصعيد العسكري، حيث تحذر منظمات إنسانية من توسع المجاعة وسوء التغذية.
وحذر تقرير الرصد المشترك لشهر سبتمبر/أيلول 2026، من التدهور الحاد في الأمن الغذائي، إذ تجاوزت الأزمة حدود النقص المعتاد للإمدادات، لتتحول إلى عجز غير مسبوق بسبب التصعيد العسكري.
وأظهرت البيانات أن 74% من الأسر في المناطق الخاضعة للحكومة عجزت عن تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية، من بينها 41% تعاني حرماناً غذائياً حاداً غير مسبوق.
وتتزامن المؤشرات مع تراجع في الاستجابة الإنسانية وتوقف المساعدات عن مئات الآلاف من الفئات الهشة، في ظل تفاقم أزمة توقف الشحنات الغذائية والإغاثية عن الوصول إلى مناطق الطوارئ.
مواضيع مقترحة
- نازحو الأرياف.. من جحيم القصف إلى معاناة المأوى والإيجارات
- كيف تجرف ‹عسكرة أرياف اليمن› سبل العيش وتماسك المجتمع؟
- أزمة النزوح في اليمن تفوق قدرات منظمات الإغاثة
وتتضاعف حدة الأزمة مع ارتباط النزاع المحلي بتداعيات الصراع الإقليمي وتأثيراته المباشرة على حركة الملاحة التجارية في مضيقي هرمز وباب المندب، إلى جانب انعكاسات ظاهرة «نينيو» على أسعار واردات القمح العالمية.
النزوح وتوقف المساعدات
ترسم البيانات الميدانية لمصفوفة تتبع النزوح صورة مؤلمة للمأساة الإنسانية المتجددة؛ حيث اضطر نحو 300 ألف شخص لحمل ما تبقى من أمتعتهم والنزوح قسراً هرباً من تصاعد المواجهات.
وتحملت المحافظات المستضيفة عبئاً كبيراً، إذ استقبلت تعز 48% من هؤلاء الفارين، تلتها لحج بنسبة 25% ثم عدن بنسبة 15%، بينما ركب أكثر من 3,700 شخص مخاطر البحر باتجاه جيبوتي بحثاً عن الأمان.
وانعكس التصعيد العسكري، وخاصة مع تشديد الحصار على مدينة تعز منذ نهاية سبتمبر، ليقطع خطوط الإمداد ويعرقل وصول الإغاثة إلى تعز والحديدة.
واستناداً لبيانات تقرير الرصد، فقدَ برنامج الأغذية العالمي وشركاؤه القدرة على الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص ممن هم بأشد الحاجة للمساعدات في تعز والمناطق المصنفة في المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي، ليبقى الجوع سيد الموقف في تلك القرى والمدن المحاصرة.
وأمام الانسداد الميداني وتراجع التمويل، وجد برنامج الأغذية العالمي نفسه مضطراً لاتخاذ قرارات قاسية اقتضت إعادة توجيه المساعدات المخصصة لدورات توزيع سابقة لصالح الاستجابة الطارئة، مما حَرَم آلاف الأسر من حصصهم الغذائية اللاحقة.
وتتجه التوقعات الصادرة عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر من المجاعة إلى استمرار ظروف الطوارئ القاسية في تعز والحديدة وحجة حتى يناير 2027 على الأقل، حيث يعيش أكثر من مليون شخص في تعز تحت وطأة الحرمان من الإمدادات الأساسية.
تآكل الدخل وقسوة المعشية
على الرغم من الاستقرار الظاهري الذي شهدته أسعار الصرف خلال سبتمبر، بحوالي 1570 ريالاً مقابل الدولار في مناطق الحكومة و531 ريالاً في مناطق الحوثي، إلا أن الأسر اليمنية اكتوت بموجة تضخمية عالية في أسعار الطعام والوقود، ليصبح العجز عن الشراء هو الجدار العازل بين الناس وغذائهم وليس خلو الأسواق.
ارتفع سعر دقيق القمح في مدينة تعز بنسبة 15% منذ بدء العمليات العسكرية بينما قفز سعر زيت الطهي بنسبة 35%
وشهدت تكلفة سلة الغذاء الأساسية قفزة شهرية بنسبة 7% في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي لتصل إلى نحو 91 دولاراً، وهو الرقم الأعلى خلال عام ويستنزف القدرة المادية للأسر، بينما ارتفعت بنحو 2% في مناطق الحكومة لتصبح أعلى بـ 7% مقارنة بالعام الماضي.
وفي تفاصيل المعاناة اليومية، ارتفع سعر دقيق القمح في مدينة تعز بنسبة 15% منذ بدء التطورات الأخيرة، بينما قفز سعر زيت الطهي بنسبة 35% على أساس سنوي في مناطق الحكومة، ليصبح توفير وجبة بسيطة هماً يلاحق أرباب الأسر كل صباح، في وقت تجاوز فيه مؤشر واردات الغذاء عتبة الخطر في المحافظات كافة باستثناء سقطرى التي سجلت وحدها 303 إنذارات بمستوى مخاطر مرتفع.
وفيما يتعلق بالطاقة، انحسرت شحنات الوقود بنسبة 73% على أساس سنوي في سبتمبر، مع شلل تام في وصول شحنات البنزين أو الديزل إلى الموانئ الشمالية، ونتيجة الشلل في الإمدادات النفطية، ارتفعت الأسعار الرسمية للديزل والبنزين في مناطق سيطرة الحوثي بنسبة 21% و11% على التوالي، في حين قفزت أسعار الوقود بمناطق الحكومة بنحو 50% والغاز بنسبة 22% على أساس سنوي.
وتلتقي الزيادات الحادة لترفع تكاليف نقل الخضروات، وطحن الحبوب، وإمدادات المياه النظيفة، مما يثقل كاهل المواطن الذي تآكل دخله وأصبح يصارع من أجل البقاء.
الصراع والجفاف
تتسع دائرة الأزمة في ظل الصراعات الإقليمية والتغيرات المناخية العابرة للحدود؛ فمع الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز إثر الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى منذ فبراير 2026، تحولت مسارات صادرات النفط نحو البحر الأحمر، ليجد البحر اليمني ومضيق باب المندب نفسه في قلب التوترات الجيوسياسية.
ويتزامن ذلك مع تصاعد الهجمات على البنية التحتية للطاقة والمطارات في المنطقة، بما في ذلك الهجوم على مطار الملك خالد بالرياض، مما قفز بتكاليف الشحن والتأمين وأسعار وقود السفن إلى أرقام قياسية تنعكس مباشرة على ثمن كل كيس قمح أو شحنة وقود تصل الموانئ اليمنية.
تجسد موجات النزوح رحلة عذاب مكررة لعائلات تُهجَّر للمرة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، لتنضم إلى نحو 3.1 مليون نازح يعيشون في المخيمات بمناطق سيطرة الحكومة
بالإضافة إلى ذلك تأتي تأثيرات ظاهرة «نينيو» المناخية القوية في سبتمبر 2026 لتضيف عبئاً جديداً على الاستيراد؛ حيث يُصنف اليمن من أكثر البلدان عرضة لتأثيرات الظاهرة عالمياً.
ومع توقع انخفاض المحصول الأسترالي من القمح بنسبة تتراوح بين 14% و17%، وهي الدولة التي
ترفد اليمن بأكثر من ثلث احتياجاته من القمح، يلوح في الأفق خطر ارتفاع أسعار الرغيف عالمياً، ليقع عبء التقلبات الدولية على كاهل الأسر الأكثر فقراً.
ورغم أن التوقعات المناخية المحلية تبشر بأمطار حول معدلاتها الطبيعية حتى فبراير 2027، إلا أن استمرار القتال، وقسوة النزوح، ومخاطر البحر، وغلاء المعيشة، يجعل أزمة الأمن الغذائي تتجه نحو منزلق إنساني بالغ الخطورة، ما دفع فريق المخاطر التابع لآلية المراقبة المشتركة إلى إطلاق نداء عاجل لتفعيل خطة التأهب لأزمات الأمن الغذائي، أملاً في إنقاذ ملايين اليمنيين من الوقوع في المجاعة وتوفير حد أدنى من الكرامة الإنسانية.





