يعيش أهالي منطقة رصب في مديرية عُتمة بمحافظة ذمار، جنوب صنعاء، صراعًا يوميًا للحصول على مياه الشرب، فقبل شروق شمس كل يوم، يقطع العشرات من أطفال ونساء المديرية رحلة خطرة وشاقة إلى منبع المياه الوحيد أسفل منحدر جبلي وعر يسمى “الغيل”، يغذي 120 أسرة تضم أكثر من 1300 نسمة.
ورغم مرور السنين وتعاقب الأجيال منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، ما تزال المياه بعيدة عن مساكنهم الأمر الذي حول أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة شاقة، يخوضها السكان، ويدفع ثمنها النساء والأطفال وكبار السن.
تنعكس أزمة المياه بوضوح شديد على ملامح الأطفال والنساء وكبار السن، الذين يدفعون الضريبة الأكبر، حيث تُنقل المياه يومياً فوق رؤوس النساء وعلى ظهور الحمير، في رحلة صعود شاقة تستغرق ما بين ساعة وساعتين يومياً.
مواضيع مقترحة
- كيف يهدد الصراع الجيوسياسي وصول اليمنيين إلى المياه؟
- القات والمياه: استنزاف صامت يهدد مستقبل الأجيال
- الهُفار.. قرية تُطارد الماء غربي تعز
وتتضاعف هذه المشقة في فصل الشتاء البارد والجاف، حيث تشح المياه بشكل حاد، مما يضطر الأهالي إلى اعتماد نظام دقيق لجدولة توزيع المياه بين الأسر، فقد لا تحصل بعض العائلات على نصيبها من الماء إلا مرة واحدة كل ثلاثة أيام.
كما يضطر الأطفال واليافعين لقضاء ساعات طويلة من يومهم في جلب المياه من أسفل الجبل وهذا يأتي على حساب وقتهم وجهدهم التعليمي.
يصف الطفل همام علي مسعد المدان (13عاما) وهو يمسك بلجام حماره المتعب، مرارة هذا اليوم قائلاً “إذا جئنا إلى الغيل وهو زحمة وطابورا طويلاً من الناس، نتأخر ساعتين أو ساعتين ونص من أجل نعبي دباب من الماء ونتأخر على المدرسة”. ويضيف لـ”ريف اليمن”، “لو جاء لنا مشروع يوصل الماء إلى البيوت بيخفف علينا هذا التعب اليومي ونذهب للمدرسة”.
أما الطفل إبراهيم، فيقول وهو بملامح يكسوها الغبار والارهاق”آتي إلى هنا يومياً لأساعد أمي وأبي، لجلب الماء للبيت من أسفل الوادي ثم نصعد الجبل، تعبنا كثير من هذا الحال”.

وعن الأثر الاجتماعي والتربوي يقول الأستاذ محمود عبد اللطيف، وهو أحد الكوادر التعليمية في المنطقة، إن”ما يعانيه أطفالنا من البحث المستمر عن الماء، والذهاب لجلبه من مسافات بعيدة فوق ظهور الحمير وفي طرق صخرية خطرة، يأخذ وقت كبير وثمين كان من المفترض أن يقضوه في مدارسهم وفصولهم الدراسية”
مشيراً إلى أن هذا الوضع يدفع الكثير من الطلاب والأبناء إلى الهروب من التعليم والتسرب الدراسي نتيجة الإرهاق الشديد وضيق الوقت، مما يشكل عبئاً تربوياً واجتماعياً على المعلمين وعلى المجتمع ككل، فضلاً عن العبء النفسي والجسدي المستمر على كاهل النساء.
30 عاماً من الكفاح
لم يقف أهالي رصب مكتوفي الأيدي، بل قرروا الاعتماد على سواعدهم وإمكانياتهم المحدودة في استخراج المياه، ويقول محمد مهدي (75 عاماً) أحد وجهاء المنطقة أن المشروع مراحل عديدة منذ بداية التسعينيات وبجهود ذاتية من الأهالي ودعم المغتربين من أبناء القرية والخيرين.
ويتابع مهدي قائلا”: منذ سنوات طويلة نعمل ليلاً ونهاراً، وبأيدينا وأدواتنا البسيطة، لتوسعة منبع الغيل، وصل امتداد الحفر الذي قمنا به إلى نحو 70 متراً طولاً، وبعمق يصل إلى سبعة أمتار تحت الجدار الاستنادي لحماية العين”.
ويضيف لـ” ريف اليمن”تم إنشاء ثلاثة خزانات تجميعية أسفل الوادي للمحافظة على مياه الشرب من الضياع والتلوث، كما تمكنوا من تشييد خزان رئيسي بسعة 85 ألف لتر”.

المعاناة قائمة
ورغم الإنجاز الكبير ما يزال مصدر المياه في المنطقة بالغ الخطورة وبعيداً عن القرى، فالغيل وخزانات المياة، تقع في أسفل جبل صخري شديد الانحدار، ما يجعلها عرضة للسيول القادمة من جبل “بَرّة”، مما يهدد بطمر عين الماء وتدمير خزانات التجميع.
كما يرتفع الطريق السريع فوق الجبل بعلو يقارب 200 متر فوق عين الماء وخزانات المياه مما يضاعف المخاطر، ويقول محمد المهدي،:”في مرة انقلبت سيارة من الطريق السريع أعلى الجبل ونزلت باتجاه الخزان، ولولا لطف الله لانتهى الماء تماماً بالنسبة لنا وضاعت حياتنا”.
ويخشى الأهالي باستمرار من أن يؤدي أي حادث مستقبلي إلى سقوط شاحنة أو سيارة فوق الخزانات، مما سيتسبب في تدميرها بالكامل وتلوث المياه أو تسربها إلى مجرى السيل، وحرمان القريتين من مصدر عيشهما الوحيد.

حلم على بعد خطوة
ولإنهاء معاناة السكان من الوصول بسبب وعورة الطريق وقطع المسافات البعيدة لمنبع المياه، أوضح المهندس عادل الغابري، أن المجتمع المحلي بادر مجدداً وجمع التبرعات بمساندة فاعلي الخير ليوفروا جزءاً هاماً من المرحلة الأخيرة، وشراء وتوفير منظومة الطاقة الشمسية ومضخات متطورة لرفع المياه.
مضيفاً أنه قد تم “إنجاز المرحلتين الأولى والثانية من المشروع بلغت تكلفته بنحو 40 مليون ريال يمني، وبتقدير إجمالي بنحو 56 مليون ريال يمني وهو ما يعادل 70% من إجمالي المشروع.
ويشير إلى أن المشروع في مرحلته الأخيرة و ما يزال يتطلب إلى بناء خزان توزيع خرساني كبير أعلى الجبل بارتفاع يصل إلى نحو 430 متراً عن نقطة التجميع السفلية، ومد الشبكة الداخلية والأنابيب الرئيسية والفرعية، لتصل إلى كل منزل في قريتي رصب العالي والسافل.

ويضيف الغابري، إلى أن المبلغ المتبقي لاستكمال هاتين الخطوتين حوالي 16 مليون ريال يمني، مشيراً إلى أن “هذا المبلغ الضئيل مقارنة بحجم المعاناة والنتائج التنموية هو كل ما يقف بين أهالي رصب وتحقيق حلمهم الذي طال انتظاره لـ 35 عاماً”.
ويناشد الأهالي إنهاء معانتهم وإنجاز هذا المشروع وذلك بتوفير للمياه لـ 1300 إنسان، وعودة الأطفال إلى فصولهم الدراسية، وتحقيق أمنية طالما عاش ومات عليها أجداد وآباء رحلوا دون أن يشهدوا قطرة ماء تتدفق بكرامة وسلاسة من صنبور داخل منازلهم.
ويصنف اليمن عالمياً كواحد من أكثر الدول فقراً في الموارد المائية وشحاً في المياه العذبة، وتزداد هذه الأزمة ضراوة في المناطق الريفية والجبلية النائية التي تفتقر لأبسط شبكات البنية التحتية ومشاريع مياه الشرب النظيفة.
وبحسب تقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف، فإن أكثر من 16 مليون شخص في اليمن، من بينهم ملايين الأطفال والنساء، لا يستطيعون الحصول على مياه شرب آمنة ونظيفة وخدمات الإصحاح البيئي الأساسية.





