الخميس, فبراير 19, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

الهُفار.. قرية تُطارد الماء غربي تعز

في قرية الهُفار غربي تعز، لا يبدأ النهار بالعمل أو المدرسة، بل بالركض خلف جالونات المياه، حيث يسبق العطش كل شيء، ويكسر إيقاع الحياة، ويقود النساء والأطفال والرجال إلى رحلة يومية تشبه سباقا مع الإجهاد، حيث يتحول الطريق الوعر إلى قدر يومي، ويتحول الوقوف أمام الخزانات إلى مشهد يتكرر حتى حفظته العيون أكثر من ملامح الوجوه.

يؤكد سكان القرية التي تقع في عزلة الشراجة بمديرية جبل حبشي، أن الماء لا يصل بسهولة، بل يأتي محملا بثقل الساعات الضائعة، وخطوات الجبال، وصبر النساء، وأنين الحمير، وعرق الأطفال الذين تعلموا معنى المشقة قبل أن يتعلموا الحروف.

أم نادر، إحدى السكان تقول لـ”منصة ريف اليمن”: “نغادر منازلنا قبل الفجر، ونسير في الجبال ما يقارب الساعة عبر طريق مليء بالحجارة ومظاهر التعب، نترك أبناءنا نائمين ونسير بقلق، وعندما نصل إلى الخزان نجد الكثير من الأهالي قد وصلوا قبلنا، فنقف في الطابور وننتظر لساعات طويلة”.


مواضيع مقترحة


تضيف وهي تقف أمام خزان ماء في طرف القرية، وتراقب الطابور الطويل: “أحيانا ننتظر ثلاثاً أو أربع ساعات دون أن يصل دورنا، وأحيانا ينفد الماء فجأة، فنعود دون قطرة واحدة، نعود في اليوم التالي، ثم الذي بعده، فيما يضيع يوم كامل مقابل كمية بسيطة من الماء”.

رحلة البحث عن الماء أصبحت جزءا ثابتا من يوم نساء القرية، وحتى الحيوانات. تؤكد الأربعينية أم نادر: “حتى الحمير لم تعد تتحمل هذا العبء، فالطريق طويل ومرهق، نعود إلى منازلنا في نهاية النهار ونحن منهكات، لكننا مضطرات، فعدم جلب الماء يعني توقف حياة الأسرة بأكملها”.

أما “عبدالله أحمد”، أحد سكان القرية، فيتحدث عن ابنته الصغيرة التي أصبحت جزءا من رحلة البحث اليومي عن الماء، ويقول بصوت يحمل ألم الأب: “ابنتي تبلغ من العمر تسع سنوات، وبدلا من أن تستيقظ لتذهب إلى المدرسة، تستيقظ معي قبل شروق الشمس، للبحث عن الماء”.

يضيف لـ”ريف اليمن”، بلغة مليئة بالمعاناة: “هذه الطرق لا تناسب الأطفال؛ كلها صعود وهبوط وحجارة، وهي صغيرة وتتعب بسرعة، ولكن بدون مساعدتها لا يمكننا الحصول على كمية تكفينا من الماء”.

ويشير إلى أن اليوم بأكمله يضيع في هذه الرحلة وأحيانا يقطعون مسافة لساعتين وينتظرون ثلاثا أخرى أمام الخزان، ويقول: “نعود إلى المنزل آخر النهار، ثم نكرر الرحلة في اليوم التالي، ضاع وقت المدرسة، وضاعت أوقات اللعب، حتى طفولتها سلبت”.

ويتحدث عبدالله عن الحمير التي يعتمد عليها الأهالي في حمل المياه، قائلاً: “الحمير تحمل عبء القرية بأكملها، تنقل جالونات المياه وتسير في الطرق الوعرة، حتى هذه الحيوانات بات عليها أثر التعب والإرهاق، لكن الحاجة إلى الماء لا ترحم أحدا، لا البشر ولا الحيوانات”.

“نحن لا نطلب ترفا، ولا نبحث عن خدمات كبيرة، نريد فقط ماء يصل إلى منازلنا دون أن ندفع هذا الثمن الكبير من أعمارنا وصحة أطفالنا”، يقول عبدالله.

الهُفار.. قرية تُطارد الماء غربي تعز
تُظهر بيانات البنك الدولي أن 18 مليوناً من سكان اليمن يعانون من عدم القدرة على الحصول على المياه المأمونة أو الصرف الصحي (إجمالي عدد السكان نحو 42 مليوناً)، أما في محافظة تعز فالوضع أكثر صعوبة، بسبب الحرب وانقطاعات الكهرباء التي تشغل مضخات المياه، وفقا لمنظمة هيومن رايتس.

رئيس جمعية الهُفار “علوان الشراجي”، يؤكد أن القرية تعيش واحدة من أشد أزماتها الخدمية بسبب النقص الحاد في المياه، مشيرا إلى أن عدد سكان القرية يبلغ 2140 نسمة موزعين على 270 أسرة، بينما يتجاوز الاحتياج اليومي للمياه 46 ألف لتر.

ويقول الشراجي لـ”ريف اليمن”: “القرية تعتمد على بئر يدوية تبعد عن التجمع السكني نحو 1200 متر، تحتاج إلى تعميق أربعة أمتار تقريبا، وإنشاء فرمات لحمايتها من الانهيار”، لافتا إلى أن المياه موجودة، لكن معاناة الأهالي تكمن في النقل بسبب انعدام وسائل الضخ.

يوضح أن المجتمع المحلي بذل خلال السنوات الماضية جهودا كبيرة للتغلب على الأزمة، بدأت بحفر بئر بعمق 35 مترا وإنشاء خزان ومد خط ضخ، لكن نتائج الفحص أثبتت عدم صلاحية تلك البئر للشرب، وبعدها قامت إحدى المنظمات بحفر بئر جديدة، وساهم أحد فاعلي الخير بتوفير المواسير وبعض المستلزمات.

ويشير إلى أن القرية تمتلك خزانا في الوادي القريب من البئر، ويتم ضخ المياه إليه، لكن النساء لا يزلن يقطعن المسافات لنقل المياه على ظهور الحمير من ذلك الخزان إلى داخل القرية، في تعب يومي يرهق تلك النساء.

ويبين الشراجي أن لديهم دراسة فنية معتمدة من الهيئة العامة لمشاريع مياه الريف، وتم تسويقها عبر مكتب الهيئة والمجلس المحلي، غير أن المشروع لم يحظ حتى الآن بأي دعم حكومي أو تدخل منظمات.

ويشير إلى أن الجمعية تحملت كل التكاليف الفنية، بما في ذلك إنزال المهندسين لتحديد موقع البئر وإعداد الدراسة، بتكلفة وصلت ما يقارب اثنين مليون ريال (نحو 1200 دولار).

ويلفت الشراجي إلى أن احتياجات المشروع أصبحت واضحة وملحة، وتشمل تعميق البئر وإنشاء الفرمات اللازمة، وبناء خزان جديد، ومد خط ضخ وخط إسالة، وإنشاء غرفة ضخ، وتوفير مضخة غاطسة، إضافة إلى منظومة طاقة شمسية لضمان تشغيل مستمر دون اعتماد على الوقود المكلف.

مدير مكتب الأشغال في المديرية المهندس طارق السفياني، أكد أن الوضع المائي في قرية الهُفار يمثل واحدة من أكثر القضايا إلحاحا، موضحا أن القرية لا تمتلك أي مصادر مياه، ما يضطر الأهالي إلى جلب المياه من مسافات بعيدة وبوسائل تقليدية.

ويشير السفياني خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، إلى أن أكبر احتياج لقرية الهفار هو المياه، نظرا لانعدام المصادر المائية داخل نطاقها، والمنطقة تحتاج تدخلاً مباشراً في مجال المياه، سواء عبر الحفر أو تأهيل المصادر الشحيحة.

وفيما يتعلق بجهود السلطة المحلية في المديرية خلال السنوات الماضية، أوضح أن السلطة المحلية تقوم بإعداد دراسات للمشاريع ذات الأولوية وتسويقها للجهات الداعمة والمانحين، وفق معايير تشمل التكلفة وعدد المستفيدين وطبيعة الاحتياج.

ويشير السفياني إلى أنه تم إعداد خطة التعافي على مستوى المديرية، إضافة إلى خطط التكيّف على مستوى كل عزلة، والتي تتضمن العديد من المشاريع الجاهزة للتسويق، وسبق أن رفع المكتب مذكرات رسمية بشأن منطقة الهُفار إلى منظمات عدة، وزارت المنطقة، مُبدياً تفاؤله بإمكانية اعتماد أحد المشاريع قريباً.

أما بشأن أسباب غياب تدخل فعلي حتى الآن، فيقول السفياني إن المنطقة شحيحة المصادر المائية وتتطلب تنقيبا وحفرا، وهو ما تتجنب كثير من الجهات الداعمة العمل فيه، كونها تفضّل تأهيل المشاريع القائمة فقط.

وينوّه السفياني بتأثير أزمة المياه على القطاعات الأساسية، لافتاً إلى أن المشكلة تسببت في تسرب الفتيات من التعليم بسبب اضطرارهن لجلب المياه من مسافات طويلة، وهو ما يهدد مستقبل التعليم في المنطقة، كما تأثر قطاع الصحة والنظافة العامة نتيجة ندرة المياه؛ ما أدى إلى انتشار الأمراض المعدية والإسهالات.

المهندس “خالد محمد سعيد”، مهندس ومسؤول في الهيئة العامة لمشاريع مياه الريف بمحافظة تعز، قال إن قرية الهفار تعيش أزمة حادة في خدمات المياه، موضحاً أن القرية تفتقر حتى اليوم إلى مشروع مياه أساسي يعمل بشكل منتظم.

ويضيف أن الهيئة العامة لمياه الريف تبذل جهوداً لإعادة تأهيل المشروع القائم ومحاولة تشغيله، غير أن الأعمال المتبقية تتطلب تدخلات أساسية لضمان استدامته، أبرزها: تعميق البئر، وتبطينها لحمايتها من الانهيار، واستكمال الأعمال الميكانيكية وشبكات التوزيع.

ويوضح أن للقرية بئراً يدوية غير مكتملة التنفيذ، وأن المشروع بحاجة إلى استكمال مرحلته الإنشائية قبل الانتقال إلى أي تدخلات تشغيلية، مشيرا إلى أن محاولات سابقة لتدخل منظمات دولية لم تكتمل بسبب محدودية ميزانياتها، حيث تقتصر تدخلاتها عادةً على الأعمال الميكانيكية والخزانات والشبكات، دون أعمال الحفر أو التعميق.

وبحسب بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن اليمن أحد أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه، وقد أسهم الجفاف ومحدودية موارده المائية وسوء إدارة المياه والاستغلال المفرط لها في انعدام الأمن المائي، فيما تتفاقم الأزمة مع تصاعد تأثيرات تغير المناخ.

شارك الموضوع عبر: