تقع محافظة حجة شمال غربي اليمن وتتنوع جغرافيتها بين سلاسل جبلية شاهقة وسهول وأودية زراعية، وصولاً إلى الشريط الساحلي على البحر الأحمر والجزر البحرية في ميدي، وهذا يجعلها مميزة للسياحة الريفية.
وترتبط المحافظة بحدود برية مع السعودية عبر منفذ حرض، كما تمتد حدودها البحرية شمالاً على البحر الأحمر، ويفصل بين المرتفعات والسهول الغربية نطاق من المنحدرات شديدة الوعورة يعرف محلياً باسم «العرقوب»، ما يجعل الانتقال بين أجزاء المحافظة انتقالاً بين بيئات جغرافية ومناخية مختلفة.
وانعكس هذا التنوع على حياة السكان وأنشطتهم الاقتصادية ونمط الحياة بشكل عام، كما توزعت المواقع التاريخية والطبيعية بين حصون المرتفعات والوديان والسهول وميناء ميدي والجزر المقابلة للساحل.
مواضيع مقترحة
- رحلة في أرياف تعز: سحر جبل صبر وأسرار الطبيعة
- السياحة الريفية في لحج: تاريخ عريق وطبيعة متنوعة
- المهرة درة اليمن الشرقية: الطبيعة الخلابة والتاريخ العريق
تاريخ يمتد من الكهوف إلى الحصون
ترتبط الجذور التاريخية لحجة بفترات متعاقبة من تاريخ اليمن. ولا تزال كهوف ومغارات الصياني، التي تقع على مسافة نحو أربعة كيلومترات من مدينة حجة، من الشواهد المرتبطة بمراحل الاستقرار البشري القديم في المنطقة.
وتنتشر في مناطق أخرى نقوش وشواهد تعود إلى الحضارات اليمنية القديمة، من بينها نقوش سبئية وحميرية في حصن كحلان عفار وعدد من حصون المحافظة. وتعكس مواقع هذه الحصون أهمية التضاريس الجبلية في اختيار أماكن الاستقرار والتحصين.
وخلال العصور الوسطى تركت الدولة الصليحية وغيرها من الدول التي حكمت أجزاء من اليمن آثاراً في عدد من حصون حجة وقلاعها. كما ترك الوجود العثماني أثراً في بعض أنماط العمارة، خصوصاً في منشآت تاريخية داخل مدينة حجة.
وفي التاريخ اليمني الحديث ارتبط اسم المدينة بالإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، الذي اتخذ من حجة معقلاً له عقب اغتيال والده الإمام يحيى عام 1948، وانطلق منها لاستعادة السيطرة على صنعاء.

بين الجبل والسهل والساحل
تتكون محافظة حجة إدارياً من 32 مديرية تتوزع على تضاريس مختلفة. ففي المناطق الشرقية والوسطى تمتد سلاسل جبلية من أبرزها الشرفين وحجور وكحلان الشرف ووشحة وكشر، ويصل ارتفاع عدد من قممها إلى ما بين 2500 و3000 متر فوق مستوى سطح البحر.
وتقطع هذه المرتفعات أودية عميقة، من بينها وادي شرس ولاعة وعين علي وحرض وتعشر، وتنتشر على جوانب بعضها أراضٍ ومدرجات زراعية.
وإلى الغرب تنخفض التضاريس نحو هضاب وسهول واسعة تضم عبس وبني قيس وكعيدنة وبكيل المير وأسلم وحرض ومستبأ والأجزاء الداخلية من ميدي، قبل أن تصل إلى المناطق الصحراوية والشريط الساحلي المطل على البحر الأحمر.
ويتغير المناخ تبعاً لهذا التدرج، ففي المناطق الجبلية يكون الطقس معتدلاً صيفاً وبارداً شتاءً، بينما ترتفع الحرارة والرطوبة في السهول خلال الصيف، وعلى امتداد المناطق الساحلية والجزر خلال معظم أشهر العام.
ترتبط الأنشطة الاقتصادية للسكان بطبيعة كل منطقة. ففي المرتفعات تعتمد أسر كثيرة على الزراعة المطرية في المدرجات لإنتاج الحبوب والبن والخضروات والفواكه.
وفي السهول تنتشر الزراعة المروية، وتشمل محاصيل الحبوب والخضروات والسمسم، إلى جانب المانجو وبعض أنواع الفواكه. كما تعمل أسر في تربية الماشية والنحل وإنتاج العسل.
أما في المناطق الساحلية والجزر، فيمثل صيد الأسماك أحد مصادر الدخل الرئيسية للسكان، مستفيداً من امتداد ساحل المحافظة على البحر الأحمر.

مدينة حجة.. مركز بين الجبال
تقع مدينة حجة إلى الشمال من سلسلة جبال مسور والشراقي، على ارتفاع يقارب 1800 متر فوق مستوى سطح البحر، وهي المركز الإداري للمحافظة.
وتضم المدينة فنادق ومطاعم وأسواقاً ووكالات سفر وسياحة، وكانت ضمن مسارات البرامج السياحية التي عملت في اليمن قبل توقف جانب كبير من النشاط السياحي خلال سنوات الحرب.
وخلال موسم الأمطار يغطي الضباب أجزاء من المدينة والجبال المحيطة بها، وهو من الملامح الطبيعية المرتبطة بموقعها وارتفاعها.
وتضم حجة عدداً من المباني والحصون التاريخية، تتقدمها قلعة القاهرة وقصر سعدان، إلى جانب حصون نعمان والجاهلي والظفير.
قلعة القاهرة
تقع قلعة القاهرة على ربوة مرتفعة شرقي مدينة حجة، وتطل على أجزاء واسعة من المدينة والمناطق المحيطة بها، وتحمل قلعة في مدينة تعز ذات الاسم.
ويرجع البناء الأول للقلعة، إلى القرن الحادي عشر الميلادي خلال فترة الدولة الصليحية، بينما يرتبط شكلها الحالي بأعمال بناء وتطوير جرت خلال القرن السادس عشر في فترة الحكم العثماني الأول لليمن.
ويتكون المبنى الرئيسي للقلعة من ثلاثة طوابق، وتظهر في بعض تفاصيله عناصر معمارية متأثرة بالطراز العثماني. ويحيط به سور حجري تتخلله أبراج دفاعية ومواقع للحراسة.

وكانت القلعة جزءاً من منظومة تحصينات تحيط بمدينة حجة، إلى جانب حصون نعمان والجاهلي والظفير.
وفي عهد الإمامين يحيى وأحمد خلال النصف الأول من القرن العشرين استخدمت القلعة سجناً لمعارضين سياسيين، كما أعدم الإمام أحمد في ساحة سجنها عدداً من قيادات المعارضة عقب أحداث 1948.
وتحولت القلعة لاحقاً إلى موقع يقصده الزوار، إلا أن استثمارها سياحياً ظل محدوداً من حيث الخدمات والتهيئة المرتبطة بالزيارة.
قصر سعدان
يعد قصر سعدان من المعالم التأريخية في مدينة حجة، ويستخدم حاليا قصراً جمهورياً مخصص للمحافظة واستقبال الوفود، وبحسب نقش مثبت في أحد جدرانه، شيده الإمام أحمد حميد الدين عام 1350 هجرية (حوالي 1931 م).
ويتكون القصر من ستة طوابق، ويعتمد في بنائه على عناصر من العمارة اليمنية، وشُيّد القصر أساساً ليكون ومقراً للإدارة المحلية وزود بكافة المكاتب الحكومية الخدمية، ووفر مساكن للموظفين والعمال بجواره.
يرتفع القصر على هضبة جبلية استراتيجية في قلب المدينة بارتفاع يصل لحوالي 1800 متر فوق مستوى سطح البحر، وتضم ساحته ومحيطه مرافق خدمية شملت صهاريج مياه، ومخازن للمواد الغذائية.
طريق الخذالي
يقع نقيل الخذالي في مديرية كحلان عفار وهو ممر جبلي معلق وشديد الوعورة والارتفاع، يرتفع بنحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، ويمثل الشريان البري والحيوي الرئيسي الذي يربط بين صنعاء وحجة مروراً بمدينة عمران.

يلتف الطريق المعلق فوق أعالي القمم الشاهقة، ثم يهبط بانحدار نحو وادي شرس السحيق مروراً بشلال عين علي الشهير، مما يجعله تجربة سياحية بصرية مميزة وسط الغيوم والضباب الكثيف.
ونفذت شركة صينية حكومية الطريق خلال ثمان سنوات بين عامي 1974 -1982، وشملت الأعمال شق الصخور في مناطق جبلية شديدة الانحدار، في تحدي الطبيعة وجاذبية الجبال.
وعند أحد منعطفات الخذالي يتفرع طريق إسفلتي باتجاه حصن كحلان عفار، الواقع على مسافة تقارب 80 كيلومتراً من صنعاء، وعلى ارتفاع يصل إلى نحو 2500 متر فوق مستوى سطح البحر.
ويضم الحصن أسواراً وأبراجاً ومنشآت دفاعية، كما بنى فيه الإمام أحمد قصراً استخدم للاستجمام. ومن موقعه يمكن مشاهدة مساحات واسعة من الجبال والوديان المحيطة.
الشرفين ووشحة
تمتد سلسلة جبال الشرفين شمال غربي المحافظة، وتشمل مناطق المحابشة والشاهل والقفل وكحلان الشرف. وتقع في قممها ومحيطها حصون ومواقع قديمة على ارتفاعات تتراوح بين 2500 و3000 متر.
وإلى الشمال منها تمتد سلسلة جبال وشحة، التي تضم جبل الموشح والقارة ومناطق من جبال كشر، وتصل ارتفاعات بعضها إلى نحو 2500 متر.
وتتخلل هذه السلاسل أودية ومدرجات زراعية وقرى مبنية بالحجر، وتوفر طبيعتها مسارات للمشي واستكشاف الكهوف والمغارات ومراقبة الطيور والنباتات المحلية، إلى جانب إمكانية ممارسة أنشطة المغامرات والطيران الشراعي في المواقع المناسبة.
سهول حجة
يتغير شكل القرى كلما اتجه الطريق من المرتفعات نحو السهول الغربية. ففي أجزاء من عبس وبقية مناطق السهل تظهر مبانٍ تختلف في موادها وتصميمها عن القرى الحجرية في المرتفعات الجبلية.
وتستخدم بعض المجتمعات المحلية القش والقصب في بناء مساكن بيضاوية الشكل، مع الاهتمام بالزخارف والألوان في الأجزاء الداخلية، ويرتبط هذا النمط ببيئة السهل ومواد البناء المتوفرة فيها.
وتنتشر هذه القرى على جانبي الطرق التي تربط مدينة حجة بمناطق السهل وحرض وميدي، وتمثل نمطاً معمارياً مختلفاً عن القرى الجبلية في المحافظة.
8 مواقع للمياه الحارة
توجد في محافظة حجة ثمانية مواقع للمياه المعدنية الحارة، تقع جميعها ضمن مناطق الهضاب والسهول، وتتركز أربعة مواقع في مديريتي عبس وحرض، فيما تتوزع المواقع الأخرى على مديريات الطور وبكيل المير وكعيدنة وأسلم.
ويقصد السكان والزوار هذه المواقع للاستحمام بالمياه الحارة، اعتقاداً بفائدتها في تخفيف بعض الأمراض الجلدية وآلام الروماتيزم. وتوجد في بعضها أماكن منفصلة يستخدمها الرجال والنساء وفق ترتيبات محلية.
ولا تزال هذه المواقع تعمل بوسائل تقليدية، من دون تجهيزات طبية أو مرافق علاجية متخصصة. كما تحتاج خصائص مياهها ومكوناتها المعدنية إلى دراسات مخبرية تحدد تركيبها ومدى وجود فوائد علاجية يمكن إثباتها علمياً.
ويمكن أن يؤدي تنظيم هذه المواقع وتجهيزها بخدمات صحية ومرافق مناسبة إلى تحسين ظروف استخدامها، خصوصاً مع استمرار تردد الزوار عليها من داخل المحافظة وخارجها.
ميدي.. عشرات الجزر البحرية
ضمن محافظة حجة تقع مدينة ميدي الساحلية المطلة على البحر الأحمر، ولا تزال بقايا بعض مبانيها وقلاعها تشير إلى الدور الذي أدته المدينة وميناؤها خلال فترات تأريخية سابقة.

وازدهر ميناء ميدي بين القرن السادس عشر وبداية القرن العشرين، وكان من الموانئ التي تشحن صادرات البن المزروع في عدد من مناطق حجة، مثل بني العوام والشراقي، لكن حالياً تراجعت مساحاتها.
تتبع مديرية ميدي إدارياً مجموعة من الجزر البحرية المنتشرة في البحر الأحمر وعددها يقارب 60 جزيرة، تتفاوت في مساحاتها وبعدها عن الساحل، وبعضها مأهول بالسكان.
ومن أبرزها جزيرة بكلان، التي تبلغ مساحتها نحو 7.6 كيلومترات مربعة وتقع على مسافة تقارب 18 ميلاً بحرياً من ساحل ميدي، وتتميز بتداخل اليابسة والمياه ونمو أشجار المنجروف، كما توجد في المنطقة جزر أخرى من بينها الفشت وذو حراب والدويمة والرافع.
وتوفر الجزر والمياه المحيطة بها بيئة للشعاب المرجانية والأحياء البحرية، ما يتيح أنشطة الغوص والرحلات البحرية عند توفر خدمات النقل والسلامة والمرافق اللازمة للزوار.
الأسواق الأسبوعية
لا تزال الأسواق الشعبية الأسبوعية جزءاً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في عدد من مديريات حجة، خصوصاً في المناطق التي تتباعد فيها القرى والتجمعات السكانية.
وتعرض هذه الأسواق المنتجات الزراعية والحيوانية والحرف اليدوية، كما تجمع سكان مناطق تختلف في أزيائها ومنتجاتها وأنماط حياتها بين الجبل والسهل والساحل.
وكانت بعض الأسواق تدخل ضمن برامج الرحلات السياحية، حيث أتاحت للزوار مشاهدة المنتجات المحلية والأزياء التقليدية وشراء الصناعات اليدوية.
وتشارك المرأة الريفية في عدد من هذه الأسواق بالبيع والشراء، خصوصاً في المناطق التي ترتبط فيها الأسر مباشرة بالإنتاج الزراعي والحرفي.
كوافي الخيزران والأواني الحجرية
تشتهر مديرية أسلم ومنطقة المحابشة بصناعة كوافي الخيزران، وهي حرفة تعتمد على ألياف النخيل وتتطلب وقتاً ومهارة في إعداد القطعة وزخرفتها. وقد تستغرق صناعة الكوفية الواحدة أكثر من شهر، وترتبط في بعض المناطق بالمكانة الاجتماعية لمرتديها.
وفي مديرية وشحة توجد صناعة للأواني الحجرية، بينما ترتبط بني قيس وحيران بإنتاج أنواع من العسل المحلي، وتتوارث بعض الأسر هذه الحرف عبر الأجيال، ما يجعل استمرارها مرتبطاً بقدرة المنتجين على تسويق منتجاتهم ونقل المهارات إلى أجيال جديدة.
وتكشف جغرافية حجة، من جبال الشرفين وكحلان ومدينة حجة إلى سهول عبس والمياه الحارة وساحل ميدي وجزرها، عن اختلاف واضح في الموارد وأنماط المعيشة داخل محافظة واحدة.
ويظل تطوير الاستفادة من هذه المواقع مرتبطاً بتحسين الطرق والخدمات، وصيانة المواقع التاريخية، وإجراء الدراسات العلمية للمياه المعدنية، وتنظيم الأنشطة السياحية والاقتصادية بما يتيح للسكان المحليين الاستفادة منها.
كيف الوصول إلى حجة؟
المسار السياحي الأشهر للوصول إلى حجة هو الخط الرئيسي عبر نقيل الخذالي، والذي يعد الشريان والحيوي الذي يربط بين صنعاء (تبعد عنها بنحو 127 كم)مروراً بمدينة عمران وصولاً إلى حجة، وهذا المسار هو بحد ذاته سياحي وهناك كثير من المناظر الطبيعة والمواقع التأريخية.
المسار الآخر عبر ثلاء والشراقي ومسور في عمران، وبعد تجاوز مدينة ثلاء التأريخية يبدأ طريق الشراقي الذي يعبر سلسلة جبلية تتخللها أودية وقرى ومدرجات تزرع في أجزاء منها أشجار البن، بينما تنتشر القرى على السفوح والقمم.
وكانت هناك خطط لسفلتة أجزاء من هذا الطريق ضمن مشاريع مرتبطة بالمسارات السياحية، لكنها لم تكتمل. كما تتعرض بعض مقاطعه لانهيارات صخرية تؤدي إلى إغلاقه في فترات متفرقة.
المراجع
- دراسة الوضع الجيولوجي والهيدرولوجي وتقييم ثروات الذهب والصخور الصناعية في حجة عام 1921م. هيئة المساحة الجيولوجية- صنعاء.
- نتائج المسح السياحي لمحافظة حجة، 1999م. الهيئة العامة للتنمية السياحية- صنعاء،
- دراسات علمية جيولوجية، عام 1922م. هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية -حجة.
- مجلة الإعلام الاقتصادي، العدد (12)، ديسمبر 2014م.
- مجلة السياحة الفصلية، عدد مايو – يوليو 1996م.
- كتاب العيون المائية الحارة في الجمهورية اليمنية، الطبعة الأولى، 2003م. هيئة المساحة الجيولوجية -صنعاء.
- دليل المرشد السياحي، 1998م. الهيئة العامة للسياحة.





