الثلاثاء, 8 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تراث

قلعة بيت الفقيه.. تاريخ عريق يهدده الإهمال

📅 سبتمبر 8, 2026

يقف سعيد صالح (61 عاماً) على أطراف مرتفعات بيت الفقيه بمحافظة الحديدة، مستحضراً ذاكرة طفولته حين كان يرافق والده نحو قلعة المدينة التاريخية، التي كانت تمثل مركزاً إدارياً ومقصداً يرتاده الأهالي في مناسباتهم.

كانت القلعة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي متماسكة الأسوار، بأبواب خشبية ونوبات حراسة أربع قائمة في زواياها، أما اليوم، بحسب شهادة صالح فإن المشاهد تغيرت تماماً إذ تحولت مساحات واسعة منها إلى أكوام من الركام، عقب انهيار أسقفها وتآكل جدرانها دون صيانة أو ترميم.


مواضيع مقترحة


تتطابق شهادة صالح مع تقارير مكتب الهيئة العامة للآثار بالمديرية، التي تؤكد مواجهة القلعة تدهوراً يهدد بقاءها، حيث امتدت التصدعات إلى الواجهات الجدارية الداخلية والخارجية، انهارت معها أسقف القاعات والمرافق، وفي مقدمتها إسطبل الخيول الذي تساقط سقفه بالكامل وتضررت أعمدته.

كما طالت الأضرار نوبات الحراسة الأربع؛ حيث انهار بعضها كلياً أو جزئياً، فيما باتت أجزاء أخرى آيلة للسقوط الأمر الذي يهدد تاريخ القلعة العريق.

تاريخ عريق

تكتسب قلعة بيت الفقيه أهميتها من موقعها الاستراتيجي ودورها العسكري في تهامة، إذ يوضح أستاذ التاريخ بجامعة الحديدة، البروفيسور عبد الودود مقشر، إلى أن تشييدها فوق مرتفع طبيعي أتاح لها الإشراف على السهول المحيطة، لتكون نقطة إنذار مبكر وإدارة دفاعية لحماية المدينة ومحيطها الزراعي والتجاري.

الباحث كيال:السبب الأساسي للتدهور يكمن في الهجر الفعلي للمبنى وإخلائه من أي نشاط منذ عقود(ريف اليمن)

وتتعدد الروايات حول تاريخها؛ فبينما تؤكد وثائق هيئة الآثار ارتباطها بالفقيه أحمد بن موسى العجيل وازدهارها مع الحملة العثمانية الأولى عام 1538 ما يجعل عمرها نحو 5 قرون، يرجح مقشر لـ “ريف اليمن” أن الموقع قد يكون أقدم ويعود للعهد الإسلامي المبكر أو ما قبله، وهو ما يتطلب تنقيباً أثرياً لحسمه.

ويرى الباحث الميداني محمد كيال أن القلعة تمثل السجل المادي الأبرز للصراعات في تهامة، وتحديداً مواجهات القبائل مع الوجود العثماني الأول والثاني.

المناخ والإهمال

تتضافر الأسباب البشرية والطبيعية في تسريع وتيرة الاندثار التي تواجهها قلعة بيت الفقيه، ويؤكد الدكتور أحمد يونس، المتخصص في الآثار والتراث المعماري، أن السبب الأساسي للتدهور يكمن في الهجر الفعلي للمبنى وإخلائه من أي نشاط وظيفي أو إداري منذ عقود.

تواجه القلعة مشكلة التعديات البشرية والتوسع العمراني في محيطها المباشر(ريف اليمن)

وأوضح يونس لـ “ريف اليمن” أن المباني التاريخية المصنوعة من الآجر والطين والأخشاب تشترط الاستخدام المستمر للحفاظ على تماسكها الإنشائي؛ إذ إن هجرها يجعلها عرضة للرطوبة وتخلخل الملاط.

وتضاعفت حدة التدهور عقب وفاة حارس القلعة الوحيد وتوقف أعمال الحراسة؛ الأمر الذي فتح المجال أمام أعمال التعدي والسرقة المنظمة، حيث طالت عمليات النهب الأبواب ونوافذ الخشب الزخرفي، بالإضافة إلى اقتلاع السقوف المتساقطة لاستخدام خشب الدمس والمصنع في أغراض أخرى.

كما تواجه القلعة مشكلة التعديات البشرية والتوسع العمراني في محيطها المباشر، ويؤكد البروفيسور مقشر أن السنوات الماضية شهدت عمليات اقتطاع متواصلة لحرم القلعة والأراضي التابعة لها، جراء أعمال البسط والاستيلاء العشوائي وبناء المساكن الخاصة على حساب الفناءات التاريخية، وذلك في ظل غياب إجراءات ضبط قانونية ورادعة تحمي أراضي الأوقاف والآثار.

تقف الجهود الرسمية عند حدود التوثيق والمخاطبات النظرية(ريف اليمن)

ولم تتوقف التعديات عند الحدود الجغرافية، بل شملت تجريد المبنى من أحجاره الكريمة وأخشابه القديمة، بما في ذلك الملحقات والتجهيزات الإدارية التي أضيفت إلى المبنى خلال فترة الخمسينيات من القرن الماضي.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تدهور القلعة، إذ يبيّن عمرو برديني، مدير هيئة الآثار بمديرية بيت الفقيه، أن الأمطار الغزيرة وموجات السيول الناجمة عن المواسم المطيرة المتلاحقة أدت إلى تسرب المياه إلى عمق الجدران الطينية وحقن الأساسات، مما أسفر عن تآكل الكتلة البنائية وانخسار الركام الداعم.

على الرغم من إدراج القلعة ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، فإنها تفتقر ميدانياً للحد الأدنى من الحماية المادية، فلا توجد أبواب خشبية أو حديدية مغلقة لمنع العبث والتخريب.

إنقاذ القلعة يقتضي صياغة خطة استجابة متكاملة ومتزامنة تبتدئ بالتطويق الفوري للموقع عبر تسوير حرم القلعة بالكامل لحمايتها(ريف اليمن)

الاستجابة وحلول الإنقاذ

حتى اللحظة تقف الجهود الرسمية عند حدود التوثيق والمخاطبات النظرية، ويشير عمرو برديني إلى أن مكتب الآثار بالمديرية رفع مذكّرات ودراسات حصر إلى وزارة الثقافة والهيئة العامة للآثار والجهات المختصة لإعداد خطة ترميم متكاملة.

وأوضح أن تداعيات الحرب المستمرة والأزمة الاقتصادية حالت دون تخصيص اعتمادات مالية أو البدء الميداني في تنفيذ أي من تلك المشروعات، وترتب على ذلك اقتصار العمل الميداني للمكتب على محاولات بدائية لحماية الحرم الخارجي وإيقاف استحداثات البناء بالتعاون مع السلطة المحلية، دون إنجاز أي خطوة ذات أثر إنشائي داخل المبنى نفسه.

ويرى الخبراء أن إنقاذ القلعة يقتضي صياغة خطة استجابة متكاملة ومتزامنة تبتدئ بالتطويق الفوري للموقع عبر تسوير حرم القلعة بالكامل لحمايتها من الزحف البشري والتوسع العمراني، تليها خطوة تأمين المبنى بتعيين حراسة أمنية دائمة ومدربة لمنع أعمال النهب والعبث الداخلي والتخريب المتواصل.

طالت عمليات النهب الأبواب ونوافذ الخشب الزخرفي، بالإضافة إلى اقتلاع السقوف المتساقطة(ريف اليمن)

كما تشمل الخطة إطلاق ترميم إسعافي عاجل يركز على التدعيم الإنشائي للجدران والنوبات الآيلة للسقوط وتغطية الأسقف المكشوفة لوقف تسرب المياه، وصولاً إلى مرحلة الإنعاش الوظيفي عبر إعادة استثمار القلعة بوصفها مركزاً ثقافياً وسياحياً يحتضن الفعاليات الفنية والحرف التقليدية لضمان تشغيلها وصيانتها الذاتية المستدامة.

ويحذر مقشر من أن التساهل في تنفيذ خطة الإنقاذ سيؤدي بنتيجته الحتمية إلى الانهيار الكامل لكتلة المبنى لتحول القلعة إلى ركام خالي الملامح، وهو ما يعني اقتطاع جزء رئيسي من الهوية العمرانية والتاريخية لتهامة واليمن عموماً.

وتستمر مخاوف الأهالي؛ إذ يحذر سعيد صالح وهو ينظر إلى بقايا الأسقف المنهارة: “نخشى أن يأتي يوم لا يبقى فيه من القلعة سوى اسمها في المراجع، وتُحرَم الأجيال القادمة من رؤية أحد أهم الشواهد المادية على تاريخ بيت الفقيه”.

سعيد صالح:”نخشى أن يأتي يوم لا يبقى فيه من القلعة سوى اسمها في المراجع(ريف اليمن)