الأحد, 26 يوليو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تراث

‹حصن الشرف في وصاب›.. قاوم الحروب وهزمه الإهمال

📅 يوليو 26, 2026

بقايا أحجار متناثرة تختزن في ذاكرتها بقايا قرون من التاريخ، هي أول ما يستقبل الزائر في رحلة الصعود إلى حصن الشرف في وصاب الأسفل بمحافظة ذمار؛ إذ كانت هذه الدرجات التي شُقت بعناية في خاصرة الجبل، الطريق الوحيد إلى الحصن حين كانت واجهتها الغربية جرفًا صخريًا شاهقًا يستحيل تسلقه.

كلما اقتربت من القمة، تكتشف بقايا الأحجار المرصوصة بعناية التي تقود إلى المدخل الجنوبي أسفل نوبة الحراسة، حيث تقف التحصينات الصخرية شاهدة على تاريخ طويل أنهكه الزمن، وفي الجوار، تزاحم مبنى متهالك وأرض زراعية معالم الحصن، بينما تنتشر آثار حفريات حديثة خلّفها باحثون عن كنوز موهومة.

رغم مكانته، لا تذكر المصادر التاريخية تاريخ بنائه أو هوية مؤسسه، ويوضح الدكتور علي عبدالله الظهرة الوصابي، أستاذ التاريخ بجامعة حجة، أن الحصن استفاد في البداية من طبيعته الجبلية الحصينة، قبل أن يتخذه بنو سلمة الشراحيون مركزًا لحكمهم في عركبة وما جاورها حتى الربع الأول من القرن الثالث الهجري.


مواضيع مقترحة

ظفار.. إرث حميري عالق بين عظمة الماضي وإهمال الحاضر
‹آثار اليمن›.. ذاكرة حية للحضارة الإنسانية
جوامع لحج الأثرية: تصدعات وسطو وإهمال متعاقب


ويضيف لـ”ريف اليمن”، أن علي بن مهدي الحميري، مؤسس الدولة المهدية بتهامة، بعد سيطرته على الحصن عام 546هـ، أعاد تأهيله وتعزيز تحصيناته العسكرية والمعمارية، ليصبح قاعدة لانطلاق نفوذه في مناطق واسعة من اليمن.

أما المؤرخ وجيه الدين عبدالرحمن بن محمد الحبيشي الوصابي، فأشار في كتابه الاعتبار في التواريخ والآثار إلى أنه من “الحصون الحصينة الحسنة، وفيه أثر عمارات جيدة”، في وصف يعكس مكانته الدفاعية والعمرانية خلال تلك الحقبة.

يرتفع حصن الشرف على قمة جبل يزيد ارتفاعها على 1600 متر فوق سطح البحر، في موقع يتيح رؤية بانورامية تمتد إلى وصاب الأعلى، وسهل تهامة، ومدينة زبيد التاريخية، وصولًا إلى أجزاء من ريمة وجبال إب، وهو ما أكسبه أهمية استراتيجية جعلته واحدًا من أبرز الحصون التاريخية في المنطقة.

وتكمن أهميته، كما يرى الدكتور الظهرة، في احتضانه أحداثًا تاريخية كانت لها آثار مهمة في أوقاتها؛ فقد اتخذه بنو سلمة الشراحيون حصنًا لحماية سلطتهم، كما اتخذه علي بن مهدي وأولاده موقعًا مهمًا أثناء انطلاق حركتهم، كما اتخذه غيرهم موقعًا حصينًا لحماية نفوذهم، كالأيوبيين والرسوليين، وكذلك بعض القوى والشخصيات الوصابية المتصارعة.

 

ويشير الدكتور الظهرة إلى أن الحصن كان يتحكم في أحد أهم الممرات المؤدية إلى مدينة زبيد، ما جعله نقطة مراقبة ودفاع بالغة الأهمية، إذ وفر لقاطنيه القدرة على رصد التحركات القادمة من مسافات بعيدة، وهو ما أسهم في تعزيز مكانته العسكرية خلال فترات الصراع.

ويشير الباحث عبدالرقيب مرزاح إلى الأهمية الاقتصادية للحصن؛ إذ كان خزانة إستراتيجية للمحاصيل النقدية والمعيشية، وفي مقدمتها البن، فوثائق الدولة الرسولية في تعز تؤكد أن غلال وصاب لم تكن تبلغ العاصمة إلا بعد أن تمر ببوابته، في إشارة واضحة إلى مركزيته الاقتصادية قبل السياسية.

وتنعكس هذه الأهمية في تصميمه الهندسي، إذ استغل البناؤون الطبيعة الصخرية الوعرة للجبل، وأضافوا إليها منظومة دفاعية متكاملة شملت أسوارًا، وأبراج مراقبة، ومداخل ضيقة، وممرات يصعب اختراقها، لتتحول القمة إلى حصن طبيعي شديد التحصين.

ولا يقتصر إرث الحصن على الجانب العسكري، بل يمتد إلى قيمته العمرانية والحضارية، إذ تكشف بقايا المنشآت والخزانات الحجرية وآثار المباني عن مستوى متقدم من فنون البناء وإدارة المياه، بما يعكس ازدهارًا عرفته المنطقة في فترات تاريخية مختلفة.

بين التاريخ والعبث

ورغم هذه القيمة التاريخية، تبدو ملامح الحصن اليوم مختلفة تمامًا عما وصفته كتب التاريخ، ففي أثناء التجول بين أطلاله، تبرز حفريات عشوائية في أكثر من موقع، خلفها باحثون عن كنوز مزعومة، فيما اقتُلعت أحجار من أجزاء مختلفة من المباني والأسوار، واستخدم بعضها في إنشاءات حديثة، الأمر الذي ألحق أضرارًا مباشرة بالموقع الأثري.

ولم تتوقف الاعتداءات عند أعمال النبش، بل امتدت إلى استحداث مبانٍ ومدرجات زراعية داخل نطاق الحصن، غيّرت جزءًا من معالمه، وطمست أجزاء من الطريق التاريخي المؤدي إليه، في مشهد يعكس حجم التحديات التي تواجه أحد أبرز الحصون التاريخية في وصاب.

ويؤكد عدد من سكان المنطقة أن هذه الحفريات نُفذت خلال السنوات الماضية من قبل أشخاص سعوا إلى البحث عن كنوز مدفونة، مدفوعين بروايات شعبية تتحدث عن وجود ذهب وآثار ثمينة داخل الحصن.

غير أن هذه المحاولات، بحسب مختصين في الآثار، لم تُسفر عن أي اكتشافات، بينما تسببت في إلحاق أضرار مباشرة بالموقع، وإتلاف أجزاء من طبقاته الأثرية التي تمثل مصدرًا مهمًا للمعلومات التاريخية.

ويؤكد باحثون أن أخطر ما تخلّفه هذه الحفريات لا يتمثل في تشويه المشهد العام فحسب، بل في فقدان الأدلة الأثرية التي يعتمد عليها المختصون لفهم تاريخ الموقع وتسلسل مراحله العمرانية، وهي خسارة لا يمكن تعويضها حتى لو توقفت أعمال العبث مستقبلاً.

لم تقتصر الاعتداءات على الحفر العشوائي، بل امتدت إلى اقتلاع أحجار من أجزاء مختلفة من الحصن، لاستخدامها في أعمال بناء حديثة؛ الأمر الذي أدى إلى فقدان عدد من معالمه الأصلية، وتشويه ملامحه المعمارية، بحسب الناشط محمد العياشي.

ويشير الناشط العياشي لـ”ريف اليمن”، إلى أن هذه الممارسات استمرت على فترات متقطعة لسنوات، في ظل غياب إجراءات رادعة تحد من التعديات أو توفر حماية فعلية للموقع، لافتا إلى أن أشخاصا من خارج المنطقة يستغلون أوقات انشغال الأهالي ويأتون للحصن ويقومون بأعمال العبث.

ويرى مختصون أن فقدان أي جزء من الأحجار الأصلية لا يعني خسارة عنصر إنشائي فحسب، بل يؤدي إلى ضياع جزء من الهوية المعمارية للحصن، إذ تمثل طريقة البناء ونوعية الأحجار وترتيبها سجلًا تاريخيًا يساعد الباحثين على قراءة المراحل التي مر بها الموقع عبر القرون.

ورغم إدراج حصن الشرف ضمن المواقع الأثرية، فإن حمايته على أرض الواقع ما تزال محدودة، في ظل نقص الإمكانات المادية والبشرية التي تعانيها الجهات المختصة.

ويقول مدير عام الهيئة العامة للآثار والمتاحف بمحافظة ذمار الدكتور محمد العميسي، إن حصن الشرف، وبقية الحصون التاريخية، جزء من حضارتنا وهويتنا، والحفاظ عليها واجب وطني مقدس، وعلينا ألا نكون عونًا لمن يعمل على طمس حضارتنا وهويتنا.

وقال العميسي لـ”ريف اليمن”، إن الهيئة تتابع أوضاع المواقع الأثرية في المحافظة، إلا أن ضعف الإمكانات واتساع رقعة المواقع التاريخية يصعّبان توفير الحماية اللازمة لها بصورة مستمرة، لافتا إلى أن ذمار تزخر بمواقع أثرية تعكس تاريخًا حضاريًا عريقًا، مستفيدة من موقعها الجغرافي.

غير أن حماية هذه المواقع، بحسب العميسي، تواجه تحديات كبيرة في ظل الأوضاع التي تمر بها البلاد، وفي مقدمتها شح الإمكانات المالية، موضحًا أن الميزانية التشغيلية الشهرية لمكتب الهيئة لا تتجاوز ستة آلاف ريال، فضلًا عن أن مبنى المكتب دُمّر خلال الحرب، ولا يزال يعمل حتى اليوم دون مقر دائم.

وأوضح أن الهيئة تعتمد على التعاون مع المجتمع المحلي في الإبلاغ عن أي أعمال حفر أو اعتداءات تستهدف المواقع الأثرية، إلى جانب تنفيذ حملات توعية بأهمية الحفاظ على الموروث التاريخي، مؤكدا أن حماية المواقع الأثرية مسؤولية مشتركة، تتطلب تكامل جهود الجهات الرسمية والمجتمع المحلي.

 

وخلال السنوات الأخيرة، تعرضت مواقع أثرية عديدة في وصاب ومناطق يمنية أخرى لأعمال نبش وتخريب، مدفوعة بأوهام العثور على الكنوز، أبرزها حصن الشرف، في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وضعف الوعي المجتمعي.

ويرى الدكتور علي الظهرة، أن ما تعرض له الحصن ليس استثناءً، فأغلب المواقع التاريخية والأثرية في اليمن واجهت المصير نفسه، نتيجة تراكم سنوات من الإهمال الرسمي، وضعف الوعي المجتمعي بأهمية هذه المواقع.

ويشير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تنامي اهتمام عدد من المثقفين والشباب بتوثيق التراث المحلي والدفاع عنه، غير أن هذه المبادرات لا تزال محدودة الإمكانيات، ولا تستطيع تعويض غياب المشاريع المؤسسية المعنية بالحماية والترميم.

ومثله يؤكد العميسي أن الفقر، إلى جانب انتشار معتقدات الكنوز والذهب، يدفع بعض الأشخاص إلى الانسياق خلف من يروجون لوجود كنوز مدفونة، لتتحول المواقع الأثرية إلى ضحية جديدة للبحث عن ثروات لا وجود لها.

وفي السياق نفسه، يشير الصحفي عبدالكريم النهاري إلى نشاط شبكات تروج لأجهزة يُزعم أنها قادرة على كشف الذهب والآثار، الأمر الذي أسهم في اتساع أعمال النبش والعبث بالمواقع التاريخية، محذرا من أن هذه الممارسات لا تستهدف سرقة القطع الأثرية فحسب، بل تؤدي أيضًا إلى طمس الشواهد الحضارية.

بعد قرون من الصمود فوق قمم وصاب، لم يعد حصن الشرف يواجه جيوشًا أو حصارات كما كان في الماضي، بل يواجه خطرًا من نوع آخر؛ يتمثل في الإهمال، والنبش العشوائي، واقتلاع الأحجار، وغياب الحماية الكافية، في انتظار جهود حقيقية توقف نزيف هذا الإرث الحضاري.