الخميس, مارس 26, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

البيوت الطينية.. هوية ريفية مهددة بالغياب

في الريف اليمني، لا تبدو البيوت الطينية مجرد مساكن، بل ذاكرة حيّة تحكي قصة الإنسان والأرض، وتختزن ملامح علاقة عميقة صاغتها الطبيعة ورسّختها الحاجة عبر قرون طويلة، ففيها يمتزج الطين بالقش والحجر، لتتشكل عمارة تقليدية لا تعبّر عن شكل البناء فحسب، بل عن هوية مجتمع كامل.

يقف “علي الصنعاني” في أحد أرياف صنعاء، أمام منزله الطيني الذي ورثه عن عائلته، متأملا تفاصيله القديمة التي لم تطلها يد التحديث، ويقول: “هذا المنزل لا يزال محافظا على شكله القديم دون أية ترميمات حديثة، وهذا يشعرني بالفخر”.

ويضيف: “غم قدرتي على مواكبة التغييرات التي طرأت مؤخرا على شكل البيوت الجديدة إلا أنني متمسك بالمنزل القديم فالجدران الطينية لا تمثل مجرد بناء، بل امتدادا لجذور وذاكرة الأسرة، في وقت تغيرت فيه ملامح كثير من القرى بعد أن اجتاحها نمط البناء الحديث”، لافتا إلى أن أغلب المنازل القديمة طالتها الترميمات بالطرق الحديثة.


مواضيع مقترحة


في ريف تعز، تتكرر الحكاية، ويقول “أنور خالد”: “أسكن في بيت قديم مبني من الحجارة والطين (اللبن) ونحن نشعر بالهوة الكبيرة بين البناء التقليدي والبناء الحديث حيث دأب الكثير مؤخرا على استبدال النمط المعماري التقليدي والمتعارف عليه إلى الأنماط الهندسية الحديثة التي يدخل فيها الإسمنت والحديد بشكل أساسي”.

ويلفت خالد إلى أن هذا التحول أوجد خللا في الصورة المعهودة عن الريف، ولم يغير شكل البناء فقط، بل غير هوية المكان، حتى باتت بعض القرى أقرب إلى المدن، وفقدت جزءا من روحها الريفية الأصيلة.

من جانبه، يعبّر المصور الفوتوغرافي جمال عن أسفه لما يشهده خلال زياراته الميدانية للريف، حيث اختفت ملامح العمارة التقليدية في كثير من المناطق، وحلّت محلها مبانٍ حديثة تفتقر إلى الجمالية التي كانت تميز الريف اليمني، ويؤكد أن هذا التحول لا يعني مجرد تغيير بصري، بل فقدان جزء من التراث الثقافي الذي تشكّل عبر الأجيال.

وتكمن خصوصية العمارة الطينية في اليمن في ارتباطها الوثيق بالبيئة المحلية؛ إذ تُبنى باستخدام مواد طبيعية مثل الطين والقش والحجر والأخشاب، وهي عناصر متوفرة في البيئة الزراعية؛ ما يجعلها أكثر قدرة على التكيّف مع المناخ.

يواجه هذا النمط المعماري تحديات متزايدة تهدد استمراره

وفي هذا السياق، يوضح “أحمد جسار”، نائب مدير عام هيئة الآثار في تعز، أن من أبرز مزايا البناء الطيني الاستدامة وقدرته على العزل الحراري والتكيف مع درجات الحرارة، خصوصا في المناطق الحارة، ما يجعله نموذجًا مستدامًا للبناء التقليدي.

ورغم هذه المزايا، يواجه هذا النمط المعماري تحديات متزايدة تهدد استمراره، فبحسب جسار، أدى انتشار مواد البناء الحديثة – مثل الإسمنت – إلى تراجع الإقبال على البناء بالطين، نظرا لسهولة استخدامه وسرعة إنجازه مقارنة بالبناء التقليدي الذي يتطلب وقتًا وجهدًا أكبر.

كما أن تراجع أعداد الحرفيين المَهَرة، الذين توارثوا تقنيات البناء الطيني عبر الأجيال، يشكل عائقا إضافيا أمام استمراره، إلى جانب ضعف الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على هذا الإرث، مما يشكل عائق وسببا في اختفائها.

ويشير إلى أن الجهود المبذولة للحفاظ على هذا التراث لا تزال محدودة، وإن كانت هناك مبادرات محلية مثل مؤسسة دوعن للبناء الطيني، التي تعمل على إحياء هذه الحرفة من خلال تدريب الشباب وتوفير مواد البناء التقليدية، إضافة إلى ارتباطها ببرامج تهتم بها اليونسكو.

ويتميز البيت الطيني التقليدي بتصميمه المتعدد الاستخدامات، إذ يتكون غالبا من عدة طوابق؛ يخصص الطابق الأرضي لتربية المواشي، بينما تستخدم الطوابق العليا للسكن والمعيشة، وتضم غرف النوم والمجالس، وقد يضاف إليها في بعض المناطق طابق علوي أصغر يعرف بـ”المفرج”، وتختلف طرق البناء من منطقة إلى أخرى، حيث يدمج الحجر مع الطين في بعض المناطق، بينما يعتمد الطين بشكل كامل في مناطق أخرى.


هيئة الآثار بتعز: من أبرز مزايا البناء الطيني الاستدامة وقدرته على العزل الحراري والتكيف مع درجات الحرارة


وعن متانة هذه البيوت، يؤكد علي أن البناء الحديث قد يبدو أكثر صلابة، لكنه لا يعني أن البناء التقليدي أقل كفاءة، مشيرًا إلى أن كثيرا من المنازل الطينية أكثر أمانا وتحصينا وتكيفا مع البيئة وصمدت لأكثر من مئتي عام، وهو ما يعكس خبرة هندسية متوارثة استطاع الأجداد تطويرها بما يتناسب مع طبيعة البيئة.

ويرى أن بالإمكان اليوم الجمع بين الطابع التقليدي وتقنيات البناء الحديثة، بما يحافظ على الهوية المعمارية ويضمن في الوقت ذاته السلامة والمتانة، وفق خبرات هندسية متمكنة تستطيع أن تضع أبنية متينة وراسخة، ووفق معايير صارمة، ومحافظة بالوقت ذاته على الهوية المعمارية والبصرية للطراز الريفي التراثي.

ورغم أن البيوت الطينية كانت تمثل في الماضي النمط الغالب في الريف اليمني، فإن الإهمال وتغير أنماط البناء – بحسب جمال – أدّيا إلى تراجعها بشكل ملحوظ، حيث تهدمت بعض هذه البيوت، بينما استُبدل الكثير منها بمبانٍ حديثة، الأمر الذي يثير مخاوف من اندثار هذا الفن المعماري العريق.

العديد من المباني الطينية بات مهددا بالتدهور نتيجة الإهمال

في هذا السياق، يدعو الصحفي والمهتم بالتاريخ “حافظ عبدالعزيز” الجهات المعنية إلى إيلاء هذا التراث اهتماما أكبر، من خلال وضع خطط لحمايته والحفاظ عليه، مشددا على أهمية إشراك المجتمع في صون هذا الإرث، باعتباره جزءا من الهوية الثقافية لليمن.

ويقترح عبد العزيز أن تشكل الدولة لجاناً لدراسة وحفظ هذا الفن المعماري اليمني الذي يقترب من الاندثار، كما يحث المواطنين على المساهمة في إبراز هذا الفن العريق وصيانته من الإهمال.

وتشير تقديرات إلى أن تاريخ البناء الطيني في اليمن يعود إلى قرون طويلة، إلا أن العديد من هذه المباني بات مهددا بالتدهور نتيجة الإهمال، ما يستدعي تحركا جادا للحفاظ عليها قبل أن تختفي من المشهد.

شارك الموضوع عبر: