قرر معاذ الشيباني (46 عاما) التنزه مع أسرته في منطقة سنحان القريبة من العاصمة صنعاء، والتي يعرفها من قبل أنها منطقة زراعية، فيها الكثير من أشجار الفاكهة، ومزارع الخضار، وغيرها، لكن ما إن وصل إليها حتى تفاجأ بالتغيرات التي شهدتها المنطقة.
يقول الشيباني لـ”ريف اليمن”، سافرت مسافات طويلة وابتعدت كثيرا عن صنعاء المدينة وتفاجأت بأن سنحان التي اعرفها قد تغيرت بصورة موحشة ولم تعد تلك المنطقة الريفية المليئة بالمزارع والأشجار والماشية”.
ويضيف:” قرى كثيرة مررت بها في طريقي مثل بيت الجاكي وضبوة وبيت الحضرمي وريمة حميد وبيت الشاطبي وسيان وكلها أصبحت مليئة بالمباني الحديثة والهناجر الكبيرة وأراضي مقطعة ومسورة بالطوب قد أصبحت عقارات” مضيفا ” لافتا أن سنحان تعرضت لموجة حادة من الزحف العمراني منذ أخر مرة زرتها فيها قبل حوالي عشر سنوات”
مواضيع مقترحة
قاع القيضي.. ضواحي صنعاء المهددة بالزحف العمراني
مخاطر تهدد مزارع العنب: تغير المناخ والزحف العمراني
مشرعة وحدنان.. حين يغادر الريف ملامحه القديمة
تعرف منظمة الأغذية والزراعة العالمية (فاو) الزحف العمراني بالامتداد غير المنظم للنشاط البشري، والعمراني، على حساب الأراضي الزراعية، أو الأراضي المفتوحة ذات القيمة البيئية، ويحدث غالبا نتيجة للنمو السكاني، والتحولات الاقتصادية وسوء التخطيط الحضري.
عوامل الانتعاش
وتعد مديرية سنحان بمحافظة صنعاء الخيار الأمثل لتجار العقارات، والأشخاص القادمين من محافظات أخرى، والمغتربين خارج البلاد في شراء الأراضي للبناء فيها لعدة أسباب، أبرزها القرب الشديد من العاصمة صنعاء، بحسب السمسار في بيع العقارات أحمد الجمالي.
ويقول أحمد الجمالي لـ”ريف اليمن” إن الحرب ونزوح عدد كبير من سكان بعض المحافظات اليمنية إلى صنعاء تسبب في انتعاش سوق العقار في صنعاء والمناطق المجاورة لها وارتفع أسعار الأراضي في هذه المناطق كسنحان وبني مطر وبني حشيش”.
وبحسب الجمالي فإن سنحان تعد الخيار الأفضل لشراء العقار كونها قريبة جدا من العاصمة صنعاء ويمر من خلالها خط تعز الرابط بين صنعاء وعدد المحافظات اليمنية ونزول المخططات لهذه المناطق من قبل الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني ومكاتب الأشغال.

وأكد الجمالي قائلا”: لا يأبه أحد لكون الأرض زراعية” وعلى العكس من ذلك، فالأراضي الزراعية أفضل عند الشراء كونها تكون خالية من المشاكل وتكون معاملة تعميدها في السجل العقاري سهلة وكذلك أن الأرض جاهزة للبناء فيها بشكل مباشر ولا تحتاج إلى حفريات أو تكاليف تسوية للأرض كما هو الحال في الأراضي المباعة في المراهق”.
في خطة التنمية المستدامة في الجمهورية اليمنية للعام 2030م، قالت وزارة التخطيط والتعاون الدولي إن المدن بدأت تتوسع على حساب الأراضي الخصبة لا سيما في السهول والوديان القريبة من الطرق الرئيسية.
هذا الزحف لم يكن مجرد توسع عمراني طبيعي بل ارتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وقانونية جعلت من الأراضي الزراعية هدفا مغريا للبناء بسبب قربها من المدن وانخفاض كلفة استصلاحها مقارنة بالمناطق الجبلية الصخرية”
كارثة خفية
يرى مزارعون أن مسؤولية الزحف العمراني وانحسار الأراضي الزراعية في مديرية سنحان مسؤولية الجهات الحكومية الرسمية، بدرجة أساسية، يقول المزارع عبدالله وهاس (60 سنة) إن نزول المخططات من قبل الأشغال وهيئة الأراضي والمساحة والتخطيط العمراني هي السبب الأول والرئيسي لارتفاع أسعار الأراضي في أي منطقة لأن نزول المخطط يدفع الناس للشراء في المنطقة.
الجمالي: الحرب ونزوح عدد كبير من سكان بعض المحافظات اليمنية إلى صنعاء تسبب في انتعاش سوق العقار في صنعاء والمناطق المجاورة
وأضاف وهاس “بدأ البناء في المنطقة يتسبب في تقطيع مجاري السيول وطمس المعالم الزراعية وإزالة حواجز الجرب الترابية أو المبينة وترك كميات كبيرة من مخلفات البناء والسكن مما يضطر بقية المزارعين للبيع لأنهم أصبحوا لا يستفيدوا من مزارعهم ولا يستفيدوا من مياه الأمطار”.
وبحسب وهاس كان دخل الزراعة جيد بالنسبة لهم رغم أنه قليل ويحتاج تعب وعمل لكن الأهم أن الأرض لا تزال في ملكهم وكل شخص يحصل بقدر اجتهاده في الأرض، ويضيف:” معظم شباب اليوم نسوا الزراعة وقوانينها ومعالمها بالكامل وانشغلوا بالبيع والشراء في الأراضي العقارات وهذه كارثة وقعنا فيها ولا ندري”.
في التقرير الوطني البيئي السنوي 2018م قالت الهيئة العامة لحماية البيئة إن ظاهرة الزحف العمراني تفاقمت بشكل كبير نتيجة النمو السكاني المتسارع وازدياد الطلب على الأراضي السكنية والتجارية كما أسهمت مشاريع شق الطرق الحديثة بين المحافظات في تسهيل حركة البناء والتوسع على جانبي الطرق الزراعية.
وبحسب المهندس بمكتب الأشغال العامة والطرق م/صنعاء، عبدالغني اليدومي، فإن المكتب يمنح تراخيص البناء للمواطنين بناء على المخطط الرسمي للمنطقة الذي تم إنزاله من الهيئة العامة للأراضي، بعد التأكد من أوراق الملكية للأرض، ودفع الضرائب، واسقاطها وتحديدها على أرض الواقع.

وأضاف اليدومي لـ”ريف اليمن” أن مكتب الأشغال حدد بعض الأودية في مديرية سنحان كمناطق زراعية، ويمنع منح تراخيص البناء فيها، إلا لأهالي المنطقة نفسها ووفق معايير محددة، وهي شعسان، وادي غيمان، سحار، ووادي هرجاب، وأن المكتب يسمح بالبيع والشراء في هذه المناطق المحددة في حالة شراء الأراضي الزراعية لغرض الاستثمار في القطاع الزراعي فقط”.
قصور قانوني
تنص المادة رقم (35) من الدستور اليمني أن “حماية البيئة مسؤولية الدولة والمجتمع وواجب وطني على كل مواطن”، فيما نصت المادة رقم (8/ب) من القانون رقم 26 لسنة 1995م بشأن حماية البيئة على “تحدد مخططات استخدام الأراضي المناطق المخصصة للبناء والمناطق الزراعية والمناطق الصناعية وكذلك المناطق المحمية”.
ونصت المادة رقم (10) من القانون ذاته على “ألا يجوز التوسع العمراني أو التطوير الحضري للمدن أو القرى على حساب الأراضي الزراعية إلا وفقا للقوانين والقرارات النافذة. ب/ يحضر إنشاء أو إقامة أي نشاط صناعي أو تجاري على الأراضي الزراعية أو في منطقة الأحواض المائية”
وبينما ركز القانون رقم 19 لسنة 2002م بشأن البناء، على تراخيص البناء وشروط إجراءات فنية وموضوعية لمنح رخصة البناء، فقد تجاهل حماية الأراضي الزراعية من الزحف العمراني عليها،
وبالمقارنة بين النصوص القانونية في هذا الشأن وما هو معمول به على أرض الواقع نجد أن التشريعات القانونية المتعلقة بحماية التخطيط والبناء اليمني تعاني من القصور التشريعي ومغيبة عن تنفيذ الحماية القانونية اللازمة للأراضي الزراعية في الواقع.





