في القرى الريفية اليمنية لا تكون أعباء العرس على أهل بيته فقط، بل تتحول القرية بأكملها إلى شريك في التجهيز والإعداد، ومع بزوغ الفجر تبدأ رائحة الخبز تتصاعد، إذ تنشغل النساء بإعداد الخبز والمخبوزات الشعبية أشهرها “بنت الصحن” المميزة، قبل أن يحملنها إلى بيت العريس في عادة اجتماعية متوارثة تُعرف في باسم التطبين.
وتعد هذه العادة إحدى أبرز صور التكافل الاجتماعي في الريف، إذ تتقاسم الأسر عبء إعداد الطعام، فتخبز كل أسرة ما تستطيع، وترسله إلى بيت العريس ليكون جزءا من مائدة الغداء التي تقدم للضيوف، في مشهد يعكس روح التعاون التي تميز المجتمع الريفي.
تروي صفية صالح أن الاستعداد لـ”التطبين” يبدأ في مساء اليوم السابق للعرس، عندما يخرج عدد من الأطفال والفتيات من بيت العريس حاملين أوعية تحتوي على قليل من الطحين والسمن.
مواضيع مقترحة
- كَرَم الأرياف.. حفاوة أصيلة وبيوت لا تُغلق
- مهمشو الأرياف: تعايش مجتمعي رغم التحديات
- زيارة المرضى.. عادة اجتماعية غيبتها التكنولوجيا
وتوضح لـ”ريف اليمن”، أن حمل الطحين ليس بغرض توزيعه، بل يعد جزءًا من الطقس الاجتماعي المرتبط بهذه العادة، إذ يعود الأطفال بالأوعية كما خرجوا بها، بينما يدرك أهل البيت بمجرد رؤية الطفل يحمل الطحين، أنه جاء حاملا دعوة للمشاركة في إعداد خبز العرس.
تكافل بطعم الفرح
بينما في قرى أخرى يختلف الأمر، فالطحين لا يعود إلا مخبوزا، إذ يقوم والد العريس بشراء أكياسا من الدقيق وكميات من السمن، وتتولى نساء البيت تقسميه على الأطفال الذي يقومون بتوزيعه على منازل القرية. عقب الانتهاء من الخَبز، تتوجه النساء إلى بيت العريس حاملات ما أعددنه، حيث يُجمع الخبز ليكون جزءًا من الوجبة التي تُقدَّم للضيوف القادمين من القرية والقرى المجاورة.
ولا يقتصر دور النساء على إعداد الخبز فقط، بل يمتد إلى المساعدة في إعداد الطعام، وتنظيم المطبخ، وغسل أواني الطهي، إذ تمضي كثير منهن ساعات طويلة في بيت العريس حتى الانتهاء من تجهيز الوليمة وتنظيف المكان.

وترى صفية، أن الأعراس في القرى اليمنية تقوم في جزء كبير منها على التعاون بين الأهالي، فإلى جانب المشاركة في إعداد الطعام يسهم أبناء القرية في تخفيف التكاليف عن أهل العريس، من خلال تقديم ما يعرف محليًا بـ”المُجابرة” أو “الرِّفد”، وهي مبالغ مالية يقدمها الضيوف للعريس عند السلام عليه.
معتبرةً أن هذه العادة تمثل نوعًا من “جبر الخاطر”، حيث يشعر العريس بأن المجتمع من حوله يشاركه فرحته ويسانده في تحمل أعباء الزواج، وبالطبع هي تخفف عنهم جزء كبيرا من الخسارة.
أسماء مختلفة لعادة واحدة
هذه العادة ليست حكرا على محافظة فقط، بل تنشتر في عدد من المحافظات، لكن هناك اختلاف في التسمية وبعض التفاصيل بين محافظة وأخرى، ففي مناطق من محافظة صنعاء تُعرف بـ اسم “الدوّارة”، وفي محافظة المحويت تُعرف بـ اسم “المعاهدة”، بينما تُعرف في محافظة ريمة بـ”المعاونة”.
ورغم اختلاف المسميات، فإن جوهر العادة يبقى واحدا، ويتمثل في مشاركة المجتمع في الاستعداد للعرس والمساهمة في توفير الطعام للضيوف، في تجسيد لطبيعة العلاقات الاجتماعية التي تقوم على التعاون والتكافل بين أبناء الريف اليمني في الأفراح كما في الشدائد.
ترى المختصة في مجال الحماية المجتمعية، الدكتورة ألطاف الأهدل، أن عادة “التطبين” تمثل نموذجا راسخا لقيم التكافل التي عرفها المجتمع اليمني عبر تاريخه.
وتقول لـ”ريف اليمن”: “إن مشاركة بيوت القرية في إعداد طعام العرس تسهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية بين السكان، كما تساعد على تخفيف الأعباء التي تتحملها الأسر عند تنظيم الأعراس وتعزز الشعور بالمساندة والانتماء داخل المجتمع.”
تعزيز الشعور بالمساندة
وتضيف أن هذه العادة لا تقتصر على تقديم المساعدة المادية، بل تعزز أيضًا شعور الأفراد بالمساندة والانتماء، وتخلق حالة من التوازن الاجتماعي، إذ يشعر كل فرد بأن مجتمعه يقف إلى جانبه في مناسبات الفرح كما في أوقات الحاجة.
الاهدل: هذه العادة تسهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية بين السكان وتساعد على تخفيف الأعباء التي تتحملها الأسر عند تنظيم الأعراس وتعزز الشعور بالمساندة والانتماء داخل المجتمع
ومع التحولات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من ظروف اقتصادية صعبة وانتقال كثير من السكان إلى المدن، شهدت عادة “التطبين” خلال تراجعًا في بعض المناطق، وبدأت بعض القرى تشهد تغيرًا في طريقة إقامة الأعراس.
ففي بعض الحالات أصبحت الأعراس تُقام داخل نطاق العائلة فقط، دون دعوات واسعة، ما قلل من الحاجة إلى تنظيم ” التطبين” بالشكل الذي كان معروفًا في السابق.
تراجع وانحسار
ويؤكد أنور لطف أن هذه العادة لاتزال حاضرة في الكثير من القرى اليمنية، وهي تجسد روح التعاون والتكافل، لافتا أنها شهدت تراجعا مؤخرا بسبب تغير طقوس الأعراس بشكل كامل.
ويوضح لـ” ريف اليمن” أن عادة الأعراس تغيرت كثيرا نتيجة الأوضاع الاقتصادية التي تشهدها البلاد ولم تعد كما كانت سابقا تذبح فيها الأثوار ويحضرها المئات، وتستنفر فيها القرية، بل أصبحت مقتصرة على أهل البيت وجيرانه ومن حضر من مكان بعيد”
أما في المدن، فقد تغيّرت أنماط الحياة بشكل أكبر، حيث أصبحت الأعراس تُنظم غالبا في صالات الأفراح وتعتمد على خدمات الطهي الجاهزة، وهو ما أدى إلى تراجع بعض العادات الريفية المرتبطة بالزواج.
ورغم هذه المتغيرات، تبقى عادة “التطبين” واحدة من أعمق صور التكافل الاجتماعي التي حافظت على حضورها في الذاكرة الريفية عبر الأجيال، بوصفها أكثر من مجرد عادة مرتبطة بالأعراس؛ بل تعبير عن مجتمع يتقاسم أفراده أعباء الفرح وقساوة الشدة.





