في القرى الريفية اليمنية، لا تحتاج إلى دعوة لتشعر بأنك في بيتك؛ فبمجرد أن تطأ قدماك أرضها – صباحًا كان أو مساء – يظهر أمامك جليا كَرَم الأرياف، إذ يستقبلك الأهالي بحفاوة كبيرة تُشعرك وكأنك أحد أفراد العائلة، وليس عابر سبيل.
يتميز أهالي القرى بتعاملهم الودود مع عابري السبيل من خلال كرم ضيافة متجذر في العادات والتقاليد، إذ يجد الزائر أو الغريب استقبالا حارًا وترحابًا يعكس قيم المجتمع الريفي، حيث يبادر الأهالي إلى تقديم الطعام والشراب وتأمين مكان مناسب للمبيت.
لا يقتصر مشهد الضيافة على تقديم الطعام فحسب، بل هو طقس اجتماعي أصيل، تتوارثه الأجيال وتتناقل تفاصيله المجالس، في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتراجع فيه بعض القيم، تبقى قرى اليمن حارسة لواحدة من أرقى صور الكرم الإنسان الريفي.
مواضيع مقترحة
- سُقيا العابرين.. عادة اجتماعية تروي العاطشين
- ديوان شيخ القرية.. سلطة اجتماعية تملأ غياب الدولة
- حقين الأبقار في الريف.. تكافل اجتماعي وغذاء مجاني
في حادث سير وقع في “نقيل هيجة العبد” الرابط بين لحج وتعز، سطر أهالي القرية المجاورة أروع أمثلة الكرم والإنسانية في مشهد يختزل القيم الأصيلة للمجتمع اليمني؛ إذ روى “محمد فؤاد” تفاصيل حادث سير تعرض له زملاؤه أثناء مرورهم في النقيل، وهو أحد الطرق الجبلية الوعرة جنوبي البلاد.
كرم وإنسانية
يقول فؤاد لـ”منصة ريف اليمن”، إن الحادث الذي وقع قبل ثلاثة أشهر من الآن أدى إلى إصابات متفاوتة؛ مما استدعى نقلهم إلى المستشفى لتلقي العلاج.
ويضيف: “بعد تماثلهم للشفاء، عادوا إلى موقع الحادث للسؤال عن مقتنياتهم الشخصية التي كانت على متن الباص، ليتفاجأوا بأن أهالي القرية القريبة قد قاموا بجمع كل شيء كان في المركبة؛ من أمتعة وأغراض شخصية، وحتى مواد غذائية ونقود”.
لم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصرّ الأهالي على عدم مغادرة فؤاد وزملائه إلا بعد تناول وجبة العشاء، رغم بعدهم عن المدينة وصعوبة إيصال المؤن إليهم، ولكنهم قدموا وجبة العشاء بكل ترحاب، رافضين أي اعتذار من الضيوف في صورة تعكس عمق كرم الضيافة المتجذر في الريف اليمني.
وبحسب فؤاد فإن الأهالي جمعوا كل شيء، لم يفقد منا أحد شيئًا، وكرمهم فاق الوصف لقد أعادوا لنا الثقة في قيم التكافل والتراحم.
لا يقتصر مشهد الضيافة على تقديم الطعام فحسب، بل هو طقس اجتماعي أصيل، تتوارثه الأجيال.
من جهته يقول التربوي “محمد قاسم 60 عاما” إن “الشعب اليمني معروف بكرمه وسخائه، ويتميّز أهله بحبهم للبذل والعطاء، ولا سيما في إكرام الضيف، فالكرم ليس سلوكًا طارئًا في المجتمع اليمني، بل هو سجيّة متجذرة في العادات والتقاليد، خاصة في الريف اليمني، حيث لا تزال هذه القيم حاضرة بقوة في حياة الناس اليومية”.
وأضاف قاسم في حديث لـ” منصة ريف اليمن”: “إذا زرت إحدى قرى الريف اليمني، أو مررت بها فستشاهد ذلك بعينك، ستجد الناس يتسابقون لاستضافتك وإكرامك، وكل منهم يتمنى أن تكون ضيفة”.
قيم راسخة
ويؤكد أكد “أسامة صادق 33 عاما”، أن سكان القرى يتميزون بكرم الضيافة وحسن استقبال الغريب وعابر السبيل، مشيرا إلى أن ضيافة الغريب تعد من القيم الراسخة التي يوليها أهل القرى اهتماما بالغا، وتعلو عندهم على أي أمر آخر.
ويقول صادق لـ”منصة ريف اليمن”، إن هذه الصفة الأصيلة ملازمة لأهالي القرى، حيث يظهر كرمهم في استقبال الضيف، وتقديم المأكل والمشرب له، وتوفير السكن، بل وحمايته إذا تطلب الأمر، مضيفًا: الغريب يُستقبل وكأنه أحد أبناء القرية أو ضيف على الجميع، فتراهم يتسابقون لتقديم الضيافة، كل يجود بما لديه، ويقاسمه طعامه وشرابه.
ضيافة الغريب وعابر السبيل تعد من القيم الراسخة التي يوليها أهل القرى اهتماما بالغا، وتعلو عندهم على أي أمر آخر.
في السياق ذاته يروى الحاج “علي عبده” الذي كان يعمل بائعًا متجولًا للملابس بين القرى، موقفًا لا يزال يذكره حتى اليوم؛ فيقول إنه في أحد الأيام تأخر به الوقت، ولم يتمكن من العودة إلى منزله، فقرر أن يبيت في مسجد إحدى القرى التي مر بها.
وأضاف: “ما إن علم الأهالي بوجودي، حتى تسابقوا لاستضافتي، وكل منهم يصر على أن أكون ضيفه وفي النهاية استضافني أحدهم، وأكرمني كما لو كنت مسؤولًا في جهة حكومية”.
ويعد هذا السلوك نموذجا حيا لما يتمتع به سكان القرى من أصالة وكرم، يعكس تراثا اجتماعيا متجذرا في ثقافة الريف، ويؤكد أن الضيافة ليست مجرد عادة، بل قيمة إنسانية راسخة تمارس بروح جماعية ونابعة من القلب.
يقول محمد قاسم: “عندما تدخل بيوتهم، ترى الفرح والسعادة على وجوه أفراد الأسرة، الذين يبذلون كل ما في وسعهم لإكرام الضيف، وقد يكلّف الواحد منهم نفسه فوق طاقته لتقديم أفضل ما لديه من المأكولات، والتفنن في التنويع والإعداد بما يُرضي الضيف ويُشعره بالراحة والكرامة”.
وأكد بأن “عادة إكرام الضيف في اليمن ليست مجرد تقليد اجتماعي، بل موروث قبلي أصيل توارثه الأبناء عن الآباء والأجداد، وجاء الإسلام ليؤصّل هذه العادة ويحث عليها، كما جاء في قوله تعالى: “ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا”، وهذا ما جعل إكرام الضيف يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمعاني الشهامة والمروءة والكرم”.
عادة متوارثة
حتى في المدن، ورغم تغيّر نمط الحياة، لا يزال اليمني محافظًا على هذه القيمة، وإن قلّ حضورها الظاهري، أما في الريف، فلا تزال الضيافة تُمارس بكل أصولها؛ إذ يُكرم الضيف ويُؤخر لعدة أيام، وتُقدم له أصناف مختلفة من الطعام يوميًا، دون كلل أو ملل من المضيفين، بل يعتبرونه واجبًا وشرفًا لا يُفرّط فيه.
يمتد كرم الأرياف إلى المناسبات الاجتماعية؛ إذ يحرص السكان على دعوة الضيف للحضور والمشاركة، ليشعر بأنه فرد من المجتمع
ويؤكد الناشط المجتمعي “أكرم الزريقي” أن سكان القرى الريفية يعتبرون استقبال الضيف واجبًا اجتماعيًا ودينيًا على حد سواء، تعززه أمثال شعبية متوارثة مثل “الضيف يأتي برزقه” و”الضيف ضيف الله” لذلك يُستقبل الغريب بابتسامة صادقة، ويُقدَّم له كل ما يلزم لراحته دون تردد.
ويضيف الزريقي لـ “منصة ريف اليمن”: “في حال كان الزائر قد قدم بغرض العمل لا يتردد الأهالي في مد يد العون، سواء عبر توفير سكن ومكان لممارسة العمل، أو من خلال تقديم الإرشادات التي تساعده على الاندماج سريعًا في البيئة المحلية”.
ويلفت إلى أن هذا الكرم يمتد إلى المناسبات الاجتماعية؛ إذ يحرص السكان على دعوة الضيف للحضور والمشاركة، ليشعر بأنه فرد من المجتمع، وليس مجرد عابر سبيل، وغالبًا ما يحظى الزائر بوجبات منزلية واهتمام خاص يجسد أصالة الضيافة اليمنية.
وتبرز هذه الممارسات كأمثلة واضحة على طبيعة التعامل في القرى اليمنية، حيث يشكل الكرم وحسن الاستقبال جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية للسكان، وغالبًا ما يحظى الزائر بوجبات منزلية واهتمام خاص يجسد أصالة الضيافة اليمنية.
*صورة الغلاف مولدة بالذكاء الاصطناعي

