الإثنين, فبراير 2, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

زيارة المرضى.. عادة اجتماعية غيبتها التكنولوجيا

لم تعد زيارة المرضى في المناطق الريفية اليمنية، وحتى المناطق الحضرية،كما كانت سابقا، فالعادات والتقاليد الاجتماعية شهدت تغيرات ملحوظة متأثرةً بالتطور التكنولوجي، فالزيارة التي كانت تهدف لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمرضى، حل مكانها الاتصال الهاتفي والتواصل المباشر من خلف الشاشات.

يستذكر الخمسيني “أبو ماهر” حين تعرض شقيقه الأكبر لمرض ألزمه الفراش لثلاثة أشهر، كيف تحول منزلهما آنذاك إلى مزار يومي، حيث كانت الوفود تأتي من كل حدب وصوب، في مشهد تضامني لم ينقطع حتى تماثل شقيقه للشفاء التام.

كان ذلك قبل التطور التكنولوجي حيث كانت الزيارات جزءاً لا يتجزأ من الروابط الاجتماعية، وتعبيراً عن التضامن والتعاطف؛ إلا أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، وتداعيات الحروب والنزاعات، تسبب بتراجع ملحوظ في هذه العادة الاجتماعية.


مواضيع مقترحة


بين الماضي والحاضر

يقول أبو ماهر لـ”ريف اليمن” راويا تفاصيل تلك المرحلة: “أصيب أخي الأكبر بجلطة دماغية قبل نحو ثلاثين عاماً، فهبّت القرية بأكملها لزيارته ومواساتنا؛ كان الرجال والنساء يتوافدون، حتى أن منزلنا كان يمتلئ بالزوار طوال اليوم”.

ويضيف: “كانت القلوب تفيض بالرحمة والتعاطف؛ فترى ملامح الحزن والأسى ترتسم على وجوههم وهم يغادروننا، وألسنتهم تلهج بالدعاء الصادق وكأن المريض أحد أبنائهم، هذا غمرنا بشعور من الدفء والحنان وخفف عنا وطأة المصاب، وجسد أنقى صور الطيبة والنقاء”.

وعن المقارنة مع الحاضر، يقول أبو ماهر بحسرة: “واقعنا اليوم تغير كثيراً، وأصبحت زيارة المريض في نظر الكثيرين بما فيهم أنا تشكل عبئا ثقيلاً”، ويضيف: “أصيب صديق لي بمرض السرطان، ولم أتمكن من زيارته رغم تردده على القرية لست مرات متتالية، لا أستطيع تحديد الأسباب بدقة، لكن يبدو أننا فقدنا استشعار قدسية عيادة المريض، وتناسينا مكانتها العظيمة في ديننا وقيمنا”.

سطوة التكنولوجيا

وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة الفورية ساهمت في تقليص الحاجة إلى الزيارات الشخصية؛ حيث بات من السهل الاطمئنان على المرضى عبر الإنترنت، وتبادل الرسائل والصور من خلف الشاشات، وأدت إلى تراجع ملموس في الزيارات الفعلية، بعد أن فضل قطاع واسع من الناس التواصل الافتراضي بوصفه خيارا أسرع وأقل جهدا وتكلفة.


ساهمت وسائل التواصل في تقليص الحاجة إلى الزيارات الشخصية، وبات من السهل الاطمئنان على المرضى عبر الإنترنت من خلف الشاشات


يرى المختص في علم الاجتماع، الدكتور “جمال الشامي”، أن التواصل الرقمي يفتقر إلى “الدفء الإنساني” والتعاطف المباشر الذي لا تمنحه إلا الزيارة الواقعية.

ويؤكد الشامي لـ “ريف اليمن” أن التواصل الهاتفي أو الرقمي، وإن كان وسيلة حيوية في حالات الطوارئ والحروب أو عند تعذر التنقل، يسهم في الحفاظ على استمرارية العلاقة والحد من العزلة، إلا أنه يظل ناقصاً من المنظورين الفلسفي والإنساني.

ويعزو ذلك إلى أن التواصل الهاتفي أو الرقمي ينقل حضوراً رمزياً أو صوتياً فحسب، ولا يمكنه تعويض الحضور الجسدي وما يرافقه من لغة الجسد والمشاركة الوجدانية في ذات المكان والزمان.

ويوضح أنه “من منظور أنثروبولوجي، فإن وجود الزائرين يمنح المريض شعوراً عميقاً بالانتماء والرعاية، ويعزز توازنه النفسي والعاطفي، كما يتيح للمرافقين أو الأطباء قراءة تعبيرات الجسد الدقيقة التي تعكس الحالة الصحية الحقيقية، مما يجعل الرعاية أكثر فاعلية وملاءمة لاحتياجات المريض الفردية”.

وفي قراءة نقدية لهذا التحول، يوضح الشامي أن للتواصل الرقمي وجهين متداخلين: الوجه الإيجابي، ويكمن في استدامة الدعم العاطفي وتجاوز المسافات، وصون شبكة العلاقات الاجتماعية من الاندثار.


الطويل: في التقاليد اليمنية فإن زيارة المريض لا تكتمل إلا باقتناء “الهدايا” كرمز للتقدير، وتدهور دخل الفرد والأسرة لعب دورا في انحسار الزيارات.


أما الوجه السلبي – بحسب الشامي – يتمثل في إضعاف كثافة العلاقات العميقة، وتحويل الكائن الإنساني إلى مجرد صورة أو صوت؛ مما يضعف جودة الحضور المتبادل ويفاقم شعور الانفصال إذا ما استُبدل اللقاء المباشر بالبديل الافتراضي بشكل كلي.

بدائل وصمود

الصحفي “محمد جمال الطياري” يرى أن التحولات التي فرضتها التكنولوجيا من جهة، والظروف المعقدة التي أفرزتها الحرب من جهة أخرى، تسببت في تراجع الحضور الفعلي للزائرين في كثير من المناطق، ليحل محله التواصل الافتراضي عبر الهاتف ومكالمات الفيديو.

ويضيف الطياري لـ “ريف اليمن”: “رغم أن هذه الوسائل سهّلت الاطمئنان السريع وتجاوزت الكثير من الحواجز، إلا أنها تظل تواصلاً بارداً لا يلامس العمق الإنساني الذي تمنحه الزيارة الواقعية”.

ويلفت إلى أن هذا المشهد يبدو مختلفاً تماماً في منطقة وصاب بمحافظة ذمار؛ حيث يصر الأهالي على الزيارة الفعلية رغم الظروف القاسية، ففي هذه البيئة الريفية الجبلية، تنعدم الخدمات الصحية، ويقل وجود الكوادر الطبية المتخصصة؛ مما يضطر المرضى وذويهم لقطع مسافات طويلة وشاقة نحو مدينتي الحديدة أو صنعاء طلباً للعلاج.

وأشار الطياري إلى أن التكنولوجيا، رغم أهميتها كأداة للتوعية وتسهيل التواصل، لا يمكن أن تكون بديلاً حقيقياً للرعاية الصحية أو الحضور الإنساني المباشر، فالاتصال الهاتفي قد يمنح طمأنينة مؤقتة، لكنه لا ينقذ حياة مريض، ولا يعالج إنساناً بحاجة إلى طبيب غير متوفر.


الشامي: تظل الزيارات الفعلية هي الصيغة الأتمّ ومن منظور أنثروبولوجي، فوجود الزائرين يمنح المريض شعوراً عميقاً بالانتماء والرعاية.


وتابع: “تظل الزيارة الفعلية هي الخيار الأكثر إنسانية والأقرب لاحتياجات المريض، بينما تبقى التكنولوجيا مجرد عامل مساعد في مجتمع تفرض عليه الجغرافيا والظروف واقعاً يحتاج إلى دعم حقيقي، لا إلى حلول افتراضية”.

العوز المادي

من زاوية أخرى، يسلط الناشط الاجتماعي “يونس الطويل” الضوء على العامل الاقتصادي وتأثيره المباشر في تقلص الزيارات الاجتماعية؛ إذ يرى أن تدهور الدخل للفرد والأسرة لعب دوراً محورياً في هذا الانحسار، إذ إنه من المتعارف عليه في التقاليد اليمنية أن زيارة المريض لا تكتمل إلا باقتناء “الهدايا” كالفواكه والعصائر، كرمز للتقدير وتقديم العون المادي للمريض.

ويضيف الطويل لـ “ريف اليمن”: ” الوضع الراهن دفع الكثيرين إلى الاكتفاء بالتواصل الهاتفي؛ نظراً لعجزهم عن توفير تكاليف تلك الهدايا، ويعتبرون الدخول على المريض بأيدٍ فارغة أمراً مخجلاً، وهو ما تسبب في عزوف البعض عن الزيارة تجنباً للحرج”.

ويلفت إلى أن هناك زيارات قد تتجاوز تكاليفها 100 ألف ريال، بالنظر إلى بُعد المسافات وارتفاع أسعار الوقود، خاصة إذا كانت السيارة مستأجرة مما جعل الواجب الاجتماعي عبئاً مالياً يفوق قدرة المواطن، وجعل التواصل الهاتفي أبسط الحلول للاطمئنان على المرضى، ويبقى وسيلة متاحة للحفاظ على الروابط الاجتماعية.

شارك الموضوع عبر: