بعيدا عن الصور النمطية السائدة، تكشف بعض القرى اليمنية عن شكل مختلف من العلاقة مع ما يطلق عليهم محليا بـ “المهمشين“؛ إذ تقوم على التعايش والاندماج، حيث تقل المسافات الاجتماعية في الأرياف وتتشابك تفاصيل الحياة، ويبدو اندماج المهمشين أكثر وضوحا مقارنة بالمدن.
“محمد ناجي (60)”، أحد أفراد هذه الفئة يجسد هذا الاندماج، حيث يعيش في منزل متواضع عند مدخل قرية الشعب في جبل صبر بمحافظة تعز منذ ثلاثين عامًا، ويقول: “منزلي يضم 19 فردا من العائلة، وأشعر بأنني بين أهلي وإخوتي؛ أبنائي يتعلمون في المدرسة الحكومية دون أي تمييز أو عنصرية”.
مواضيع مقترحة
- إصلاح الأحذية.. ملاذ الفقراء ومعيشة للمهمشين
- بائعات الكراث.. مكافحات يقاومن التمييز المجتمعي
- المهمشون في اليمن: مساكن هشة بمواجهة مناخ متقلب
يضيف ناجي لـ”ريف اليمن”، قائلا: “أكبر فتيات العائلة واصلن التعليم حتى المرحلة الإعدادية، ولا أحد في القرية يشعرنا بأننا أقل من غيرنا، منزلنا يقع عند مدخل القرية، ونقضي جزءا من يومنا في الحديث مع الأهالي عن شؤون الحياة المختلفة”.
تعايش ريفي
يصف “شهاب عبدالله (45 عامًا)”، من قرية دار النصر في جبل صبر، وهو أحد الزوار الدائمين للقرية، عائلة ناجي بأنها أسرة كريمة، لا تترك أحدا يمر بجانب منزلها إلا وتبادره بالسلام والسؤال.
ويضيف: “وإن صادف مرورك أثناء تناولهم الغداء، فإنهم يسارعون إلى دعوتك لمشاركتهم طعامهم، ونادرا ما يرفض سكان القرية مشاركتهم هذا الطعام”.
ترى الدكتورة “إيمان عيظة الأحمدي”، أستاذ مساعد بقسم علم الاجتماع في جامعة حضرموت، أن اندماج الأسر المهمشة في الريف يبدو أوضح مقارنة بالمدن، ويعود ذلك إلى طبيعة الحجم الاجتماعي الصغير، والاحتياج المتبادل بين السكان، إضافة إلى الدور الوظيفي الذي تؤديه هذه الفئة في الحفاظ على نسيج القرية الاجتماعي.
وتوضح الأحمدي في حديثها لـ “ريف اليمن” أن هذا الاندماج يظل مشروطا بحدود معينة من التمييز، لكنه يبقى أقل حدة مقارنة بالمدن، حيث تتحول العلاقة إلى عزلة شبه كاملة نتيجة كبر حجم المجتمع وتنوع خياراته.
وتضيف: “المجتمع اليمني يعتمد على نظام طبقي هرمي مغلَق، حيث التوزيع الاجتماعي فيه لا يتم على أساس الكفاءة، وإنما على أساس الأصول، بحيث يوضع المهمشون قسرا في أدنى هذا الهرم”.
وتشير إلى أن المهمشين يعيشون في المدن داخل تجمعات سكنية منعزلة تعرف بـ “المحاوِي”، الأمر الذي يعزز عزلتهم الاجتماعية؛ حيث تغيب التفاعلات اليومية العابرة التي تساعد على كسر الصور النمطية بين فئتهم وبين أفراد المجتمع.
المهمشون والموروث
في جبل صبر، وغيرها من المناطق اليمنية، يعد قرع الطبول في الأعراس، المعروف محليًا باسم “المرفع”، مظهرا لافتا، وتمتهن عائلة محمد ناجي هذه المهنة منذ سنوات طويلة كمصدر أساسي لكسب العيش.
يقول فتح، وهو أحد أفراد عائلة ناجي: “عادة قرع الطبول في الأعراس قديمة جدا، ويقال إنها تعود إلى عهد الدولة الحميرية، ونحن نفخر بممارستنا لهذا الموروث التراثي الذي نقتات منه”.
ويضيف في حديثه لـ” ريف اليمن”: “نحن الفئة الوحيدة في جبل صبر التي تمتهن قرع الطبول في الأعراس، وهذا يمنحنا شعورا بالتميّز والفخر، خاصة حين نتلقى الإشادة بإتقاننا لهذا العمل” ويستدرك بانكسار: “لكن الطلب على هذه المهنة موسمي؛ مما يتركنا للفقر بقية أيام السنة”.
الأحمدي: اندماج الأسر المهمشة في الريف يبدو أوضح مقارنة بالمدن، بسبب طبيعة الحجم الاجتماعي الصغير، والاحتياج المتبادل بين السكان.
رئيس اتحاد المهمشين في اليمن نعمان الحذيفي، يقول إن هناك اختلافا كبيرا بين المهمشين في المدن والمناطق الريفية، حيث إن سكان الريف يكونون أكثر التزاما بعادات وتقاليد المجتمع الريفي، ناهيك عن أن الكثير منهم يكسبون قوت يومهم بطرق كسب مشروعة، وهو ما ساهم في اندماجهم بالمجتمعات الريفية.
ويضيف: “من دواعي الأسف ألا يوجد وعي مجتمعي بأهمية الحفاظ على الموروث الشعبي، وكثير من الناس يرون أن مهنة قرع الطبول من المهن المهمشة، لذلك يتركون ممارستها للمهمشين، لأنهم بنظر المجتمع يمثلون طبقة اجتماعية أقل، لكن مع ذلك، يسعى المهمشون للحفاظ على هذا الموروث من الاندثار”.
ويلفت الحذيفي إلى أن المهمشين يتأثرون بالمجتمع المحيط بهم بشكل كبير، إلا أنهم يشتركون في الظروف المعيشية الصعبة مقارنة بغيرهم من السكان، بصرف النظر عن المنطقة الجغرافية التي يسكنونها.
تحديات مستمرة
يقع منزل عائلة محمد ناجي في مجرى السيول، ومع كل موسم أمطار تتدفق المياه إلى داخل الغرف، ما يضاعف من معاناة الأسرة، حيث يقول: “السيول تمثل تحديا كبيرا لنا، فهي غالبا ما تدخل المنزل وتتلف أثاثنا القليل، وقد جرف السيل هذا الموسم أربع دجاجات نملكها”.
ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن”: لا تقتصر معاناتنا على الأمطار، بل نعاني أيضا من تهميش من يقومون بتوزيع الإغاثات، فقد صرفت مؤخرا مساعدات مالية لجميع الأسر باستثنائنا، كما أننا لا نحصل على السلة الغذائية مثل بقية جيراننا”.
الحذيفي: لا توجد جمعيات أو منظمات تُعنى بالمهمشين في الريف؛ ما جعل صوتهم محدودا وبالتالي جعلهم عرضة للظلم الاجتماعي.
يعلق نعمان الحذيفي على هذه النقطة قائلا “:هناك سوء استغلال للمساعدات الغذائية والمالية المقدمة من بعض المنظمات، إذ يحصل المهمشون على جزء ضئيل فقط، ويرجع ذلك إلى سوء إدارة الوسطاء المحليين أو إلى نقص المعلومات حول مجتمع المهمشين، تتحمل الجمعيات واللجان المجتمعية جزءا من هذه المشكلة”.
“من المؤسف حقا أنه لا توجد جمعيات أو منظمات تُعنى بالمهمشين في الريف، وهذا ما جعل صوتهم محدودا وبالتالي جعلهم عرضة للظلم الاجتماعي والحرمان من الخدمات الإنسانية”، يضيف الحذيفي. منوها إلى أهمية إيجاد بيئة اجتماعية وقانونية تناهض كل ما هو تمييزي، وهذا لن يتحقق إلا في إطار دولة وطنية تعلي من مبادئ المواطنة والعدالة الاجتماعية.
وتُقَدر نسبة المهمّشين بنحو 12 في المئة من إجمالي سكان اليمن، أي ما يعادل 3 ملايين ونصف، حسب آخر تعداد سكاني في عام 2004، ويتواجدون في مختلف مناطق البلاد، ويتركزون في المناطق الوسطى والجنوبية، والقريبة من سواحل البحر العربي والبحر الأحمر.

