في غرفة صغيرة خصصتها داخل منزلها بقرية الخرازة، في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع، تستقبل أسرار الليث 〈24 عاما〉 المرضى من أبناء قريتها والقرى المجاورة، محاولة تقديم الرعاية الصحية الأساسية لهم، رغم محدودية الإمكانات وبعد المرافق الصحية.
عند استقبالها للمريض، تبدأ أسرار بالاستفسار عن الأعراض، ثم قياس ضغط الدم ودرجة الحرارة ونسبة الأكسجين، قبل أن تستمع إلى المريض وتقيّم حالته لتحديد ما يمكنها تقديمه، وإذا تجاوزت الحالة إمكاناتها، تحيله فورا إلى أقرب مرفق صحي، إدراكا منها لأهمية حصوله على الرعاية المناسبة.
خارج غرفتها الصغيرة، تمارس أسرار حياتها الطبيعية بين الأهالي، لكن داخل العيادة تحاول أن تمنح المرضى ما افتقدته هي نفسها لسنوات، الشعور بوجود من يستطيع تقديم المساعدة في الوقت المناسب.
مواضيع مقترحة
- الصيدليات المجانية.. خط إسعاف أول لسكان الريف
- “تكنولوجيا الصحة”: مبادرة لتسهيل رحلة علاج مرضى الريف
- الإسعافات الأولية في الأرياف.. بين العشوائية وضرورة الإنقاذ
بداية القصة
عقب اندلاع الحرب، غادرت أسرار منزلها برفقة أسرتها، لتبدأ رحلة نزوح شاقة تنقلت خلالها بين أماكن عدة، ولم يكن النزوح بالنسبة إليها تجربة عابرة، بل سنوات من الانتظار والأمل في العودة إلى المنزل، غير أن الخسارات كانت أسرع من تحقق ذلك الأمل.
فقدت أسرار والدتها عام 2024، برصاص قناص، وكانت حينها في العشرين من عمرها، قبل أن تفجع لاحقاً بوفاة شقيقتها وخالها، فيما أصيب والدها وأفراد آخرون من أسرتها.
وتقول أسرار في حديثها لـ”ريف اليمن”: “الحرب لم تأخذ أحبتي فقط، بل أخذت معها الإحساس بالأمان والاستقرار، وأجبرتني على أن أكبر قبل الأوان”.
ورغم هذه الفواجع، تمسكت أسرار بمواصلة تعليمها، مستحضرة ذكرى والدتها التي حرصت، رغم ظروف النزوح وقسوة الحياة، على تعليمها وتوفير احتياجاتها، وتحول ذلك الحرص إلى دافع لمواصلة الطريق، فلم يعد إكمال الدراسة مجرد حلم شخصي، بل أصبح وفاء لذكرى أم رحلت قبل أن ترى ثمرة ما زرعته.
واصلت أسرار دراسة تخصص مساعد طبيب في المعهد الوطني للعلوم والتكنولوجيا، فرع قعطبة، وسط ظروف النزوح والخوف وعدم الاستقرار، حتى تمكنت من إكمال دراستها والتخرج عام 2024، محققةً المرتبة الثانية على دفعتها.
ولم تكن هذه النتيجة مجرد إنجاز أكاديمي بالنسبة إليها، بل ثمرة سنوات من الصبر والمثابرة، ودليلاً على قدرتها على مواصلة الطريق رغم الألم والتحديات.
من الدراسة إلى خدمة الناس
بعد التخرج، كان بإمكان أسرار التوجه إلى المدينة بحثا عن فرصة عمل، لكنها اختارت العودة إلى قريتها، مدفوعة بمعرفتها بحجم المعاناة التي يواجهها سكان المناطق النائية عند المرض؛ إذ يتطلب الوصول إلى طبيب أو مستشفى قطع مسافات طويلة وتحمل نفقات باهظة لا تستطيع جميع الأسر توفيرها.

وتزداد هذه المعاناة في المناطق القريبة من خطوط التماس، حيث تتداخل صعوبة الطرق مع الظروف الأمنية، ما يجعل الوصول إلى المرافق الصحية أكثر مشقة، خصوصاً في الحالات الطارئة.
كما وجدت أسرار نفسها أمام مسؤولية أسرية واجتماعية بعد وفاة والدتها، إذ أصبحت المسؤولة عن رعاية المنزل وإخوتها الصغار، وإلى جانب ذلك، لم تكن العادات والتقاليد الاجتماعية تجعل العمل في مستشفى عام ومختلط بالمدينة خياراً مناسباً لها، فقررت أن تبدأ من المكان الذي تستطيع الوصول إليه هو منزلها.
توضح أسرار أنها خصصت مساحة من المنزل لتكون عيادة صغيرة، وتقول: “لم أنتظر تجهيزا مثاليا ولا إمكانات كبيرة، بل بدأت بما لدي، وقدمت الرعاية الصحية الأساسية لسكان القرية والقرى المجاورة، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، مشيرة انها تأخذ فقط قيمة العلاجات، وبقية الخدمات مجانا”.
إنشاء العيادة جاء كمبادرة لمساعدة الأهالي، ووسيلة أيضاً للحفاظ على ما اكتسبته من معارف خلال دراستها، ومواصلة الممارسة العملية بدلاً من الابتعاد عن المجال الصحي بعد التخرج.
وتستذكر أسرار إحدى الحالات التي استقبلتها لفتاة تعرضت لرد فعل تحسسي شديد عقب تناولها مضاداً حيوياً، ما استدعى تدخلاً طبياً عاجلاً. وتقول:”العلاج المناسب كان متوفرا لديها، الأمر الذي مكّنها من التعامل مع الحالة في الوقت المناسب وتفادي تدهور وضع الفتاة الصحي”.
وتكشف هذه الحالة جانباً من أهمية وجود العيادة في منطقة تعاني من بُعد المرافق الصحية وصعوبة الوصول إليها، ولا سيما عند وقوع الحالات الطارئة.

وتقول عتاب أحمد ناجي النجار، إحدى المريضات اللواتي ترددن على عيادة أسرار الليث، إن العيادة خففت عن الأهالي مشقة السفر وتكاليف العلاج، بعدما كانوا يضطرون إلى التوجه ليلاً إلى مدينة قعطبة للحصول على الرعاية الصحية.
وتضيف عتاب لـ”ريف اليمن”،: “كنا نعاني كثيراً، ونضطر نروح إلى قعطبة في آخر الليل، وكانت الرحلة تستغرق ساعة ونصف تقريباً، وتكلفنا نحو خمسين ألف ريال. لكن الآن، الحمد لله، أي مرض يحصل لنا نروح عند الدكتورة أسرار”.
وتستذكر إحدى المرات التي تعرضت فيها لوعكة صحية، قائلة: “مرة تعبت كثيراً، وجتني دوخة وإسهال وغثيان، ورحت عندها، والحمد لله ما خرجت من عندها إلا وأنا بخير. أعطتني مغذية وإبراً، ومن يومها أي تعب يحصل لنا نروح لها”.
مؤكدة أن وجود العيادة بالقرب من السكان خفف عنهم القلق من الحالات المرضية المفاجئة، خصوصاً لدى الأطفال، موضحةً: “حتى أطفالنا، لو مرضوا فجأة، ما عاد نضطر نوديهم إلى قعطبة. فأسرار وفّرت علينا كثيراً من تكاليف المواصلات والتعب، خصوصاً أن المستشفيات والصيدليات بعيدة عنا”.
ورغم ما وفرته العيادة من خدمات، ترى عتاب أن احتياجات الأهالي لا تزال أكبر، وتأمل أن تتوسع خدماتها لتشمل مزيداً من الأدوية والأجهزة الطبية، لا سيما الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة، بما يساعد على تلبية احتياجات المرضى ويخفف عنهم عناء التنقل وتكاليف العلاج.
عيادة صغيرة وطموح كبير
لا تزال إمكانات العيادة محدودة، إذ تقتصر على أدوات أساسية لقياس ضغط الدم ودرجة الحرارة ونسبة الأكسجين، إلى جانب بعض الأدوية والمستلزمات التي توفرها أسرار بحسب ما تسمح به إمكاناتها.

ومع ذلك، لا يأتي المرضى إليها بحثا عن العلاج وحده؛ فبعضهم يصل بعد رحلة شاقة، وآخرون يبحثون عن الطمأنينة قبل أي شيء، تستمع أسرار إلى شكواهم، وتفحصهم، وتقدم ما تستطيع من رعاية أساسية، ثم تحيل الحالات التي تتطلب إمكانات أكبر إلى أقرب مركز صحي أو مستشفى.
وتقول أسرار إن أكثر اللحظات التي تشعرها بصواب قرار العودة إلى قريتها هي مغادرة المريض العيادة مبتسماً بعد أن دخلها متعباً أو قلقاً، معبّراً عن امتنانه لتوفير مشقة الطريق وتكاليفه.
وتطمح أسرار إلى أن تتوسع عيادتها مستقبلا لتصبح مركزاً صحياً متكاملاً يخدم عدداً أكبر من سكان المنطقة، خصوصاً النساء والأطفال، ويوفر لهم خدمات صحية أقرب وأكثر استجابة لاحتياجاتهم.
ووجهت رسالة إلى الفتيات والنساء في الريف، قائلة: “لا تجعلن الظروف تقنعكن بأن أحلامكن مستحيلة؛ فالتعليم والعمل، مهما كانت البداية صغيرة، يمكن أن يغيّرا حياة الإنسان وأسرته ومجتمعه بالكامل”.
رغم أثر هذه المبادرة في حياة الأهالي، لا تزال أسرار بحاجة إلى دعم يمكّنها من الاستمرار والتوسع، وتؤكد أن العيادة تفتقر إلى مزيد من الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية، فضلا عن حاجتها إلى التدريب المستمر والتنسيق مع الجهات الصحية الرسمية للتعامل مع الحالات الطارئة.





