يعيش كثير من المرضى القادمين من المناطق الريفية إلى مدينة تعز، حالة من التيه والتخبط أثناء بحثهم عن طبيب مختص، مع غياب من يوجههم نحو الجهة المناسبة منذ البداية في رحلة شاقة تستنزف الوقت والجهد فضلا عن تكاليف المواصلات والسكن ومصاريف الإقامة في المدينة.
هذه المعاناة اليومية دفعت الصيدلي “علوان عبد العزيز (30 عاما)” إلى إطلاق مبادرة مجتمعية حملت اسم “تكنولوجيا الصحة”، تهدف إلى مساعدة المرضى، خصوصا القادمين من الأرياف، على الوصول السريع والمنظم إلى الأطباء والمراكز الصحية المناسبة، وتقصير مسافات الضياع التي يقطعونها داخل المدينة.
يقول علوان لـ”ريف اليمن”، إن فكرته انطلقت من واقع عايشه على مدى سنوات، لاحظ خلالها أن كثيرا من المرضى يصلون إلى المدينة وهم لا يعرفون أين يتجهون، أو كيف يحصلون على الخدمة الصحية التي يحتاجونها، فيقضون أياما من الانتظار والسؤال، ويهدرون أموالا لا يملكونها.
مواضيع مقترحة
- مرضى التوحّد: معاناة صامتة خلف الجدران
- بني عمر في تعز: منطقة سكانية بلا أي خدمات
- مرضى السرطان: آلام مضاعفة تفتك بسكان الريف
وأوضح أن المبادرة تهدف إلى تقديم خدمات متعددة للمرضى والمجتمعات المحلية، من أبرزها توفير الوقت والمال عبر تقليل الحاجة إلى السفر العشوائي داخل المدينة، وتحسين نوعية الرعاية الصحية من خلال توجيه المرضى إلى الطبيب المناسب لحالتهم، إضافة إلى تعزيز صحة المجتمع عبر تسهيل الوصول إلى الخدمات الوقائية والعلاجية.
دليل إرشادي
بحسب علوان، تأسست المبادرة لتكون دليلا إرشاديا للمرضى القادمين من المناطق الريفية، الذين يعانون صعوبة بالغة في الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، ويسعى جاهدا إلى نشرها على أوسع نطاق ممكن، آملا أن تسهم في إيصال الخدمة للمرضى بالطريقة التي يحتاجونها.
ويأمل من أفراد المجتمع ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المساعدة في نشر المبادرة، حتى يتمكن من خدمة أكبر عدد ممكن من المرضى القادمين من الأرياف، لافتا إلى أنه يطمح إلى أن تكون المبادرة بمثابة دليل صحي لكل من يبحث عن علاج، وتسهّل عليه رحلة الوصول، وتوفر له المعلومات قبل وأثناء وجوده في المدينة.
بداية الفكرة
يؤكد علوان أن المبادرة جاءت بناء على تجربة واقعية عاشها على مدى سنوات، لاحظ خلالها أن معظم المرضى يعيشون حالة من الضياع، ويحتاجون إلى من يرشدهم، تماما كما كان يفعل مع المرضى القادمين من قريته.
تأسست المبادرة لتكون دليلا إرشاديا للمرضى القادمين من المناطق الريفية، لتجنيبهم القلق والانتظار الطويل والتكاليف الباهظة.
ويضيف علوان: “كثيرا ما تصل حالات مرضية من الأرياف لا تعرف عن المدينة شيئا، ويتساءلون: أين نجد طبيبا مختصا؟ وكيف نصل إليه؟ هذه الأسئلة يطلقها الناس في الأزقة والشوارع، مستنجدين بأي شخص قد يدلّهم، حتى لو كان دليله غير دقيق، فقط لأنهم وجدوا من يعرف المكان”.
ويرى أن هذا التيه هو ما دفعه إلى العمل على تحسين المفاهيم المتعلقة بالحصول على الخدمة الصحية، من خلال توفير الإرشاد والإجراءات اللازمة قبل وصول المرضى إلى المدينة، لتجنيبهم القلق والانتظار الطويل والتكاليف الباهظة.
ويؤكد علوان أن المبادرة تهدف إلى القيام بكافة الإجراءات الخدمية قبل وصول المرضى، بدءا من معرفة الطبيب المختص، ومرورا بالإجراءات المطلوبة، كالحجز وتسجيل الاسم وصولا إلى تقليل مدة الانتظار، وكلها تتم بشكل مجاني، قائلا: “عاهدنا أنفسنا أن نكون عند قدر المسؤولية، وأن نعمل بكل جهد لإبعاد التيه عن المرضى، فنحن في خدمتهم”.
يروي علوان أنه في إحدى المرات صادف شخصين بدت عليهما ملامح الحسرة والضياع، بعدما قدما من منطقة أخرى بحثا عن علاج، ليتفاجآ بأن دخولهما إلى الجهة الصحية التي قصداها يتطلب حجزا مسبقا، حينها تساءل في نفسه: إلى متى ستتفاقم هذه المعاناة؟ ومن هنا تبلورت فكرة توسيع جهوده لتشمل مناطق أخرى، وعدم حصرها في نطاق ضيق.
شهادة من الميدان
المصور الصحفي “نائف الوافي” وصف علوان بأنه “اسم ستحتاجه” إن كنت مرافقا لمريض في أحد مستشفيات تعز، لافتا إلى أنه قدم له الكثير من الخدمات أثناء مرافقته لزوجته خلال فترة مرضها.
ويروي الوافي تجربته حيث كان يعيش حالة من الإرهاق والتشتت، قبل أن يتدخل علوان ويوضح له الإجراءات الطبية، والفحوصات المطلوبة، والأماكن الصحيحة للحصول على الأدوية، ما خفف عنه كثيرا من العناء.
ويقول إن علوان يتمتع بخبرة واسعة في إرشاد مرافقي المرضى التائهين، ويعمل على عدم وقوع المرافقين بأخطاء تتسبب في تأخير ما يحتاجه المريض، ويساعدهم على إنجاز معاملاتهم بسرعة، ليتمكنوا من التفرغ لمرافقة مرضاهم.
يأمل علوان أن تحظى المبادرة بدعم من مكتب الصحة والمنظمات المعنية، لتتحول إلى نموذج فاعل يسهم في تقليل معاناة المرضى الريفيين
ويلفت الوافي إلى أن علون أخبره أنه يجهز لإطلاق مبادرة رسمية لتبصير مرافقي المرضى ليكونوا ذا فائدة أكثر لمرضاهم؛ كون الأجهزة وأغلب ما يطلب منهم يتوزع على رقعة مدينة تعز، ولديه معرفة بأغلب ما يتعلق بالمراكز والمستشفيات والأطباء (أماكنهم وأرقامهم) وينجز معك المهام بأسرع وقت.
يتمنى المصور الصحفي الوافي من مكتب الصحة في المحافظة والمنظمات وغيرها مساعدة علوان عبدالعزيز وفريقه في ترسيم هذه المبادرة التي ستقدم الكثير للتائهين في ساحات المستشفيات
سفير الصحة
بدوره، يروي “أنور الهندي العزعزي”، القادم من عزلة العزاعز في ريف تعز الجنوبي، قصته مع علوان، حين وصل إلى المدينة وهو في وضع صحي حرج بعد نزيف حاد بسبب قرحة في المعدة، ويقول إنه بعث رسالة استغاثة إلى علوان، الذي تابع حالته، وساعده في حجز وحدات دم، وتوجيهه إلى الطبيب المختص، وتأمين استكمال علاجه، ما أعاد إليه الأمل بالحياة.
ويضيف أنور لـ”ريف اليمن”: “لم أتوقع أن أرى علوان كأحد الأبناء المخلصين؛ أخذ مني الأوراق، وفهم ما يجب عليه فعله، ثم تواصل ليحجز لي وحدات دم، وأخذني إلى العيادة المختصة بأمراض الجهاز الهضمي وتابع حتى النهاية، وأنا اعتبره الابن البار والصادق جدا في موقفه الذي لا يُنسى”.
علوان: نسعى إلى توسيع نطاق المبادرة لتشمل مديريات أخرى رغم الاعتماد على جهود ذاتية وإمكانات محدودة
الدكتور “صلاح سالم”، أخصائي المسالك البولية والكلى في مديرية الشمايتين، يقول إنه أطلق على علوان لقب “سفير الصحة”، مشيرا إلى أنه لم يتردد يوما في تقديم الخدمات للمرضى المحوّلين من قبله إلى مدينة تعز، وسهّل وصولهم إلى العلاج دون عوائق.
بدأت المبادرة عملها في عدد من قرى مديرية الشمايتين، ويسعى علوان إلى توسيع نطاقها لتشمل مديريات أخرى، رغم اعتماده على جهود ذاتية وإمكانات محدودة، كما يعمل حاليا على تجهيز تطبيق إلكتروني لتسهيل وصول المرضى إليه وتقديم الخدمة بشكل أسرع.
ويأمل علوان أن تحظى المبادرة بدعم من مكتب الصحة والمنظمات المعنية، لتتحول إلى نموذج فاعل يسهم في تقليل معاناة المرضى، ويجعل رحلة العلاج أكثر وضوحًا وأقل كلفة، ويتطلع إلى عمل المزيد، وأن يحول المبادرة إلى مستشفى متحرك بين يدي الفئات التي تريد الوصول إلى هذه المدينة بغرض العلاج.

