في قرية عرض آل مخاشن بمديرية دوعن بمحافظة حضرموت، عاشت سارة بن مخاشن (25 عامًا) حلمًا مؤجلًا لسنوات، فمنذ حصولها على شهادة الثانوية العامة، اصطدمت بواقع معيشي صعب وعوائق مادية حالت دون التحاقها بالتعليم الجامعي.
لكن هذا الواقع تغيّر مع التحاقها بمشروع «معلمات الريف» لتصبح اليوم إحدى مخرجاته، بعد تخرجها من كلية التربية بدوعن، تخصص معلم مجال العلوم، وبدأت تعليم فتيات قريتها.
تروي سارة لـ”ريف اليمن” رحلتها قائلة: “كان بعد الجامعات وارتفاع تكاليف المواصلات أكبر عائق أمامي، خاصة في ظل الظروف المادية التي تعيشها أسرتي”، وتبعد المديرية عن المكلا حوالي 200 كيلو متر، وتبلغ كلفة المواصلات بشكل يومي للمكلا 20 ألف.
وتضيف: “ظلت لسنوات طموحاتي مجمدة، وكان يتملّكني خوف دائم من أن يضيع العمر دون الحصول على شهادة جامعية، غير أن عام 2021 أحدث نقطة التحول، إذ تزامن افتتاح كلية التربية في دوعن مع إطلاق مشروع معلمات الريف، الذي تكفلت عبره جهات داعمة بنفقات مواصلات الطالبات، ليتاح أخيراً باب الأمل الذي انتظرته طويلاً”.
مواضيع مقترحة
- التعليم الجامعي: حلم فتيات الريف الذي لا يتحقق
- الفتيات في ذمار: حرمان قسري من التعليم
- طالبات نخلة بتعز.. طريق شاق نحو التعليم الجامعي
ويستهدف مشروع “معلمات الريف” تأهيل كوادر تعليمية نسائية في المناطق النائية، للإسهام في سد النقص في المعلمات، وضمان استمرارية تعليم الفتيات، وتعزيز جودة العملية التعليمية في المجتمعات الريفية.
تاهيل كوادر نسائية
لم تكن سارة حالةً استثنائية، بل واحدة من 153 خريجة احتفى بهن مشروع “معلمات الريف” في حفل أقيم بمديرية دوعن بمحافظة حضرموت في أبريل/نيسان الماضي، إيذانا بتخرج دفعة جديدة من المعلمات المؤهلات في تخصصات اللغة العربية، والرياضيات، والعلوم، والحاسوب، والاجتماعيات، بدعم من مؤسستي صلة والعون للتنمية.
وتستذكر بدايات المشوار وتقول لـ “ريف اليمن”: لولا الدعم لما كنت اليوم أحمل شهادة البكالوريوس”، وتؤكد أن العقبات لم تكن مادية فحسب؛ إذ اصطدمت في بادئ الأمر برفضٍ عائلي، لا سيما من والدها الذي لم يكن يرى في التعليم الجامعي للفتيات أولوية، فضلاً عن نظرة مجتمعية تقليدية تحجم دور المرأة الريفية.
وتضيف: “سمعت عبارات كثيرة ومحبطة من قبيل: ستدرسين أربع سنوات ثم ينتهي بك المطاف في المنزل، لكني كنت مؤمنة بأن تعليم الفتاة رسالة ذات أثر مستدام”. وبفضل إصرارها وتفوقها الأكاديمي، نجحت في تفكيك تلك الأفكار المسبقة، وتحويل الانتقاد إلى شعور بالفخر لدى المحيطين بها.
توضح سارة أبعاد الأثر التنموي بقولها: “حينما ترى الطالبة معلمتها من البيئة والقرية ذاتها، يتولد لديها شعور بالقدرة والثقة، وتقول لنفسها:إذا كانت هي قد استطاعت، فأنا قادرة أيضاً، وهو ما يسهم في كسر الحواجز النفسية ومنح الأسر أماناً أكبر لتعليم بناتها”.
نافذة أمل
تتطلع اليوم إلى ترك بصمة ملموسة في مدرسة قريتها، متطوعة بتقديم دروس تقوية مجانية للطالبات المتعثرات، بينما يتجاوز طموحها المدى القريب نحو إكمال دراسة الماجستير، وإطلاق مبادرة تعليمية رائدة لتبسيط العلوم للأطفال في الريف اليمني.
يستهدف المشروع تأهيل كوادر تعليمية نسائية في المناطق النائية للإسهام في سد النقص في المعلمات وضمان استمرارية تعليم الفتيات
الطالبة وداد مراد، التي تتلقى التعليم على يد سارة، عبرت بحماس عن مدى استفادتها، وقالت إن أسلوبها كان مختلف ومميز ، خاصة من خلال الأنشطة التفاعلية التي جعلت فهم مادة العلوم أسهل وأكثر متعة ، وأضافت أن هذه الطريقة جعلتها تحب المادة أكثر، وتمنت أن تعود المعلمة لتدريسهم مرة أخرى .
وأوضحت لـ”ريف اليمن”، أن الأنشطة العملية لم تقتصر على تبسيط المعلومات بل ساهمت في ترسيخها بطريقة أفضل، وهو مايعكس الأثر الإيجابي الذي حققته المبادرة التطوعية في تعزيز دافعية الطالبات للتعلم، وتقديم نموذج تعليمي يعتمد على التفاعل والمشاركة، بما يترك أثرً مستدام في تجربتهن التعليمية.
استدامة تنموية
وبحسب مدير قطاع التعليم بمؤسسة صلة للتنمية، سالم بامسلم، فإن مشروع معلمات الريف صُمم خصيصاً لإيصال التعليم الأكاديمي إلى الفتيات في المناطق النائية، لا سيما القرى التي تحول عاداتها وتقاليدها دون سفر الطالبات إلى المدن لمواصلة الدراسة.
ويؤكد بامسلم لـ”ريف اليمن”، أن المشروع لم يقتصر على تمكين الفتيات جغرافياً وإرساء الاستقرار الأسري فحسب، بل امتد أثره لمعالجة النقص الحاد في الكادر النسائي المؤهل داخل المرافق التعليمية والصحية بالريف
سالم بامسلم: المشروع صُمم خصيصاً لإيصال التعليم الأكاديمي إلى الفتيات في المناطق النائية، لا سيما القرى
لافتا أن المبادرة نجحت فعلياً في سد العجز في التدريس بنسبة 60%، من خلال رفد المدارس بكوادر محلية مستدامة حدّت من الاعتماد على المعلمات القادمات من مراكز المدن.
ورغم المؤشرات الإيجابية، يلفت مدير قطاع التعليم إلى جملة من التحديات الهيكلية والمجتمعية المستمرة التي تواجه تعليم الفتيات الريفيات، وفي مقدمتها الزواج المبكر، واستمرار بعض المفاهيم التقليدية الراسخة التي تحجم من قيمة الاستثمار في تعليم الإناث.
وبحسب إدارة الاحصاء والتخطيط بمكتب وزارة التربية والتعليم بالوادي والصحراء، فإن نسبة التسرب تختلف من مرحلة إلى أخرى وتتراوح بين 1.6 ـ 2.6 %، وتظهر نسبة تسرب الفتيات بشكل أكبر في المرحلة الثانوية.
وأرجعت أسباب التسرب إلى بعد المدارس عن بعض الأحياء الأمر الذي يحتاج إلى توفير مواصلات،إلى جانب حاجة الأسرة للفتاة في أعمال البيت، وقلة الكادر التعليمي في الأرياف وانعدامه في الصحراء، مشيرة أن العامل الاقتصادي يحتل المرتبة الأولى بين الأسباب.





