الخميس, 27 أغسطس 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
صحة

مرض الحصّبة إرث الحرب الصحي: فيروس يستعصي على الاحتواء

ريف اليمن 📅 أغسطس 27, 2026

يحتل اليمن الآن المرتبة الثالثة عالميًا من حيث عدد حالات مرض الحصّبة، بعد بنغلاديش والهند فقط، وهما دولتان ذات كثافة سكانية أعلى بكثير، وفق إحصائية نشرتها مركز السيطرة على الأمراض الوقاية منها «CDC» في يوليو/ تموز 2026.

ووسط موجة من التغطية الإعلامية للخدمات الصحية في زمن الحرب في منطقة الشرق الأوسط، تبرز هذه الإحصائيةٌ كمصدر قلق ومؤشر تفشي كبير غير مرصود، حيث يبلغ عدد السكان وفق تقديرات حوالي 39 مليون نسمة.

لطالما اعتبر مسؤولو الصحة العامة تراجع مرض الحصّبة مؤشرًا على متانة النظام الصحي في أي بلد، ويعود ذلك إلى إمكانية الوقاية الكاملة من هذا المرض، حيث أُدرج ضمن برامج التطعيم الروتينية للأطفال منذ عقود.

ووفق منصة ميدسكيب «Medscape» الطبية الدولية، يشير تفشي المرض إلى تدهور النظام الصحي إلى درجة انهيار مناعة عامة الناس، وهو مستوى مرتفع يُشير إلى أن خدمات التطعيم وبرامج الرعاية الصحية الوقائية لم تعد تعمل بفعالية. ولأن الأمراض المعدية لا تعترف بالحدود، فإن الفشل في احتواء تفشي المرض في اليمن قد يتفاقم ليتحول إلى أزمة إقليمية أوسع.


مواضيع مقترحة


الاضطرابات الناجمة عن الحرب

يمكن إرجاع الأزمة الحالية في اليمن إلى أكثر من عقد من الصراع وعدم الاستقرار السياسي. والتكاليف البشرية معروفة، حيث بنية تحتية صحية متداعية، ونزوح جماعي، وتزايد في عدد الضحايا، ودفعت متطلبات البقاء على قيد الحياة إلى تهميش الصحة العامة.

وفي المجتمعات الريفية التي كانت تعاني أصلاً من ندرة الرعاية الصحية، قطع الصراع ما تبقى من هذه الخدمات الأساسية، بينما أعاق انعدام الأمن لإيصال المساعدات الإنسانية، ومع الإنقسام الحاد في مؤسسات الدولة، أصبح اتخاذ القرارات المنسقة شبه مستحيل.

محمد عارف: لا يزال اليمن يواجه واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والصحية العامة تعقيداً في العالم

ووفق تقرير وزارة الصحة اليمنية، يغطي الأشهر الستة الأولى من عام 2026، فإن الحصبة مرض متوطن في البلاد، مع استمرار انتقال العدوى منذ عام 2021. وبعد  تفشي للفيروس في المجتمع، بات من الصعب احتواء انتشاره. وساعدت الثغرات المناعية وتعثر توفير اللقاحات على استمرار انتقال العدوى. وتُظهر البيانات الوبائية أن هذا الوضع استمر حتى مع تراجع حدة الحرب في السنوات الأخيرة.

وقال الدكتور محمد  عارف، المتخصص في التحصين واللقاحات في مكتب منظمة الصحة العالمية في اليمن ‹لا يزال اليمن يواجه واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والصحية العامة تعقيداً في العالم›.

مضيفاً: ‹رغم الجهود الحثيثة المبذولة للحفاظ على الخدمات الصحية الأساسية، فإن التأثير التراكمي لسنوات من الصراع، والصعوبات الاقتصادية، والصدمات المناخية، وتفشي الأمراض المتكرر، لا يزال يُلقي بعبء هائل على المجتمعات وعلى النظام الصحي الهش أصلاً›.

جهود التطعيم

على الرغم من التحديات الكبيرة، يواصل العاملون في مجال الرعاية الصحية تقديم الرعاية الحيوية في المناطقة المحرومة في اليمن. وفي يوليو/تموز 2026، أطلقت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية، بدعم من منظمة الصحة العالمية واليونيسف، حملة توعية في المحافظات الجنوبية، بؤرة تفشي الحصّبة.

استهدفت المبادرة 10 بؤر ساخنة لمرض الحصبة، حيث تم تطعيم الأطفال بلقاح الحصبة والحصبة الألمانية، ومن المقرر إطلاق المرحلة الثانية في سبتمبر/أيلول 2026، لتوسيع نطاق التغطية بالتطعيم لتشمل جميع الأطفال دون سن الخامسة في المحافظات الجنوبية.

ولضمان استدامة هذه الجهود، أفادت السلطات الصحية أنها تُجري في الوقت نفسه تقييمات سريعة لأنظمة سلسلة التبريد وإدارة اللقاحات. تتحقق هذه التقييمات من سعة التخزين، وتُحسّن إدارة المخزون، وتضمن توافر اللقاحات بشكل مستمر.

بالإضافة إلى ذلك، يجري تطبيق بروتوكولات مُحسّنة للمراقبة والمتابعة لتحديد الحالات التي لم يتم تطعيمها وتقديم الدعم اللازم للتطعيم لمن لم يتلقوا اللقاح.

نقص اللقحات

وعلى الرغم من صعوبة الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية في زمن الحرب. قال عارف إن التقارير الواردة من الفرق الميدانية تُبرز باستمرار تصميم الأسر اليمنية على حماية صحة أطفالها وسلامتهم، حتى في ظل الظروف بالغة الصعوبة.

الدكتور جعفر حسين: العديد من الأطفال الذين لا يتلقون التطعيمات الروتينية لا يفعلون ذلك بسبب التردد في تلقي اللقاحات، بل بسبب تعطل الخدمات الصحية أو صعوبة الوصول إليها أو عدم توفرها

يشير الدكتور سيد جعفر حسين، رئيس بعثة منظمة الصحة العالمية في اليمن وممثلها القطري: ‹أن العديد من الأطفال الذين لا يتلقون التطعيمات الروتينية لا يفعلون ذلك بسبب التردد في تلقي اللقاحات، بل بسبب تعطل الخدمات الصحية أو صعوبة الوصول إليها أو عدم توفرها في بعض المناطق›.

وقال: ‹تُظهر تجربة أنشطة التوعية المتكاملة بالتحصين الروتيني وفرق التطعيم المتنقلة التي تدعمها منظمة الصحة العالمية أنه عندما تُقرّب الخدمات من المجتمعات، تكون الأسر عمومًا متقبلة للغاية ومتشوقة لتطعيم أطفالها›.

وشدد الدكتور ميشيل سعد، نائب مدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ورئيس فرع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيه، على أهمية ‹تعزيز البنية التحتية للرعاية الصحية وسلاسل الإمداد لضمان تقديم الرعاية الأساسية بأقل قدر من الانقطاع›.

وقال: ‹يتطلب إدخال اللقاحات إلى البلاد وضمان وصولها إلى ما نسميه المرحلة الأخيرة من التوزيع تنسيقًا وتفاوضًا مكثفين›. مضيفاً: ‹في جوهر الأمر هناك مشكلة هيكلية، نحن بحاجة إلى أنظمة وآليات حوكمة أقوى لضمان وصول خدمات الرعاية الصحية إلى المجتمعات بغض النظر عن هياكل الحكم المحلي›.

مرض الحصّبة إرث الحرب الصحي: فيروس يستعصي على الاحتواء
يُجسّد عبء تفشي مرض الحصبة في اليمن أحد عواقب النزاعات المُطوّلة على الصحة العامة للسكان على المدى البعيد (الصورة: MSF)

دروس للمنطقة

أشارت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها «CDC» في تقريرها عن أزمة الحصبة في اليمن ودول أخرى إلى أن ‹الحصبة في أي مكان تُشكل تهديدًا في كل مكان›. ويُصوّر التقرير تفشي المرض في اليمن على أنه مشكلة صحية عامة تتجاوز حدود البلاد.

يُجاور اليمن دولتين: السعودية وعُمان، ويفصله عنهما عوائق جغرافية هائلة، تشمل جبالًا وعرة وصحراء شاسعة، تُحدّ هذه العوائق الطبيعية من حركة السكان على نطاق واسع، مما يوفر للدول المجاورة قدرًا من الحماية. ومع ذلك، حتى انتقال العدوى المحدود عبر الحدود قد يُؤدي إلى أزمة صحية عامة.

وقال عارف: ‹إنّ الحاجة المُلحة لليمن هي دعم دولي مُستدام وقابل للتنبؤ ومرن للحفاظ على الخدمات الصحية الأساسية مع مواصلة تعزيز النظام الصحي على المدى الطويل›.

وأضاف: ‹تتطلب السيطرة المُستدامة على الحصبة استمرار تعزيز خدمات التحصين الروتينية المُتكاملة، وأنظمة الرعاية الصحية الأولية المرنة، وسلاسل إمداد اللقاحات الموثوقة، والاستثمار طويل الأجل في القطاع الصحي›.

يُجسّد عبء تفشي مرض الحصبة في اليمن أحد عواقب النزاعات المُطوّلة على الصحة العامة، ومع تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الخطاب الجيوسياسي في تصدّر عناوين الأخبار، لا يزال المدنيون المهمشون يتحملون العبء الأكبر من الخسائر البشرية الناجمة عن الصراع.

ريف اليمن