قبيل الفجر، بدأت آلام المخاض تشتد على سعيدة (اسم مستعار) داخل منزلها الطيني في منطقة الهوتة، إحدى قرى ريف المكلا بمحافظة حضرموت، لم يكن هناك مركز صحي قريب، ولا قابلة مؤهلة يمكنها التعامل مع حالتها، فيما بدا الطريق إلى المدينة الخيار الوحيد أمام أسرتها.
حُملت سعيدة على عجل في رحلة شاقة عبر طرق ترابية وأودية تفصل بين القرى والتجمعات السكانية، بينما كانت حالتها تزداد سوءًا مع كل دقيقة تأخير، وقبل وصولها إلى مستشفى المكلا، كانت قد فقدت كمية كبيرة من الدم.
تروي والدتها تفاصيل عملية الإسعاف وتقول:” لحظات نقلها إلى المدينة كانت من أصعب اللحظات التي مرت بها الأسرة، كنا خايفين نخسرها بالطريق، وكل دقيقة كانت تمر تزيد خوفنا أكثر”.
وتضيف لـ “ريف اليمن”: “خرجنا بها قبل الفجر وهي تتألم بشدة، والطريق كان طويل ومتعب، وكلما تأخرنا كنا نخاف أن تسوء حالتها أكثر، نعاني من بُعد المراكز الصحية، ولا يوجد في القرية من يقدر يتعامل مع مثل هذه الحالات”.
مواضيع مقترحة
- قابلات الريف.. صمام أمان لحماية النساء والأطفال
- نساء الريف في شبوة: معاناة صامتة ووعي يتشكل ببطء
- ثلاثة عقود من الشغف.. متحف فردي يصون ذاكرة حضرموت
لا تبدو قصة سعيدة حالة استثنائية في أرياف مديرية المكلا، بل تعكس واقعًا صحيًا هشًا تعيشه النساء يوميًا، في ظل محدودية خدمات الصحة الإنجابية وغياب الرعاية الطبية المتخصصة، ما يجعل الحمل والولادة رحلة محفوفة بالمخاطر، خاصة عند حدوث مضاعفات طارئة.
رحلة بحث عن علاج
ليس الأمر مقتصرا على الصحة الغنجابية فحسب، فأسرة الطفل راضي، هي الأخرى عاشت وضعا مقلقا على صحة طفلها البالغ من العمر ستة أعوام، بعد تعرضه لوعكة صحية مفاجأة، في قرية المذينب، منتصف الليل.
يقول والده لـ “ريف اليمن”، لم يكن في القرية أي عامل صحي قادر على التعامل مع الحالة، والوحدة الصحية القريبة كانت مغلقة وتفتقر إلى الأدوية والمستلزمات الأساسية، ما اضطرنا إلى البحث عن وسيلة نقل لإيصاله إلى مدينة المكلا.
ويضيف:” استغرقت الرحلة وقتًا طويلًا بسبب وعورة الطريق وبُعد المسافة، بينما كانت حرارة الطفل ترتفع تدريجيًا وسط حالة من القلق والخوف التي سيطرت على أسرته، في ظل غياب أي رعاية صحية قريبة يمكن أن تتدخل في الوقت المناسب.
مشيرا أن غياب الخدمات الصحية في القرى يجعل حتى الأمراض البسيطة مصدر قلق كبير للأسر، لأن الوصول إلى العلاج يتطلب رحلة طويلة إلى المدينة، ومعه تكاليف كبيرة، حتى وإن كان المرض شيئا بسيطا.
إمكانات محدودة
بحسب مدير مكتب الصحة لأرياف مديرية المكلا، طالب عمر أحمد باقديم، يبلغ عدد سكان قرى ريف المكلا نحو 31 ألفًا و126 نسمة، موزعين على مناطق واسعة ومتباعدة، في حين لا يتوفر سوى 17 وحدة صحية تخدم هذه التجمعات.
مدير مكتب الصحة: يبلغ عدد السكان نحو 31 ألفًا نسمة موزعين على مناطق متباعدة في حين لا يتوفر سوى 17 وحدة صحية تخدم هذه التجمعات
ويؤكد باقديم لـ”ريف اليمن”، أن معظم هذه الوحدات تقدم خدمات أولية محدودة تركز غالبًا على الجوانب الوقائية المجانية، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وضعف التمويل المخصص للقطاع الصحي.
ويشير إلى أن تباعد المسافات وتشتت السكان في الأودية يصعّب نقل اللقاحات وتنفيذ الزيارات الميدانية الدورية، كما أن ضعف التمويل المخصص للقرى وغياب الدعم المجتمعي، باستثناء بعض المرافق في الخربة وبين الجبال والمسنى، يزيد من هشاشة الوضع الصحي.
وفيما يتعلق بالصحة الإنجابية تقتصر الخدمات المتوفرة في ريف المكلا على التطعيمات، والولادات الطبيعية المنزلية، وقياس الضغط، ومتابعة التغذية، وبعض خدمات التوعية وتنظيم الأسرة، إضافة إلى علاجات بسيطة لا تغطي الاحتياجات الفعلية للنساء.
ورغم بساطتها تتوفر هذه الخدمات في عدد محدود من القرى، أبرزها الخربة، وحمم، وثلة باعمر، ورأس محل، لكنها تظل بعيدة عن مستوى مركز صحي متكامل يحتوي على غرفة توليد مجهزة، أو مختبر، أو صيدلية تعمل بكامل طاقتها، وفقا للسكان.
نقص الكوادر
ويمثل نقص الكوادر الصحية، وخاصة النسائية منها، إحدى أكبر المشكلات التي تواجه النساء في ريف المكلا، في مجتمع تتحفظ فيه كثير من الأسر على تلقي المرأة الرعاية الصحية من كادر رجالي، ووفق مكتب الصحة، لم تُمنح المديرية أي خانات تعاقدية جديدة خلال السنوات الأربع الماضية، ما فاقم العجز في خدمات التوليد والرعاية الإنجابية.
كما تعاني المرافق الصحية من ضعف البنية التحتية وغياب المختبرات والصيدليات المجهزة، إلى جانب تشتت القرى جغرافيًا، ما يجعل تقديم الخدمات الطبية بشكل منتظم مهمة بالغة الصعوبة، ويشير باقديم إلى أن بعض الأسر تتكتم على بعض الحالات المرضية بسبب العادات والتقاليد، ما يؤدي إلى تأخر التدخل الطبي وارتفاع احتمالات المضاعفات.
لا يقتصر القلق على العاملين في القطاع الصحي، بل يمتد إلى سكان القرى أنفسهم، إذ يقول أبو مبارك، وهو أحد سكان ريف المكلا، إن معظم القرى بعيدة عن المدينة، وعندما تمرض امرأة أو تبدأ آلام الولادة، تضطر الأسر للبحث عن سيارة خاصة، وقد تنتظر ساعات حتى تجد وسيلة نقل مناسبة.
المرافق الصحية تعاني من ضعف شديد في الموازنة التشغيلية، وكميات الأدوية الأمر الذي يؤدي إلى انقطاع بعض العلاجات الأساسية
ويضيف لـ”ريف اليمن: “أحيانًا تكون الحالة خطيرة ولا تحتمل هذا التأخير، ووجود مركز صحي مجهز أو سيارة إسعاف داخل القرى يمكن أن ينقذ الكثير من الأرواح، خصوصًا في حالات الولادة الطارئة أو النزيف”.
رغم وجود دعم خارجي من جهات مثل البنك الدولي وبرنامج التغذية، إلا أن هذا الدعم، بحسب مكتب الصحة، يستهدف خمسة مرافق فقط من أصل 17، ما يترك غالبية القرى خارج مظلة الدعم المنتظم، كما أن انسحاب الفتيات المبكر من التعليم في بعض القرى يقلل من فرص إعداد كوادر صحية نسائية مستقبلًا، ما يكرّس حلقة مستمرة من النقص والاحتياج.
مشكلات لوجستية
لا تتوقف التحديات عند نقص الخدمات الصحية، بل تمتد إلى مشكلات لوجستية ومالية تعرقل أي تحسن حقيقي، فمديرية أرياف المكلا تفتقر إلى سيارة إشراف ميداني تمكّن الإدارة الصحية من متابعة الوحدات المنتشرة في المناطق البعيدة، كما لا توجد سيارة إسعاف لنقل الحالات الطارئة إلى المدينة، ما يجبر الأهالي على الاعتماد على وسائل نقل خاصة قد لا تكون متوفرة في الوقت المناسب بحسب باقديم..
مشيرا أن المرافق الصحية تعاني من ضعف شديد في الموازنة التشغيلية، ونقص في كميات الأدوية المصروفة من مكتب الصحة بالمحافظة، الأمر الذي يؤدي إلى انقطاع بعض العلاجات الأساسية، خصوصًا المتعلقة بصحة الأم والطفل.
ويرى مكتب الصحة أن تحسين الوضع يتطلب تدخلات عاجلة تبدأ بتوفير سيارة إشراف، وسيارة إسعاف، وأخرى للنقل الإداري، لضمان سرعة الاستجابة للحالات الطارئة وتحسين المتابعة الميدانية، كما تحتاج المديرية إلى رفع الموازنة التشغيلية بما يتناسب مع حجم السكان واتساع الرقعة الجغرافية، إضافة إلى توفير الأدوية الكافية بشكل منتظم.
كما تبرز الحاجة إلى توفير الأدوية بشكل منتظم، واعتماد خانات تعاقدية جديدة لتغطية النقص في الكوادر الصحية، مع التركيز على تدريب وتأهيل كوادر نسائية من داخل القرى للعمل في مجال التوليد والرعاية الإنجابية.
وفي الجانب الإنشائي، يؤكد مدير مكتب الصحة، أن بعض الوحدات الصحية تحتاج إلى إعادة تأهيل وبناء، خصوصًا وحدة حمم الصحية، إلى جانب إنشاء مرافق جديدة في كلبوت والحسي وأسفل العين، وترميم عدد من الوحدات المتهالكة في القرى الأخرى.
وفي ظل غياب مراكز صحية متكاملة وخدمات إسعافية قريبة، تتحول المسافات الطويلة إلى فجوة صحية تهدد حياة النساء والأطفال، فيما تبقى القرى معلقة بين احتياج متزايد وخدمات لا تكاد تلامس الحد الأدنى من الرعاية.

