الجمعة, فبراير 20, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

نساء الريف في شبوة: معاناة صامتة ووعي يتشكل ببطء

في القرى الريفية بمحافظة شبوة جنوبي اليمن، حيث تتقاطع العادات الاجتماعية مع الفقر وضعف الخدمات، تعيش النساء واحدة من أكثر صور المعاناة صمتا في اليمن، ليس فقط بفعل العنف المباشر، بل بسبب نظرة اجتماعية متوارثة ما زالت تقيّد أدوارهن، وتحد من فرصهن.

تعمل الناشطة “فاطمة فرج”، مسؤولة جمعية تنمية المرأة بمحافظة شبوة، في قلب هذا الواقع المعقد، ومن خلال الإشراف على برامج التمكين، وإدارة فرق التوعية والدعم النفسي والاجتماعي، طافت عشرات القرى والمناطق النائية، ورصدت عن قرب احتياجات النساء وأشكال المعاناة التي يعشنها يوميا.

توضح أن دورها في الجمعية لا يقتصر على الجانب الإداري، بل يمتد إلى العمل الميداني، وبناء علاقات مباشرة مع النساء في الريف، والاستماع إلى قصصهن، وتقييم احتياجاتهن بشكل مستمر.


مواضيع مقترحة


تقول فاطمة لـ”ريف اليمن”: “الجمعية تسعى إلى خلق مساحات آمنة للنساء، سواء عبر جلسات الدعم النفسي، أو برامج التدريب، أو حتى مجرد إتاحة الفرصة للبوح، في بيئة ما زالت المرأة فيها تعاني من التهميش وغياب الصوت”.

عنف متعدد الأوجه

بحسب فاطمة فرج، تتعرض النساء الريفيات لأشكال متعددة من العنف، بعضها ظاهر كالعنف الجسدي واللفظي داخل الأسرة، وبعضها الآخر صامت لكنه أكثر قسوة، مثل الحرمان من التعليم، وإجبار الفتيات على ترك المدارس في سن مبكرة.

وتضيف أن التمييز الاقتصادي حاضر بقوة، إذ غالبا ما تحرم المرأة من السيطرة على أي مورد داخل الأسرة، ولا تتاح لها فرص عادلة للعمل أو التدريب.

يمثل الزواج المبكر، وفق حديثها، تحديا كبيرا في بعض المناطق الريفية، لما يحمله من مخاطر صحية ونفسية، إلى جانب ضعف الوصول إلى الخدمات الصحية، خصوصا خدمات الصحة الإنجابية؛ ما يجعل النساء أكثر عرضة للمضاعفات أثناء الحمل والولادة.

وترى فاطمة أن أول ما تحتاجه المرأة الريفية لمواجهة العنف والتمييز هو التعليم، بوصفه المدخل الأساسي للقوة والتمكين، كما تؤكد أهمية توفير فرص تدريب مهني حقيقية تساعد النساء على الاعتماد على أنفسهن اقتصاديا، إلى جانب إنشاء مراكز حماية واستشارات قانونية قريبة من المناطق الريفية؛ إذ تجهل كثير من النساء حقوقهن أو آليات الإبلاغ عن الانتهاكات.


تعيش النساء واحدة من أكثر صور المعاناة صمتا، ليس فقط بفعل العنف المباشر، بل بسبب نظرة اجتماعية متوارثة ما زالت تقيّد أدوارهن وتحد من فرصهن.


تشدد خلال حديثها الموسع مع “ريف اليمن”، على أن الوعي المجتمعي يظل عنصرا حاسما في أي عملية تغيير، مؤكدة أن التغيير لا يمكن أن يأتي من النساء وحدهن، بل يتطلب إشراك القيادات المحلية والرجال في تصحيح المفاهيم السلبية، وبناء بيئة داعمة للمرأة.

رسائل حملة الـ 16 يوماً

خلال حملة الـ16 يوماً لمناهضة العنف، تقول فاطمة إن الجمعية ركزت على إيصال رسالة أساسية مفادها أن العنف ليس قدرا محتوما، وأن من حق المرأة أن تعيش بأمان وكرامة. وتوضح أن الجمعية عملت على تصحيح الفكرة السائدة بأن مناصرة النساء تهديد للأسرة، مؤكدة أن دعم المرأة هو في جوهره دعم لاستقرار الأسرة والمجتمع.

كما شملت أنشطة الحملة جلسات توعية في القرى والمديريات حول العنف الأسري وحقوق النساء، وجلسات حوارية مع الرجال والقيادات المجتمعية، إضافة إلى تقديم دعم نفسي واجتماعي للنساء المتأثرات بالعنف أو بالضغوط المعيشية.

امتدت الأنشطة إلى المدارس، عبر فعاليات تستهدف الفتيات والفتيان لتعزيز ثقافة اللاعنف لدى الأجيال الجديدة، إلى جانب نشر رسائل توعوية عبر الإذاعات المحلية ومنصات التواصل الاجتماعي، بحسب فاطمة.

تغيّر بطيء

تؤكد فاطمة فرج أنها لمست خلال السنوات الأخيرة تغيرا تدريجيا في وعي المجتمع، خاصة بين فئة الشباب، فهناك تقبل أكبر لفكرة تعليم الفتيات، وأسر بدأت ترفض الزواج المبكر، وتدعم بناتها لمواصلة الدراسة. كما أصبح الحديث عن العنف الأسري أقل حساسية مما كان عليه في السابق، رغم أن الطريق ما يزال طويلا والتغيير بطيئا.

وتلفت إلى أن بعض الرجال باتوا يشاركون في الجلسات الحوارية، بحثا عن طرق أفضل لدعم أسرهم، وهو ما تعتبره مؤشرا إيجابيا على أن جهود التوعية بدأت تؤتي ثمارها.

ورغم هذه المؤشرات، تواجه الجمعية تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، إذ غالبا ما تكون المشاريع قصيرة المدى، في حين أن الحاجة مستمرة ومتزايدة، كما يشكل الوصول إلى بعض المناطق الريفية تحديا بسبب بعد المسافات ووعورة الطرق، إضافة إلى الحساسية المجتمعية تجاه مناقشة قضايا العنف.

وتشير فاطمة إلى تعرض الجمعية أحيانا لحملات تحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نتيجة سوء الفهم أو تصوير العمل الحقوقي على أنه تهديد للقيم الاجتماعية، فضلا عن نقص الكوادر المتخصصة في مجالي الدعم النفسي والقانوني، ما يؤثر على جودة الخدمات المقدمة للنساء.

مخاطر العنف

عند الحديث عن أكثر القصص تأثيرا في مسيرتها، تستحضر فاطمة قصة امرأة ريفية عانت من العنف لسنوات طويلة، وكانت تخشى حتى الحديث عن معاناتها، حضرت المرأة إحدى جلسات التوعية والدعم، وكانت في البداية صامتة وخائفة، لكن مع الوقت بدأت تستعيد ثقتها بنفسها، وتتعرف على حقوقها.


فاطمة: هناك تقبل أكبر لفكرة تعليم الفتيات، وأسر بدأت ترفض الزواج المبكر، وتدعم بناتها لمواصلة الدراسة.


تقول فاطمة إن هذه المرأة تحولت اليوم إلى شخص مختلف تماما؛ أكثر قوة وقدرة على حماية نفسها وأطفالها، بل وأصبحت تشجع نساء أخريات على حضور الجلسات، وتضيف: “هذه التحولات الصغيرة تصنع فرقا كبيرا، وهي ما يمنحنا الدافع للاستمرار رغم كل التحديات”.

وتواجه 6.2 مليون امرأة وفتاة مخاطر العنف في اليمن، وهن بحاجة إلى المساعدات المنقذة للحياة خلال العام الحالي 2025، خصوصا أنهن يواجهن الجوع وانهيار نظام الرعاية الصحية.

وقال مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان في مارس الماضي إن “6.2 مليون امرأة وفتاة عرضة لمخاطر العنف بمختلف أشكاله، بما فيها التعرض للإساءة والاستغلال جراء الأزمة الإنسانية المطولة في هذا البلد المصنف كإحدى أفقر الدول العربية”.

شارك الموضوع عبر: