في سلسلة جبلية وعرة تم شق وتعبيد طريق هيجة العبد خلال السنوات الماضية، لتكون شريان حيوي لنقل احتياجات مدينة تعز التي قطعت كل الطرق الرئيسة إليها منذ بدء اندلاع الصراع في اليمن.
وخلال التصعيد الأخير قطعت هذه الطريق الرئيسة التي تربط تعز بمدينة عدن جنوبي اليمن، لم يتوقف الأمر هنا بل تعرضت للتدمير الممنهج بالمتفجرات لجعل الحصار على المدينة مستداماً حتى لو انتهت المواجهات عسكرية.
في الثامن عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2026، اهتزت مرتفعات «هيجة العبد» على وقع انفجارات هائلة أحدثتها عبوات ناسفة زرعتها جماعة الحوثي تحت عبّارات المياه، مما ألحق أضراراً جسيمة بالطريق الجبلي الوعر، وفق منظمة «هيومن رايتس ووتش».
مواضيع مقترحة
- تعز.. تحذيرات من ‹كارثة إنسانية› جراء الحصار وتصاعد القتال
- نازحو ريف تعز.. فرار متكرر ومخيمات على خطوط النار
- نازحو الأرياف.. من جحيم القصف إلى معاناة المأوى والإيجارات
طريق هيجة العبد
وكان الطريق قبل التصعيد الأخير المنفذ الرئيسي والوحيد لتدفق الغذاء والدواء والوقود إلى مدينة تعز المحاصرة منذ عام 2015 حيث كانت أطراف الصراع تتقاسم السيطرة على المدينة لكن مع هذا التصعيد خلال الأشهر الماضية كان هذا الطريق هدف رئيسي للتدمير.
ويعد استهداف طريق هيجة العبد التي تبعد نحو 45 كيلومترا جنوب شرق مدينة تعز، ضربة قاضية لسبل عيش السكان ولشريان حيوي لأكثر من مليون نسمة، حيث تقطع الإمداد التجاري والإنساني الأخير، محولةً الرحلة اليومية لشاحنات المساعدات والمواد الأساسية إلى مخاطرة غير محسوبة العواقب.
وقالت منظمة «رايتس ووتش» من أن التدمير المتعمد لبنية تحتية لا غنى عنها لبقاء السكان على قيد الحياة، قد يرقى إلى مستوى جريمة حرب، مشيرة إلى أن حرمان المدنيين من الوصول إلى الاحتياجات الضرورية يفاقم من الآثار المأساوية للحصار.
وأفاد برنامج الغذائي العالمي ‹أن نحو 600 نسمة من السكان يحتاجون مساعدات لا تستطيع الوصول إليهم›، حيث يعيشون تحت وطأة الحاجة الماسة للمساعدات، وتضع الهجمات حياة المدنيين على المحك، متجاوزة حدود الصراع العسكري إلى إضرار مباشر على إمدادات الغذاء.
قال البرنامج ‹إن مخزونات دقيق القمح أوشكت على النفاد في المدينة، وإن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي سوى لفترة قصيرة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى تلك المناطق›.
وقالت نيكو جعفرنيا، الباحثة اليمن والبحرين في هيومن رايتس ووتش: ‹إذا قُطع هذا الطريق الحيوي على سكان تعز لفترة طويلة، فقد يواجهون مخاطر أكبر على حياتهم وظروف عيشهم›.
واعتبرت وزارة النقل اليمنية بأن تدمير عبّارة طريق هيجة العبد ‹اعتداء خطير يستهدف البنية التحتية المدنية، ويتسبب بتعطيل حركة النقل التجاري ويعرقل وصول السلع والمواد الأساسية إلى المواطنين في تعز›.

استهداف ممنهج
شكلت الهجمات المتتالية على طريق هيجة العبد تحولاً خطيراً في مشهد الحصار الممتد على تعز فعلى بُعد كيلومترات قليلة من المنعطفات الجبلية الخطرة، تسببت التفجيرات الأخيرة في تدمير أجزاء واسعة من الهيكل الخرساني للطريق وعبّارات السيول المحاذية له.
وأفادت منظمة هيومن رايتس ووتش، إنها تحدثت إلى ثمانية مصادر في أكتوبر/تشرين الأول بشأن هجومَيْن على الطريق وتداعياتهما، حللت أيضا صور أقمار صناعية، وتحققت من صور وفيديو وردت من مصادر أو نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقرابة الساعة 4 صباح 18 أكتوبر/تشرين الأول، فجّرت قوات الحوثيين متفجّرات على طريق هيجة العبد في مدينة التربة، ما ألحق أضرارا جسيمة بجزء من الطريق -وفق «رايتش ووتش»- الذي أشار بأنه منذ ذلك الحين، لم يشهد المكان قتالا بريا، ويشمل ذلك ليلة الهجوم.
ويروي شهود عيان وسكان محليون مشاهد الرعب التي عاشوها فجر الثامن عشر من أكتوبر، عندما هزت الانفجارات القرى المجاورة في منطقة التربة وتساقطت صخور الجبال على منازلهم. ونقلت منظمة رايتس ووتش عن مصدر آخر إن قريبه أخبره: ‹كان انفجارا هائلا ومرعبا استيقظ الجميع. وصلت الحجارة حتى منزلي›.
ولم تكن تلك الحادثة منفصلة، بل سبقتها بأسبوعين. ووفق التقرير ‹وضعت متفجرات في عبّارة مائية تحت الطريق بعد سوق الوهطي مباشرة ثم انسحبت› وهذا يظهر نمطاً متكرراً يعطل جهود الصيانة الترابية المؤقتة التي تحاول السلطات المحلية عبرها فتح ممرات طوارئ ضيقة للمركبات.
هذه التفجيرات المتعمدة أدت إلى شلل شبه تام في حركة مرور الشاحنات الكبيرة المحملة بالدقيق والأدوية القادمة من المحافظات الجنوبية، ومع توقف حركة السير وتعذر مرور شاحنات نقل البضائع، ارتفعت أسعار السلع الأساسية والمياه الصالحة للشرب في أسواق تعز إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
وبات الوصول إلى الرعاية الطبية خارج مدينة تعز أو أمراً شبه مستحيل بالنسبة للحالات الحرجية، حيث تسببت الأضرار الهيكلية في الطريق بزيادة زمن الرحلة وتضاعف مخاطر الانزلاق في المناطق الجبلية الوعرة والشاقة.

تحذيرات من مجاعة
تصاعدت التداعيات الإنسانية للهجمات الأخيرة لتصل إلى مستويات تحذيرية حادة؛ إذ أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عن تعذر وصوله إلى مئات الآلاف من السكان الذين يعتمدون كلياً على المعونات الإغاثية.
وتؤكد تقارير المنظمات الدولية في اليمن، أن أغلب مديريات تعز باتت تصنف ضمن مناطق المستويات الطارئة من الجوع، في ظل نفاد مخزونات دقيق القمح والمواد الغذائية الأساسية من الأسواق المحلية.
تؤكد هيومن رايتس ووتش أن القانون الدولي الإنساني يمنع صراحة أساليب الحرب التي تؤدي إلى تجويع المدنيين أو استهداف الأعيان والمرافق التي لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة.
وأوضحت المنظمة أن حتى في حال اعتبار الطرق أهدافاً عسكرية في ظروف معينة، فإن الأضرار الجانبية المفرطة الناتجة عن إغلاق طريق هيجة العبد تجعل الهجمات غير متناسبة وانتهاكاً صارخاً لقوانين الحرب.
قالت جعفرنيا: ‹قد يكون للقتال في تعز عواقب وخيمة على مئات آلاف المدنيين المحتاجين إلى المساعدات. ينبغي لجميع الأطراف المتحاربة الحرص على حماية المدنيين في اليمن، الذين يتكبدون معاناة كبيرة على مدى 12 عاما من النزاع›.
وأمام التهديدات المباشرة لسبل العيش، تتجدد المطالبات الحقوقية والدولية لجميع أطراف النزاع بضرورة تحييد المنافذ الإنسانية والطرق التجارية، وفتح كافة الممرات المؤدية إلى تعز دون شروط، لضمان تدفق المساعدات والإمدادات الطبية ومنع وقوع فاجعة إنسانية قد تطال آثارها جيلًا بأكمله.
ومنذ نحو شهر انقطعت كافة الطرق الرئيسة المؤدية إلى مدينة تعز، وسط اشتداد المعارك في مناطق واسعة في أرياف تعز، ويتفاقم الوضع الإنساني بشكل يومي مع نقص الإمدادات الغذائية وارتفاع الأسعار وشحة الوقود.





