الأربعاء, 8 يوليو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
معيشة

رعاة الإبل.. رحلة لا تنتهي بحثًا عن المرعى

📅 يوليو 8, 2026

من منطقة القريشة بمحافظة تعز شمالاً حتى المضاربة بلحج جنوبًا، يقضي سلطان أحمد ذو الثلاثين عامًا حياته متنقلاً بين السفوح والتلال والهضاب، يرعي إبله التي يبلغ عددها 23 رأسًا، في رحلة تتجدد كل يوم بحثًا عن المرعى.

ينحدر سلطان من منطقة الزريقة الواقعة بين المحافظتين، ويعمل راعيًا للإبل كما فعل والده وجده من قبله، فقد توارثت أسرته هذه المهنة جيلاً بعد جيل، واعتمدت عليها مصدرًا رئيسيًا للرزق منذ زمن.

يقول لـ”ريف اليمن”، أن تكون راعيًا للأبل يعني أن تقضي حياتك مرتحلًا في الأسفار على الدوام إذ تقتضي مهنة رعي الإبل أن يرتحل الرعاة باستمرار.

وتفرض طبيعة المهنة على الرعاة التنقل المستمر بين المناطق الريفية، بحثًا عن الرعي والمياه، في رحلة طويلة لا تنتهي، ويشترك رعاة الإبل في الريف في شيء واحد وهو عدم استقرارهم في مكان معلوم.


مواضيع مقترحة


ويضيف قائلا: “نقضي أغلب وقتنا في مناطق بعيدة عن أهلنا، ونرتحل في مجموعات، لأن ذلك يمنحنا الأمان ويخفف من شعور العزلة.” وبحسب كتاب الإحصاء الزراعي الصادر عن وزارة الزراعة والري في صنعاء عام 2020، يبلغ إجمالي عدد الإبل في اليمن 448,892 رأسًا، وتمثل أكثر من 2% من إجمالي الثروة الحيوانية في البلاد.

مصدر للرزق

ورغم ما يواجهه رعاة الإبل من مشقة، فإن هذه المهنة تمثل مصدر دخل لآلاف الأسر، ويعتمد الرعاة على بيع الحليب ومواليد الإبل لتغطية احتياجاتهم المعيشية، ويوضح سلطان: “أبيع الحليب خلال تنقلاتي، ويزداد الإقبال عليه لما يُعرف عنه من فوائد صحية، كما أبيع مواليد الإبل بأسعار تتراوح بين 450 ألفًا و600 ألف ريال للرأس الواحد، وهو ما يساعدني على إعالة أسرتي.”

ورغم أهميتها تشير بيانات رسمية صادرة عن إدارة الإحصاء والأرصاد الزراعي إلى تراجع الثروة الحيوانية في اليمن من نحو 21.2 مليون رأس عام 2014 إلى 19.3 مليون رأس عام 2018. وشمل هذا التراجع الأغنام والماعز والأبقار والإبل على حد سواء.

كما تواجه تربية المواشي في اليمن تحديات جسيمة تراكمت خلال السنوات الماضية، أبرزها ندرة الأعلاف، وارتفاع تكاليفها، بالإضافة إلى موجات الجفاف المتكررة التي أدت إلى تدهور المراعي الطبيعية والضغوط الاقتصادية؛ مما أجبر الكثيرين على بيع الماشية لتغطية نفقات المعيشة الضرورية.

وبالنظر إلى أن قطاع الثروة الحيوانية يستوعب 25% من القوى العاملة الريفية ويوفر الدخل لأكثر من 3.2 مليون شخص وفقاً لمنظمة “الفاو”، فإن هذا التدهور يعني اتساع رقعة البطالة والفقر، وتحول الأسر من منتجة ومكتفية ذاتياً إلى مستهلكة تعتمد كلياً على الأسواق المستوردة.

فوائد بيئية

ولا تقتصر فوائد رعي الإبل على الرعاة فقط إذ يساهم نشاط الرعي في تعزيز التنوع الحيوي إذ يؤكد مدير وحدة الصحة الحيوانية بوزارة الزراعة والري والثروة السمكية في محافظة المهرة الدكتور حامد الحامد: إنّ رعي الابل يسهم في دعم التنوع النباتي”.

تشير الإحصائيات إلى انخفاض أعداد الإبل بنسبة 2.4 % خلال الفترة من 2014 إلى 2020 (ريف اليمن)

ويلفت أن ذلك يتم من خلال المساعدة على نشر بذور النباتات المحلية عبر الحركة الطبيعية للإبل وروثها الأمر الذي يؤدي إلى تجدد المراعي والمحافظة على الأنواع النباتية المتكيفة مع البيئة اليمنية، ويضيف أن الإبل تمتلك قدرة فريدة على الرعي الانتقائي، إذ تتغذى على أجزاء من النباتات دون اقتلاعها من جذورها، ما يساهم في الحفاظ على الغطاء النباتي ويحد من تدهور المراعي الطبيعية.

ويشير إلى أن الإبل تؤدي أيضًا دورًا مهمًا في الحفاظ على التوازن البيئي، إذ يسهم استقرار الغطاء النباتي في دعم الكائنات الحية الأخرى، مثل الحشرات والطيور، ويساعد على حماية النظم البيئية الهشة من التصحر والتدهور.

ومع ذلك، لا تزال عوامل عدة تؤثر في نشاط رعي الإبل في اليمن، وفي مقدمتها الجفاف والظروف المناخية المتطرفة، وخلال السنوات العشر الأخيرة، أصبح رعاة الإبل يواجهون تحديات متزايدة نتيجة موجات الجفاف، وتراجع المساحات الرعوية، وعدم انتظام هطول الأمطار.

يقول سلطان: “في فصل الصيف، وهو موسم الأمطار، أعود إلى قريتي لرعي إبلي، لكنني لا ألبث أن أرحل مجددًا بحثًا عن المرعى، لأن الأمطار لم تعد منتظمة، وأصبحت تنقطع لفترات طويلة.”

ويرجع أستاذ علوم البيئة في جامعة تعز، الدكتور وديع الشرجبي، هذه التغيرات إلى التأثيرات المتزايدة للتغير المناخي، ويقول لـ”ريف اليمن”: “تتجلى آثار التغير المناخي في اليمن في ارتفاع درجات الحرارة، وعدم انتظام هطول الأمطار، وتكرار موجات الجفاف، وانحسار المساحات الرعوية.”

ويضيف أن نشاط الرعي، ولا سيما رعي الإبل، يتأثر بدرجة كبيرة بهذه الظروف المناخية المتطرفة، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى انخفاض أعداد الإبل باطراد، وتشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة الزراعة والري إلى انخفاض أعداد الإبل بنسبة 2.4 % خلال الفترة من 2014 إلى 2020.