تسابق سعاد محمد (45 عامًا) شروق الشمس، وتقطع نحو 2 كيلو متر، باتجاه حقول عراس بمدينة يريم التابعة لمحافظة إب، للعمل في مزارع البطاطس لتأمين لقمة العيش لفتياتها، كونها المعيل الوحيد لأسرتها.
تقول سعاد لـ”ريف اليمن”: “أذهب مع ابنتي للعمل والبحث عن كمية من البطاطس لبيعها، نحصل أحيانًا على كيس كامل وأحيانًا على نصفه، وكل يوم بقدر ما رزقنا الله”.
تعد سعاد واحدة من عشرات النساء اللواتي أجبرتهنّ الظروف القاسية على العمل في الحقول بحثاً عن المحصول، سواء بطلب العون، أو المقايضة مقابل خدمات بسيطة، أو أخذ ما يتبقى بعد جني الثمار.
مواضيع مقترحة
- اليمن يواجه أزمة مزدوجة: ‹النينيو› يفاقم شبح الجوع عالميًا
- الباعة المتجولون.. كفاح لا ينتهي لتأمين لقمة العيش
- غلاء “الثيران” يدفع المزارعين اليمنيين نحو الآلات الحديثة
مشقة رزق الحقول
توضح سعاد أن طرق الكسب تتعدد خلال السعي لتحصيل الرزق، مشيرةً إلى أن الكثير ممن يعملون بهذا المجال الشاق لا يتحملون المهام المضنية في الحقول، لا سيما النساء والأطفال وكبار السن.
وتضيف :”من يعملون بهذا المجال يقومون بتقديم عروض للمزارعين لتأدية مهام زراعية خفيفة مقابل المال أو حبات من البطاطس، مثل إزالة الأعشاب الضارة أو تنظيف جزء من المزرعة لبضع دقائق، قبل الانتقال إلى مزرعة أخرى”.
تؤكد سعاد أن الحاجة هي ما تدفعها للخروج إلى الحقول والإلحاح على المزارعين، رغم أن بعضهم يقابلها ومثيلاتها بالرفض، نظرًا لمحدودية القدرة الاستيعابية للحقول أو تحفظ بعض المزارعين.
وترفض مسلك التسول، إذ تبادر بتقديم خدمات بسيطة للمزارعين لمنحها جزءًا من المحصول، كي تعود به إلى المدينة لبيعه بثمن زهيد لتوفير الاحتياجات الضرورية.
وفي بعض الأيام، تدفعها حاجة فتياتها إلى طلب البطاطس مباشرة تحت مسمى “اللسيس”، وهو عرف محلي شائع يرفع الحرج عن الطالب بمقتضى ضرورة تأمين وجبة الغداء. وبعد ساعات من التنقل، تعود النساء والأطفال ليعرضوا ما جمعوه للبيع على رصيف الطريق العام المؤدي إلى مدينة يريم ليشتري المارّة والمسافرون محصولهم.

وتأتي النساء والشباب والرجال من مدينة يريم نحو الوديان للبحث عن عمل إذ يوكل إليهم المزارعون مهام مقابل أجور نقدية، مثل قلع البطاطس بالمفرس من التراب، أو تجميعها بعد الحرث، وتعبئتها ونقلها إلى السيارات، لكون قدراتهم البدنية تمنحهم حظًا أفضل في الحصول على تلك المهام.
المقايضة والتكافل
وتتعدد طرق البحث عن الزرق في المنطقة لتشمل المقايضة، حيث ينشط باعة متجولون يتبادلون سلعهم وحلوياتهم بحفنات من البطاطس، مثلما يفعل باعة الآيس كريم المتجولون المنحدرون من مختلف المحافظات.
يؤكد أيمن سند إلى أن هذه الطريقة تجد ترحيبًا من المزارعين الذين يقدمون المحصول بكرم يفوق التناسب السعري، إذ يُعطى البائع مقابل قطعة آيس كريم لا تتجاوز قيمتها 100 ريال نحو كيلوغرامين إلى ثلاثة كيلوغرامات من البطاطس.
كما تجذب المقايضة التجارية المربحة باعة متجولين من يريم وسمارة وريمة، حيث يؤكد هلال الأسدي، وهو بائع آيس كريم لـ”ريف اليمن” أن المهنة ازدهرت جراء تردي قطاعات العمل الأخرى وسهولة الانخراط فيها، إذ يحصل الشباب على البضاعة بالأجل من الموردين ويسددون قيمتها عقب تسويق المحصول.
ويرى الصحفي بشير المصقري أن انسداد طرق توفير لقمة العيش الرسمية أدى لظهور هذه البدائل التي لا ترقى لتسميتها “فرصًا”، بل هي تحرك عشوائي اضطراري وغير مضمون النتائج نحو المحاصيل الموسمية، مما يطرح أسئلة ملحة حول غياب دور الجانب الرسمي في توفير الفرص المستدامة
يمثل قطاع الإنتاج الزراعي والريفي “طوق نجاة” للسكان وتحضر أشكالا متعددة من التضامن والتكافل الاجتماعي
ويجري التعامل بين الناس في الوديان بمنطق مختلف عن منطق السوق؛ إذ تحضر أشكال متعددة من التضامن والتكافل الاجتماعي والإنصاف والتعاطف التي غابت عن المدن، حيث يوضح المزارع عبد القادر سند لـ”ريف اليمن” ثقافة المزارعين السائدة بقوله “هي خُضّرة، فلا تتقصى، تتقصى عليك الأرض، أعطي لتحل البركة”.
كما تعتمد فئات أخرى كليًا على كرم أهل الحقول عبر عرف “الدرجة”، وهو التنقل بين المزارع قصد طلب القليل من كل حقل، يروي حيدر عمر (70 عاماً)، وهو نازح في قرية منكث بمديرية يريم، لـ”ريف اليمن” أنه لا يستطيع العمل ويعتمد كليًا على فاعلين الخير من المزارعين.
وفي ظل التكافل، تحولت المنطقة الريفية إلى مركز احتواء مؤقت استقبل أسرًا نازحة من الحداء وخولان ومناطق أخرى، فضلاً عن التدفق اليومي لأبناء المدن المجاورة بحثًا عن أي فرصة عمل.
نشاط اقتصادي وتحديات
تُفسّر تقارير دولية سرّ التدفق الشعبي نحو الوديان، إذ تشير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والوكالات الأممية إلى أن قطاع الإنتاج الزراعي والريفي بات يمثل “طوق نجاة” رئيسيًا للسكان، لا سيما مع انهيار فرص العمل، وتوقف قطاع الإنشاءات في المدن، وانقطاع المرتبات الحكومية منذ سنوات.

ويأتي التشبث بالأرض في وقت تحذر فيه المنظمات الدولية من مخاطر تفشي المجاعة في اليمن؛ حيث يُصنّف البلد ضمن أخطر عشر بؤر للجوع عالمياً لعام 2026، ويحتل المرتبة السادسة بعد نيجيريا والسودان والكونغو وبنغلاديش وإثيوبيا، بمعاناة نحو 16.7 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفقًا لتقرير منظمة “العمل ضد الجوع” ACF.
أمام هذا الواقع المتفاقم، شهدت حقول يريم تحولاً نحو زراعة البطاطس كمحصول نقدي، مدعومًا بتوفر الطاقة الشمسية لاستخراج المياه بعد أن كانت المنطقة تعتمد على الزراعة المطرية للحبوب.
ولم يقتصر التغير على توفير الطاقة، بل دفع أصحاب مهن مختلفة للهجرة نحو الفلاحة، كحال المزارع فتاح الحكيم الذي يوضح لـ”ريف اليمن” أنه ترك عمله السابق كمقاول نجارة وحديد جراء تراجع حركة البناء، منتقلًا للزراعة كونها الخيار الأكثر جدوى واستقرارًا في ظل الحرب.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن اليمن يستورد نحو 85% من غذائه، بما في ذلك 90% من القمح. هذا الاعتماد الشديد على الاستيراد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية، ويفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في البلاد. ووفقًا للتقديرات، فإن ما يقرب من 17 مليون يمني يواجهون خطر انعدام الأمن الغذائي.
وأثرت التغيرات المناخية على الزراعة في اليمن، حيث تراجعت المساحة المحصولية من 1.6 مليون هكتار عام 2010 إلى 1.2 مليون هكتار عام 2020، وهو انخفاض بنسبة 26.9%.
كما أن 57.1% من إجمالي المساحات المزروعة تعتمد على الأمطار، مما يجعلها عرضة للتقلبات المناخية، بحسب دراسة بعنوان “آثار تغير المناخ على اليمن واستراتيجيات التكيف”.





