الخميس, 3 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تحقيقات

إرث الأجداد.. كيف تُلهم بيوت لحج القديمة مستقبل التكيف المناخي؟

📅 سبتمبر 2, 2026

في قرية الخداد التاريخية بمديرية تُبن في محافظة لحج، لم يكن دافعي البحث عن جمال العمارة، بل جئت كصحافية للبحث عن إجابة لمعادلة قاسية، ففي وقت يكابد فيه الأهالي جحيم الصيف وانقطاع التيار الكهربائي لساعات متواصلة، مجبرين على التنقل بين الغرف بحثا عن زاوية أقل حرارة، تبرز البيوت الطينية كحل عبقري.

حين دخلتُ أحد البيوت الطينية القديمة، شعرتُ بفارقٍ مذهل؛ ففي الوقت الذي كانت فيه حرارة الخارج تلامس 45 درجة مئوية حوّلت المباني الإسمنتية إلى أفران خانقة، كان الداخل ينعم بهواءٍ لطيف وبرودةٍ طبيعية هادئة، دون أي وسائل تبريد صناعية.

تساءلتُ: كيف عرف اليمنيون في المناطق الصحراوية قبل مئات السنين أسرار التبريد الطبيعي والاعتماد على الموارد البيئة، فجعلوا من الطين درعًا في وجه القيظ، بينما تتعثر مدنن الحديثة اليوم بين أزمات الطاقة وموجات الحرارة المتصاعدة؟


مواضيع مقترحة


تضع تقارير البنك الدولي اليمن أمام واقع مناخي حرج، مع ارتفاع متسارع في درجات الحرارة واضطراب حاد في الأمطار يهدد نصف السكان. وفي لحج، تتضاعف الأزمة ميدانياً عبر انحسار الرقعة الزراعية، وارتفاع تكاليف البناء، وانقطاعات كهربائية تجعل التبريد الميكانيكي رفاهية مستحيلة. هنا تحديداً، يتراجع المسكن الحديث عن تأدية وظائفه، ليعود الطين كخط دفاع أول في مواجهة المناخ.

وتكشف بيانات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بمحافظة لحج للفترة بين عامي 2021 و2023 عن مستويات حرارية مرتفعة، إذ تتجاوز المتوسطات العامة 32 درجة مئوية صيفاً، مع درجات حرارة صغرى تقترب من 30 درجة مئوية ليلاً.

تكمن خطورة الأرقام في الاختزان الحراري، حيث تمتص المباني الخرسانية حرارة النهار وتواصل إشعاعها لداخل الغرف ليلاً؛ ما يمنع أجساد السكان من التعافي من إجهاد النهار عند انقطاع التيار الكهربائي.

إرث الأجداد.. كيف تُلهم البيوت الطينية في لحج مستقبل التكيّف المناخي؟
تُقدم تجربة البناء التقليدي في لحج شهادة ميدانية على كفاءة التبريد السلبي (أنسام عبدالله_ ريف اليمن)

واقع الحرارة والتبريد

تُظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن التعرض للحرارة الشديدة يتسبب في الإجهاد الحراري وتفاقم الأمراض المزمنة، متسبباً بنحو 489 ألف وفاة سنويًا عالمياً. وفي الوقت نفسه، يشير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية «UN-Habitat» إلى أن قطاع المباني والتشييد مسؤول عن 37% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة، ما يضع القطاع العمراني أمام واقع مزدوج يجعله يتأثر بالتغير المناخي ويساهم في تغذية هذا التغير في الآن ذاته.

البنك الدولي: يواجه اليمن واقعاً مناخياً حرجاً؛ فالتسارع في ارتفاع الحرارة والاضطراب الحاد في معدلات الأمطار أصبحا يهددان حياة نصف السكان

ومن هنا تبرز أهمية التبريد السلبي، وهو المفهوم المعتمد على تصميم المبنى للاستفادة من التهوية والتظليل، والكتلة الحرارية للمواد لتقليل الحاجة إلى التبريد الميكانيكي؛ ففي قرية المحلة بمديرية تبن، ترسم أم أنور أبعاد الأزمة من داخل منزلها الإسمنتي الحديث، حيث تتحول الظهيرة عند انقطاع الكهرباء إلى اختبار صعب مع امتصاص الجدران للحرارة وإعادة بثها، لتلخص المأساة بوصف البيت بـ”الفرن”.

وتتجلى المفارقة بوضوح بين قريتي المحلة والخداد؛ فالبيت القديم بالخداد كُيِّف ليؤدي وظائفه الحرارية ذاتياً بمعزل عن الطاقة، بينما ارتبط المسكن الحديث كلياً بوجود الكهرباء.

هندسة البيوت الطينية

تُقدم تجربة البناء التقليدي في لحج شهادة ميدانية على كفاءة التبريد الطبيعي، تتكامل فيها ذاكرة الأهالي مع الملاحظات الهندسية الدقيقة، حيث يروي فضل بلعيد (60 عامًا) أن منزل جده بقرية الخداد، الذي شُيّد في خمسينيات القرن الماضي، لا يزال يحتفظ ببرودته المستقرة مقارنة بالبيوت المجاورة المبنية من الطوب الخرساني.

ويتطابق المشهد مع تجربة الحاج علي حسن (69 عامًا)، الذي يتخذ من غرفته الطينية المتجاوزة 55 عاماً دليلاً على صمود العمارة البيئية، متذكراً التوزيع العمراني القديم في لحج، حيث كانت البيوت تعلوها “خلوة” صغيرة تخصص للاستراحة والاستفادة من حركة الهواء المرتفعة.

إرث الأجداد.. كيف تُلهم البيوت الطينية في لحج مستقبل التكيّف المناخي؟
بيانات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد في لحج للفترة بين عامي 2021 و2023 (أنسام عبدالله _ ريف اليمن)

وعلى المستوى الحرفي، ينقل عثمان سالم -البنّاء التقليدي الذي توقف عمله مع تراجع البناء الطيني- تفاصيل الصنعة؛ إذ كان يشيد جدراناً طينية يصل سمكها إلى 60 سم باستخدام طوب “اللِّبْن” المصنوع بمقاسات (40×8 سم²).

ويؤكد سالم لـ “ريف اليمن” أن الخرسانة تناسب البيئات الجبلية الباردة ولا تلائم السهول الحارة.

يوافقه رئيس جمعية عبر لحسان الزراعية بالخداد، فضل العمري، موضحاً أن الأجداد ابتكروا تقنياتهم بقطع اللبن وتجفيفه تحت الشمس، واستخدام أخشاب شجر البيدان للأسقف مع تصميم مسارب مخصصة لتصريف مياه الأمطار لضمان حماية المادة الطينية.

من الجانب الهندسي، قال مدير مكتب الأشغال العامة والطرق بمديرية الحوطة المهندس عادل مفتاح المعمار إن ‹البيوت الطينية لم تكن كتلًا مغلقة، بل ضمت فضاءات مثل الدكة والمربعة، وأفنية داخلية لتجديد الهواء›، مشيراً إلى الفتحات العلوية المعروفة بـ «السوارق» (أبعادها حوالي 50×50 سم²) والتي تعمل على ‹طرد الهواء الساخن المرتفع للأعلى وسحب الهواء البارد من الطبقات العليا›.

ويفسر الظاهرة فيزيائياً رئيس الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة، الدكتور سالم ثابت بأن ‹معامل التوصيل الحراري للطوب الطيني يتراوح بين 0.18 و0.24، بينما يصل في المباني الأسمنتية إلى 0.70–0.80›.

‹وهو ما يعني أن الخرسانة تنقل الحرارة إلى الداخل بمعدل يبلغ ثلاثة أضعاف الطين، بينما تمنح الجدران الطينية السميكة المبنى كتلة حرارية عازلة تقيه الإشعاع الشمسي› وفق ثابت.

الأمم المتحدة: قطاع التشييد مسؤول عن 37% من انبعاثات الكربون المرتبطة بالطاقة، ما يجعله متأثراً بتغير المناخ ومساهماً في تغذيته معاً

وتدعم الباحثة الدكتورة رحيمة عبدالرحيم من جامعة لحج العزل الهندسي في دراستها حول التحولات المورفولوجية لمدينة الحوطة، مشيرة إلى أن التخطيط القديم اعتمد النوافذ المرتفعة والأسقف العالية والأفنية المترابطة لتخفيض نفاذ الحرارة، وهو ما يتجسد في شواهد معمارية قائمة مثل المدرسة المحسنة، ودور العرائس التي يستدل بها مدير مكتب الثقافة بلحج، باسل فضل علوي، كأدلة على موروث معماري قائم على التكيّف الذاتي.

وأوضح لـ “ريف اليمن” أن علاقة المواطن اليمني بالتربة والأرض كانت عميقة، وأن الطين لم يكن مجرد مادة للبناء، بل دخل في تفاصيل الحياة اليومية، من المساكن إلى أدوات الأكل والشرب.

ومع دخول الحديد والألمنيوم ومواد البناء الحديثة، تراجع استخدام الطين، مشيراً إلى أن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في المادة، بل مسّ العلاقة بين الإنسان والأرض والطبيعة، وبالتالي أفقد جزءا من الهوية اللحجية.

عوائق البناء والتكيف

رغم الكفاءة، تعترض العودة الفردية للبناء الطيني عوائق جادة يتقدمها ندرة المادة الخام وتغير النمط الاقتصادي، إذ يوضح المواطن محمد علي (59 عامًا) أن الحصول على التربة الزراعية وتراب الروكة لم يعد مجانياً كما كان، إثر تراجع المساحات الزراعية وارتفاع قيمتها السوقية، يضاف إلى ذلك غلاء الصيانة الدورية وتراجع الكوادر الحرفية المتخصصة.

إرث الأجداد.. كيف تُلهم البيوت الطينية في لحج مستقبل التكيّف المناخي؟
مدير مكتب الثقافة في محافظة لحج، باسل فضل علوي (ريف اليمن)

وتشكل تلك المعضلة تحدياً بيئياً وهندسياً يتطلب المعالجة بدلاً من اعتبارها انسداداً تاماً؛ إذ يمنع التخطيط البيئي الحديث تجريف التربة الزراعية المنتجة، ويستدعي في المقابل التوجه نحو استخراج الترب غير الزراعية من مصادر مخصصة، أو اعتماد تقنيات “الطين المضغوط” والمصنع هندسياً مع المواد المثبتة.

تتضاعف أهمية الحلول المعمارية عند النظر إلى كلفة البدائل التكنولوجية، إذ يوضح محمد جمال، العامل في محلات المنظومات الشمسية بالحوطة، أن تكلفة المنظومة التشغيلية بقدرة 5 إلى 10 كيلوواط تتراوح بين 7 آلاف و11 ألف ريال سعودي، وهي كلفة باهظة تجعل التبريد عبر الطاقة البديلة خياراً غير متاح لغالبية السكان.

ويبرز القصور التشريعي بوضوح، حيث يبين عادل السلفي، مدير إدارة التخطيط بفرع هيئة الأراضي بلحج، أن الاشتراطات الفنية العمرانية الحالية تفتقر لمعايير العزل الحراري أو حلول البناء البيئي، ما يتطلب تحديث كود البناء ليتلاءم مع المتغيرات المناخية والاقتصادية.

بيوت الغد

لا تكمن المراهنة اليوم في الحنين المجرد إلى الماضي أو الاستبدال الكلي للإسمنت، بل في صياغة نموذج معماري تطويري يمزج بين الهندسة الحديثة والخصائص الحرارية للطين.

الدكتور سالم ثابت: تنقل الخرسانة الحرارة إلى الداخل بمعدل يبلغ ثلاثة أضعاف الطين، بينما تمنح الجدران الطينية السميكة المبنى كتلة عازلة تقيه

يقوم نموذج بيت لحج المتكيف مناخياً على استخدام تربة محلية غير زراعية مفحوصة مخبرياً ومضغوطة بتقنيات حديثة معالجة ضد الرطوبة، مع استلهام فتحات التهوية العلوية والأفنية الداخلية للتبريد الطبيعي، وتطبيق عزل مائي حاد للأسقف والجدران، إلى جانب الاستعانة بأساسات خرسانية متينة تقي المبنى مخاطر السيول.

ولتحويل ذلك إلى استراتيجية عمل، تقترح المهندسة المعمارية والباحثة أريج المنصوري إطاراً تنفيذياً يبدأ بتوثيق المباني الطينية القائمة وأرشفة خبرات البنائين، وصولاً إلى تعديل كود البناء وصياغة دليل هندسي للبناء المتكيف.

وبحسب المنصوري، يتطلب ذلك إقامة تجربة ميدانية تقودها السلطات المحلية والكليات الهندسية لبناء نموذجَيْن متجاورَيْن أحدهما خرساني والآخر طيني متكيف، وتزويدهما بأجهزة قياس لرصد درجات الحرارة والرطوبة واستهلاك الطاقة على مدار عام كامل، لتوفر البيانات الأدلة العلمية اللازمة لإدراج العمارة المتكيفة ضمن سياسات الإسكان الرسمية.

إرث الأجداد.. كيف تُلهم البيوت الطينية في لحج مستقبل التكيّف المناخي؟
تضع تقارير البنك الدولي اليمن أمام واقع مناخي حرج مع ارتفاع متسارع في درجات الحرارة (أنسام عبدالله _ ريف اليمن)

عندما خرجتُ من غرفة الخداد الطينية، كانت الشمس ما تزال في أوجها. لم يتغير الطقس، ولم تعد الكهرباء لأنني اكتشفتُ مساحة باردة، ولم تختف أزمة المناخ، لكن شيئاً تغير في طريقة نظري إلى البيت؛ إذ اتضح أن ذلك الجدار الذي يراه البعض مجرد طين قديم، يحمل معرفة متراكمة عن التعامل مع الشمس والهواء والأرض، معرفة لم تكن تملك مسمى التكيف المناخي، لكنها كانت تمارسه يومياً.

وبين برودة تجربة الخداد ومعاناة أم أنور داخل بيت المحلة الخرساني، تتحدد ملامح التحدي المعماري في لحج. فالإجابة هنا لا تكمن في الارتكاز على الماضي وحده، ولا في التسليم بعيوب الإسمنت وفرضياته.

بل تفرض علينا صياغة سؤال بيوت الغد: كيف نبني مساكن صامدة لا تخشى انقطاع الكهرباء، ولا ترتهن للتبريد الميكانيكي، ولا تنفصل عن بيئتها المحلية؟ مساكن تستفيد من حركة الهواء والشمس والتربة، لتثبت أن مواجهة صيف المستقبل لا تبدأ بشراء مكيف أحدث، بل باستعادة مفهوم “البيت الذي يعرف كيف يتنفس”.