يُعد التقليم من العمليات الزراعية الأساسية لتحسين نمو الأشجار وتنظيم إنتاجها، غير أن نجاح هذه العملية لا يكتمل بمجرد الانتهاء من القص، بل يرتبط ارتباطاً مباشراً بمرحلة ما بعد التقليم. فخلال هذه المرحلة تدخل الأشجار في حالة إجهاد نسبي، وتصبح أنسجتها أكثر حساسية للعوامل البيئية ومسببات الأمراض؛ ما يجعل العناية اللاحقة عاملاً حاسماً في سرعة التعافي، وجودة النموات الجديدة، ومستوى الإنتاج في الموسم التالي.
تستعرض منصة ريف اليمن في هذه المادة الإرشادية أهم الإجراءات العملية الواجب اتباعها بعد التقليم، بهدف مساعدة المزارعين على تسريع تعافي الأشجار، والحد من المخاطر المرضية، وتحقيق نمو متوازن وإنتاجية أفضل في المواسم اللاحقة.
أولاً: أهمية مرحلة ما بعد التقليم
تمثل مرحلة ما بعد التقليم الركيزة الأساسية لاستعادة الشجرة توازنها الحيوي، حيث تؤثر الإجراءات المتبعة خلالها بشكل مباشر على: – سرعة التئام جروح التقليم. – قوة النمو الخضري والجذري. – كفاءة الإزهار والإثمار. – العمر الإنتاجي للشجرة على المدى المتوسط والبعيد. ملاحظة: أي إهمال في هذه المرحلة قد ينعكس سلباً على صحة الشجرة وإنتاجيتها، حتى وإن تم تنفيذ التقليم بطريقة صحيحة.
يؤدي تجاهل الخدمات الزراعية اللاحقة للتقليم إلى عدد من النتائج السلبية، من أبرزها:
– تسرب الفطريات والبكتيريا عبر جروح التقليم المفتوحة. – ضعف النمو الخضري والجذري وتأخر استعادة النشاط الحيوي. – تأخر الإزهار وتراجع كمية وجودة المحصول. – انخفاض العمر الإنتاجي للشجرة وتدهور كفاءتها مع مرور الوقت.
ثالثاً: أهم الخدمات الزراعية بعد التقليم
1) تنظيف محيط الأشجار يُعد تنظيف محيط الأشجار من المخلفات النباتية إجراءً وقائياً أساسياً للحد من انتشار الآفات والأمراض. ويشمل ذلك جمع الأغصان المقطوعة والأوراق المتساقطة، مع التفريق بين: – مخلفات سليمة: يمكن خلطها مع مخلفات الحيوانات وتخميرها لإنتاج سماد عضوي طبيعي. – مخلفات مصابة: يُفضل إبعادها عن المزرعة أو التخلص منها بطرق آمنة لمنع تحولها إلى بؤر مرضية.
2) معالجة جروح التقليم تُعد جروح التقليم المدخل الرئيسي لمسببات الأمراض، لذا يجب: – التأكد من نعومة مواضع القطع وخلوها من التمزقات. – دهن الجروح الكبيرة بعجينة مطهرة أو مواد مخصصة لسد الجروح. – تجنب استخدام مواد قد تُلحق ضرراً بأنسجة الشجرة أو تسبب سخونة موضعية.
3) تهوية التربة حول الجذور يسهم تفكيك التربة السطحية حول جذع الشجرة تفكيكاً خفيفاً في: – تحسين التهوية. – تنشيط امتصاص العناصر الغذائية. – تحفيز نشاط الكائنات الحية الدقيقة المفيدة. تنبيه: يُراعى تنفيذ هذه العملية بحذر لتجنب إيذاء الجذور الرئيسية.
4) التسميد بعد التقليم يُوصى بإضافة السماد العضوي المخمر جيداً لما له من دور في: – تحسين بنية التربة. – زيادة قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة. – تنشيط الجذور بعد التقليم. كما يُستحسن دعم التسميد بإضافة: – أسمدة عالية الفوسفور لتحفيز نمو الجذور. – أسمدة عالية البوتاسيوم لرفع مناعة الشجرة وتنظيم حركة العصارة النباتية. – مع التأكيد على ضرورة تجنب الإفراط في استخدام الأسمدة الكيماوية، تفادياً لإجهاد الشجرة أو إحداث اختلالات غذائية.
5) الرش الوقائي يُعد الرش الوقائي إجراءً مهماً، خصوصاً في الأشجار المتساقطة الأوراق، ويهدف إلى مكافحة الآفات والأمراض الكامنة. ويُراعى في ذلك: – استخدام مبيدات وقائية أو زيوت معدنية مناسبة. – تغطية الجذع والأغصان بشكل جيد. – اختيار يوم هادئ وخالٍ من الرياح أو الأمطار. – الالتزام بالجرعات الموصى بها وتجنب الخلط العشوائي للمبيدات.
6) الري بعد التقليم – يُنَفذ الري بعد التقليم بصورة معتدلة وعميقة لتنشيط الجذور ودعم التعافي، مع: – تجنب الري الغزير الذي قد يؤدي إلى اختناق أو تعفن الجذور. – الحفاظ على رطوبة متوازنة للتربة باعتبارها عاملاً أساسياً لنجاح هذه المرحلة.
7) المتابعة والمراقبة المستمرة لا تكتمل العناية بعد التقليم دون المتابعة الدورية، والتي تشمل: – مراقبة التئام جروح التقليم. – رصد بداية ظهور النموات الجديدة. – متابعة أي أعراض مرضية أو إصابات حشرية. – التدخل المبكر عند الحاجة لتفادي تفاقم المشكلات.
مما سبق توصلنا إلى أن مرحلة ما بعد التقليم تمثل حجر الأساس في دورة حياة الأشجار المثمرة، إذ تحدد مستوى تعافيها وقدرتها الإنتاجية في المواسم اللاحقة، والالتزام بالإجراءات الإرشادية السليمة، مع مراعاة الظروف البيئية والزراعية المحلية، يضمن أشجاراً أكثر صحة، ونمواً متوازناً، وإنتاجاً أفضل على المدى الطويل.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
يعيش كثير من المرضى القادمين من المناطق الريفية إلى مدينة تعز، حالة من التيه والتخبط أثناء بحثهم عن طبيب مختص، مع غياب من يوجههم نحو الجهة المناسبة منذ البداية في رحلة شاقة تستنزف الوقت والجهد فضلا عن تكاليف المواصلات والسكن ومصاريف الإقامة في المدينة.
هذه المعاناة اليومية دفعت الصيدلي “علوان عبد العزيز (30 عاما)” إلى إطلاق مبادرة مجتمعية حملت اسم “تكنولوجيا الصحة”، تهدف إلى مساعدة المرضى، خصوصا القادمين من الأرياف، على الوصول السريع والمنظم إلى الأطباء والمراكز الصحية المناسبة، وتقصير مسافات الضياع التي يقطعونها داخل المدينة.
يقول علوان لـ”ريف اليمن”، إن فكرته انطلقت من واقع عايشه على مدى سنوات، لاحظ خلالها أن كثيرا من المرضى يصلون إلى المدينة وهم لا يعرفون أين يتجهون، أو كيف يحصلون على الخدمة الصحية التي يحتاجونها، فيقضون أياما من الانتظار والسؤال، ويهدرون أموالا لا يملكونها.
وأوضح أن المبادرة تهدف إلى تقديم خدمات متعددة للمرضى والمجتمعات المحلية، من أبرزها توفير الوقت والمال عبر تقليل الحاجة إلى السفر العشوائي داخل المدينة، وتحسين نوعية الرعاية الصحية من خلال توجيه المرضى إلى الطبيب المناسب لحالتهم، إضافة إلى تعزيز صحة المجتمع عبر تسهيل الوصول إلى الخدمات الوقائية والعلاجية.
دليل إرشادي
بحسب علوان، تأسست المبادرة لتكون دليلا إرشاديا للمرضى القادمين من المناطق الريفية، الذين يعانون صعوبة بالغة في الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، ويسعى جاهدا إلى نشرها على أوسع نطاق ممكن، آملا أن تسهم في إيصال الخدمة للمرضى بالطريقة التي يحتاجونها.
ويأمل من أفراد المجتمع ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المساعدة في نشر المبادرة، حتى يتمكن من خدمة أكبر عدد ممكن من المرضى القادمين من الأرياف، لافتا إلى أنه يطمح إلى أن تكون المبادرة بمثابة دليل صحي لكل من يبحث عن علاج، وتسهّل عليه رحلة الوصول، وتوفر له المعلومات قبل وأثناء وجوده في المدينة.
بداية الفكرة
يؤكد علوان أن المبادرة جاءت بناء على تجربة واقعية عاشها على مدى سنوات، لاحظ خلالها أن معظم المرضى يعيشون حالة من الضياع، ويحتاجون إلى من يرشدهم، تماما كما كان يفعل مع المرضى القادمين من قريته.
تأسست المبادرة لتكون دليلا إرشاديا للمرضى القادمين من المناطق الريفية، لتجنيبهم القلق والانتظار الطويل والتكاليف الباهظة.
ويضيف علوان: “كثيرا ما تصل حالات مرضية من الأرياف لا تعرف عن المدينة شيئا، ويتساءلون: أين نجد طبيبا مختصا؟ وكيف نصل إليه؟ هذه الأسئلة يطلقها الناس في الأزقة والشوارع، مستنجدين بأي شخص قد يدلّهم، حتى لو كان دليله غير دقيق، فقط لأنهم وجدوا من يعرف المكان”.
ويرى أن هذا التيه هو ما دفعه إلى العمل على تحسين المفاهيم المتعلقة بالحصول على الخدمة الصحية، من خلال توفير الإرشاد والإجراءات اللازمة قبل وصول المرضى إلى المدينة، لتجنيبهم القلق والانتظار الطويل والتكاليف الباهظة.
ويؤكد علوان أن المبادرة تهدف إلى القيام بكافة الإجراءات الخدمية قبل وصول المرضى، بدءا من معرفة الطبيب المختص، ومرورا بالإجراءات المطلوبة، كالحجز وتسجيل الاسم وصولا إلى تقليل مدة الانتظار، وكلها تتم بشكل مجاني، قائلا: “عاهدنا أنفسنا أن نكون عند قدر المسؤولية، وأن نعمل بكل جهد لإبعاد التيه عن المرضى، فنحن في خدمتهم”.
يروي علوان أنه في إحدى المرات صادف شخصين بدت عليهما ملامح الحسرة والضياع، بعدما قدما من منطقة أخرى بحثا عن علاج، ليتفاجآ بأن دخولهما إلى الجهة الصحية التي قصداها يتطلب حجزا مسبقا، حينها تساءل في نفسه: إلى متى ستتفاقم هذه المعاناة؟ ومن هنا تبلورت فكرة توسيع جهوده لتشمل مناطق أخرى، وعدم حصرها في نطاق ضيق.
شهادة من الميدان
المصور الصحفي “نائف الوافي” وصف علوان بأنه “اسم ستحتاجه” إن كنت مرافقا لمريض في أحد مستشفيات تعز، لافتا إلى أنه قدم له الكثير من الخدمات أثناء مرافقته لزوجته خلال فترة مرضها.
ويروي الوافي تجربته حيث كان يعيش حالة من الإرهاق والتشتت، قبل أن يتدخل علوان ويوضح له الإجراءات الطبية، والفحوصات المطلوبة، والأماكن الصحيحة للحصول على الأدوية، ما خفف عنه كثيرا من العناء.
ويقول إن علوان يتمتع بخبرة واسعة في إرشاد مرافقي المرضى التائهين، ويعمل على عدم وقوع المرافقين بأخطاء تتسبب في تأخير ما يحتاجه المريض، ويساعدهم على إنجاز معاملاتهم بسرعة، ليتمكنوا من التفرغ لمرافقة مرضاهم.
يأمل علوان أن تحظى المبادرة بدعم من مكتب الصحة والمنظمات المعنية، لتتحول إلى نموذج فاعل يسهم في تقليل معاناة المرضى الريفيين
ويلفت الوافي إلى أن علون أخبره أنه يجهز لإطلاق مبادرة رسمية لتبصير مرافقي المرضى ليكونوا ذا فائدة أكثر لمرضاهم؛ كون الأجهزة وأغلب ما يطلب منهم يتوزع على رقعة مدينة تعز، ولديه معرفة بأغلب ما يتعلق بالمراكز والمستشفيات والأطباء (أماكنهم وأرقامهم) وينجز معك المهام بأسرع وقت.
يتمنى المصور الصحفي الوافي من مكتب الصحة في المحافظة والمنظمات وغيرها مساعدة علوان عبدالعزيز وفريقه في ترسيم هذه المبادرة التي ستقدم الكثير للتائهين في ساحات المستشفيات
سفير الصحة
بدوره، يروي “أنور الهندي العزعزي”، القادم من عزلة العزاعز في ريف تعز الجنوبي، قصته مع علوان، حين وصل إلى المدينة وهو في وضع صحي حرج بعد نزيف حاد بسبب قرحة في المعدة، ويقول إنه بعث رسالة استغاثة إلى علوان، الذي تابع حالته، وساعده في حجز وحدات دم، وتوجيهه إلى الطبيب المختص، وتأمين استكمال علاجه، ما أعاد إليه الأمل بالحياة.
ويضيف أنور لـ”ريف اليمن”: “لم أتوقع أن أرى علوان كأحد الأبناء المخلصين؛ أخذ مني الأوراق، وفهم ما يجب عليه فعله، ثم تواصل ليحجز لي وحدات دم، وأخذني إلى العيادة المختصة بأمراض الجهاز الهضمي وتابع حتى النهاية، وأنا اعتبره الابن البار والصادق جدا في موقفه الذي لا يُنسى”.
علوان: نسعى إلى توسيع نطاق المبادرة لتشمل مديريات أخرى رغم الاعتماد على جهود ذاتية وإمكانات محدودة
الدكتور “صلاح سالم”، أخصائي المسالك البولية والكلى في مديرية الشمايتين، يقول إنه أطلق على علوان لقب “سفير الصحة”، مشيرا إلى أنه لم يتردد يوما في تقديم الخدمات للمرضى المحوّلين من قبله إلى مدينة تعز، وسهّل وصولهم إلى العلاج دون عوائق.
بدأت المبادرة عملها في عدد من قرى مديرية الشمايتين، ويسعى علوان إلى توسيع نطاقها لتشمل مديريات أخرى، رغم اعتماده على جهود ذاتية وإمكانات محدودة، كما يعمل حاليا على تجهيز تطبيق إلكتروني لتسهيل وصول المرضى إليه وتقديم الخدمة بشكل أسرع.
ويأمل علوان أن تحظى المبادرة بدعم من مكتب الصحة والمنظمات المعنية، لتتحول إلى نموذج فاعل يسهم في تقليل معاناة المرضى، ويجعل رحلة العلاج أكثر وضوحًا وأقل كلفة، ويتطلع إلى عمل المزيد، وأن يحول المبادرة إلى مستشفى متحرك بين يدي الفئات التي تريد الوصول إلى هذه المدينة بغرض العلاج.
كيف هددت التقلبات الجوية المتطرفة التنوع البيولوجي في عام 2025؟
خلصت دراسة سنوية شاملة للحياة النباتية والحيوانية إلى أن الظروف الجوية القاسية التي شهدها عام 2025 أثرت على التنوع البيولوجي دفعت الطبيعة إلى أقصى حدود طاقتها؛ مما وضع الحياة البرية والنباتات والمناظر الطبيعية تحت ضغوط غير مسبوقة.
بحسب دراسة نشرتها صحيفة “الغارديان” البريطانية، تزامنت عاصفتا إيوين وبرام مع فصلي ربيع وصيف شهدا معدلات سطوع شمسي مرتفعة بشكل استثنائي؛ وهو ما تسبب في اندلاع حرائق هائلة في الأراضي العشبية والمستنقعات، أعقبتها فيضانات عارمة خلال فصل الخريف.
ووصفت مؤسسة “التراث الوطني”، في تقريرها السنوي، هذا الوضع بأنه سلسلة من التقلبات الحادة التي اختبرت قدرة الطبيعة على الصمود بشكل لم يسبق له مثيل في العصر الحديث.
أكد بن مكارثي، رئيس قسم الحفاظ على الطبيعة في مؤسسة “التراث الوطني”، أن الحرارة والجفاف والحرائق كانت هي العناوين العريضة التي صبغت عام 2025.
وأوضح مكارثي أن الظواهر الجوية المتطرفة بحد ذاتها ليست بالأمر الجديد، إلا أن التأثير المتراكم لموجات الجفاف المتقاربة في أعوام 2018 و2022 وصولاً إلى 2025 بات يفرض ضغوطاً هائلة على الموائل الطبيعية، مما يزيد من تعقيد فرص بقاء الحياة البرية.
وشدد مكارثي على أن هذه الظواهر تمثل إشارات إنذار لا يمكن تجاهلها، وتتطلب تحركاً أسرع وأكثر ذكاءً ضمن استراتيجيات عمل متكاملة.
يُفاقم التدهور المناخي الناتج عن النشاط البشري في تفاقم الظواهر الجوية المتطرفة عالمياً، مما يؤدي إلى وقوع كوارث أكثر تواتراً وفتكاً، بدءاً من موجات الحر وصولاً إلى الفيضانات وحرائق الغابات. وتشير التقارير العلمية إلى أنه لولا الاحتباس الحراري العالمي، لكان من المستحيل تقريباً وقوع ما لا يقل عن اثني عشر حدثاً من أخطر الكوارث البيئية التي شهدها العقد الماضي.
وبحسب الدراسة ،كان للحرائق أثرٌ بالغ. ففي أبريل/نيسان، اندلع حريقٌ في منطقة أبرغويسين كومون بوسط ويلز ، والتهم أكثر من 5000 هكتار من الأراضي الخثية، ودمر مواطن الثدييات الصغيرة والزواحف والطيور، بما في ذلك الزقزاق الذهبي، والقبرة، والغراب، والحدأة الحمراء، والسحلية الشائعة، والضفدع الشائع، وفأر الحقل، وأنواع نادرة من اليعاسيب مثل اليعسوب الأسود . وأكد حراس المحمية أن الضرر البيئي سيستمر لعقود.
وفي أقصى شمال ويلز، سادت مخاوف من اختفاء نبات كاسر الحجر المتكتل من سفوح إيري (سنودونيا) بسبب الحرارة. وأفادت المؤسسة أن سبعة نباتات فقط من هذا النوع لا تزال موجودة. ولحسن الحظ، نجت بأعجوبة.
ولم تقتصر الأضرار على مناطق الحرائق فحسب، بل ألحقت الحرارة المرتفعة أضراراً جسيمة بأنواع أخرى مثل الطيور الجارحة والبوم، التي سجلت أعدادها انخفاضاً حاداً في الأراضي العشبية الجافة بمزارع “موتيسفونت” في “هامبشاير” و”شيربورن” في “غلوسترشاير.
انخفاض هطول الأمطار
أدى انخفاض هطول الأمطار في بريطانيا إلى تراجع خطير في منسوب مياه الجداول والبرك، وصل حد الجفاف في مواقع مثل “دير فاونتينز” بشمال يوركشاير. وقد تسبب هذا الشح المائي في جفاف برك تكاثر “سمندل الماء المتوج الكبير” في قلعة تاتيرشال بلينكولنشاير ، كما سجل ساحل ميرسيسايد فشلاً في تكاثر ضفادع “فورمبي”، التي لم تنجب أي صغار خلال هذا الموسم.
وعلى صعيد الغطاء النباتي، أكدت المؤسسة أن الظروف الجوية القاسية فرضت ضغوطاً غير مسبوقة على الأشجار؛ حيث بلغت خسائر الشتلات الحديثة 40%، وهي نسبة تتجاوز بكثير المعدل المتوقع (10-15%).
كما أظهرت الأشجار الناضجة علامات إجهاد واضحة، تمثلت في فقدان الأوراق المبكر، وسقوط الأغصان، وشحوب لون الغطاء النباتي. وحذرت الدراسة من أن أشجار البلوط، التي تعاني أصلاً من تراجع أعدادها، باتت أقل قدرة على مقاومة سنوات الجفاف المتكررة، لا سيما في منطقتي “ميدلاندز” والشرق.
ولم تكن الطيور البحرية بمنأى عن هذه الأزمة، إذ انخفضت أعشاش “الخرشنة القطبية” بنسبة 30% في “لونغ ناني”، وتراجعت أعداد طيور “البفن” بمقدار الثلث في جزر “فارن”. وفي ظاهرة تعكس اختلال “الساعة البيولوجية” للطبيعة، أزهرت أشجار التفاح والورود في غير أوانها بين شهري أكتوبر وديسمبر.
كما بدت الحيوانات “خارجة عن التزامن” المعتاد؛ حيث استمرت الخفافيش وفراشات الكبريت في التحليق حتى شهر نوفمبر، بينما بدأت الغربان في إعادة بناء مستعمراتها قبل موعدها بعدة أشهر.
تحديات الاستجابة البيئية
على الرغم من الظروف الجوية القاسية، برزت بعض الأنواع الفائزة التي أظهرت قدرة استثنائية على التكيف. فقد حققت الأنواع “العامة” مثل الفقمات الرمادية، والغربان السوداء، وفراشات الخشب المرقطة أداءً جيداً بفضل مرونتها في التعامل مع درجات الحرارة المرتفعة واعتمادها على نظام غذائي متنوع.
كما كان العام استثنائياً لإنتاج التوت والمكسرات في مناطق عدة؛ حيث سجلت منطقة “دونهام ماسي” في “تشيشاير” أكبر محصول من البلوط في الذاكرة الحديثة، في حين امتلأت السياجات النباتية بالتوت في “ساوث داونز” و”تشيلترنز” جنوب إنجلترا.
وفي سياق متصل، أشارت المؤسسة إلى نجاح مخططات بيئية رائدة مثل مشروع “المرحلة صفر” في عقار “هولنيكوت” بـ “إكسمور”، حيث ساهم إنشاء أراضٍ رطبة خصبة في ازدهار أنواع شملت فئران الماء، وطيور البلشون الأبيض الكبير، وأسراب الحسون الذهبي.
كما سجلت فراشة “هيث فريتيلاري” وهي من أندر الفراشات في المملكة المتحدة انتعاشاً ملحوظاً في المنطقة ذاتها ؛ إذ رُصد أكثر من 1000 فراشة موزعة على 13 موقعاً، مقارنة بنحو 600 فراشة فقط في العام السابق.
ومع ذلك، حذر مكارثي من التباين في مصير الكائنات، موضحاً أنه بينما تتأقلم الأنواع المرنة، تواجه الأنواع ذات الاحتياجات المتخصصة انخفاضاً حاداً، وهو اتجاه يتسارع بسبب تجانس المناطق الريفية.
وأكد أن المواقع المحمية لم تعد كافية للعمل كشبكة أمان نظراً لصغر مساحتها وتجزئتها الشديدة التي تعيق تشكيل شبكة بيئية فعالة، مشدداً على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة ومتكاملة لوقف تدهور الطبيعة.
شهدت زراعة الجزر الهندي أو ما يعرف محليا بـ “البطاطا الحلوة”، خلال السنوات الأخيرة انتعاشة ملحوظة في عدد من المناطق اليمنية، من بينها الحيمة الداخلية بمحافظة صنعاء وجبل الشرق بمحافظة ذمار، حيث اتجهت العديد من الأسر الريفية إلى زراعته كمصدر دخل بديل، في ظل تراجع محاصيل تقليدية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ورغم ما يتمتع به هذا المحصول من قيمة غذائية عالية وفرص اقتصادية واعدة، إلا أن زراعته ما تزال تصطدم بجملة من التحديات، في مقدمتها غياب الدعم المؤسسي وضعف التسويق وندرة التقنيات الزراعية الحديثة، ما يحد من تحوله إلى محصول وطني منافس في الأسواق المحلية والخارجية.
يتحدث المزارع “محمد القطيع” عن تجربته في زراعة هذا الثمرة، ويقول: “بدأت أولا بقلع مجموعة من أشجار القات، ثم قمت بحراثة التربة وتهيئتها للزراعة”، لافتا إلى أن نجاح هذا المحصول يتطلب عناية دقيقة ومتابعة مستمرة، خاصة في مواجهة النباتات الضارة وبعض الأوبئة التي قد تصيب الثمار.
ويضيف القطيع في حديثه لـ”ريف اليمن”، أن زراعة الجزر الهندي تتطلب تكلفة مرتفعة، في ظل قلة مياه الأمطار، وغياب الدعم الذي كان يفترض أن تقدمه الجهات الرسمية أو المانحة، وفي مقدمتها وزارة الزراعة والري، معتبرًا ذلك من أبرز الصعوبات التي تواجه المزارعين.
ويتابع أن طول مدة الزراعة، التي قد تتجاوز خمسة أشهر، إلى جانب الحرص على تقليل التدخلات الكيميائية والتسميد للحفاظ على جودة المنتج وقيمته الغذائية، يزيد من الأعباء على المزارعين، رغم سعيهم لخلق سوق تنافسية، وتحويل البطاطا الحلوة إلى محصول وطني قادر على المنافسة.
وأعرب القطيع عن أمله “أن يتحول هذا المنتج خلال السنوات القادمة إلى محصول وطني يوزع محليا ويصدر إلى دول الجوار، لكن الاعتماد على الإمكانات الشخصية وحدها يحد من تحقيق هذه الطموحات”.
وتتراوح دورة حياة نبات البطاطا الحلوة بين أربعة وستة أشهر حتى تصبح جاهزة للجني، بحسب مزارعين تحدثوا لـ”ريف اليمن”، وهو ما يشكل تحديا حقيقيا يتطلب جهدا مستمرا في العناية والمتابعة طوال فترة الزراعة.
من جانبه، يرى المزارع “أحمد العليي” أن القطاع الزراعي في اليمن يفتقر إلى كثير من المقومات الأساسية، وفي مقدمتها أساليب وأدوات الزراعة الحديثة، ما يجعل إدخال محاصيل جديدة إلى السوق المحلية أمرا محفوفا بالصعوبات.
ويقول العليي لـ”ريف اليمن”، إن انخفاض منسوب المياه، واعتماد الزراعة بشكل كبير على الأمطار، يدفع المزارعين إلى استخدام مياه الآبار، وهو ما يرفع التكاليف التشغيلية ويضاعف الكلفة النهائية للمنتج عند عرضه في السوق، الأمر الذي يتعارض مع القدرة الشرائية للمواطنين في ظل الحرب وتداعياتها الاقتصادية.
أما المزارع “محمد العوبلي”، فأشار إلى أنه خصص مساحة تتجاوز 20 لبنة صنعانية (اللبنة تعادل 44.44 متراً مربعاً) لزراعة البطاطا الحلوة، وتمكن خلال الموسم الثاني من حصاد كميات جيدة، غير أن التحدي الأكبر تمثل في تسويق المحصول.
وتعد البطاطا الحلوة من الخضروات ذات الأهمية الغذائية العالية، إذ تحتوي على نسب مرتفعة من الفيتامينات والألياف والعناصر المفيدة لصحة الإنسان، كما تمثل محصولا واعدا للتجارة الزراعية والاقتصادات المحلية في الدول المنتجة لها، لا سيما في ظل محدودية زراعتها في بعض البلدان واحتياجها لظروف بيئية وزراعية محددة.
غياب الدعم
ويلفت الخبير ومهندس الإرشاد الزراعي “حسن زايد الدانعي” إلى أن غياب الدعم المؤسسي والحكومي يشكل عاملا رئيسيا في إحجام كثير من المزارعين عن التوسع في زراعة البطاطا الحلوة، رغم البيئة الاستهلاكية الواعدة محليا وخارجيا، خاصة في ظل ندرة زراعته في دول الجوار، واعتماد تلك الدول على الاستيراد من شرق آسيا والولايات المتحدة.
ويشير زايد في تصريح خاص لـ”ريف اليمن”، إلى أن هذا المحصول يمثل فرصة استثمارية زراعية واعدة، لا سيما مع الانفتاح العالمي على المأكولات الشعبية والمطابخ العالمية، حيث تعد البطاطا الحلوة عنصرا أساسيا في بعض الأطباق القادمة من اليابان وأمريكا اللاتينية وجنوب الولايات المتحدة، ما يزيد الطلب عليها ويفتح آفاقًا تسويقية جديدة.
ويرى الخبير الزراعي أن مثل هذه المشاريع تسهم في خلق فرص عمل جديدة للمزارعين وخريجي كليات الزراعة والتجار، في حال تم اعتماد البطاطا الحلوة كمنتج وطني وزاد الطلب عليها من قبل المستهلكين.
ويؤكد مزارعون أن السوق المحلية تبدي إقبالا متزايدا على شراء البطاطا الحلوة، لكونها منتجا محليا وأسعارها تراعي نسبيا القدرة الشرائية للمواطنين.
شريان حياة للأسر
تتحدث “تقية محمد”، وهي إحدى النساء العاملات في جني محصول البطاطا الحلوة، عن أهمية هذا العمل لها ولغيرها من النساء، مشيرة إلى أن جني الثمار والاعتناء بالمحصول خلال فترة الزراعة، رغم ما يرافقه من تعب، يشكل مصدر دخل يساعدهن على تلبية الاحتياجات اليومية.
وتقول تقية: “نحصل على أجر بسيط، لكنه يكفينا لقوت يومنا وشراء احتياجاتنا الأساسية”، لافتة إلى أن العمل غالبا ما يتم بمشاركة أفراد الأسرة، حيث يحصلون أيضا على بعض الثمار لاستهلاكها أو تقديمها كهدايا للأقارب خلال موسم الحصاد.
يوضح المزارع محمد القطيع أنه، رغم زراعته لمساحة محدودة، تمكن من تحقيق عائد مالي جيد، حيث بلغ إجمالي قيمة البيع نحو 150 ألف ريال، (280 دولارا أمريكي) فيما وصل صافي الدخل إلى قرابة 120 ألف ريال (255 دولاراً) بعد خصم تكاليف النقل والإيجار.
وأشار إلى أن دخوله مجال الزراعة يعود إلى عدة سنوات، لكنه لاحظ تراجع الإنتاج مقابل ارتفاع أسعار البيع، في ظل زيادة الطلب وقلة المعروض.
وتشتهر مناطق في محافظات ريمة وذمار والحيمتين بزراعة البطاطا الحلوة، كما تم إنشاء مركز متخصص في ذمار يحمل اسم «المركز الأول للبطاطس»، يهدف إلى تشجيع زراعة البطاطا الحلوة بالطرق الحديثة، لتغطية احتياجات السوق المحلية وفتح فرص تصديرية مستقبلية.
ورغم محاولات “ريف اليمن” الحصول على إحصائيات دقيقة من المركز، لم يتم التوصل إلى أرقام رسمية، كما لم تظهر عمليات البحث في المصادر المفتوحة بيانات دقيقة حول حجم الإنتاج.
وفي مايو 2024، أعلن مكتب الزراعة والري بمديرية جبل الشرق بمحافظة ذمار تدشين موسم حصاد البطاطا الحلوة على مساحة تقدر بنحو أربعة هكتارات، مع توقع إنتاج يصل إلى أربعة أطنان.
غياب التسويق
ويعزو الباحث حسن زايد اختلاف أسعار البطاطا الحلوة بين التجار إلى ضعف التسويق، الذي يعد من أبرز الأسباب التي تدفع كثيرا من المزارعين للعزوف عن زراعته، مفضلين محاصيل يسهل تصريفها في السوق.
وأشار إلى أن وجود منتجات مستوردة بأسعار أقل، رغم اختلاف الجودة والقيمة الغذائية، يشكل عائقًا إضافيًا أمام المنتج المحلي.
من جانبه، يرى أحد التاجر – فضل عدم ذكر اسمه – أن تجارة البطاطا الحلوة مربحة وواعدة، شريطة وجود استراتيجيات واضحة من القطاع الزراعي بالتنسيق مع الجهات الرسمية، لدعم زراعتها وتسويقها وتحويلها إلى واحدة من أهم الصادرات الزراعية اليمنية.
وأكد ضرورة توجيه اهتمام المزارعين والتجار والجهات الداعمة للقطاع الزراعي نحو هذا المنتج، والعمل على تطويره وفق مواصفات عالمية، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين سبل عيش الأسر الريفية.
بين الجبال الشاهقة التي تعانق سحب محافظة الضالع جنوبي اليمن، تبرز منازل شامخة في ريف مديرية الشُعيب، في مشهد بديع يعكس تحولا للعمارة الحديثة مما يعيد تشكيل ملامح الريف في بيئة عرفت تاريخيا ببساطتها، ويختزل حكاية تطور ذوق معماري آخذ في التشكل، دون أن ينفصل عن الجذور المحلية.
تشتهر الشُعيب الواقعة في الجزء الغربي من المحافظة، بين سكانها بلقب “أرض القصور”، إذ تتوزع على سفوحها مبان ضخمة تمزج بين اللمسة التراثية والطابع الحديث، وأسهم موقعها الجغرافي إلى جانب وفرة الأحجار الصلبة متعددة الألوان، في خلق بيئة معمارية متجددة تمنح كل مبنى طابعا خاصا.
يرى الناشط “معتصم الجلال”، من أبناء منطقة مريس التابعة للمحافظة، أن الفن المعماري في الشعيب فريد من نوعه ويختلف شكلا ومضمونا عن معظم الفنون المعمارية في اليمن، مشيرا إلى أن ظاهرة تشييد الأبراج والمنازل الشاهقة في الريف، تحمل دلالات نفسية واجتماعية عميقة، تعود إلى تاريخ طويل شكل وعي أبناء المنطقة، ودفعهم لمواجهة الجغرافيا بروح التحدي.
ويضيف الجلال في حديثه لـ”ريف اليمن” أن أبناء الشُعيب يعيدون إنتاج تجربة أسلافهم، ولكن بأدوات العصر، ليقولوا هذه المرة “نحن هنا، فوق الجبل، أقرب إلى السماء”، في تجاوز لمخاوف التاريخ وتجارب الماضي.
وتلعب الأيديولوجيا القبلية دورا في هذا التوجه، حيث تمثل الهيبة الاجتماعية والوجاهة والحضور قيما أساسية، إلى درجة أصبح فيها المنزل الشاهق المزخرف في الريف مصدر فخر نفسي، ورمزا للوجود أكثر من كونه حاجة سكنية بحتة.
بالعمارة الحديثة بات الريف يضاهي الحواضر في فخامته وتنظيمه، حيث تراعى في البناء أدق التفاصيل؛ من الزخارف الحجرية إلى تناسق الألوان وتوزيع النوافذ والنقوش، فيما تبدو الجبال المحيطة كمعارض مفتوحة لفن البناء الريفي الحديث.
التطور العمراني يعكس نضجا في الوعي العمراني وحرصا على إبراز الهوية المحلية بطريقة تجمع بين التحضر والانتماء.
يقول “منصور عبده”، أحد زوار المنطقة، لـ “ريف اليمن”، إن التجول بين قرى الشُعيب يكشف عن تناغم بصري مميز بين الأحجار المزخرفة والألوان الزاهية والنقوش الدقيقة التي تزين جدران القصور والعمائر، في صورة تعكس وعيا متناميا بجماليات البناء والاهتمام بالتفاصيل.
ويقول “محمد صالح الشعيبي”، أحد سكان المنطقة، إن النهضة المعمارية أصبحت مصدر فخر واعتزاز لأبناء الشعيب، مشيرا إلى أن حضور المغتربين ودعمهم أسهم في إدخال أنماط جديدة من البناء دون التفريط بروح التراث.
ويرى أن هذا المزج جعل الشُعيب تبدو كلوحة معمارية متجانسة رغم تفاوت الإمكانيات بين السكان، مؤكدا أن ما يحدث يمثل مسارا طبيعيا لتقدم الريف اليمني الساعي للتحديث دون فقدان جذوره.
من جانبه، يعتبر “عبدالله ناصر الشعيبي”، العائد من الاغتراب، أن التطور العمراني في الشُعيب يعكس نضجا في الوعي العمراني، وحرصا على إبراز الهوية المحلية بطريقة تجمع بين التحضر والانتماء.
ويضيف لـ”ريف اليمن” أن هذه النهضة تحولت إلى مشروع جماعي، يسعى من خلاله الأهالي لتحسين صورة قراهم أمام الزوار وأمام أنفسهم، بما يعزز روح الانتماء ويعيد تعريف مكانة الريف في الوعي العام.
أثر اقتصادي
أسهم التوسع العمراني في تنشيط الحركة الاقتصادية داخل المديرية، بدءا من شراء مواد البناء وازدهار الورش، وصولا إلى تشغيل الأيدي العاملة المحلية، ويشير الشعيبي إلى أن مشاريع البناء خلقت فرص عمل جديدة، وأسهمت في إعادة التوازن الاقتصادي للعديد من الأسر، ومنحت الريف قدرة أكبر على مواكبة التطور دون التخلي عن أصالته.
حضور المغتربين ودعمهم أسهم في إدخال أنماط جديدة من البناء دون التفريط بروح التراث
من جهته يؤكد معلم البناء المحلي “صالح علي محسن”، الذي شارك في تشييد عدد من العمائر، أن حركة البناء المتصاعدة خلال السنوات الأخيرة وفّرت فرصًا واسعة للعمال المحليين. ويوضح لـ”ريف اليمن” أن معظم المشاريع يمولها مغتربون عادوا برؤية تجمع بين الأصالة والحداثة؛ ما أسهم في رفع مهارات البنائين وتحسين جودة الأعمال.
كما أدى الطلب المتزايد على الزخارف والتشطيبات الدقيقة إلى خلق تنافس إيجابي بين الحرفيين، انعكس على تحسين دخل الأسر التي تعتمد على مهن البناء والصناعات المرتبطة به، بحسب محسن.
رئيس قسم الاقتصاد الدولي في جامعة عدن الدكتور “غالب جواس” يصف النهضة العمرانية في الشُعيب بأنها مثال واضح على تأثير تحويلات المغتربين في التنمية المحلية، ويشير إلى أن الأموال الوافدة من الخارج تحولت إلى مشاريع بناء واسعة حرّكت الأسواق، ونشّطت الطلب على الأحجار المحلية ومواد البناء، ما انعكس إيجابًا على التجار والعمال.
وفي السياق ذاته، يؤكد “علي محسن سنان”، مدير مكتب الثقافة والسياحة بمحافظة الضالع، أن الطفرة العمرانية في الشُعيب نتاج عوامل متداخلة، من بينها حالة عدم الاستقرار التي دفعت كثيرين إلى توجيه أموالهم نحو العقار بوصفه استثمارًا أكثر أمانًا.
حركة البناء المتصاعدة خلال السنوات الأخيرة وفّرت فرصًا واسعة للعمال المحليين
ويضيف أن الهجرة الواسعة إلى الولايات المتحدة خلال العقود الماضية، وتزايد أعداد أبناء الشُعيب هناك، لعبت دورًا مباشرًا في تضخم حركة البناء وتحويل التحويلات المالية إلى مشاريع سكنية وقصور أعادت تشكيل الهوية العمرانية للريف.
ويرى سنان أن هذا الحراك لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية، مثل الرغبة في المباهاة أو تقليد الآخرين، أو الحاجة لإثبات الذات من خلال بناء مميز، ومع إقراره بأن توجيه هذه الأموال إلى مشاريع إنتاجية أو زراعية كان سيحقق فائدة مضاعفة، إلا أنه يعتبر أن العقار ظل الخيار الأكثر أمانًا في ظل الظروف الراهنة.
ويرى مهتمون في التراث أن ما تشهده الشُعيب من نهضة معمارية لا يمثل خروجا عن الهوية، بل تجديدا لها؛ إذ تستخدم مواد محلية وتستلهم الزخارف من التراث، بينما يتماهى الشكل العام مع متطلبات الحداثة، لافتين إلى أن البناء أصبح لغة بصرية تعبر عن تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، خاصة لدى العائدين من الاغتراب الذين حملوا رؤى جديدة للجمال والعمران.
تُعدّ عملية نقل الأشجار من العمليات الزراعية الحسّاسة التي تتطلب تخطيطاً دقيقاً وتنفيذاً صحيحاً لضمان بقاء الشجرة واستمرار نموها بعد النقل. فاختيار توقيت غير مناسب أو الإضرار بالجذور قد يؤدي إلى إجهاد الشجرة أو تلفها.
تقدم منصة ريف اليمن في هذا الدليل الإرشادي خلاصة متكاملة لأهم الممارسات الزراعية السليمة، لمساعدة المزارعين والمهتمين على إنجاح عملية نقل الأشجار بأعلى قدر ممكن من الأمان والكفاءة.
أولاً: التخطيط المسبق
يُعدّ التخطيط المسبق الأساس في نجاح عملية نقل الأشجار، إذ يخفف من الصدمة التي تتعرض لها الشجرة ويزيد من فرص تأقلمها. أهم خطوات التخطيط: – اختيار موقع جديد تتوافر فيه ظروف مشابهة للموقع الأصلي من حيث نوع التربة، التعرض للشمس، ومستوى الرطوبة. – التأكد من خلو الموقع من العوائق كالصخور أو جذور الأشجار الأخرى. – تجهيز الأدوات والمعدات اللازمة مسبقاً، مثل المجارف، أدوات التقليم، وسائل الرفع، ومصدر مياه قريب. – تقدير حجم كرة الجذور المناسبة بحسب عمر الشجرة وقطر جذعها، فالأشجار الأكبر تحتاج إلى كتلة جذور أوسع.
يلعب التوقيت دوراً محورياً في تقليل الإجهاد وزيادة نسبة نجاح النقل. التوصيات العامة:
– يُفضّل نقل الأشجار في فصلي الربيع أو الخريف، حيث تكون درجات الحرارة معتدلة. – تجنّب النقل في أوقات الحر الشديد أو الصقيع. – بالنسبة للأشجار متساقطة الأوراق، يُعدّ النقل خلال فترة السكون خياراً مثالياً. – اختيار يوم معتدل وغائم قدر الإمكان، والابتعاد عن الأيام العاصفة.
ثالثاً: العناية بالجذور
الجذور هي العنصر الأكثر حساسية، وأي ضرر كبير فيها قد يؤدي إلى فشل عملية النقل. إرشادات أساسية: – حفر الشجرة مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الجذور والتربة المحيطة بها. – تجنّب تعرية الجذور أو تركها مكشوفة للهواء والشمس. – قص الجذور التالفة فقط وبأدوات حادة ونظيفة. – المحافظة على رطوبة كرة الجذور أثناء النقل، خصوصاً إذا استغرق وقتاً طويلاً.
رابعاً: رفع الشجرة ونقلها
– رفع الشجرة من أسفل كرة الجذور وليس من الجذع لتجنب تلف اللحاء. – استخدام وسائل نقل مناسبة لحجم الشجرة، مع تثبيتها جيداً أثناء الحركة. – حماية الأغصان من الانكسار وتقليل فقدان الرطوبة أثناء النقل.
خامساً: تجهيز الحفرة الجديدة والزراعة
قبل إعادة زراعة الشجرة، يجب إعداد الحفرة بشكل صحيح. خطوات الزراعة: – حفر حفرة أوسع قليلاً من حجم كرة الجذور وبعمق مماثل تقريباً. – وضع الشجرة على نفس العمق الذي كانت عليه في موقعها السابق، مع تجنب دفن الجذع بعمق زائد. – ردم الحفرة تدريجياً بالتربة الأصلية، مع ضغط خفيف لإخراج الفراغات الهوائية دون الإضرار بالجذور. – استخدام دعامات عند الحاجة، خاصة للأشجار الكبيرة أو في المناطق المعرضة للرياح.
سادساً: الري والعناية بعد النقل
مرحلة ما بعد النقل لا تقل أهمية عن عملية النقل نفسها. إجراءات العناية: – ري الشجرة مباشرة بعد الزراعة ريّاً غزيراً لضمان تماسك التربة حول الجذور. – الاستمرار في ري منتظم خلال الأسابيع الأولى مع تجنب الإفراط. – إضافة طبقة من المهاد العضوي حول قاعدة الشجرة للحفاظ على رطوبة التربة، مع ترك مسافة خالية حول الجذع. – تقليم خفيف لإزالة الأغصان المكسورة أو المريضة فقط. – مراقبة الشجرة بشكل دوري لرصد أي علامات ذبول أو اصفرار والتعامل معها مبكراً.
سابعاً: ملاحظات لزيادة فرص النجاح – يُفضّل تأجيل إضافة الأسمدة إلى ما بعد استقرار الشجرة وظهور نمو جديد. – التحلي بالصبر، إذ قد تمر الشجرة بمرحلة صدمة مؤقتة قبل أن تستعيد نشاطها. – في حالة الأشجار الكبيرة أو ذات القيمة العالية، يُنصح بالاستعانة بخبراء أو مرشدين زراعيين.
مما سبق وجدنا أن نقل الأشجار عملية دقيقة لكنها قابلة للنجاح عند الالتزام بالتخطيط الجيد، اختيار التوقيت المناسب، والحفاظ على الجذور، مع توفير رعاية مستمرة بعد النقل، وباتباع هذه الإرشادات يحدّ من صدمة النقل، ويضمن تأقلم الشجرة ونموها الصحي في موقعها الجديد على المدى الطويل.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
تقرير دولي مرتقب لتقييم الوضع البيئي في جزيرة سقطرى
أكد سفير اليمن لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، الدكتور محمد جميح، أن المنظمة أرسلت بعثة دولية للرقابة والاستجابة إلى جزيرة سقطرى، وذلك بالتعاون مع الاتحاد الدولي لحماية البيئة.
وأوضح جميح، في منشور عبر فيسبوك، أن إيفاد البعثة جاء استجابةً لطلب لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، وذلك في أعقاب تقارير رصدت وقوع انتهاكات في الجزيرة تخالف بنود اتفاقية عام 1972، والمتعلقة بحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي.
وأشار إلى أن البعثة ستقوم بإعداد تقرير مفصل يرفع إلى لجنة التراث العالمي لمناقشته خلال دورتها المقررة لاحقا هذا العام، لافتا إلى أن التقرير سيحدد طبيعة الانتهاكات التي تعرضت لها سقطرى خلال السنوات الماضية.
وشدد جميح على أن تحديد نوعية المخالفات يعد اختصاصاً أصيلاً لمنظمة “اليونسكو” وحدها، بعيداً عن تدخل الحكومة اليمنية، وذلك لضمان نزاهة النتائج وتجنب أي اتهامات بتسييس التقرير. وأضاف أن هذه الوثيقة ستعتبر شهادة دولية موثقة من منظمة أممية، وسيتم حفظها كمرجع رسمي ضمن وثائق المنظمة
وأعرب جميح عن أمله في ألا يؤدي التقرير إلى إدراج سقطرى على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، مشددا على أهمية معالجة انتهاكات السنوات الماضية ومحاسبة المتسببين بها حفاظا على القيمة البيئية والإنسانية الفريدة للجزيرة.
يذكر أن جزيرة سقطرى تواجه تهديدات متكررة تُنذر بتدهور نظامها البيئي الفريد؛ حيث تتفاقم التحديات جراء تزايد المخالفات البشرية، الأمر الذي جعلها مهددة بالإدراج ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
بعيدا عن الصور النمطية السائدة، تكشف بعض القرى اليمنية عن شكل مختلف من العلاقة مع ما يطلق عليهم محليا بـ “المهمشين“؛ إذ تقوم على التعايش والاندماج، حيث تقل المسافات الاجتماعية في الأرياف وتتشابك تفاصيل الحياة، ويبدو اندماج المهمشين أكثر وضوحا مقارنة بالمدن.
“محمد ناجي (60)”، أحد أفراد هذه الفئة يجسد هذا الاندماج، حيث يعيش في منزل متواضع عند مدخل قرية الشعب في جبل صبر بمحافظة تعز منذ ثلاثين عامًا، ويقول: “منزلي يضم 19 فردا من العائلة، وأشعر بأنني بين أهلي وإخوتي؛ أبنائي يتعلمون في المدرسة الحكومية دون أي تمييز أو عنصرية”.
يضيف ناجي لـ”ريف اليمن”، قائلا: “أكبر فتيات العائلة واصلن التعليم حتى المرحلة الإعدادية، ولا أحد في القرية يشعرنا بأننا أقل من غيرنا، منزلنا يقع عند مدخل القرية، ونقضي جزءا من يومنا في الحديث مع الأهالي عن شؤون الحياة المختلفة”.
تعايش ريفي
يصف “شهاب عبدالله (45 عامًا)”، من قرية دار النصر في جبل صبر، وهو أحد الزوار الدائمين للقرية، عائلة ناجي بأنها أسرة كريمة، لا تترك أحدا يمر بجانب منزلها إلا وتبادره بالسلام والسؤال.
ويضيف: “وإن صادف مرورك أثناء تناولهم الغداء، فإنهم يسارعون إلى دعوتك لمشاركتهم طعامهم، ونادرا ما يرفض سكان القرية مشاركتهم هذا الطعام”.
ترى الدكتورة “إيمان عيظة الأحمدي”، أستاذ مساعد بقسم علم الاجتماع في جامعة حضرموت، أن اندماج الأسر المهمشة في الريف يبدو أوضح مقارنة بالمدن، ويعود ذلك إلى طبيعة الحجم الاجتماعي الصغير، والاحتياج المتبادل بين السكان، إضافة إلى الدور الوظيفي الذي تؤديه هذه الفئة في الحفاظ على نسيج القرية الاجتماعي.
وتوضح الأحمدي في حديثها لـ “ريف اليمن” أن هذا الاندماج يظل مشروطا بحدود معينة من التمييز، لكنه يبقى أقل حدة مقارنة بالمدن، حيث تتحول العلاقة إلى عزلة شبه كاملة نتيجة كبر حجم المجتمع وتنوع خياراته.
وتضيف: “المجتمع اليمني يعتمد على نظام طبقي هرمي مغلَق، حيث التوزيع الاجتماعي فيه لا يتم على أساس الكفاءة، وإنما على أساس الأصول، بحيث يوضع المهمشون قسرا في أدنى هذا الهرم”.
وتشير إلى أن المهمشين يعيشون في المدن داخل تجمعات سكنية منعزلة تعرف بـ “المحاوِي”، الأمر الذي يعزز عزلتهم الاجتماعية؛ حيث تغيب التفاعلات اليومية العابرة التي تساعد على كسر الصور النمطية بين فئتهم وبين أفراد المجتمع.
المهمشون والموروث
في جبل صبر، وغيرها من المناطق اليمنية، يعد قرع الطبول في الأعراس، المعروف محليًا باسم “المرفع”، مظهرا لافتا، وتمتهن عائلة محمد ناجي هذه المهنة منذ سنوات طويلة كمصدر أساسي لكسب العيش.
يقول فتح، وهو أحد أفراد عائلة ناجي: “عادة قرع الطبول في الأعراس قديمة جدا، ويقال إنها تعود إلى عهد الدولة الحميرية، ونحن نفخر بممارستنا لهذا الموروث التراثي الذي نقتات منه”.
ويضيف في حديثه لـ” ريف اليمن”: “نحن الفئة الوحيدة في جبل صبر التي تمتهن قرع الطبول في الأعراس، وهذا يمنحنا شعورا بالتميّز والفخر، خاصة حين نتلقى الإشادة بإتقاننا لهذا العمل” ويستدرك بانكسار: “لكن الطلب على هذه المهنة موسمي؛ مما يتركنا للفقر بقية أيام السنة”.
الأحمدي: اندماج الأسر المهمشة في الريف يبدو أوضح مقارنة بالمدن، بسبب طبيعة الحجم الاجتماعي الصغير، والاحتياج المتبادل بين السكان.
رئيس اتحاد المهمشين في اليمن نعمان الحذيفي، يقول إن هناك اختلافا كبيرا بين المهمشين في المدن والمناطق الريفية، حيث إن سكان الريف يكونون أكثر التزاما بعادات وتقاليد المجتمع الريفي، ناهيك عن أن الكثير منهم يكسبون قوت يومهم بطرق كسب مشروعة، وهو ما ساهم في اندماجهم بالمجتمعات الريفية.
ويضيف: “من دواعي الأسف ألا يوجد وعي مجتمعي بأهمية الحفاظ على الموروث الشعبي، وكثير من الناس يرون أن مهنة قرع الطبول من المهن المهمشة، لذلك يتركون ممارستها للمهمشين، لأنهم بنظر المجتمع يمثلون طبقة اجتماعية أقل، لكن مع ذلك، يسعى المهمشون للحفاظ على هذا الموروث من الاندثار”.
ويلفت الحذيفي إلى أن المهمشين يتأثرون بالمجتمع المحيط بهم بشكل كبير، إلا أنهم يشتركون في الظروف المعيشية الصعبة مقارنة بغيرهم من السكان، بصرف النظر عن المنطقة الجغرافية التي يسكنونها.
تحديات مستمرة
يقع منزل عائلة محمد ناجي في مجرى السيول، ومع كل موسم أمطار تتدفق المياه إلى داخل الغرف، ما يضاعف من معاناة الأسرة، حيث يقول: “السيول تمثل تحديا كبيرا لنا، فهي غالبا ما تدخل المنزل وتتلف أثاثنا القليل، وقد جرف السيل هذا الموسم أربع دجاجات نملكها”.
ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن”: لا تقتصر معاناتنا على الأمطار، بل نعاني أيضا من تهميش من يقومون بتوزيع الإغاثات، فقد صرفت مؤخرا مساعدات مالية لجميع الأسر باستثنائنا، كما أننا لا نحصل على السلة الغذائية مثل بقية جيراننا”.
الحذيفي: لا توجد جمعيات أو منظمات تُعنى بالمهمشين في الريف؛ ما جعل صوتهم محدودا وبالتالي جعلهم عرضة للظلم الاجتماعي.
يعلق نعمان الحذيفي على هذه النقطة قائلا “:هناك سوء استغلال للمساعدات الغذائية والمالية المقدمة من بعض المنظمات، إذ يحصل المهمشون على جزء ضئيل فقط، ويرجع ذلك إلى سوء إدارة الوسطاء المحليين أو إلى نقص المعلومات حول مجتمع المهمشين، تتحمل الجمعيات واللجان المجتمعية جزءا من هذه المشكلة”.
“من المؤسف حقا أنه لا توجد جمعيات أو منظمات تُعنى بالمهمشين في الريف، وهذا ما جعل صوتهم محدودا وبالتالي جعلهم عرضة للظلم الاجتماعي والحرمان من الخدمات الإنسانية”، يضيف الحذيفي. منوها إلى أهمية إيجاد بيئة اجتماعية وقانونية تناهض كل ما هو تمييزي، وهذا لن يتحقق إلا في إطار دولة وطنية تعلي من مبادئ المواطنة والعدالة الاجتماعية.
وتُقَدر نسبة المهمّشين بنحو 12 في المئة من إجمالي سكان اليمن، أي ما يعادل 3 ملايين ونصف، حسب آخر تعداد سكاني في عام 2004، ويتواجدون في مختلف مناطق البلاد، ويتركزون في المناطق الوسطى والجنوبية، والقريبة من سواحل البحر العربي والبحر الأحمر.
تُعَدّ محافظة إب من أكثر محافظات اليمن تنوّعا في تضاريسها وصورها الطبيعية؛ إذ تجتمع فيها القمم الجبلية العالية، والوديان العميقة ذات التربة الرسوبية الخصبة، والمدرجات الزراعية الممتدة على سفوحٍ متقابلة، إلى جانب ينابيع المياه الحارّة والشلالات الدائمة والموسمية.
هذا التنوّع الطبيعي منح إب هوية سياحية واضحة، وجعلها مقصدا دائما للسياحة الطبيعة والرحلات القصيرة والمتوسطة داخل المحافظة وبين مديرياتها والتي تزيد خلال فصل الصيف والموسم السنوي للأمطار.
ورغم ذلك ما تزال البنية التحتية والخدمات السياحية غير موجودة في معظم المسارات الجبلية ومواقع الشلالات والعيون الحارّة تقليدية، وتحتاج إلى تحسينات منتظمة تضمن سلامة الزائر وجودة التجربة واستدامة الموقع.
تُظهر إب، في جبالها ووديانها ومدرجاتها وشلالاتها وعيونها الحارّة، نموذجا متكاملا للاقتصاد يمكن أن ينعكس مباشرة على حياة المجتمع المحلي، وما نراه اليوم ليس سوى مشهد بسيط، فكلما تحسّنت البنية التحتية، وتوفرت الحماية ربما نرى مناطق مذهلة.
هذه المادة تركز على السياحة الريفية الطبيعة وتعد الجزء الثالث من مقالات تركز على محافظة إب..
تقع إب جنوب العاصمة صنعاء بنحو 193 كم على محور الطريق الأسفلتي المتجه إلى تعز، وهي محافظة داخلية من حيث الجغرافيا، لكن أوديتها تنحدر عبر ممرات ضيقة وحادة الانحدار لتصبّ سيولها في اتجاهين وتصل إلى سواحل البحر الأحمر وخليج عدن.
هذ الموقع الجغرافي جعل إب رابط وصل بين الساحل والهضبة، فمنها تمر المسارات بين المرتفعات ومدن السهول الزراعية، وتُرى على طول تلك المسارات بقايا ملامح عمرانية تقليدية من مدرجات زراعية، قنوات ماء، وجدران عتيقة.
التضاريس العامة تتوزع بين، سلاسل جبلية مرتفعة مثل سمارة، وبعدان، جبل التعكر، هضاب خضراء، ووديان كبيرة مثل وادي بَنا، وادي عَنّة، وادي الدُّر، وادي الجَنّات، ثم مناطق شبه سهلية على تخوم المديريات.
هذا التنوع في أنماط التضاريس المختلفة انعكس على أنماط الاستيطان الريفي وعلى طرق الحركة، فبرزت قرى معلّقة على السفوح، وأخرى على حوافّ الوديان العريضة، وخلال التجول فيها تجد أجمل المناظر الطبيعية.
وتُعدّ إب من المحافظات ذات الموسم المطري الأطول ولهذا عرفت بأنها «صائدة السحب» حيث تسقط الأمطار على القمم والسفوح فتتشكّل سواقي سطحية وقنوات تقليدية داخل المدرجات، ويؤدي جريان السيول إلى تجديد التربة في بطون الأودية بحمولات طمي ومعادن دقيقة تزيد من خصوبتها.
تتميز إب بالطبيعة الخلابة وتعرف بصائدة السحب (رهيب الهلالي)
هذه الديناميكة الطبيعية هي التي تُبقي المدرجات الخضراء حيّة وتضمن مواسم زراعية متتالية، وفي بعض الأودية تكون خضراء طوال السنة رغم أن هطول الأمطار في المحافظة موسمي، وهذا يجعل منها منطقة جذب سياحي، وهنا نورد أبرز المسارات الطبيعية:
طريق سمارة: الشرفة البانورامية للهضبة
يرتفع طريق سمارة إلى نحو 2500م عن سطح البحر عبر سلسلة منعطفات محكمة. ما يميّز الطريق أنه يُتيح للزائر إطلالاتٍ بانورامية متتابعة على الأودية الغربية، خصوصا عند منطقة البُخاري وحليل؛ حيث تظهر المدرجات كلوحات هندسية متداخلة، وتبدو القرى الجبلية بواجهاتها الحجرية ونوافذها المقوسة.
على هذا الطريق تقوم قلعة سمارة المعروفة شعبيا بـ«عنق الغزال»، وقد لعبت دورا دفاعيا مهما تاريخيا بحكم إشرافها على الممرات الجبلية. يمكن تحويل محيط القلعة إلى نقطة توقف منظّمة مزودة بلوحات تعريف ومسارات قصيرة للمشي ونقاط ظلّ، بما يُلائم الاستخدام السياحي الآمن دون المساس بأصالة المكان.
جبل بعدان والمدرجات
يقع جبل بعدان شرقي إب بأوديته وقراه التاريخية، وفي قممه تقع حصون حُب والمنار التي تعكس وظيفة دفاعية قديمة للمكان. لكن المشهد الأكثر حضورا هو المدرجات الزراعية التي تتدرج من القمم نحو الأودية، وتنتظم معها قنوات ماء ضيقة لتوزيع الأمطار.
وتنتشر على السفوح قرى حجرية تحمل عناصر زخرفية بسيطة بالأقواس، والأشرطة جصية، وتطل على الحقول والأودية التي تزرع البنّ اليمني والحبوب والخضروات وغيرها من المحاصيل بحسب الموسم، بالإضافة إلا أنها تشكل منظر طبيعي بديع.
سلسلة جبل بعدان محطة تأمل عميقة وربما يكون جزء من دراسة بحثية، لمن يريد قراءة «هندسة العيش» في بيئة منحدرة، حيث كل حجر في المدرجات والقرى له وظيفة، وكل عين ماء صغيرة لها قصة وتفاصيل وتأريخ شفهي من سنوات.
جانب من الطبيعة الخلابة في بعدان بمحافظة إب وسط اليمن (خليفة عيسي)
مسار يريم – السدّة – وادي بَنا
ينحدر الطريق من يريم عبر ممرّ طبيعي متعرّج إلى مدينة السدّة على حافة وادي بَنا، في هذا المسار يوجد قرى جبلية بأحجار مزينة بالأقواس، ثم بانوراما وادي بنا الواسع حيث المدرجات على ضفتي المجرى والشلالات التي تتدفق من علوّ خلال موسم المطر.
على محيط وادي بنا تقع مناطق النادرة والمسقاة والذاري، وهي نقاط مشاهدة مناسبة لالتقاط صور المدرجات الزراعية والمياه الجارية، هذا مسار يمكن الزائر يمكث فيه يوم كامل تُوزَّع فيه المحطات على إطلالة على الوادي، ثم نزول إلى ضفة الوادي، توقف في منطقة السدّة، ثم العودة التدريجية، مع مراعاة قواعد السلامة في حوافّ الوادي والانزلاقات في المناطق الترابية.
وديان عَنّة والدور: بساتين مفتوحة
في مديريات العدين تبدو المدرجات مع الغطاء الشجري الكثيف كمشهدٍ مستمر الخضرة طوال السنة، حيث يوجد وادي عَنّة حيث يجري الماء بين الحقول، ووادي الدور يقدّم نموذجا لمنتزهات طبيعية مفتوحة يرتادها السكان لسهولة الوصول إليها، وتوفّرها على نقاط جلوس قرب الماء.
هذه المواقع بحاجة إلى تنظيم سياحي وإنشاءات خدمية وإرشادية، من خلال تحديد ممرات قصيرة محدّدة، ولوحات تحذير قرب الحوافّ الصخرية، وأماكن مخصصة للنفايات، مفترض ان تقوم على أساس حماية البيئة دون تعطيل الاستمتاع بها.
جانب من جريان الماء في “وادي عنه” بمنطقة العدين (مروان البعدان )
شلالات “وراف”
تشكّل منطقة وراف واحدة من النقاط الجاذبة لحركة السياحة الداخلية. الشلالات فيها عالية نسبيا، ومحيطها النباتي كثيف، وتتوفر في المناطق القريبة منتزهات خاصة، غير أن المشهد العام ما يزال ريفي بخدمات أقل في أجزاء كبيرة.
صعوبة التنقل والحصول على أماكن للإقامة المؤقتة فيها يجعل السياحة إليها معقدة للغاية رغم ما تمتلك من مؤهلات كبيرة، وتحتاج إلى تأهيل مسارات قصيرة آمنة ونقاط ظلّ، مع الحفاظ على طبيعة المكان وعدم إضافة مبانٍ إسمنتية نافرة.
الشلالات: قلب المشهد المائي في إب
تنتشر الشلالات في إب على نحوٍ واسع نتيجة طول موسم الأمطار وتقطّع السلاسل الجبلية. يُسجّل الزائر نماذج مختلفة: شلالات دائمة الجريان، وأخرى موسمية ترتفع شدتها في ذروة المطر. من أبرز المواقع المعروفة على مسارات الحركة:
• شلالات وادي بَنا (السدّة).
• شلالات وادي المحفد ومنها شلالات المهذور (المخادر).
• شلالات النافش في ميتم والمشراق.
• شلال حائرة عمر (وراف – ذي جبلة).
• شلال مديرية المَشْنة قرب مدينة إب.
• شلالات المعلي وسد الشروم (مديرية الشَّعِر).
• سيل المقالح (النادرة).
• شلال وادي الجَنّات (السحول).
• شلال وادي عَنّة (العدين).
• شلال ذي عسل (السَّبرة).
هذه المواقع تمثل متنفسات طبيعية مفتوحة، ويعتمد جمالها على سلوك الزوار في جمع المخلفات، عدم إشعال النار قرب الرذاذ، الحذر من الأحواض العميقة التي تتشكّل طبيعيا بفعل النحت المائي.
إحدى شلالات منطقة وراف في جبلة (اسامة الواصلي)
ينابيع المياه الحارّة
تتوزع العيون الحارّة في ثلاث مديريات رئيسية، وتحتل مديرية القَفْر الصدارة بعددٍ يصل إلى نحو 12 موقعا تنتشر في معظم عزل المديرية، يقصد الأهالي والزوار هذه المواقع للعلاج التقليدي من أمراض جلدية وروماتيزمية وفق اعتقادات شعبية شائعة، ويزداد الإقبال عليها شتاء.
تختلف درجة الحرارة والخصائص الكيميائية من عينٍ إلى أخرى، غير غالبيتها يوجد فيها بخار خفيف، ترسّبات كلسية بيضاء، ومسطحات صخرية ملساء. وهي مقصد للزوار باستمرار لكن لا تتوفر في غالبيتها خدمات سياحية.
يتفرّد موقع «مَشّ الكافِر» في عزلة بني مبارز بمديرية القفر بارتفاع ملحوظ في الحرارة يصل عند المنبع الخارجي إلى نحو 96.3°م، ويمكن للزائر مشاهدة غليان الماء وتكوّن ترسّبات كربونات الكالسيوم بأشكالٍ تشبه مخّ الإنسان، وهي سِمة يَستدلّ بها الزائر على خصوصية الموقع.
تقع عيون أخرى في مديرية حزم العدين يوجد “عين الأسلوم” ومديرية العدين هناك أيضاً عدة ينابيع للمياه الحارة منها “عين الشعراني” و”عين جبل بحري” والتي تقع وسط غطاء نباتي يمكن أن تكون جاذبة للسياحةٍ العائلية للتمتع في البيئة والهدوء.
تنظيم الزيارة إلى هذه المواقع يعتمد تقسيم الوقت بين النساء نهارا والرجال مساء، وهو تنظيمٌ أهليّ يُراعى احترام الخصوصية، كما أن الخدمات المتاحة تقليدية في الغالب والتي تكون في العادة، أماكن تبديل بسيطة، ومواضع جلوس شعبية، ما يفتح المجال لتحديث محسوب منخفض التكلفة.
قاع الحقل في يريم يزرع في غالبيته البطاطس ويشكل لوحة خضراء مبهرة (مروان البعداني)
إمكانيات السياحة الطبيعة في إب
يمكن أن تكون إب جزءا محوريا من منظومة وطنية لسياحة الطبيعة، وتحديدا السياحة الجبلية وسياحة الأودية والشلالات والسياحة العلاجية بالعيون الحارّة. وتبرز الإمكانيات في السياحة جبلية، يمكن إنشاء مسارات قصيرة ومتوسطة على طريق سمارة وبعدان والتعكر.
السياحة إلى الأودية التي تشتهر بالمياه الجارية، عبر رحلات موجهة إلى وادي بَنا، وادي عَنّة، وادي الدور، بالإضافة السياحة العلاجية من خلال تأهيل مواقع مختارة من العيون الحارّة في مديريات، القفر، حزم العدين، العدين.
وتبرز السياحة الريفية كأهم عوامل جذب الزوار إلى محافظة إب، عبر تخصيص وإدارة بيوت ضيافة صغيرة تقدّم أطعمة محلية وجولات قصيرة في الحقول والمدرجات، يتم فيها التخطيط لمسارات للتجول في ساعات النهار واستكشاف الطبيعة.
وتتميز السياحة الطبيعة في محافظة إب بمناظر المدرجات الزراعية التي تحافظ على التربة والماء وتمنع الانجراف، بالإضافة إلى أن محافظة تهطل فيها الأمطار بغزارة، ويوجد فيها سواقي سطحية، قنوات تقليدية وهندسة بديعة لتصريف المياه، بالإضافة إلى الوديان العريضة والينابيع الحارة والشلالات.
إلى جانب الاستقرار السياسي تحتاج السياحة الريفية في محافظة إب لاهتمام ضمن مشروع إستراتيجي (ريف اليمن)
توصيات
قبل استعراض التوصيات يبرز الاستقرار الأمني وحالة السلام في البلاد كأهم متطلبات التنمية ليس فقط سياحياً فقط بل في كل جوانب الحياة، لكن إذا أردنا استعراض أبرز المقترحات الأولية التي يمكن أن تشكل بداية إنعاش سياحية وهي كالتالي:
1. تحسين الوصول: تعبيد مقاطع حرجة في الطرق الجبلية والمسالك الترابية المؤدية إلى نقاط الإطلالة والشلالات والعيون.
2. لوحات تعريف: عند بدايات المسارات ومداخل المواقع، تتضمن اسم المكان، مخاطر السلامة، وطريقة الاستخدام الأمثل.
3. ممرات مشاة قصيرة: الممرات تبدأ من كيلو إلى ثلاثة كيلو في مناطق “سمارة” و “وراف” و”وادي بَنا” و”وادي الدور”، بمواد محلية تحافظ على المكان من أي مشهد نشاز.
4. نقاط ظلّ واستراحات خفيفة: مظلات بسيطة بمواد محلية، ومقاعد حجرية أو خشبية، بعيدا عن بناء منشآت إسمنتية كبيرة تكون مشوهة للمكان الطبيعي.
5. إدارة النفايات: وضع حاويات موزعة بوضوح، والتشجيع في المواقع الحساسة، مع فرق نظافة أهلية.
6. سلامة الزوار: تحذيرات قرب الحوافّ، فرق إسعاف صغيرة في ذروة المواسم وخطط صحية لأي طارئ. متابعة تأثير الأمطار والسيول على المسارات.
7. تمكين المجتمع المحلي: تدريب شباب على الارشاد السياحي، وتشجيع مشاريع قهوة ريفية وأكشاك حِرف أصيلة، وحوافز للبيوت التي تؤجر غرفا مناسبة.
8. تنظيم العيون الحارّة: مرافق تبديل منفصلة، منشآت مائية آمنة تحافظ على الطبيعة الجيولوجية.
9. الترويج الذكي: مواد تعريف رقمية بسيطة مثل خرائط مسارات معزز بالصور وتعليمات زيارة، تُنشر عبر منصات محلية.
تواجه مديرية ماوية شرق محافظة تعز واحدة من أخطر الأزمات البيئية والاقتصادية في السنوات الأخيرة، إذ باتت مصادر المياه الجوفية تتراجع بوتيرة غير مسبوقة بسبب استنزاف القات، تاركة عشرات آلاف السكان أمام مأزق يومي في الحصول على احتياجهم من المياه.
وتزداد خطورة الأزمة كون المياه الجوفية هي الشريان الرئيسي للحياة والزراعة في اليمن، حيث تغطي ما يزيد عن 70% من إجمالي الاحتياجات المائية للبلاد، في ظل شح الأمطار وموسميتها ومحدودية المياه السطحية، ما يجعل الاعتماد عليها مصيرياً مقارنة بأي مصادر أخرى.
ورغم تعدد الأسباب التي أدت إلى غور المياه في باطن الأرض، من بينها التعميق العشوائي للآبار الارتوازية وضعف الرقابة الرسمية، إلا أن التوسع الكبير في زراعة القات يظل العامل الأبرز والأكثر تأثيراً في استنزاف هذا المخزون الحيوي.
ففي الوقت الذي تحولت فيه مزارع القات إلى المشهد الزراعي الأكثر حضوراً في ماوية بسبب مردوده الاقتصادي السريع؛ تراجعت المحاصيل الزراعية الأخرى.
ويُعد القات المحصول النقدي الأول في اليمن، إذ يوفر فرص عمل ودخلاً يومياً للمزارعين يفوق بمراحل عائدات الحبوب والخضروات، إلا أن هذه “الجدوى الاقتصادية” الخاصة تأتي بكلفة مائية باهظة، حيث تستحوذ زراعته على نحو 40% من إجمالي المياه المستخدمة في الزراعة باليمن، مما زاد من حاجة المزارعين إلى تعميق الآبار بلا دراسات فنية، وأسهم في نزوح المياه من الطبقات الضحلة وارتفاع تكاليف استخراجها.
واقع صعب
ومع انحدار مستويات المياه عاماً بعد آخر، وجد السكان أنفسهم أمام واقع صعب يتطلب مراجعة عاجلة لسياسات الحفر والاستهلاك، قبل أن تصبح أزمة المياه في ماوية تهديداً دائماً للحياة والزراعة معاً، إذ أصبح عمق غالبية الآبار يتجاوز 800 متر، في حين تجاوز عمق بعضها 1200 متر.
توسّع المساحات المزروعة بالقات رفعت حاجة المزارعين للمياه، ما دفع الكثير منهم إلى البحث عن مصادر إضافية للري، وفي مقدمتها الآبار الارتوازية. وهنا بدأت المشكلة تأخذ منحى خطيراً، بعدما أصبح القات منافساً مباشراً لمياه الشرب، مستهلكاً النصيب الأكبر من المخزون الجوفي في المديرية.
يوضح المزارع محمد الشرماني أن شجرة القات تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه على مدار العام، تفوق بكثير احتياجات المحاصيل الغذائية الأخرى كالذرة والخضروات، التي تعتمد غالباً على مواسم الأمطار أو الريّ المحدود.
في حين يؤكد طلال الشاووش أن التوسع في زراعة القات أدى إلى توجيه غالبية – إن لم تكن جميع – مصادر المياه لري هذا المحصول التجاري، على حساب المزروعات الغذائية التي بات كثير من المزارعين يتخلون عنها لعدم قدرتهم على مجاراة الاستنزاف المتزايد للمياه، الأمر الذي أسهم في تضييق المساحات المخصصة للغذاء وتحويل القطاع الزراعي في ماوية إلى نشاط يعتمد على محصول واحد شديد الاستهلاك للمياه.
مزارع في ذمار يرش المبيدات على شجرة القات (منصة ريف اليمن))
يؤكد الشاووش في حديثه لـ”ريف اليمن”، أنه لم يتم حفر أي بئر جديدة في منطقته منذ عدة سنوات، وأن المشكلة القائمة سببها تعميق الآبار الارتوازية القديمة، لافتاً إلى أن حفر بئر جديدة اليوم أصبح يفوق القدرة على تحمل تكاليفها.
الحفر العشوائي
لم يكن التوسع في زراعة القات وحده المسؤول عن الوضع الحالي، فالحفر العشوائي للآبار الارتوازية لعب دوراً مسانداً في تسريع استنزاف المياه. فمع غياب الدراسات الفنية وعدم وجود رقابة صارمة من الجهات المختصة، اتجه كثير من المزارعين إلى حفر آبار أعمق من اللازم، في محاولة للوصول إلى المياه التي بدأت تنخفض بشكل واضح.
ويؤكد الدكتور أحمد الوادعي، الأستاذ المشارك بقسم الأراضي والمياه والبيئة بكلية الزراعة جامعة صنعاء، أن الأعماق الكبيرة للمياه في ماوية تعود لأسباب عملية واجتماعية وسياسية واقتصادية، وأولها الحفر العشوائي.
ويشير الدكتور الوادعي، في حديثه لـ”ريف اليمن”، إلى أن المشكلة تراكمت على مدى نحو 15 عاماً نتيجة التقلبات السياسية والفوضى، حيث استغل كثيرون غياب الرقابة والقانون وحفروا الآبار بكثافة، خصوصاً بين 2010 و2014، ما أدى لاستنزاف المياه الجوفية.
وتم حفر أكثر من 150 بئراً ارتوازية بشكل عشوائي خلال الأحداث التي شهدتها البلاد في عام 2011، ومع تصاعد النزاع وبداية الحرب خلال عامي 2015 و2016، وفق ما ذكره مسؤول في مكتب المياه بالمديرية.
وأشار المسؤول إلى أن هذه الفترة شهدت غياباً شبه كامل للرقابة الرسمية على الموارد المائية؛ ما أتاح للمواطنين والمستثمرين المحليين القيام بحفر الآبار دون الالتزام بالمعايير الفنية والقانونية المعتمدة، وهو ما أدى إلى انتشار الحفر العشوائية بشكل واسع في مختلف مناطق المديرية.
وأوضح المسؤول، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن أسباب توسع الحفر العشوائي لم تقتصر على ضعف الرقابة الحكومية فقط، بل امتدت لتشمل النفوذ الاجتماعي والمحسوبية التي ساعدت بعض الأفراد على تجاوز الإجراءات القانونية دون مواجهة أي عواقب.
توسّع المساحات المزروعة بالقات رفعت حاجة المزارعين للمياه، ما دفع الكثير منهم إلى البحث عن مصادر إضافية للري، وفي مقدمتها الآبار الارتوازية
ويؤكد أن هذا الوضع أدى إلى استنزاف طبقات المياه الجوفية بشكل كبير؛ مما أثر سلباً على توفر المياه للزراعة والاستخدام المنزلي، وزاد من حدة التحديات التي تواجه المديرية في إدارة مواردها المائية بشكل مستدام.
هذا الأسلوب غير المنظم أدى إلى زيادة الضغط على الطبقات المائية السطحية والعميقة معاً، وجعل كثيراً من الآبار التقليدية تجف كما لو أنها لم تكن موجودة أصلاً. كما تسبب الفارق الكبير في أعماق الآبار الحديثة بحدوث “مزاحمة مائية”، بحيث تستنزف الآبار العميقة ما تبقّى من مياه الآبار الضحلة المخصصة للشرب.
مخاوف بيئية
على المستوى البيئي، تبدو الصورة أكثر قتامة؛ فالبيانات المتاحة وشهادات الأهالي تؤكد أن منسوب المياه تراجع إلى مستويات غير مسبوقة، وأن بعض القرى اضطرت إلى ترك مصادرها التقليدية، والاعتماد على شراء المياه المنقولة عبر الشاحنات الصغيرة، ما رفع التكلفة وضاعف الأعباء.
جفافُ آبارٍ كانت تزوّد عشرات الأسر في الماضي، وتحوُّل مساحاتٍ زراعيةٍ إلى أرض غير قابلة للزراعة، يمثلان جزءاً فقط من المشهد. أما الجزء الآخر فهو المخاوف المتنامية من وصول الاستنزاف إلى مستويات لا يمكن تعويضها بسهولة، خصوصاً مع تراجع معدلات الأمطار في بعض المواسم، إضافة إلى الوصول إلى أعماق كبيرة تكون فيها المياه غير صالحة للشرب أو السقي.
ويؤكد الدكتور أحمد الوادعي، أن الخطر على الموارد المائية في المنطقة أصبح واضحاً وحاضراً، مشيراً إلى أن الحفر على أعماق تصل إلى 500 متر يُعد عمقاً كبيراً جداً وخطراً، بل وإن بلغ ألف متر فإنه يتطلب طاقة هائلة لعودة المياه إلى هذه الأعماق من جديد.
وأضاف أن هذا الوضع سيؤدي إلى استنزاف كبير للمياه، وقد يصل الأمر إلى حد عدم قدرة السكان على الحصول على مياه الشرب، فضلاً عن تأثيره السلبي على ري المحاصيل؛ ما يزيد من تفاقم المشكلة بشكل كبير.
من جانب آخر، اشتكى المزارع محمد الشرماني في حديثه لـ”ريف اليمن” من أن تعميق الآبار أدى لصعود مياه حارة جداً أثرت بشكل كبير على شجرة القات، التي تتحمل الظروف، ناهيك عن المزروعات الأخرى.
ويشدد الدكتور الوادعي على ضرورة تحليل عناصر المياه الكيميائية إن كانت كبريتية أو غير ذلك، مؤكدا أن جودة المياه وعناصرها الغذائية تقل كلما زاد عمق الآبار، خصوصاً إذا كانت في مناطق مخزون المياه فيها قليل جداً.
ويحذر من التأثير الكبير لهذه المياه أيضاً على الجانب الصحي، من خلال ظهور أمراض في الكلى والكبد والأسنان والعظام نتيجة عدم توازن العناصر الموجودة في المياه.
قانون حاضر وتطبيق غائب
في إطار تنظيم حفر الآبار الجوفية، ينص قانون المياه اليمني رقم (33) لسنة 2002 على إخضاع عمليات الحفر والتجهيز لضوابط فنية صارمة، إذ جاء في المادة (46) منه:
“باستثناء الأعمال السابقة لصدور هذا القانون وبما لا يتعارض مع أحكام القانون المدني، تخضع لنظام المعايير والمواصفات الفنية العامة المقررة الأعمال التالية:
1 – حفر آبار المياه.
2 – (أ) المواقع والتصاميم العامة لمنشآت الري والمياه، (ب) محطات معالجة وتحلية المياه.
وتحدد اللائحة هذه المعايير والمواصفات الفنية العامة وسائر القواعد والإجراءات المنفذة لأحكام هذه المادة”.
غير أن المشهد المائي في مديرية ماوية يعكس مسافة واسعة بين النص القانوني والتطبيق العملي، حيث تشير شهادات السكان والمزارعين إلى انتشار الحفر العشوائي وتجاوز المعايير الفنية، لا سيما في ما يتعلق بتعميق الآبار إلى أعماق تتجاوز 1000 متر دون دراسات هيدرولوجية معتمدة أو رقابة فنية فعّالة، الأمر الذي أسهم في اختراق بعض الأحواض المائية، وتدهور جودة المياه، وظهور المياه الكبريتية التي باتت تهدد الزراعة وصحة السكان على حد سواء.
ويرى الدكتور الوادعي أن زيادة الحفر العشوائي وعدم التقيد بقوانين الهيئة العام للموارد المائية، التي تنظم عملية الحفر ومراقبتها وتنفيذ الأحكام الصادرة ضد المخالفين، أسهمت في غور المياه الجوفية إلى باطن الأرض، مؤكداً أن “هناك لوائح وقوانين لكن تطبيقها غائب”.
أعباء يومية
لا يتوقف تأثير الأزمة على الجانب الزراعي فقط، بل يمتد إلى حياة السكان اليومية، فالكثير من الأسر باتت تقطع مسافات طويلة للحصول على الماء، فيما ارتفعت أسعار صهاريج المياه بشكل لا يتناسب مع متوسط الدخل.
كما بدأت تظهر مشكلات اجتماعية مرتبطة بالنزاع على موارد المياه المحدودة، خاصة في القرى التي تشترك في بئر واحدة. ويشير عبدالرحمن الشغدري إلى أنه وأسرته يواجهون صعوبات كبيرة خلال موسم الجفاف للحصول على مياه الشرب، لكن هذ الأمر يزداد تعقيداً عندما يتعلق بسقي مزرعة القات الخاصة به.
الشرماني:القات يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه على مدار العام، تفوق بكثير احتياجات المحاصيل الأخرى التي تعتمد على الأمطار والريّ المحدود.
يوضح الشغدري، في حديثه لـ”ريف اليمن” أن وضعهم المادي الصعب يمنعهم من الاشتراك في الآبار المتاحة، ما يضعهم تحت ضغط مستمر، ويجعلهم مضطرين للبحث عن حلول بديلة، غالباً باهظة الثمن، لتأمين أقل احتياجاتهم من المياه، واصفاً هذا الوضع بأنه معاناة يومية تتكرر عاماً بعد عام، تعكس هشاشة سبل المعيشة بالنسبة لكثير من الأسر في المنطقة.
ويقول الشاووش إن أزمة المياه التي اجتاحت المنطقة العام الماضي دفعت العديد من الأسر إلى مغادرة منازلهم مؤقتاً والتوجه إلى مدينة تعز بحثاً عن الماء، حيث وجدوا أنفسهم مضطرين لمواجهة صعوبات السفر، ونقص الموارد، والتكيف مع ظروف جديدة، كل ذلك من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة.
ويضيف أن هذه الهجرة المؤقتة تعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها السكان، ومدى هشاشة حياتهم أمام شح المياه وتفاقم الأزمة.
مطالب مشروعة
ويطالب أهالي المديرية بضرورة تدخل الجهات المعنية بشكل عاجل لوضع حد لاستنزاف المياه الجوفية، مؤكدين أن استمرار الحفر العشوائي وتعميق الآبار يهدد مستقبلهم ويزيد من معاناتهم اليومية.
ويشير السكان إلى أن الوضع أصبح لا يحتمل، حيث يجدون أنفسهم مضطرين لدفع مبالغ كبيرة للحصول على كميات محدودة من المياه، بينما يرى البعض أن الحل يكمن في فرض رقابة صارمة على جميع عمليات التعميق، ومتابعة الالتزام بالقوانين واللوائح المعمول بها.
يضيف الأهالي أن التأخر في وضع الحلول يؤدي إلى تفاقم المشكلة بشكل أكبر، خصوصاً مع استمرار التوسع في زراعة القات، التي تستهلك كميات كبيرة من المياه؛ ما يترك الأسر غير القادرة مالياً في مواجهة أزمة حادة خلال مواسم الجفاف.
ويؤكد الشرماني، أنه “مع استمرار استنزاف البئر، أصبح من الصعب تأمين ما يكفي لسقي المزروعات، ناهيك عن توفير مياه الشرب لأسرنا”، مطالباً بوضع حد لهذا الهدر الكبير للمياه.
ويتفق معه الشاووش، الذي دعا الشيوخ والمجتمع المحلي الجهات الرسمية إلى إجراء مسح شامل للآبار الموجودة، وتحديد أعماقها وملكيتها ومعدل الاستخدام اليومي، لضمان إدارة عادلة ومستدامة للمياه، ومنع أي استنزاف إضافي قد يهدد حياة السكان والزراعة في المستقبل.
تحذيرات وحلول
يرى الخبراء أن الأزمة قابلة للحد من أثرها إذا تم اتخاذ إجراءات عاجلة، في مقدمتها وقف الآبار، إلزام أصحاب المزارع باستخدام الري الحديث، والحد من زراعة القات في المناطق الأكثر تأثراً.
مزرعة قات في ريف محافظة إب وسط اليمن (ريف اليمن)
كما يدعو الأهالي إلى إنشاء لجان مجتمعية محلية لمراقبة استهلاك المياه، وتنسيق الجهود بين المزارعين للحد من الممارسات التي تُسرّع نضوب المخزون الجوفي.
ويشدد الدكتور الوادعي على أن الحل الإستراتيجي الأول للحد من التدهور هو إيقاف التوسع في زراعة القات بشكل نهائي، واستبداله بمحاصيل تحتاج إلى مياه قليلة، كالشعير والذرة والقمح والأعلاف، ومنع الحفر العشوائي بحيث لا يتم منح تراخيص الحفر أو التعميق إلا بترخيص رسمي من الهيئة العامة للموارد المائية، يُمنح بعد إجراء دراسة مستفيضة حول إمكانية الحفر من عدمه.
في حين ينصح المزارع الشاووش بإنشاء حواجز مائية يتم عزل المياه فيها بمادة الـ”بولي إيثيلين”، يتم فيها جمع المياه من الآبار وخلال موسم الأمطار، وهي تجربة ناجحة طبقها بنفسه قبل عدة سنوات، أدت لقيام العديد من أبناء المنطقة بتطبيقها، ولا يزالون يستفيدون منها حتى اليوم.
ويشدد الدكتور الوادعي، في ختام حديثه، على أن الحلول العاجلة ضرورية، مؤكداً على ضرورة وضع لائحة صارمة تمنع الحفر غير القانوني وتعميق الآبار. كما أوصى بعمل مسح شامل للمنطقة يشمل عدداً دقيقاً للآبار (أعماقها، ملكيتها، ومعدل الاستخدام اليومي لكل بئر)؛ بهدف وضع خطة علمية وعملية لإدارة الموارد المائية وحمايتها من الاستنزاف.