السبت, أبريل 11, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق

مدينة عدن قد تغرق خلال 30 دقيقة: دراسة تدق ناقوس الخطر

مدينة عدن قد تغرق خلال 30 دقيقة: دراسة تدق ناقوس الخطر

كشفت دراسة بحثية، عن حقائق صادمة تضع مدينة عدن جنوبي اليمن، أمام تحدٍ وجودي في مواجهة مخاطر السيول المفاجئة، وأشارت أن التوسع العمراني العشوائي عامل رئيسي في تفاقم الفيضانات في المدن الساحلية.

وحذرت الدراسة التي أجراها فريق من الباحثين من جامعة عدن وهيئة المساحة الجيولوجية عام 2024، من تحول المناطق السكنية إلى “مصبات مفتوحة” لسيول عارمة تفوق قدرة المدينة على الاحتمال.

وحددت الأماكن الأكثر عرضة للفيضانات والانهيارات الصخرية وتقييم المخاطر، مما سيساهم في تطوير خطط إدارة الكوارث في المستقبل، وتوفر معلومات قيمة للمخططين العمرانيين لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن الاستخدام الأمثل للأراضي.

الدراسة قدمت خارطة طريق وتحذير لصناع القرار في اليمن، “أن التغير المناخي مع التوسع العمراني العشوائي في عدن يجعل المدينة في خطر دائم” مشيرة “أن البنية التحتية غير قادرة على استيعاب الفيضانات الكبرى القادمة ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة”.

وفي أغسطس 2025 شهدت مدينة عدن سيول وفيضانات جارفة التي غمرت منطقتي الحسوة وبئر أحمد، وكانت تلك السيول الأشد منذ عقود، بعد أن وصلت سيول وادي الحسيني، القادمة من مديرية تبن بمحافظة لحج، إلى شاطئ الحسوة للمرة الأولى منذ نحو 60 عاما.

30 دقيقة للغرق

أخطر ما كشفت عنه الدراسة هو أن الوقت الذي قد تستغرقه السيول لتصل من قمم الجبال إلى قلب الأحياء السكنية، في مناطق مثل كريتر” و”المعلا”، يتراوح بين 11 و35 دقيقة فقط.

هذا يعني أن سكان مديريات صيرة والمعلا والتواهي لديهم أقل من ساعة واحدة للنجاة من لحظة بدء هطول المطر الغزير حتى وصول ذروة السيل المدمر، مما يجعل هامش التحذير أو الإخلاء ضيقاً للغاية ويستوجب وجود أنظمة إنذار مبكر فائقة السرعة.

وشهدت مدينة عدن فيضانات كارثية متكررة، لا سيما في أعوام 1967 و1993 و2008، والكارثة الأخيرة في 21 أبريل 2020، ومازالت المدينة تتعرض لأخطار كبيرة خلال السنوات الماضية.

وتستعرض الدراسة نتائج “النمذجة الهيدرولوجية” لأحواض التصريف بالمحافظة، وتبرز فجوة خطيرة بين بنية تحتية متهالكة وطبيعة بركانية، وتوسع عمراني عشوائي خنق مجاري الأودية الطبيعية وزاد من هشاشة المدينة أمام الفيضانات.

وتتمتع عدن بتكوين جيولوجي مميز حيث تهيمن على تضاريسها الصخور بركانية، التي تعود إلى أواخر العصر الثالث المتأخر، وتتخذ سلسلة جبال شمان (ارتفاعها 553 متراً) التواهي والبريقة، شكل “حدوة حصان”، تتركز فيها مياه الأمطار وتوجهها بسرعة كبيرة نحو المناطق السكنية الساحلية المنخفضة.

الأمطار قد تتحول إلى كارثة

الدراسة الهيدرولوجية الحديثة استخدمت أحدث تقنيات النمذجة الرياضية (WMS 11.0) وصور الأقمار الصناعية، لتحويل بيانات الأمطار التاريخية الممتدة لـ 75 عاماً إلى خرائط غمر مكانية.

من خلال تحليل بيانات الدراسة تبين أن هطول الأمطار لمدة 75 عاماً (1948-2023) المسجلة في مطار عدن الدولي، فبينما كان متوسط الأمطار السنوي الأقصى تاريخياً هو 25.3 ملم، أظهرت الإحصائيات تصاعداً متسارعاً في شدة العواصف والأمطار.

وارتفعت كمية الأمطار من 170 ملم خلال 50 عاماً إلى 266 ملم خلال 100سنة، وهذه زيادة تفوق 55%، ما يعكس بوضوح التأثير المباشر لتقلبات المناخ الإقليمية على السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية.

هذه التقلبات تحول الأمطار الموسمية إلى سيول مدمرة تتجاوز قدرة المصارف والقنوات الحالية ووفق الدراسة “فإن التغير المناخي زاد من حدة الأمطار المتطرفة، مما يضع البنية التحتية الحالية في مهب الريح”.

التوسع العمراني العشوائي

من خلال تقنيات التحليل المقارن لخرائط استخدام الأراضي، تتبعت الدراسة مسار الكارثة بين عامي 2017 و2023، ورصدت تسارع مقلق للتوسع العشوائي العمراني على حساب تصريف السيول، وهذا انعكس مباشرة على تصاعد الجريان السطحي للمياه وتسببت بزيادة ملحوظة في حجم الفيضانات.

واشارت الدراسة أن الزحف العمراني كان بمثابة إغلاق لمحابس الأرض حيث أدى استبدال التربة بالمباني إلى زيادة تدفق مياه الأمطار، وهو ما يفسر لماذا أصبحت الأمطار المتوسطة تتسبب اليوم في فيضانات كانت لا تحدث سابقاً إلا مع الأمطار الغزيرة جداً.


الوقت الذي تستغرقه السيول للوصول إلى الأحياء السكنية في مدينة عدن يتراوح بين 11 و35 دقيقة


وكشفت الأرقام أن نفاذ المياه إلى الأرض في مديريتي صيرة والمعلا وصل إلى مستوى حرج تصل إلى (85 درجة)، وهو ما يعني تقنياً أن الأرض فقدت قدرتها على امتصاص مياه الأمطار بنسبة كبير، وهذا حول الشوارع والمساحات المفتوحة إلى قنوات سريعة تدفع بالمياه نحو المناطق المنخفضة بكامل قوتها دون أي عائق طبيعي.

ورصدت الدراسة تحولاً خطيراً في أنماط الغطاء الأرضي بين عامي 2017 و2023، حيث تركز الزحف العمراني بشكل مباشر فوق ممرات التصريف الطبيعية وعند مخارج الأودية.

هذا البناء العشوائي، أدى إلى زيادة حجم السيول، وتعطيل نظام نقل الرواسب الطبيعي، وصفه الباحثون بـ “التضخيم البشري المباشر للمخاطر الهيدرولوجية”، وهذا يعني أن البناء كان له فعل مباشر على زيادة على مخاطر الفيضانات.

الوادي الكبير

على الجانب الآخر من المدينة يبرز الوادي الكبير في مديرية البريقة وهو التهديد الأكبر للمحافظة نظراً لمساحة حوضه الشاسعة التي تبلغ 1874.6 كم²، وبحسب الدراسة، فإن حجم الفيضان المتوقع لهذا الوادي في حال حدوث عاصفة تتكرر كل 100 عام، سيصل إلى 434 مليون متر مكعب، مع تصريف أقصى يبلغ 9272 متراً مكعباً في الثانية.

هذا الكم الهائل من المياه يشكل خطراً وجودياً على المنشآت الصناعية والمناطق السكنية في الحسوة وبئر أحمد. وتؤكد الرسوم البيانية للتدفقات المائية أن استقرار زمن الوصول إلى الذروة يعني وجود تدفق مستمر وضخم يغرق المصبات لفترات طويلة.

وكشفت البيانات في وادي الكبير وحده تُنقل أكثر من 33 ألف متر مكعب من الأحجار والتراب سنوياً، وحذرت الدراسة من أن إهمال تنظيف العبارات والقنوات بعد كل فيضان يشكل فخاً قاتلاً، إذ تؤدي الانسدادات الصخرية إلى خروج السيول عن مجاريها المخصصة ودخولها إلى منازل السكان، مما يضاعف من القدرة التدميرية للفيضانات.

وحذرت الدراسة من السيول والفيضانات المفاجئة، حيث إن زيادة طفيفة في معدل الأمطار قد تؤدي إلى مضاعفة قوة السيل في وادي الخساف بثلاثة أضعاف، مما يجعل التوقعات التقليدية غير مجدية.

وأوضحت الدراسة، إن أي خطأ في التخطيط الحضري بنسبة 5% قد يؤدي إلى كارثة مضاعفة بنسبة 12%، مما يستوجب إعادة النظر جذرياً في المخططات العمرانية الحالية ووقف أي بناء جديد في مناطق الحماية المحددة.

سيول جارفة وصلت شاطئ الحسوة في عدن قادمة أغسطس 2025

أحواض صيرة والمعلا

وتواجه مديريات صيرة والمعلا خطراً زمنياً قاتلاً، إذ لا يفصل بين سقوط المطر ووصول السيل لقمته التدميرية سوى دقائق معدودة، وبحسب الأرقام في الدراسة فإن شوارع كريتر الضيقة ستكون مسرحاً لتدفقات تصل لـ 440 متراً مكعباً في الثانية، مما يحول المدينة التاريخية إلى مصب مفتوح لطوفان لا يرحم.”

على النقيض من الحجم الهائل للوادي الكبير، تواجه أحواض صيرة والمعلا على الرغم من صغر مساحتها وشدة انحدارها يظهر حوض”كاسترو-3″ زمن وصول تركيز السيل لا يتجاوز 11 دقيقة فقط.

بينما يحتاج السيل في “وادي الطويلة” 28 قيقة فقط ليصل لذروته، هذا التباين يعني أن سكان هذه المناطق يواجهون سيولاً جارفة خاطفة تباغتهم قبل أن يتمكنوا من اتخاذ أي إجراءات وقائية.

سجلت الدراسة أعلى نسب انحدار في وادي الخصاف (0.33) وكاسترو (0.35)، وهي أرقام تعكس طبيعة الجبال البركانية الصلبة المحيطة بعدن، تتحول الأمطار الغزيرة فوراً إلى جريان سطحي بنسبة 100% تقريباً، حيث تفتقر الأحواض لسعة تخزين طبيعية تخفف من حدة التدفق قبل وصوله للمدن.

حددت الدراسة أكثر المناطق عرضة للغرق كالتالي:-

• منطقة القطيع (المرسبة): حيث تستقبل تدفقات من وادي العيدروس، بسبب طبيعتها الجغرافية التي تشبه الحوض، وصلت إلى 3 أمتار في عام 2020، مما أدى إلى غمر مساحة 31,488 متراً مربعاً.

• سوق الباز والسيلة: تصل إلى هذا السوق التجاري تدفقات من وادي الطويلة، حيث يتوقع وصول إلى 3 أمتار بالقرب من معبر القاضي، مما يهدد منطقة تجارية تبلغ مساحتها حوالي 44 ألف متر مربع.

الانفجار العمراني الصامت

وكشفت الأرقام عن قفزات في المساحات المبنية في عدن من 7,1 مليون متر مربع في عام 2017 إلى أكثر من 13 مليون متر مربع في عام 2023، أدت هذه الزيادة المهولة بنسبة 82 بالمئة خلال 6 سنوات فقط.

وتسببت الخرسانة والإسفلت بخنق مساحات شاسعة كانت تمتص مياه الأمطار، مما ضاعف حجم الجريان السطحي لمياه الأمطار وحوّل الشوارع إلى مصبات إجبارية للسيول.

وخلصت الدراسة إلى أن المعادلة الطبيعية بين الأمطار والجريان (التوازن الهيدرولوجي) في عدن قد اختل تماماً، فبدلاً من أن تمتص التربة المياه، تحولت الأرض بفعل التوسع العمراني إلى أسطح غير منفذة.

هذا التحول جعل أي هطول مطري يتحول فوراً إلى فيضان جارف وفائض، حيث لم تعد الأرض قادرة على ابتلاع قطرة ماء واحدة، مما يجعل المدينة مكشوفة تماماً أمام التغيرات المناخية القادمة.

مدينة عدن قد تغرق خلال 30 دقيقة: دراسة تدق ناقوس الخطر
سيول في مدينة عدن تغمر منازل بنيت بشكل عشوائي خلال السنوات الماضية, أغسطس 2025 (وسائل التواصل)

ماهي الحلول؟

واقترحت الدراسة إنشاء سدود احتجاز جديدة في واديي العيدروس والخساف لخفض سرعة السيول واحتجاز الصخور، وتوسعة جسر مخرج وادي الكبير ليبلغ عرضه نحو 50 متراً لاستيعاب التدفقات التاريخية.

كما أكدت الحاجة إلى إحياء صهاريج الطويلة التاريخية وصيانتها دورياً لإزالة الطمي، مشددةً على أن تحديث قنوات التصريف الحالية بات أمراً عاجلاً لمواجهة ذروة تصريف تتجاوز تسعة آلاف متر مكعب في الثانية.

ودعت الدراسة إلى إنشاء شبكة أرصاد مزودة بمستشعرات في قمم الجبال، قادرة على توفير مهلة إنذار حرجة تتراوح بين 30 و60 دقيقة تسمح بإخلاء المناطق الأكثر عرضة للخطر مثل حي «القطيع».

وأكدت على أهمية ترسيخ نطاق قانوني يمنع تماماً البناء داخل المناطق المحمية المخصصة للأودية، وقالت “إن وقف الزحف العمراني هو السبيل الوحيد لكسر حلقة الكوارث المتكررة”.

استناداً إلى نتائج الدراسة، يرى الباحثون أن حماية مدينة عدن وضمان استدامتها يتطلبان تحركاً عاجلاً وفق التوصيات التالية:

• اعتماد خرائط الفيضانات المعدّة في الدراسة، والتي تمتد لفترة مئة عام، كأساس لخطط التنمية المستقبلية.
• الاستثمار في البنية التحتية: إعطاء الأولوية لتنفيذ السدود المقترحة وبناء عبارات ذات سعة تصريف عالية.
• إنشاء هيئة وطنية: تعمل على إدارة محطات الرصد وتشغيل أنظمة الإنذار المبكر وتنسيق خطط مواجهة الفيضانات.
• الرصد المستمر: تعمل الجهات المختصة على تحديث نماذج استخدام الأراضي والأنظمة المائية بشكل دوري لمواكبة التوسع العمراني السريع والتغيرات المناخية المتزايدة.

ويؤكد الباحثون في الدراسة “أن التطبيق المتزامن لهذه الإجراءات هو السبيل الأفضل لتقليل مخاطر الفيضانات وحماية سكان مدينة عدن وبُنيتها التحتية من الفيضانات”.

حضرموت.. عمال النظافة بين قسوة العمل وغياب التقدير

منذ ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تستيقظ القرى الريفية في حضرموت على حركة يومها المعتادة، يبدأ محسن الرعود عمله، ويدفع عربته المعدنية القديمة على طريق ترابي ضيق، ممسكًا بمكنسة تآكلت أطرافها من كثرة الاستخدام، ويبدأ في جمع المخلفات المتناثرة على جانبي الطريق، في مشهد يتكرر يوميا منذ أكثر من عشرين عامًا.

 يقول الرعود، وهو عامل نظافة في إحدى المناطق الريفية شرقي المحافظة، لـ”ريف اليمن”، إن عمله يبدأ قبل شروق الشمس وينتهي مع اشتداد الحر، ويضيف: “نخرج قبل الناس ونرجع بعدهم، من أجل تظل القرى نظيفة”.

رغم الإرهاق وبساطة الأدوات وغياب أبسط وسائل الحماية يواصل الرعود عمله مؤمنا بأن ما يقوم به واجب قبل أن يكون وظيفة، ويؤكد لـ”ريف اليمن”، أن العمل شاق جدا، لكنه يحب مهنته ويقدرها، معبرا عن استيائه وحزنه بسبب تعرضه للكثير من المضايقات من بعض أفراد المجتمع، لافتا إلى أن الكثير يحتقرون هذه المهنة ولا يقدّرونها.


مواضيع مقترحة


 يواجه عمال النظافة في حضرموت، وخاصة في المكلا ومديريات الساحل، تحديات كبيرة تشمل تدني الأجور، ونقص المعدات، ومخاطر العمل الصحي، وتأخر المستحقات. تزداد المعاناة بسبب نقص الوعي المجتمعي بأهمية النظافة، مما يضاعف الجهد البدني عليهم.

 عمل يومي بدون تقدير

 لا يختلف حال الرعود كثيرا عن عشرات من عمال النظافة المنتشرين في أرياف حضرموت، حيث تعتمد القرى على جهودهم الفردية للحفاظ على نظافتها، في ظل شح الإمكانيات وضعف الدعم المؤسسي، ويؤدي هؤلاء العمال مهام شاقة تشمل تنظيف الطرق العامة والأزقة ومواقع تجمّع النفايات، دون قفازات أو كمامات تقيهم مخاطر العمل الصحي والبيئي.

 ويشكو عمال نظافة من ضعف الرواتب التي لا تتناسب مع حجم الجهد المبذول، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات أحيانا وغياب أي تأمين صحي أو رعاية مهنية في وقت يتعرضون فيه لمخاطر يومية من أمراض تنفسية إلى إصابات جسدية.

يحكي الرعود أنه تعرض لعدد من الإصابات أثناء العمل، في دلالة على غياب الرعاية والاهتمام بهذه الفئة، إلى جانب ضعف الوعي المجتمعي بخطورة رمي النفايات الحادة أو الخطرة في براميل القمامة.

يعمل في قطاع النظافة في اليمن نحو 50 ألف عامل وموظف أغلبهم، ما بالأجر اليومي

ويقول: “في يوم من الأيام تعرضت لإصابة خطيرة جدا أثناء كنس القمامة، حيث أُصبت بقطع في رجلي، ونُقلت إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية، تجاوزت تكلفتها راتبي الشهري بالكامل، وجلست في البيت لمدة شهر ونصف بدون عمل”.

 في المناطق الريفية، تتضاعف معاناة عمال النظافة بسبب الطبيعة الجغرافية القاسية، وغياب البنية التحتية المناسبة للتعامل مع النفايات؛ فالطرق غير المعبدة، وبُعد مواقع التجميع، وارتفاع درجات الحرارة، كلها عوامل تجعل العمل أكثر مشقة.

 يختصر الرعود واقع شريحة واسعة تعمل بصمت، دون أن تحظى بتقدير يوازي دورها الحيوي في حماية الصحة العامة والحفاظ على البيئة، ويقول: “نشتغل في الحر وفي البرد، وما عندنا لا ملابس واقية ولا أدوات حديثة. بس الله يعين”. 

وبحسب بيانات إدارة صندوق النظافة والتحسين في مديريات الوادي بمحافظة حضرموت لعام 2024، بلغ إجمالي عدد عمال النظافة في مديريات وادي حضرموت نحو 871 عاملا، يتوزعون أيضًا على عدد من المديريات الريفية، ويؤدون مهامهم اليومية في ظروف تشغيلية صعبة، وبإمكانات محدودة، لتغطية مساحات جغرافية واسعة وقرى متناثرة. 

النظافة مسؤولية الجميع

إلى جانب معاناة العمال، يؤكد الناشط المجتمعي أحمد باوزير أن هناك ضعفا في الوعي المجتمعي في بعض القرى، حيث لا تزال ظاهرة رمي القمامة عشوائيًا منتشرة، ما يزيد العبء على عمال النظافة ويقوض جهودهم اليومية.


عدد عمال النظافة في مديريات وادي حضرموت نحو 871 عاملا، يتوزعون في عدد من المديريات الريفية ويؤدون مهامهم في ظروف تشغيلية صعبة


  ويقول باوزير: “إن النظافة ليست مسؤولية العامل وحده، بل مسؤولية المجتمع ككل”، داعيا إلى ترسيخ ثقافة احترام العامل، والتعامل المسؤول مع البيئة، والالتزام برمي النفايات في الأماكن المخصصة لها.

 في ظل هذا الواقع، تؤكد اللجنة النقابية لعمال مشروع النظافة والتحسين بحضرموت أن الأصوات تتصاعد مطالبة الجهات المعنية بتحسين أوضاع عمال النظافة، من خلال رفع الأجور، وتوفير أدوات السلامة المهنية، وتأمين صحي يضمن لهم حياة كريمة.

 وشددت النقابة على أهمية إدماج عمال النظافة ضمن خطط التنمية المحلية، بوصفهم عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على البيئة والصحة العامة، ويحملون على عاتقهم عبئًا ثقيلًا في ظل ظروف قاسية وتهميش مستمر.

 ويعمل في قطاع النظافة في اليمن نحو 50 ألف عامل وموظف، أغلبهم ما زالوا يعملون بالأجر اليومي من دون تثبيت، ويتكون أغلب هؤلاء العمال من اليمنيين ذوي البشرة السمراء، ويعرفون رسمياً وفي بيانات المنظمات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية بـ”المهمشين”.

‹تذبذب الأمطار› يهدد استقرار الغذاء والمياه عالمياً

‹تذبذب الأمطار› يهدد استقرار الغذاء والمياه عالمياً

كشفت دراسة حديثة أن الارتفاع المستمر في درجات الحرارة العالمية يؤدي إلى تحولات جوهرية في أنماط هطول الأمطار، مما يضع قطاعي الزراعة والموارد المائية تحت ضغوط متزايدة.

وبحسب تقرير نشرته مجلة «Phys.org» العلمية، فإن تركيز الأبحاث الذي انصبّ سابقاً على إجمالي كميات الأمطار المتوقعة، بدأ يتحول الآن نحو ظاهرة أكثر خطورة، وهي تزايد نسبة الأمطار التي تهطل على شكل زخات غزيرة وشديدة، بدلاً من الهطولات الخفيفة والمستمرة.

و استخدم الباحثون مؤشراً جديداً أطلقوا عليه مؤشر الاعتماد على هطول الأمطار الغزيرة EPDI لقياس هذا التحول، الذي يُتوقع أن يفرض واقعاً جديداً يتطلب إعادة صياغة استراتيجيات إدارة المياه والمحاصيل الزراعية والبنية التحتية، حتى في حال النجاح في تحقيق الأهداف المناخية العالمية.


مواضيع مقترحة


كما استندت الدراسة التي قادها الباحث محمد أمبادي من جامعة ميشيغان بالولايات المتحدة، إلى فحص دقيق لبيانات هطول الأمطار العالمية المستمدة من الملاحظات الميدانية وتوقعات النماذج المناخية.

وأظهرت النتائج أنه مع تزايد احترار الكوكب، تسهم حالات الهطول الغزير بنسبة أكبر من إجمالي الأمطار السنوية.

و حذرت من أنه حتى في ظل السيناريوهات المتفائلة التي تتوافق مع أهداف الأمم المتحدة للتخفيف من آثار التغير المناخي، فإن نسبة الأمطار الهاطلة في الأيام شديدة الرطوبة قد ترتفع بشكل حاد في مناطق عديدة.

ويمثل هذا التفاقم تهديداً مباشراً للمناطق التي تعاني أصلاً من تقلبات الطقس، حيث تزداد مخاطر الفيضانات، وتتعاظم التحديات التي تواجه قطاعي الزراعة وإدارة الموارد المائية.

فهم الاعتماد على الأمطار الغزيرة

طوّر الباحثون مؤشر الاعتماد على هطول الأمطار الغزيرة EPDI كأداة علمية لتحديد كمية الأمطار السنوية التي تهطل خلال أكثر الأيام مطراً أعلى 5% من الأيام حيث يوفر المؤشر مقياساً دقيقاً لمدى الاعتماد على الظواهر المناخية المتطرفة عبر مقارنة إنتاجية هذه الأحداث بإجمالي الهطول السنوي.

وتشير الملاحظات المرصودة خلال العقود الأخيرة إلى اتجاه العديد من المناطق نحو تسجيل قيم مرتفعة في هذا المؤشر، مما يعكس تزايد الاعتماد على العواصف الشديدة لتأمين الحصيلة المطرية السنوية.

كما تتوقع النماذج المناخية تسارع هذا الاتجاه في ظل سيناريوهات الاحترار العالمي، لا سيما عند تجاوز عتبة 3 درجات مئوية.

ويكتسب هذا التوزيع غير المتكافئ للأمطار أهمية بالغة نظراً لتأثيره المباشر على قدرة الأرض على امتصاص المياه وآليات تخزينها واستخدامها؛ فبينما تتيح الأمطار المنتظمة للتربة إعادة تغذية مخزونها المائي وتضمن نمواً مستداماً للمحاصيل وإدارة كفؤة للخزانات.

تؤدي الأمطار الغزيرة المركزة إلى إغراق شبكات الصرف والتسبب في فيضانات مفاجئة، مع ترك فترات جفاف طويلة بين العواصف.

وتُصنف مناطق الساحل الأفريقي، وجنوب شرق آسيا، وشمال أستراليا، وحوض الأمازون، كأكثر المناطق عرضة لارتفاع قيم مؤشر EPDI حيث تشير النماذج إلى أن نسبة الأمطار الناتجة عن الظواهر المتطرفة قد ترتفع بمعدل يتراوح بين 15% و20% في حال ارتفعت حرارة الكوكب بمقدار 4 درجات مئوية.

والجدير بالذكر أن بيانات الأرصاد الحالية كشفت عن زيادات في بعض المناطق تتجاوز التوقعات، مما يشير إلى أن الواقع المناخي قد يتحرك بوتيرة أسرع مما تنبأت به النماذج.

ووجد الباحثون أنه في الوقت الذي تزداد فيه الأيام الرطبة غزارة، فإن معدلات الهطول الخفيفة والمتوسطة قد تنخفض فعلياً في بعض الأقاليم. ومن الناحية العملية، يضع هذا التحول المزارعين ومديري الموارد المائية أمام تحديات مزدوجة، تتمثل في مواجهة فترات جفاف أطول تتخللها عواصف مطرية عنيفة، مما يعقد عمليات تخطيط الري وخطط الوقاية من الفيضانات على حد سواء.

‹تذبذب الأمطار› يهدد استقرار الغذاء والمياه عالمياً
وادي نخلة

تأثيرات على الزراعة والأمن الغذائي

تُصنف الزراعة المعتمدة على الأمطار كواحدة من أكثر القطاعات حيوية وهشاشة أمام التغيرات المناخية، نظراً لاعتمادها الكلي على الهطولات الطبيعية بدلاً من نظم الري المنظمة.

ووفقاً لتقديرات بحثية استندت إلى بيانات الأقمار الصناعية عالية الدقة، فإن ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 1.5 إلى 2 درجة مئوية سيؤدي إلى تأثر نسبة محدودة من هذه الأراضي حوالي 4% إلى 15% بزيادات ملموسة في مؤشر هطول الأمطار الغزيرة EPDI.

ومع ذلك، ينذر تجاوز عتبات الاحترار هذه بتحولات جذرية؛ إذ يُتوقع أن تواجه 54% من الأراضي الزراعية المطرية زيادات حادة في الهطولات المتطرفة عند بلوغ الاحترار 3 درجات مئوية، لتصل هذه النسبة إلى نحو 96% في حال تسجيل 4 درجات مئوية.

وتواجه المحاصيل التي يتركز معظمها في البلدان منخفضة الدخل عبر إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية مخاطر متفاقمة تشمل انخفاض الإنتاجية، وزيادة القابلية للتضرر من الفيضانات، وما يترتب على ذلك من اضطرابات اقتصادية واسعة النطاق.

ولا تتوقف الأضرار عند حدود إنتاج الغذاء فحسب، بل تمتد لتشمل تعطيل مواعيد الزراعة الموسمية، وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الريفية، وتفاقم ظاهرة تآكل التربة وفقدان خصوبتها.

وأمام هذا الواقع، بات من الضروري للمناطق التي تعتمد سبل عيشها على الزراعة المطرية إعادة النظر في الخارطة المحصولية، والاستثمار العاجل في تقنيات حصاد المياه وأنظمة الصرف المتطورة، مع تبني ممارسات زراعية تكيفية.

تحديات إدارة المياه

تواجه أنظمة موارد المياه، بدءاً من الخزانات وصولاً إلى شبكات الصرف الصحي الحضرية، تحديات تشغيلية غير مسبوقة جراء التحولات في أنماط المناخ. فمن الناحية الهيكلية، صُممت العديد من الخزانات وفق استراتيجية التحوط ضد الفيضانات، التي تعطي الأولوية لتصريف المياه نحو المصب لمنع الفيضانات بدلاً من تخزين كميات ضخمة منها.

ومع تصاعد حدة الهطولات المطرية الغزيرة، يُتوقع أن تتجاوز هذه الأحمال الحدود التشغيلية للأنظمة الحالية، مما يرفع من تواتر الفيضانات في المناطق الحضرية.

وبالتوازي مع ذلك، تبرز صعوبات جمة أمام البنية التحتية لتصريف مياه الأمطار في المدن للتعامل مع التدفقات المفاجئة والعنيفة، في حين قد تتراجع موثوقية إمدادات المياه العامة خلال الفترات الفاصلة بين العواصف.

وتؤكد الدراسة أن التغيرات تتسم بعدم التكافؤ الجغرافي، إذ تشهد بعض المناطق انخفاضاً في إجمالي معدلات الهطول السنوي بالتزامن مع اشتداد الظواهر المناخية المتطرفة، حيث أن هذا المزيج المعقد المتمثل في تراجع الحصيلة المطرية الإجمالية مع زيادة الاعتماد على العواصف المتطرفة من شأنه أن يفاقم حالات الإجهاد المائي، ويفرض تعقيدات إضافية على عمليات التخطيط الاستراتيجي لقطاعي الزراعة والاستهلاك البشري.

الحد من الاحتباس الحراري

تؤكد الدراسة على أهمية إبقاء الاحتباس الحراري ضمن النطاق المحدد في اتفاقية باريس، والذي يتراوح بين 1.5 و2 درجة مئوية. فعند تجاوز هذه المستويات، يزداد الاعتماد على الأمطار الغزيرة بشكل حاد، مما يؤدي إلى آثار متتالية على النظم البيئية والزراعة والبنية التحتية للمياه.

وتُقدّم النتائج رؤيةً أكثر دقةً لمخاطر المناخ فالأمر لا يقتصر على زيادة أو نقصان الأمطار فحسب، بل على كيفية هطولها. وكما يُبيّن مؤشر EPDI، فإنّ المخاطر جسيمة بالنسبة للمجتمعات، لا سيما في البلدان منخفضة الدخل حيث تتأثر أنظمة المياه والغذاء بتوقيت وشدة هطول الأمطار.

ومن خلال تسليط الضوء على التحولات الطفيفة في أنماط هطول الأمطار، تقدم الدراسة رؤى جديدة حول استراتيجيات التكيف مع تغير المناخ، حيث يحتاج المخططون وصناع السياسات إلى النظر ليس فقط في كمية الأمطار التي تهطل كل عام، بل أيضاً في مدى اعتماد أنظمة المياه على الظواهر المناخية المتطرفة، وما يعنيه ذلك بالنسبة لسلامة المجتمعات واستدامتها وقدرتها على الصمود في جميع أنحاء العالم.

لحج: وفاة شخصين أثناء محاولتهما السباحة في مياه السيول

لحج: وفاة شخصين أثناء محاولتهما السباحة في مياه السيول
جانب من السيول في وادي تُبن بمحافظة لحج (مواقع التواصل)

أكدت السلطات المحلية في محافظة لحج، وفاة شقيقين غرقاً إثر تدفق سيول الأمطار الغزيرة التي شهدتها المحافظة خلال الساعات الماضية.

وأفادت شرطة مديرية الحبيلين بأن فرق الإنقاذ تمكنت من انتشال جثتي الشقيقين: ماهر جمال محمد أحمد (26 عاماً)، وإبراهيم جمال محمد أحمد (10 سنوات)، من أحد شعاب وادي نَمِرَة مؤكدة أن الوفاة حدثت أثناء محاولتهما السباحة في مياه السيول.

وبيّنت الشرطة أنها سلّمت الجثمانين إلى ذويهما لاستكمال إجراءات الدفن، مشيرة إلى أن التحقيقات الأولية أرجعت أسباب الحادثة إلى عدم إجادة الضحيتين للسباحة، والمخاطرة بالنزول إلى مياه الأمطار الموحلة التي تتسم بتيارات جارفة وكثافة طينية عالية.

وفي سياق متصل، جددت السلطات الأمنية تحذيراتها الصارمة للمواطنين من مخاطر السباحة في البرك والحواجز المائية وممرات السيول. ودعت الأسر إلى منع الأطفال من التوجه إلى تلك المواقع الخطرة، وعدم الاقتراب من مجاري السيول خاصة في المناطق المنحدرة، وتجنب السباحة في المياه العكرة التي تخفي تحتها عوائق طينية أو صخرية قاتلة.

وخلال الأيام الماضية شهدت مناطق ساحل غربي أمطار غزيرة وفيضانات أسفرت عن وفاة 22 شخصاً وخسائر مادية كبيرة، وشملت الخسائر محافظات عدن وأبين، ومأرب، ولحج، والحديدة. وتضرر 9820 أسرة (68740 شخصاً)، بما في ذلك في 49 موقعاً للنازحين. ووفق تقرير أولي للمفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية «ECHO».

 

مريضات الفشل الكلوي: رحلة شاقة للبحث عن الغسيل

مريضات الفشل الكلوي: رحلة شاقة للبحث عن الغسيل

تخوض النساء المصابات بالفشل الكلوي في الأرياف اليمنية معركة قاسية من أجل البقاء، في ظل غياب مراكز الغسيل الكلوي حيث يضطررن لقطع مسافات طويلة للوصول إلى المدن، لتتحول رحلة الشفاء إلى عبء مضاعف بسبب وعورة الطرق، وارتفاع تكاليف النقل، في ظل اتساع رقعة الفقر منذ اندلاع الحرب في البلاد.

أم دعا واحدة من بين مئات النساء اللواتي يتكبدن مشقة المرض، إذ نزحت إلى قريتها في ريف تعز بعد أن واجهت طوابير طويلة وقاسية أمام مركز الغسيل الكلوي في الحديدة، نتيجة النقص الحاد في المستلزمات الطبية.

تقول أم دعا لـ “ريف اليمن”: “لم يجد إخواني خيارا سوى التكاتف لاستئجار مسكن في مدينة تعز، لضمان قربي من المركز وتجنيبي مشقة التنقل المستمر لإجراء جلسات الغسيل المقررة مرتين أسبوعيا”.


مواضيع مقترحة


عقب وصول الحرب إلى محافظة الحديدة في العام 2015، أُجبر الآلاف على النزوح فراراً من الموت، وكان مرضى الفشل الكلوي الفئة الأكثر تضرراً وهشاشة، لا سيما أولئك الذين لم يجدوا ملاذاً سوى منازل أقاربهم في المناطق الريفية النائية.

أعباء مضاعفة

على الرغم من قرب أم دعا من مركز الغسيل الكلوي، إلا أنها تواجه أعباءً مادية باهظة فرضتها الأوضاع المعيشية، حيث تضطر للعيش بعيداً عن ديارها لتأمين تكاليف العلاج.

وتكشف عن التكاليف الباهظة التي تدفعها المريضة الريفية عند انتقالها للمدينة، حيث تتراوح كلفة استئجار المسكن بين 100 إلى 300 ألف ريال يمني شهرياً، يضاف إليها نفقات علاجية تتجاوز 50 ألف ريال.

وتمتد قائمة التكاليف لتشمل مصاريف يومية تتخطى 5 آلاف ريال خلال جلسات الغسيل، ومصاريف شهرية عامة تزيد عن 200 ألف ريال، هذا في حال استقرار الحالة الصحية، ناهيك عن تكاليف شراء الأدوية التي يُفترض صرفها مجاناً ولكن تعجز المراكز عن توفيرها بسبب ضعف الدعم.

ومن العلاجات التي يفترض صرفها مجانا، إبر الدم التي يصل سعرها إلى 7 آلاف ريال، وعلاجات الكالسيوم والفيتامينات، وأدوية الضغط التي قد تصل كلفتها إلى 20 ألف ريال، وصولاً إلى المحاليل الوريدية، وتتفاقم المعاناة مع الأمراض الأخرى.

مريضات الفشل الكلوي: رحلة شاقة للبحث عن الغسيل

تروي أم دعاء تجربتها مع فيروس الكبد الذي كلفها فحصُه 120 ألف ريال، بينما تبلغ كلفة الجرعة الواحدة من علاجه 180 ألف ريال بواقع ثلاث جرعات شهرياً، ولا تختلف معاناة أم دعا عن أم ريان، التي تقطع مسافات بعيده مرتين أسبوعياً من محافظة الضالع إلى مدينة إب، في رحلة سفر تكلفها 60 ألف ريال ذهاباً وإياباً في كل جلسة، بالإضافة إلى تكاليف الإقامة المرتبطة بفترات الانتظار الطويلة وحالتها الصحية المجهدة بعد الغسيل.

تشير الإحصائيات التي حصل عليها “ريف اليمن” من مصادر طبية عن حجم الظاهرة، ففي محافظة تعز وحدها، تتردد 55 امرأة من مختلف المناطق الريفية مثل شرعب، وجبل حبشي، والصلو، وماوية، والمعافر، وغيرها على مراكز الغسيل.

وفي الضالع، تتردد 22 امرأة من مناطق نائية كقعطبة والأزارق والفاخر، أما في شبوة، فتتوزع المريضات على أربعة مراكز، منها مركز عسيلان الذي ترتاده 11 امرأة، بينما سجل مركز مستشفى الشحر العام 18 حالة، ومركز الغيضة في المهرة 12 حالة من مديريات حوف والمسيلة وسيحوت وغيرها، مما يعكس اتساع المأساة واتساع رقعتها التي بدورها تنعكس سلباً حتى على الصحة النفسية.

تأثيرات نفسية

يؤكد أستاذ علم النفس بجامعة تعز، الدكتور جمهور الحميدي، أن الفشل الكلوي من الأمراض المزمنة ذات التأثير الحاد على حياة المصاب؛ إذ لا تقتصر تداعياته على المرض الجسدي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة.

ويرى الحميدي أن الآثار تزداد حدة لدى المرأة الريفية في اليمن، نظراً لتردي الظروف المعيشية، وهشاشة البنية الصحية، والأزمات المتراكمة التي أفرزتها الحرب.

وأوضح في حديثه لـ “ريف اليمن” أن المريضة الريفية تواجه صدمة نفسية مضاعفة؛ فالتشخيص غالباً ما يأتي متأخراً نتيجة ندرة المرافق المتخصصة وبعدها الجغرافي، فضلاً عن محدودية الوعي الصحي، هذا التأخير يجعل الصدمة أشد وقعاً، إذ تجد المرأة نفسها فجأة أمام مرض يتطلب بروتوكولاً علاجياً مرهقاً في بيئة تفتقر للإمكانات، مما يولد مشاعر الخوف، والإنكار، والقلق من المصير المجهول.

وأضاف الحميدي أن المريضات يعانين من مستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب نتيجة تقاطع المرض مع ضغوط الحياة اليومية، فعدم الاستقرار المادي وارتفاع كلفة العلاج يفاقمان الإحساس بالعجز واليأس، كما أن خوف المرأة من فقدان دورها التقليدي كركيزة أساسية للأسرة يزيد من وطأة حالتها النفسية.


الصليب الأحمر: عدد المصابين بالفشل الكلوي في اليمن نحو 4,4 ألف ونسبة الوفيات نحو 25% منذ العام 2015


وأكد على أنه لا يمكن فصل الآثار عن السياق الإنساني العام؛ فالحرب وانعدام الأمن وصعوبة التنقل، إضافة إلى خطر انقطاع الأدوية أو توقف جلسات الغسيل، عوامل تحوّل القلق اليومي إلى ضغط نفسي مزمن يلازم المريضة، ويجعل من صراعها مع المرض معركة نفسية لا تقل ضراوة عن الألم الجسدي.

غياب الدعم

ويؤكد مدير مركز الغسيل الكلوي بمستشفى الجمهوري في تعز عصام المحيا أن مركز الغسيل الكلوي بمستشفى الجمهوري، يُعدُّ منشأة خيرية تقدم خدماتها مجانًا لكافة المرضى، كاشفاً عن استمرار عمل المركز دون ميزانية تشغيلية حكومية منذ عام 2014 وحتى اليوم.

وفي حديثه لـ “ريف اليمن”، أوضح المحيا أنه رغم الارتفاع المستمر في أعداد المرضى، إلا أن المركز ما يزال صامداً بفضل الله ثم بدعم فاعلي الخير، وأشار إلى أن غياب الميزانية التشغيلية يمثل التحدي الأكبر؛ إذ إن توفرها سيمكن المركز من تأمين المحاليل والأدوات الطبية، وصيانة المعدات الحالية، وتحديث الأجهزة المتهالكة التي انتهى عمرها الافتراضية.

وأضاف: “لقد نجحنا في الحصول على ستة أجهزة بدعم خيري، لكنها لا تزال غير كافية، حيث يمتلك المركز حالياً 23 جهازاً لا تفي بحجم الاحتياج الفعلي، ونحن بحاجة ماسة إلى عشرة أجهزة إضافية على الأقل لتغطية العجز”.

من جانبه شدد مسؤول مركز الكلى الصناعية بمستشفى الشحر العام في محافظة حضرموت، علي بامؤمن، على غياب أي دعم رسمي للمركز، مؤكداً أن استمرارية الخدمة تعتمد كلياً على مبادرات فاعلين الخير.

وأعرب بامؤمن لـ “ريف اليمن” عن مخاوف حقيقية من توقف الخدمات الطبية نتيجة انقطاع جزء كبير من الدعم بنهاية عام 2024، مشيراً إلى أن إدارة المركز تبذل جهوداً استثنائية لتوفير الاحتياجات الأساسية لضمان عدم حرمان المرضى من الرعاية الصحية الضرورية.

أزمة مستمرة

يؤكد الباحث الاقتصادي نبيل الشرعبي أن معاناة مرضى الفشل الكلوي في اليمن لا تزال تراوح مكانها، في ظل الندرة الحادة لمراكز الغسيل، لا سيما في المناطق الريفية، خاصة مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية، مما يضطر سكان الأرياف إلى تحمل تكاليف سفر باهظة للوصول إلى المدن، وهي أعباء تفوق قدراتهم المعيشية، ودفعت بكثيرين منهم إلى بيع ممتلكاتهم أو الغرق في ديون لا تنتهي.

ويرى الشرعبي أن تداعيات الحرب أسهمت في تعقيد عملية التنقل وزيادة مخاطرها وتكاليفها، سواء بين المحافظات أو داخل المدن ذاتها، وقد ترافق ذلك مع تراجع ملحوظ في المساعدات الإنسانية؛ مما أدى إلى انعكاسات كارثية؛ أولها على المستوى المعيشي للمرضى، وثانيها على الاستقرار الأسري، حيث اضطر الكثير من المرضى إلى حرمان أبنائهم من التعليم لعدم القدرة على تحمل التكاليف.مريضات الفشل الكلوي: رحلة شاقة للبحث عن الغسيل

ويشدد الشرعبي لـ “ريف اليمن” على أن الحل يكمن في افتتاح مراكز غسيل كلى ريفية مجهزة بالكامل تقدم خدماتها مجانًا؛ إذ من شأن هذه الخطوة أن تخفف عبء السفر، وتعزز الاستقرار الأسري، وتتيح للأسر توجيه مواردها المحدودة نحو التعليم والتحسين المعيشي، كما أشار إلى أن هذه المعاناة تتضاعف لدى النساء الريفيات، خاصة من يعشن بمفردهن أو يعلن أنفسهن.

من جانبه أكد عصام المحيا، أن مرضى الريف هم الفئة الأكثر احتياجا للسكن المجاني ووسائل المواصلات الآمنة، إلى جانب الدعم المادي والنفسي، وأكد في حديثه لـ “ريف اليمن” أن المريضات بحاجة ماسة إلى برامج التثقيف الصحي والإرشاد المستمر، بما يسهم في تحسين جودة حياتهن وتعزيز قدرتهن على التعايش مع المرض في ظل الظروف القاسية.

وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بلغ عدد المصابين بالفشل الكلوي في اليمن نحو 4,400 مصاب، فيما وصلت نسبة الوفيات منذ عام 2015 إلى ما يقارب 25% من إجمالي الحالات.

كما أسهمت الحرب في إغلاق العديد من مراكز غسيل الكلى، التي يبلغ عددها 32 مركزًا موزعة على عدة محافظات يمنية، الأمر الذي زاد من العبء على المراكز التي لا تزال تعمل، وفاقم معاناة الكثير من مرضى الفشل الكلوي.

السيول في اليمن تكشف هشاشة البنية التحتية والإنذار المبكر

باتت الظواهر الجوية المتطرفة التي تضرب اليمن مؤخراً تتجاوز كونها مجرد تقلبات طبيعية، لتتحول إلى كوارث مركبة تضع البلاد أمام اختبار حقيقي يكشف عمق الفجوة بين تسارع التغير المناخي وهشاشة الاستعداد المحلي.

شهدت مناطق ساحل غربي تعز أمطار غزيرة وفيضانات أسفرت عن وفاة 22 شخصاً وخسائر مادية كبيرة، وشملت الخسائر محافظات عدن وأبين، ومأرب، ولحج، والحديدة. وتضرر 9820 أسرة (68740 شخصاً)، بما في ذلك في 49 موقعاً للنازحين. ووفق تقرير أولي للمفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية «ECHO».

ويكشف تزايد ضحايا السيول والفيضانات هشاشة البنية التحتية في اليمن، وغياب الاستعداد أو الإنذار المبكر لهذه الظروف رغم التوقعات بتقلبات جوية كبيرة، والأمر هنا لا يتعلق بالإمكانيات، بل في أبسط استراتيجيات التكيف.


مواضيع مقترحة


من أبرز الإجراءات التي تفشل فيها السلطات، هي إعادة تأهيل أماكن تجميع المياه أو تنظيف قنوات الصرف في المناطق عالية الخطورة بحدوث الفيضانات، وتعزيز حصاد المياه في حواجز وسدود صغيرة.

خلال السنوات الماضية تأثرت كثير من المناطق الزراعية في اليمن بسبب الفيضانات

غياب الإنذار المبكر

وقال الخبير البيئي، عبدالغني جغمان، أن التصنيف العلمي للأعاصير المدارية يعتمد على سرعة الرياح وبنية النظام الجوي، حيث تصل السرعة وفقاً للأرصاد العُمانية إلى 64 عقدة أو أكثر، مؤكداً أن تزايد شدة الأعاصير في بحر العرب مرتبط بارتفاع حرارة سطح البحر وزيادة الرطوبة، مما يوفر طاقة هائلة للنظام الجوي تضعف فور ملامسته لليابسة أو المياه الباردة.

ويضيف لـ “ريف اليمن” أن اليمن يقع ضمن نطاق يتأثر بموسمين لنشاط الحالات المدارية مايو يونيو وأكتوبر-ونوفمبر، لكن القلق الحقيقي ليس في الحالة الجوية بذاتها، بل في تقاطع الطقس القاسي مع الضعف المحلي، وهو ما يحول المنخفض الجوي إلى كارثة محققة نتيجة المنازل الهشة والبناء في مجاري السيول.


عبدالغني جغمان: الوقاية الحقيقية تبدأ قبل الموسم بتنظيف مجاري السيول ومنع التوسع العمراني العشوائي


ولفت جغمان، إلى أن اليمن يفتقر لنظام إنذار مبكر فعال يربط الأرصاد بالسلطات المحلية والدفاع المدني والمواطنين، وانتقد حصر عمل السلطات المحلية، خاصة في حضرموت والمهرة، على رفع تقارير الأضرار بعد وقوع الكارثة بدلاً من العمل الاستباقي.

وشدد على أن الوقاية الحقيقية تبدأ قبل الموسم من خلال تنظيف مجاري السيول، ومنع التوسع العمراني العشوائي، وتقوية الجسور والطرقات وصيانة شبكات التصريف، وتجهيز مراكز الإيواء وخطط الإخلاء الاستباقية.

لا تتوقف الكارثة عند هطول الأمطار إذ يوضح جغمان أن الخسائر البشرية ناتجة عن انهيار المنازل الطينية وانقطاع طرق الإسعاف، ويمتد الأثر لسنوات ليشمل تآكل التربة، انجراف الأراضي الزراعية، نفوق المواشي، وتفشي الأمراض المنقولة بالمياه، مما يضاعف معاناة المواطن البسيط الذي يواجه أصلاً وضعاً اقتصادياً متدهوراً.

بنية تحتية هشة

من جانبه، أكد المدرب في المناخ والبيئة، ريان الشميري، لـ “ريف اليمن” أن المناطق الساحلية تواجه خطر جرف السيول لمخلفات الحرب من ألغام وعبوات لم تنفجر، ونقلها إلى مناطق مأهولة بالنازحين والمدنيين، مما يجعل التهديد مزدوجاً طبيعي وعسكري.

ويرى الشميري أن التعامل مع الأزمات يجب أن يمر بخمس مراحل متكاملة تبدأ بالتخفيف والتأهب، وتنتهي بالتعافي والوقاية المستدامة، مؤكداً أن موقع اليمن الجغرافي يفرضه كمنطقة عالية المخاطر تتطلب بنية تحتية مستقبلية قادرة على الصمود.


ريان الشميري: موقع اليمن الجغرافي يفرضه كمنطقة عالية المخاطر تتطلب بنية تحتية قادرة على الصمود


السيول في اليمن تكشف هشاشة البنية التحتية والإنذار المبكر
سقوط أعمدة كهرباء في إحدى مخيمات النزوح بمأرب جراء العواصف الشديدة (ريف اليمن)

ويعد النازحين في اليمن من أكثر الفئات تضررا بسبب الفيضانات، حيث يواجهون مناخ متطرف بمساكن وخيام متهالكة تعصف بها الأعاصير والرياح الشديدة. وشهدت مخيمات مديرية خب والشعف بمحافظة الجوف كارثة أسفرت عن تضرر 1370 أسرة من النازحين.

كما فقدت 270 أسرة نازحة مساكنها كليا من بين أكثر من ألفي أسرة تضررت جراء الأمطار والعواصف في محافظة مأرب شرقي اليمن، خلال شهر مارس 2026، وفق تقرير أولي لتنفيذية النازحين.

ووثقت السلطات في تعز، تضرر 201 أسرة جراء السيول في مديرية موزع منها 156 أسرة تضررت كلياً و45 أسرة جزئياً، وقالت: “إن الماء الصالح للشرب أصبح شبه معدوم نتيجة جرف السيول لعدد من الآبار”.

وانهار 25 منزلاً انهارت بشكل كلي و4 منازل جزئياً جراء السيول، كما خلفت أضراراً كبيرة شملت نفوق المئات من رؤوس الأغنام والأبقار، وتدمير مصادر دخل تعتمد على تربية النحل. وفق السلطة المحلية.

كيف يتكيف مزارعو القمح مع تغير المناخ؟

كيف يتكيف مزارعو القمح مع تغير المناخ؟
كيف يتكيف مزارعو القمح في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مع تغير المناخ؟

يجد مزارعو القمح في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أنفسهم اليوم في الخطوط الأمامية لمواجهة أزمة مناخية لم تعد مجرد تنبؤات علمية، بل واقعاً يومياً يفرض إعادة صياغة جذرية لممارساتهم الزراعية المورثة.

وفي ظل الارتفاع المتسارع في درجات الحرارة وتذبذب معدلات هطول الأمطار، بات الاستقرار الإنتاجي لمحصول القمح الذي يمثل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي والعمود الفقري للاستقرار الاجتماعي في المنطقة على المحك.

يؤكد تقرير المعهد الفرنسي للبحوث من أجل التنمية المستدامة «IRD» إلى أن حقول القمح في المنطقة بدأت تستشعر وطأة التحولات المناخية بشكل ملموس؛ حيث تضافرت عوامل الجفاف المتكرر وعدم انتظام المواسم لتضع المزارع الريفي أمام تحدٍ وجودي يمس ربحيته وتوفر الموارد المائية الأساسية لاستمراره.


مواضيع مقترحة


في دراسة شملت مئات المزارعين في ست دول هي: الجزائر، المغرب، تونس، الأردن، العراق، وإيران، كشف علماء معهد IRD بالتعاون مع شركاء دوليين عن وعي جماعي لافت بحجم التغير المناخي. فلم تعد ظاهرة الاحتباس الحراري بالنسبة لهؤلاء المنتجين مفهوماً مجرداً، بل تحولت إلى ضغوط يومية تتطلب حلولاً ابتكارية فورية.

وتعكس نتائج الدراسة حقيقة مفادها أن المزارع في هذه المناطق لا يقف موقف المتفرج؛ إذ تؤكد الشهادات الميدانية، ومنها ما صرح به عالم الهيدرولوجيا “جيل ماهي”، أن المزارعين بدأوا بالفعل في تبني استراتيجيات تكيف ذاتية دون انتظار توجيهات خارجية.

ويبحث المزارعون عن حلول مرنة تدمج بين الخبرة التقليدية والضرورات البيئية الجديدة، مؤكدين أن التكيف لم يعد خياراً ثانوياً، بل صار جزءاً لا يتجزأ من ديمومة العمل الزراعي في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة تجاه التغيرات البيئية.

التكيف ومواصلة الإنتاج

في مواجهة التغيرات المناخية، لم يتردد منتجو القمح في تعديل ممارساتهم الزراعية، حيث تسلط الدراسة الضوء على مجموعة من استراتيجيات التكيف المطبقة على نطاق واسع، ومن بين أكثر الاستجابات شيوعًا، تغيير مواعيد الزراعة لتجنب فترات الحر الشديد، واختيار أصناف قمح أكثر مقاومة للجفاف، وتحسين تقنيات الري، وتعديل استخدام الأسمدة.

تعكس الإجراءات رغبة قوية في الحفاظ على الإنتاج مع الحد من الضغط على الموارد الطبيعية، في منطقة تعاني من ندرة المياه، يصبح تكييف الزراعة وسيلةً لتقليل سحب المياه والاستفادة الأمثل من كل هكتار مزروع.

وتُظهر الدراسة التكيف يمكن أن يُسهم في زراعة أكثر استدامةً وأكثر ملاءمةً للظروف المحلية مع ذلك، لا تتمتع جميع المزارع بنفس القدر من التجهيز للتعامل مع الظروف المناخية المتغيرة، إذ تُشير النتائج إلى أن المزارعين الأكثر تدريبًا، والذين يتمتعون بإمكانية وصول أفضل إلى المعلومات المناخية والمعدات الحديثة والتمويل، هم الأكثر ترجيحًا لتبني استراتيجيات متنوعة.

كيف يتكيف مزارعو القمح في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مع تغير المناخ؟
مزارع القمح في محافظة لحج جنوب اليمن

في المقابل، يظل صغار المنتجين، الذين غالبًا ما يكونون أكبر سنًا أو ذوي موارد محدودة، أكثر عرضةً للصدمات المناخية. ويؤكد سعيد خبا، المتخصص في الزراعة والموارد المائية في جامعة القاضي عياض في مراكش، أن التكيف موجود، لكنه يعتمد بشكل كبير على الوصول إلى الموارد والتقنيات والدعم الفني.

الاستدامة

إلى جانب خيارات المزارعين الأفراد، تُسلط الدراسة الضوء على قضية محورية لمستقبل الزراعة المستدامة في المنطقة: الحاجة إلى دعم جماعي ومؤسسي. فبدون سياسات عامة مناسبة، من المرجح أن تبقى جهود المنتجين متفرقة وغير كافية في مواجهة حجم التغير المناخي المتوقع.

ويؤكد العلماء على أهمية تعزيز خدمات الإرشاد الزراعي، وتيسير الحصول على البذور المُتكيفة مع الظروف المناخية الجديدة، والاستثمار في بنية تحتية أكثر كفاءة للري.

وتُعد الأدوات أساسية للحد من التفاوتات بين المزارع، وتمكين التحول الزراعي المستدام على المستوى الإقليمي. كما تُظهر الدراسة أيضاً أن التكيف لا يقتصر على الاستجابات التقنية، بل يشمل تحولاً شاملاً للنظم الزراعية، يدمج الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وفي منطقة تعاني أصلاً من شح المياه، والنمو السكاني، والاعتماد على واردات الحبوب، يبدو هذا النهج المتكامل ضرورياً.

وعلى الرغم من أهمية السياسات والمعرفة التقنية، إلا أن الوصول إلى الموارد، لا سيما المياه والتمويل والمدخلات عالية الجودة كالبذور والأسمدة، يُعد العامل الأكثر حسمًا. يدرك العديد من المزارعين الإجراءات التي من شأنها تحسين الإنتاجية والقدرة على الصمود، لكنهم يفتقرون إلى الوسائل اللازمة لتنفيذها.

ويلخص باستيان دييبوا، عالم المناخ في مركز علم البيئة الزراعية والمياه والقدرة على الصمود بجامعة كوفنتري، الوضع قائلاً: “بدون معالجة هذه المعوقات، ستعود عملية التكيف بالفائدة بشكل رئيسي على المزارع الأكبر حجمًا والأفضل تجهيزًا، وستزيد من حدة التفاوتات القائمة”.

الأمن الغذائي والمناخ

مع استمرار ارتفاع الطلب على القمح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باتت قدرة المزارعين على التكيف مع تغير المناخ قضية محورية تتعلق بالأمن الغذائي.


يعد القمح الركيزة الأساسية للأمن الغذائي والعمود الفقري للاستقرار الاجتماعي


وتشير الدراسة إلى أن المنتجين ليسوا مجرد ضحايا لتغير المناخ، بل هم أيضاً فاعلون أساسيون في التحول نحو زراعة أكثر استدامة. إلا أن هذا مشروط بدعم جهودهم على المدى الطويل. فبدون دعم أقوى من السلطات العامة والمؤسسات الزراعية، من المرجح أن تبقى استراتيجيات التكيف متقطعة وغير موزعة بالتساوي.

ومن خلال دعم الابتكار والتدريب وتوفير فرص متكافئة للحصول على الموارد، يمكن للمنطقة تحويل تحدي المناخ إلى فرصة لبناء قطاع زراعي أكثر استدامة قادر على إطعام السكان مع الحفاظ على النظم البيئية.

تعز: خسائر تنهك مزارعاً في ‹وادي موثب› وتنتهي بذبحة صدرية

تعز: خسائر تنهك مزارع في ‹وادي موثب› تنتهي بذبحة صدرية

أُصيب “فؤاد العكشي” بذبحة صدرية مفاجئة بعد أيام من خسارته كل المصادر التي كانت توفر المعيشة لأسرته، وما زالت سيارته عالقة منذ أسبوعين بعد أن تدحرجت في أحد أودية تعز جنوب غربي اليمن.

يسكن “فؤاد”، المزارع الخمسيني، في ‹وادي موثب› حيث تقع مزرعته وخلايا النحل التي يمتلكها. وخلال الأيام الماضية، وأثناء المنخفض الجوي الذي ضرب مناطق غرب تعز، جرفت السيول كل المحاصيل مع خلايا النحل.

وادي موثب هو أحد الوديان الخصبة في مقبنة غربي تعز، يبدأ من جبل حبشي ويمر بمقبنة حتى يصب في وادي رسيان، وتزرع فيه محاصيل متنوعة توفر مداخيل مهمة للأسر.

وقد ضربت السيول والفيضانات مناطق واسعة غربي تعز، متسببة بوفاة 22 شخصاً، بالإضافة إلى تضرر عشرات المنازل وانجراف المزارع والماشية، فضلاً عن الأضرار الكبيرة في شبكات الطرق البدائية.


مواضيع مقترحة
المزارعون في اليمن بين آمال الوفرة ومخاوف الفيضانات
المنخفض الجوي في اليمن.. وفيات وتصاعد مخاطر الألغام
تحذيرات من الانهيارات الأرضية والصخرية في موسم الأمطار


قصة “فؤاد”

في ثاني أيام عيد الفطر، 20 مارس/آذار الماضي، هرولت سيارة “فؤاد عبده العكشي” من جوار منزله المطل على وادي موثب من ارتفاع 70 متراً، وتدحرجت عبر الجبل حتى علقت بين الأشجار، ولم يستطع حتى الآن إخراجها.

نجا نجله “محمد” (18 عاماً) بأعجوبة، إذ قفز من السيارة عندما فقد السيطرة عليها. لكن هذه الحادثة كانت بداية الكارثة التي حلت بالأسرة نتيجة الفيضانات التي كبّدتها خسائر كبيرة.

تعز: خسائر تنهك مزارع في ‹وادي موثب› تنتهي بذبحة صدرية
تظهر الصورة سيارة “فؤاد” عالقة منذ أسبوعين في وادي موثب غرب تعز (ريف اليمن)

ما زالت السيارة، المصنوعة في ثمانينيات القرن الماضي والمستخدمة في المناطق الجبلية لقدرتها على تحمل وعورة الطرق، عالقة على ارتفاع 9 أمتار من الطريق الرئيسي في وادي موثب.

ومع المنخفض الجوي الذي تشهده تعز، جرف السيل مزرعة “فؤاد” القريبة من سيارته العالقة وخلايا النحل كاملة، فخسر المحصول كاملاً، حيث كان يزرع الطماطم والبطيخ.

خسارة كبيرة

خسر “فؤاد” كل سبل العيش التي كان يعتمد عليها. ففي الوقت الذي كان ينتظر طويلاً حصاد محاصيله، انجرفت أجزاء واسعة من التربة في مزرعته التي تحتاج إلى تأهيل من جديد.

يقول صدام الفقيه، أحد أهالي المنطقة: “المزارع فؤاد لم يتمالك نفسه أمام هذه المصائب التي لم تأت فرادى؛ السيارة الشاص العالقة، ثم المناحل، ومحصول الطماطم والبطيخ، فأصيب بذبحة صدرية مفاجئة”.

وقد أُسعف “فؤاد” إلى مدينة تعز، حيث أُجريت له عملية دعامات قلبية. وما زالت سيارته عالقة حتى لحظة كتابة هذه القصة، فيما هو حبيس منزله بعد عودته من العلاج.

يقول عبد الولي قاسم من أهالي وادي موثب لـ”ريف اليمن”: “المزارع فؤاد بحاجة للمساندة والدعم حتى لا تفقده هذه المصائب شغفه وحماسه للعودة إلى حياته الطبيعية وتجاوز الخسائر”.

مضيفاً: “السيارة العالقة بحاجة إلى عمل طريق خاص حتى يتسنى إنزالها ونقلها إلى الصيانة، فهي جزء محوري في حياة المزارعين في القرى الريفية الوعرة”.

تعز: خسائر تنهك مزارع في ‹وادي موثب› تنتهي بذبحة صدرية
آثار السيول التي ضربت وادي موثب في مقبنة وتسببت بخسائر كبيرة (ريف اليمن)

أضرار السيول في مقبنة

خلّفت السيول أضراراً مادية كبيرة في مديرية مقبنة غربي تعز. وتتضاعف المخاطر مع توقعات استمرار المنخفض الجوي وتدهور الوضع الإنساني لكثير من السكان الذين يعانون من أزمات معيشية متفاقمة.

ووجّه مسؤول محلي نداء استغاثة للمنظمات الدولية والجهات الإغاثية لمساعدة الأسر المتضررة من السيول والفيضانات، عبر تسيير فرق استجابة طارئة وتوفير المساعدات الإيوائية والغذائية والطبية العاجلة.

وقال مدير مديرية مقبنة، رئيس المجلس المحلي، حميد غالب الخليدي: “إن الطبيعة الجغرافية الوعرة لمقبنة والجبال الشاهقة تسببت في تدفق سيول جارفة انحدرت بقوة نحو الوديان والتجمعات السكانية، وأدت إلى أضرار جسيمة طالت البنية التحتية ومصادر عيش المواطنين”.

وفي تقرير أولي عن الأضرار، أشارت السلطة المحلية إلى تهدم وانهيار عدد من المنازل بشكل كلي وجزئي، مما أدى إلى موجة نزوح قسري لعشرات الأسر التي باتت تفتقر إلى المأوى.

كما جرفت السيول مساحات شاسعة من التربة والمدرجات الزراعية وتلفت المحاصيل، وسُجلت خسائر فادحة جراء نفوق وجرف أعداد كبيرة من المواشي (الأغنام والأبقار)، وهو ما يهدد بقطع مصدر الدخل الوحيد لمئات الأسر.

ودعت السلطة المحلية إلى وضع معالجات سريعة للحد من الخسائر وحماية المدنيين في المناطق الأكثر عرضة لخطر الانجرافات، محذرة من استمرار المنخفض الجوي.

تعز: خسائر تنهك مزارع في ‹وادي موثب› تنتهي بذبحة صدرية
وادي موثب هو أحد الوديان الخصبة في تعز، ويزرع محاصيل متنوعة منها المانجو (ريف اليمن)

توقعات بهطول أمطار غزيرة وارتفاع درجات الحرارة بنسبة 60%

توقعات بهطول أمطار غزيرة وارتفاع درجات الحرارة بنسبة 60%

من المتوقع أن تشهد اليمن خلال الأيام العشرة المقبلة هطول أمطار غزيرة وسط تحذيرات من خطر الفيضانات، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة فوق المعدل الطبيعي في المناطق الساحلية.

وتدخل اليمن سنوياً في ذروة موسم الأمطار الربيعية خلال شهر إبريل، حيث يزداد هطول الأمطار، مما يوفر ظروفًا مواتية للزراعة، لكنه يزيد أيضًا من خطر الفيضانات المفاجئة، وفقًا لنشرة الإنذار المبكر الجوية الزراعية.

وخلال الأيام الماضية شهدت مناطق ساحل غربي تعز أمطار غزيرة وفيضانات أسفرت عن وفاة 22 شخصاً وخسائر مادية، وشملت الخسائر محافظات عدن وأبين، ومأرب، ولحج، والحديدة.

وتضرر 9820 أسرة (68740 شخصاً)، بما في ذلك في 49 موقعاً للنازحين. ووفق التقديرات الأولية للمفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية ‹ECHO›.

الأمطار ومخاطر الفيضانات

من المرجح أن تتجاوز كمية الأمطار 150 ملم في المرتفعات الوسطى والسهول الجنوبية، بحسب نشرة الإنذار المبكر للأرصاد الجوية الزراعية الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة ‹الفاو›.

وتشير توقعات المعهد الدولي للبحوث المناخية إلى احتمال هطول أمطار أعلى من المتوسط بنسبة تصل إلى 60%. أما في المناطق الوسطى والشرقية، فمن المتوقع هطول أمطار متوسطة الشدة (20–40 ملم) في مناطق متفرقة.


الفاو: كمية الأمطار قد تتجاوز 150 ملم في المرتفعات الوسطى والسهول الجنوبية بإرتفاع بنسبة 60 بالمئة


ومن المتوقع أن يؤدي هذا التباين، بالإضافة إلى التضاريس الوعرة، إلى زيادة خطر الفيضانات المفاجئة في عدد من المناطق، حيث صنفت النشرة الأخطار على النحو التالي:

• مرتفعة: في أودية زبيد ورماع.
• متوسطة: في أودية مور، سردد، ودنة، سهام، رسيان، وموزع.
• منخفضة: في أودية الجوف، نخلة، تبن، بنا، وحويرة، حيث يُرجَّح حدوث جريان سطحي سريع باتجاه المصب.

توقعات بهطول أمطار غزيرة وارتفاع درجات الحرارة بنسبة 60%
وتدخل اليمن سنوياً في ذروة موسم الأمطار الربيعية خلال شهر إبريل مما يوفر ظروفًا مواتية للزراعة (الصورة: عمار نميش -شبوة)

ارتفاع درجات الحرارة

وتوقعت نشرة الفاو، ارتفاع درجات الحرارة في المناطق الساحلية على البحر الأحمر، وخاصة على طول محافظات حجة والحديدة وتعز، حيث ستتراوح درجات الحرارة نهارًا بين 35 و38 درجة مئوية.

كما يُتوقع أن تصل درجات الحرارة في الجوف ومأرب إلى نحو 35 درجة مئوية، مما يزيد من احتمالية حدوث مخاطر مرتبطة بالحرارة، ويثير مخاوف بشأن موجات حر محتملة.


متوقع ارتفاع درجات الحرارة بمحافظات حجة والحديدة وتعز على ساحل البحر الأحمر


ووفقًا لتوقعات هيئة إدارة الكوارث والطوارئ (CAMA)، هناك احتمال كبير حوالي 60% لارتفاع درجات الحرارة عن المعدل الطبيعي على طول سواحل البحر الأحمر في حجة والحديدة، وكذلك على طول سواحل بحر العرب في حضرموت والمهرة.

سبل العيش الزراعية

وستساهم الأمطار الغزيرة في المرتفعات في دعم تجهيز الأرض وزراعة الذرة الرفيعة وحصاد المياه، لكن الفيضانات المفاجئة في أودية زبيد ورماع غربي اليمن، قد تُلحق الضرر ببنية التربة وتجرف البذور.

وحذرت نشرة الفاو من أن “محاصيل الخضراوات قد تتعرض لضغط أكبر من الآفات وفقدان العناصر الغذائية”.

بالنسبة للماشية، ستشجع ظروف المراعي المحسنة على توسيع قطان الماشية. لكن الرطوبة “ستزيد من خطر الإصابة بالطفيليات وأمراض الماشية، مما يزيد من الحاجة إلى اللقاحات والعلاجات المضادة للطفيليات”.

وقد تُعيق الأمطار الغزيرة الوصول إلى الأسواق وتُؤثر سلبًا على مبيعات المحاصيل، وفق الفاو التي توقعت أن “يظل الطلب على العمالة الزراعية لإعداد الأرض وزراعتها مرتفعًا”.

توقعات بهطول أمطار غزيرة وارتفاع درجات الحرارة بنسبة 60%

استراتيجيات التكيف

ورأت نشرة الفاو، أن التخطيط المبكر لهذه الظروف الزراعية المناخية واستخدام الموارد، يمكن أن تخفف آثار الأضرار التي قد تلحق بسبل العيش الزراعية.

ودعت إلى تفعيل أنظمة الإنذار المبكر، بتشكيل مجموعات مراقبة محلية في المناطق عالية الخطورة (مثل واديي زبيد ورماع) لتتبع مستويات المياه والجريان السطحي السريع وإصدار تنبيهات في الوقت الفعلي.

وتحتاج أماكن تجميع المياه كالخزانات والبرك والمدرجات إعادة تأهيل، وتنظيف قنوات الصرف في الأودية التي يتوقع أن تكون الفيضانات عالية الخطورة.

ووفق الفاو “لحماية المحاصيل يجب ضمان الوصول في الوقت المناسب إلى الأدوات والبذور عالية الجودة، وتوفير الدعم للبيوت المحمية لزراعة خضراوات، وإنشاء بنوك بذور مجتمعية ومرافق ما بعد الحصاد لتقليل الخسائر”.

تحتاج الماشية إلى تنفيذ حملات التطعيم ومكافحة الطفيليات -وفق الفاو- ومعالجة فائض العلف وتحويله إلى علف مخزن، ودعم برامج إعادة التخزين، وتدريب المزارعين لتعزيز قدرة الأسر على الصمود.

بين الاحتواء والإخفاء.. كيف يشكّل الريف مصير أطفال التوحد؟

مع حلول الثاني من أبريل، اليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد، يتجدد النقاش حول هذا الاضطراب الذي بات يحضر بقوة في الأوساط الطبية والاجتماعية عالميًا، بوصفه أحد أبرز التحديات المرتبطة بالطفولة والأسرة والمجتمع.

في اليمن، تبرز مفارقة لافتة بين المدن والأرياف؛ ففي حين تتزايد حالات التوحد المشخّصة في المدن، يكاد الحديث عنها يغيب في القرى والمناطق الريفية، في حين تُعزى هذه الفجوة غالباً إلى نقص الخدمات الطبية وضعف الوعي في المناطق الريفية.

غير أن زاوية أخرى تطرح نفسها بقوة؛ تتعلق بطبيعة الحياة الريفية القائمة على التفاعل اليومي، والأسرة الممتدة، والانخراط المبكر في بيئة مفتوحة، وهي عوامل قد تسهم في دعم الطفل أو، على العكس، إخفاء حالته وتأخير اكتشافها.


مواضيع مقترحة


في هذا السياق، يطرح تقرير “ريف اليمن” تساؤلاً محورياً: هل تحمي الحياة الاجتماعية في الريف اليمني أطفال التوحد عبر احتوائهم، أم تُسهم في إخفائهم خلف جدران الجهل وتأخر التشخيص؟

أسباب متشابكة

توضح مديرة مركز السكينة للإرشاد النفسي والأسري في تعز، نجيبة الوليدي، أن اضطراب طيف التوحد لا يرتبط ببيئة جغرافية محددة، مؤكدة أن الإصابة يمكن أن تحدث لدى الأطفال في المدن أو القرى على حد سواء، لأن أسبابه تعود إلى عوامل متعددة، أبرزها الجوانب الجينية والبيولوجية المرتبطة بنمو الدماغ وطبيعة الاتصال بين خلاياه.

وتشير الوليدي في حديثها لـ”ريف اليمن” إلى أن من أهم التفسيرات العلمية للتوحد وجود خلل في طريقة عمل الشبكات العصبية، حيث يستقبل دماغ الطفل المعلومات بشكل مجزأ؛ ما يضعف قدرته على التفاعل مع المجتمع.

وتؤكد أن التوحد لا يمكن اختزاله في سبب واحد، إذ تتداخل فيه عوامل مختلفة، منها الوراثة، ونمو الدماغ، وبعض الظروف المصاحبة للحمل والولادة، مثل التعرض لعدوى، أو نقص الأكسجين، أو سوء التغذية، أو السكري، وهي عوامل قد تتوافر في المدينة أو الريف.

بين الاحتواء والإخفاء.. كيف يشكّل الريف مصير أطفال التوحد؟
صور من تأهيل وتدريب الأطفال في جمعية أطفال عدن للتوحد(فيسبوك)

ملاحظة مستمرة

في المدن اليمنية، يبدو اضطراب طيف التوحد أكثر حضوراً ووضوحاً، ليس بالضرورة لأنه أكثر انتشاراً، بل لأن البيئة الحضرية تضع الطفل تحت ملاحظة مستمرة، سواء داخل الأسرة أو في المدارس والمراكز الصحية.

على النقيض، تفرض الحياة الحضرية تحديات إضافية على الطفل المصاب بالتوحد، مثل الضوضاء، وقلة المساحات المفتوحة، إلى جانب الاعتماد المتزايد على شاشات الهاتف والتلفاز؛ ما قد يفاقم من صعوبات التواصل ويعزز العزلة.

تقول منال السلامي، والدة طفل مصاب بالتوحد: “أشعر أن الحياة في المدينة زادت من عزلة ابني بدلًا من أن تساعده”، مشيرة إلى أن ظروف العمل دفعتها وزوجها لترك طفلها لساعات طويلة أمام التلفاز، قبل أن يتم تشخيص حالته بعد تجاوزه سن الخامسة في تجربة تعكس جانباً من تأثير نمط الحياة الحضرية.

وتؤكد الدكتورة لمياء شجاع الدين، المدير الفني لمركز “ابني” للتوحد في صنعاء، أن التدخل المبكر يعد العامل الأهم في تحسن حالة الطفل؛ فكلما بدأ العلاج في سن أصغر، زادت فرص تطوير مهارات التواصل والسلوك والتعلم.


شجاع الدين: التدخل المبكر يعد العامل الأهم في تحسن حالة الطفل؛ فكلما بدأ العلاج في سن أصغر، زادت فرص تطوير مهارات التواصل والسلوك


من جانبها، توضح استشارية التخاطب والتدريب النطقي مها القدسي أن نمط الحياة في المدن قد يؤثر سلباً على تنمية مهارات التواصل لدى الأطفال، خاصة في ظل ما وصفته بـ”الدلال الزائد”، حيث تُلبّى احتياجات الطفل مسبقاً دون منحه فرصة للتعبير.

وتشير القدسي، في حديثها لـ”ريف اليمن”، إلى أن هذا الأسلوب في التربية قد يحدّ من تفاعل الطفل مع محيطه، إذ لا يُضطر إلى استخدام اللغة أو المبادرة بالتواصل، وهو ما قد ينعكس على تطوره الاجتماعي واللفظي، خصوصاً لدى الأطفال الذين لديهم استعداد لاضطرابات مثل التوحد.

وتكرّس السلامي اليوم معظم وقتها لرعاية ابنها، الذي يبلغ من العمر 15 عاماً، في محاولة لتعويض ما فاته من دعم مبكر، مؤكدة أن تجربتها جعلتها تعيد التفكير في أثر البيئة على الأطفال: “أعتقد أن الحياة في الريف، بطبيعتها الاجتماعية والبسيطة، كانت ستساعده أكثر على التفاعل”.

محيط اجتماعي مفتوح

على النقيض، يقدّم الريف اليمني بيئة مختلفة، حيث يندمج الطفل في محيط اجتماعي مفتوح يتسم بكثرة التفاعل والتواصل اليومي، ويروي أحمد الشرعبي، من ريف تعز، تجربته مع ابنه لؤي، قائلاً: “ظهرت عليه أعراض التوحد؛ إذ كان يسير منفرداً جوار جدران المنزل، ويتهرب من الاحتكاك بأبناء عمومته الذين يسكنون في نفس المنزل، وكان التواصل البصري عنده شبه منعدم”.

ويضيف لـ”ريف اليمن” أنه في البداية اعتقد أن الحالة ستتحسن مع الوقت، قبل أن يلاحظ تدهوراً تدريجياً حتى بلغ الطفل نحو ثلاث سنوات ونصف، ما دفع الأسرة للتدخل، عبر منعه من استخدام الهاتف، وإشراكه في اللعب، والتواصل معه بشكل مستمر، وهو ما أدى إلى تحسن ملحوظ خلال فترة قصيرة.

وتؤكد شجاع الدين أن البيئة الريفية، بما تتسم به من تفاعل أسري، ومساحات مفتوحة، ولعب حر، وغذاء طبيعي، قد تسهم في تنمية بعض المهارات، كالتواصل اللفظي والتفاعل الاجتماعي.

بين الاحتواء والإخفاء.. كيف يشكّل الريف مصير أطفال التوحد؟
صور من تأهيل وتدريب الأطفال في جمعية أطفال عدن للتوحد(فيسبوك)

ومع ذلك، يرى الشرعبي أن بعض الأعراض لا تزال قائمة في نجله مثل الشرود ورفض الرد أحياناً، لكنه يعتقد أن الوضع كان سيكون أكثر صعوبة لو كان مقيماً في المدينة.

فجوة في التشخيص

لا تتوفر إحصاءات دقيقة حول عدد المصابين بالتوحد في اليمن، في ظل غياب قواعد بيانات وطنية وأنظمة رصد صحية متكاملة، وهو ما يرتبط بعوامل عدة، أبرزها ضعف التشخيص المبكر، وقلة المراكز المتخصصة، وتباين مستوى الوعي المجتمعي، خاصة في المناطق الريفي.

ويؤكد الصحفي المتخصص في الصحافة الطبية علي الحميري أن هذه الفجوة تتسع بشكل ملحوظ، مشيراً إلى أن المدن شهدت إنشاء مراكز تأهيلية وتنامياً في التوعية، والعمل على التثقيف وتوفير الرعاية، في حين يفتقر الريف إلى ذلك.

ويرى الحميري أن التغطية الإعلامية أسهمت أيضاً في هذا التفاوت، حيث يظل مرضى التوحد في الريف مهمشين، سيما خلال السنوات الماضية التي شهدت -ولا تزال- صراعات عسكرية نظراً للبُعد عن المدن الرئيسية، مع تركّز وسائل الإعلام في المدن.

وتشير شجاع الدين إلى أن العديد من الحالات القادمة من الريف تصل في مراحل متقدمة، ليس بسبب شدة الاضطراب، بل نتيجة التأخر في الاكتشاف وغياب التدخل المبكر بسبب ضعف الوعي أو صعوبة الوصول إلى مختصين، أو الاعتقاد بأن الطفل سيتحسن عندما يكبر؛ وهذا ما يسبب تأخراً في العلاج.

بين الاحتواء والإخفاء.. كيف يشكّل الريف مصير أطفال التوحد؟
معلمتان يدربن طفلًا على المصافحة في جمعية عدن للتوحد (سماح عملاق/ريف اليمن)

تشير حالة لؤي أحمد الشرعبي إلى وعي كبير لدى أسرته التي سارعت إلى تدارك حالته، على عكس حالة “سهير فؤاد”، من محافظة لحج، جنوبي اليمن، والتي نشرت منصة “ريف اليمن” حالتها في وقت سابق.

توفيت سهير عام 2020 عن عمر 26 عاماً، بعد أن ظلت حبيسة البيت من قبل عائلتها خوفاً من العار والوصم الاجتماعي، ولم تدرك عائلتها أنها كانت مصابة بطيف التوحد إلا بعد خمس سنوات من وفاتها.

التدخل المبكر

 تشير المعطيات إلى أن الحياة الريفية قد توفر بيئة داعمة للتفاعل، لكنها في الوقت ذاته قد تؤخر اكتشاف الحالة وتؤخر تشخيصها، بينما تتيح المدينة فرصاً أكبر للتشخيص، لكنها قد تفرض ظروفاً تزيد من عزلة الطفل.

في هذا السياق، تؤكد شجاع الدين أن التشخيص المبكر يمثل الخطوة الأولى لمساعدة الطفل سواء في الريف أو المدينة، مشددة على أهمية دور الأسرة في تطوير مهاراته اليومية.

وتدعو شجاع الدين أولياء الأمور إلى مراقبة تطور أطفالهم منذ سن مبكرة، خاصة من حيث التفاعل والكلام والاستجابة، وعدم التردد في طلب الاستشارة عند ملاحظة أي تأخر أو سلوك غير معتاد.

كما تؤكد مها القدسي على ضرورة تكثيف التوعية، وتوفير خدمات الأمومة والطفولة، فيما يشدد الحميري على أهمية وضع خطط إعلامية ومجتمعية تستهدف الريف بشكل خاص لرفع نسبة الوعي لدى المواطن الريفي لمساعدة هذه الشريحة.

ويصنف مرضى التوحد ضمن فئة ذوي الإعاقة، وتكفل لهم الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة(CRPD) للأمم المتحدة، حقوقاً أساسية تشمل التعليم والرعاية الصحية والمساواة والحماية من التمييز، وإدماجهم في المجتمع.