اليمن بلد مشمس ودافئ معظم أيام السنة، وهذا يجعله بيئة مثالية لزراعة الفواكه الاستوائية وشبه الاستوائية، وتعد المانجو من أهم هذا الفواكه، ومحصولاً واعداً من الناحية اقتصاديًا للمزارع اليمني.
ومن خلال هذه السلسلة، سنستعرض أهم المعلومات والتوصيات العملية لزراعة المانجو، بالاعتماد على كتاب “زراعة المانجو في تهامة” الصادر عن الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي، إعداد المهندس محمد عبده عبدالله المنيفي.
وصف الشجرة
تعرف علمياً باسم Mangifera indica، وهي من الأشجار الخشبية المعمرة التي تمتاز بكونها دائمة الخضرة، مما يمنحها مظهراً حيوياً طوال العام. تتمتع هذه الشجرة بعمر مديد يتراوح عادة ما بين 80 إلى 100 سنة، وتنمو لتصل إلى ارتفاعات شاهقة تتراوح ما بين 20 و40 متراً مما يجعلها واحدة من أضخم الأشجار المثمرة وأكثرها شموخاً في الطبيعة
المصادر: زراعة وإنتاج المانجو في تهامة م. محمد المنيفي.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
تشير التوقعات إلى أن اليمن سيشهد خلال شهر مايو الجاري تراجعاً في هطول الأمطار، فيما ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة في بعض المناطق الشرقية والساحلية.
ووفق نشرة الإنذار المبكر للفاو، فإنه “من المتوقع أن تصبح الظروف أكثر جفافاً وحرارة، مع انخفاض هطول الأمطار، وانحسار مياه الفيضانات، وارتفاع درجات الحرارة في المناطق الشرقية والساحلية”.
بحسب نماذج التنبؤ الصادرة عن المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع «IRI» يتوقع أن تنخفض كميات الأمطار إلى حدود 5-10 ملم فقط، مع هطول متفرق فوق المرتفعات الجنوبية مثل إب، فيما ستشهد معظم المرتفعات ظروفًا دون المعدل.
في المقابل تشير التوقعات إلى أمطار غزيرة على الجانب الجنوبي من جزيرة سقطرى بفعل الديناميكيات البحرية. بحسب النشرة الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو).
يشار بأن الديناميكيات البحرية هي التغيرات في حركة المياه والتيارات والضغط الجوي فوق البحار والمحيطات، والتي تؤثر على تشكّل السحب وهطول الأمطار.
ارتفاع درجات الحرارة
وتستمر درجات الحرارة في الارتفاع لتتجاوز المعدلات طويلة الأجل، حيث يُتوقع أن تصل إلى نحو 40 درجة مئوية في أجزاء من محافظتي حضرموت والمهرة، وأيضا في السواحل المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وفق نشرة الفاو.
هذه الأجواء الحارة والجافة تنذر بموجة حر قد تؤثر على الأنشطة الزراعية والرعوية، إذ إن تراجع الأمطار وارتفاع الحرارة سيؤديان إلى انخفاض رطوبة التربة وزيادة الطلب على الري.
هذه التغيرات تنذر بأجواء شبيهة بالجفاف على المدى القصير، مما يضر بمحاصيل الحبوب والخضروات والبساتين، ويرفع مخاطر الآفات والأمراض الزراعية.
وبحسب نشرة الفاو “ستقلل الظروف المناخية المتوقعة من توفر المراعي والمياه، ما يزيد الضغط على الماشية ويحد من فرص الرعي، خاصة في المناطق الشرقية والساحلية”.
كما أن الأجواء الدافئة والرطبة بعد الفيضانات قد تعزز انتشار الطفيليات والأمراض الموسمية؛ مما يؤثر على صحة القطعان وإنتاجيتها، وفق نشرة الإنذار المبكر الزراعية.
استراتيجيات التكيف
يدعو الخبراء إلى اتخاذ إجراءات استباقية للتقليل من آثار هذه الظروف على سبل العيش الزراعية، وتشمل تعزيز الإنذار المبكر التحذيرات المتعلقة بالإجهاد الحراري في المناطق الساحلية اليمنية.
بالنسبة للمحاصيل، تنصح نشرة الفاو بتشجيع الزراعة المبكرة والحصاد المبكر قدر الاستطاعة، واعتماد تقنيات ري موفرة للمياه، واستخدام أصناف مقاومة للجفاف وسريعة النضج.
أما الثروة الحيوانية، من المهم تحسين الوصول إلى المياه والأعلاف، وتقليل الإجهاد الحراري عبر المظلات وتغير أوقات الرعي، وتعزيز برامج التطعيم ومكافحة الطفيليات، وفق نشرة الإنذار المبكر.
وعلى المزارعين والسلطات استغلال انخفاض هطول الأمطار، بصيانة قنوات الري والمدرجات وأنظمة التصريف والحواجز والخزانات الصغيرة الخاصة بحصاد المياه، وخاصة في الأرياف.
وتوصي نشرة الإنذار المبكر، بتنفيذ إجراءات حماية في الأودية والمناطق المنخفضة للحد من المخاطر المستقبلية للفيضانات وحماية الأراضي الزراعية والبنية التحتية من أي موجات أمطار مفاجئة.
في صباح رطب من سهول تهامة، يقف المزارع موسى جيحان على أطراف حقله في مديرية باجل، يراقب تحوّل ألوان ثمار البسباس والطماطم، ويغرس كفّه في تربة ما تزال تحتفظ بندى الأمطار الأخيرة، ويقول: “نحن نزرع في الشتاء والصيف البسباس، الطماطم، الذرة، الباميا، وكل محصول له وقته ومدته”.
ورغم بساطة العبارة، إلا أنها تختصر طبيعة الزراعة اليمنية التي لا تخضع لموسم ثابت أو نمط واحد، بل تتحرك وفق جغرافيا شديدة التنوع، ومناخ متقلب، ودورات إنتاج متداخلة تختلف من منطقة إلى أخرى، وتتبدل فيها المواسم بين البسباس والطماطم والذرة والباميا، ولكل محصول توقيته وإيقاعه.
هذا المشهد الصغير ليس مجرد حكاية مزارع، بل صورة مكثفة لواقع آلاف المزارعين الذين يواجهون الطبيعة بجهد يومي وصبر طويل، في بلد يعتبر القطاع الزراعي المصدر الرئيسي للإنتاج الغذائي المحلي وجزءًا بالغ الأهمية في تعزيز الأمن الغذائي.
يقول الباحث يحيى العنسي، إن الزراعة في اليمن لا تخضع لتقويم زمني جامد، بل تتحرك ضمن دورة موسمية مرنة تتشكل وفق تغيرات المناخ وتوزيع الأمطار؛ ففي أواخر أغسطس، تنطلق زراعة الذرة البيضاء والسمسم والقطن في سهول تهامة، بالتوازي مع زراعة الحلبة والخردل في المرتفعات، في مشهد يعكس تباين البيئات الزراعية وتكاملها.
مع منتصف سبتمبر، يبدأ أول حصاد فعلي لمحاصيل الذرة والدخن، لتتوسع بعدها أنشطة الزراعة والحصاد تدريجيًا حتى شهر نوفمبر، حيث تبلغ المحاصيل ذروة نضجها، وفي ديسمبر، تتجه الأنظار إلى استكمال زراعة القمح والشعير، إيذانًا بانطلاق دورة إنتاج جديدة تمتد آثارها حتى فصلي الربيع والصيف.
ووفقا للباحث العنسي، فإنه خلال الفترة اللاحقة، تستمر زراعة المحاصيل الصيفية مثل الذرة والدخن والسمسم، فيما يبدأ حصاد الشعير والعدس في يونيو، معلنًا بداية دورة زراعية جديدة. وبهذا، لا تتعاقب المواسم في اليمن بشكل منفصل، بل تتداخل وتتشابك، لتشكل إيقاعًا زمنيًا متواصلًا يعكس خصوصية الزراعة اليمنية وارتباطها العميق بالطبيعة.
وبحسب كتاب الدكتور أمين الحكيمي بعنوان الزراعة في البيئة اليمنية (2024)، فإن فهم الزراعة في اليمن يبدأ من الجغرافيا، وتحديدًا من عامل الارتفاع عن سطح البحر بوصفه المحدد الأبرز لأنماط الإنتاج الزراعي.
المرتفعات الشاهقة التي تتجاوز 3000 متر، تنخفض فيها درجات الحرارة بشكل ملحوظ، ما يهيئ بيئة مثالية لزراعة الحبوب والبقوليات مثل القمح والشعير والفول والعدس، إلى جانب النباتات البرية والعطرية كالزعتر وبعض الأشجار المحلية التي تتكيف مع المناخ البارد.
ومع الانخفاض التدريجي في الارتفاع، تتسع الخريطة الزراعية وتتنوع محاصيلها، لتشمل البن والعنب والرمان واللوز، فيما تبرز الذرة الرفيعة كمحصول استراتيجي في المناطق متوسطة الارتفاع، إلى جانب محاصيل أخرى مثل الدخن والحلبة، التي تتلاءم مع الخصائص المناخية والبيئية للمناطق الجبلية.
العنسي: الزراعة في اليمن لا تخضع لتقويم زمني جامد، بل تتحرك ضمن دورة موسمية مرنة تتشكل وفق تغيرات المناخ وتوزيع الأمطار
أما في السهول الساحلية، فتتغير ملامح الزراعة بشكل جذري، حيث تسود محاصيل المناطق الحارة والرطبة مثل الذرة الشامية والنخيل، إلى جانب الفواكه الاستوائية كالموز والمانجو والبابايا والتين الشوكي.
المحرك الخفي للإنتاج
وتلعب السيول الموسمية في هذه المناطق دورًا حاسمًا، ليس فقط في ريّ الأراضي، بل في تجديد خصوبة التربة وإعادة تشكيلها، ما يمنح الزراعة طابعًا ديناميكيًا يرتبط بإيقاع الطبيعة وتقلباتها.
يُعدّ المناخ العامل الأكثر حسمًا في تشكيل ملامح النظام الزراعي في اليمن، إذ لا يقتصر تأثيره على تحديد توقيت الزراعة، بل يمتد ليشمل نوعية المحاصيل نفسها.
ويوضح المهندس الزراعي صديق جبريل لـ”ريف اليمن”، أن التباين المناخي بين المناطق يفرض أنماطًا مختلفة من الزراعة؛ فمحاصيل مثل الطماطم يمكن زراعتها صيفًا في المرتفعات ذات المناخ المعتدل، بينما تُزرع شتاءً في المناطق الدافئة، في حين تتطلب الحبوب درجات حرارة أقل واستقرارًا مناخيًا أكبر لضمان إنتاجيتها.
ويشير جبريل إلى أن مفهوم “الحرارة التراكمية”، يمثل أحد المفاتيح العلمية لفهم ديناميكيات نمو النباتات، حيث تتسارع عملية النضج في السهول الحارة، بينما تتباطأ في المرتفعات الباردة، وهو ما ينعكس مباشرة على مواعيد الحصاد ودورات الإنتاج.
ويلفت إلى أن هذا التفاوت يمنح الزراعة اليمنية مرونة زمنية، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات تتعلق بإدارة المواسم وتوقيت العمليات الزراعية بدقة.
الموسم الصيفي يُعدّ العمود الفقري للزراعة ويتركز فيه إنتاج محاصيل الذرة الرفيعة والذرة الشامية وغيره(ريف اليمن)
من جانبه، يلفت عادل الهجامي، دكتور البستنة بجامعة صنعاء، إلى أن الموسم الزراعي في اليمن يمتد غالبًا من مارس حتى أكتوبر، مدفوعًا بتعدد الأقاليم المناخية وتنوعها.
ويؤكد أن هذا التنوع يتيح زراعة المحصول الواحد أكثر من مرة خلال العام، ولكن في مناطق مختلفة؛ فمحصول الطماطم، على سبيل المثال، يُزرع صيفًا في المرتفعات والمناطق المعتدلة، بينما ينتقل إلى المناطق الدافئة خلال فصل الشتاء، في نموذج يعكس قدرة الزراعة اليمنية على التكيف مع اختلاف المناخات، وتوظيفها لصالح استمرارية الإنتاج.
توزيع الإنتاج
بدوره يقول المختص الزراعي عبدالعليم العبسي لـ”ريف اليمن” إن الموسم الصيفي يُعدّ العمود الفقري للزراعة اليمنية، إذ يتركز فيه إنتاج محاصيل الذرة الرفيعة والذرة الشامية والدخن والسمسم، إلى جانب الخضروات المختلفة.
وفي المقابل، يرتكز الموسم الشتوي على زراعة القمح والشعير والبقوليات، مع اعتماد كبير على توفر المياه واستقرار الهطول المطري لضمان نجاح الإنتاج.
ويضيف العبسي أن بعض المحاصيل مثل الطماطم والبصل والبطاطس لا ترتبط بموسم زراعي واحد، بل يمكن إنتاجها عدة مرات خلال العام، وفق اختلاف المناطق المناخية ودرجات الحرارة، ما يمنح الزراعة اليمنية قدرًا من المرونة في تلبية الطلب المحلي المستمر.
لمواجهة تقلبات المناخ والسوق، يتجه المزارعون إلى التنويع الزراعي كخيار استراتيجي لتقليل المخاطر وضمان استمرارية الإنتاج، ويوضح الدكتور عادل الهجامي أنه يتم تقسيم المحاصيل إلى مبكرة ومتوسطة ومتأخرة، بما يتيح توزيع الجهد الزراعي وتفادي خسائر المواسم المفاجئة.
وفي دلتا أبين، يقدم مدير قسم الإرشاد الزراعي باسم عقيل، نموذجًا أكثر تنوعًا في إدارة الإنتاج، حيث تُزرع محاصيل السمسم والفول السوداني والذرة الرفيعة والبطيخ والشمام والطماطم والخضروات خلال فصل الخريف، بينما يُخصص الشتاء لزراعة الذرة والدخن، في حين تُستخدم أشهر الصيف لإنتاج الأعلاف، في استجابة مباشرة لارتفاع درجات الحرارة وشح المياه.
ذروة الحصاد
يشير كتاب أمين الحكيمي (2024) إلى أن موسم الحصاد في اليمن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بدورات الأمطار، نظرًا لهيمنة الزراعة المطرية.
ويشهد اليمن موسمين مطريين رئيسيين (مارس–مايو) و(يوليو–أكتوبر)، وهما اللذان يحددان بشكل مباشر مواعيد النضج والحصاد، بينما تتراجع الأنشطة الزراعية في الشتاء، حيث تُستكمل عمليات الحصاد أو تُهيأ الأرض للموسم التالي.
يشهد اليمن موسمين مطريين رئيسيين (مارس–مايو) (يوليو–أكتوبر)، وهما اللذان يحددان بشكل مباشر مواعيد النضج والحصاد
وبحسب التقويم الزراعي الذي ينقله الباحث يحيى العنسي، تبدأ ذروة الحصاد في منتصف سبتمبر، مع انطلاق أولى عمليات جني محاصيل الذرة والدخن بعد اكتمال نضج السنابل، ثم تتوسع تدريجيًا حتى نوفمبر، حيث تكتمل معظم المحاصيل، مع تسجيل ذروة واضحة في مناطق تهامة والسهول الدافئة.
ويُفهم من هذا التسلسل أن الفترة الممتدة من سبتمبر إلى نوفمبر تمثل قلب الموسم الحصادي في اليمن، قبل أن تبدأ دورة جديدة في ديسمبر مع حراثة الأراضي والاستعداد للزراعة الشتوية.
أما في المرتفعات، يختلف توقيت الحصاد نسبيًا بفعل انخفاض درجات الحرارة، إلا أنه يشمل محاصيل متعددة من أنواع الذرة، بما يعكس تنوع البيئات الزراعية وتفاوت نضج المحاصيل بحسب الارتفاع. وفي دورة أخرى من العام، يبدأ موسم حصاد الشتاء في منتصف يونيو، ويشمل محاصيل مثل الشعير والعدس في المناطق المرتفعة.
الزراعة في اليمن ليست تقويمًا ثابتًا بل ممارسة مرتبطة بالمطر والحرارة ونوع الأرض وطبيعة المحصول (الأمم المتحدة)
ويؤكد المختص الزراعي عبد العليم العبسي، أن دورة الوصول إلى الحصاد تتراوح غالبًا بين 90 و120 يومًا بحسب نوع المحصول، مع تأثير مباشر لدرجات الحرارة والأمطار على سرعة النضج، حيث تتسارع الدورة في المناطق الساحلية مقارنة بالمرتفعات.
ومن خلال التجربة الميدانية، يوضح المزارع موسى جيحان أن العديد من المحاصيل الموسمية مثل الطماطم والفلفل والذرة تحتاج نحو ثلاثة أشهر للوصول إلى الحصاد، في حين تمتد دورة محاصيل أخرى مثل المانجو لفترات أطول بكثير، ما يعكس التباين الواضح بين المحاصيل قصيرة وطويلة الدورة في النظام الزراعي اليمني.
أنماط إنتاج متعددة
رئيس قسم المحاصيل والنبات الزراعي في جامعة لحج، الدكتور باسل الكور، أكد أن الزراعة في اليمن لا تقوم على نموذج إنتاجي واحد، بل تتوزع إلى أنماط متعددة تتشكل وفق التباينات الجغرافية والمناخية؛ فالمناطق الساحلية تعتمد بدرجة كبيرة على السيول الموسمية، ما يمنحها قدرة على إنتاج محاصيل متعددة الدورات خلال العام، بينما ترتكز الزراعة في المرتفعات على الأمطار الموسمية، وغالبًا ما تكون دورة الإنتاج فيها محدودة بموسم زراعي واحد.
باسم عقيل: المزارع يعتمد في عمله على الخبرة المتراكمة وفهم المناخ والتقويم الزراعي العملي أكثر من اعتماده على الجداول النظرية
ويضيف الكور لـ”ريف اليمن”، أن هذا التباين لا يقتصر على الحبوب والمحاصيل النقدية، بل يمتد إلى الفواكه أيضًا؛ حيث تنجح زراعة المانجو والبابايا في البيئات الساحلية الحارة والرطبة، في حين تتفوق محاصيل التفاح والعنب والرمان في المرتفعات الباردة نسبيًا، في مشهد يعكس تداخل المناخ مع طبيعة التربة وتشكيل خريطة إنتاج زراعي شديدة التنوع داخل بلد واحد.
كما يضيف باسل الكور بُعدًا تطبيقيًا مهمًا، موضحًا أن محاصيل مثل السمسم إذا زُرعت في سبتمبر تُحصد في يناير، بينما تمتد دورات حصاد محاصيل أخرى بين أغسطس وديسمبر وفق توقيت الزراعة والسيول الموسمية، خاصة في المناطق الساحلية.
ويلخص المزارع باسم عقيل جوهر التجربة الزراعية اليمنية، قائلاً إن “الزراعة في اليمن ليست تقويمًا ثابتًا ولا مواعيد تُكتب على الورق، بل هي ممارسة مرتبطة مباشرة بالمطر والحرارة ونوع الأرض وطبيعة المحصول نفسه؛ فلكل محصول توقيته الخاص، وأي خروج عن هذا التوقيت قد يؤدي إلى ضعف الإنتاج أو خسارة الموسم بالكامل”.
ويضيف، أن المزارع اليمني يعتمد في عمله على الخبرة المتراكمة، وفهم المناخ، والتقويم الزراعي العملي أكثر من اعتماده على الجداول النظرية، لأن الزراعة بطبيعتها متغيرة تتبدل بتغير الطقس والمطر، وليست نشاطًا ثابتًا من عام إلى آخر.
مع كل صباح يبدأ إبراهيم قبول (23 عاماً) في إطعام الجمل وسقايته ليقوم بمهمته المعتادة في عصر حبات السمسم في معصرته التقليدية بمحافظة حجة التي ورثها عن والده ويمارس فيها حرفته منذ أكثر من 15 عاما، على الرغم من معاناة النزوح وتأثرات السوق نتيجة الحرب والنزاع.
أكثر فصول حكاية إبراهيم زخما وتعبا لم تكن داخل المعصرة، بل تفاصيل معاناته التي رافقته طوال رحلة النزوح التي امتدت لأكثر من 9 سنوات بعد أن ترك محله الوحيد في مديرية حرض في أقصى الشمال الغربي للبلاد وغادر ناحية منطقة بني حسن عقب اشتداد القصف الجوي على المدينة في مارس 2015.
صعوبات ومعاناة
يقول لـ”ريف اليمن” إنه ورفاقه في هذه الحرفة واجهوا خلال السنوات الأخيرة صعوبات كبيرة في توفير الاحتياجات الأساسية للمعاصر، التي تضررت نتيجة الوضع الاقتصادي للبلاد.
ورغم تلك المعوقات، يؤكد إبراهيم تمسكه ورفاقه بهذه المهنة وبطرقها التقليدية التي ورثوها عن آبائهم، لارتباطها بالثقافة المحلية وملامح الحياة، وجودة منتجاتها مقارنة بالمنتجات المعتمدة على البدائل الحديثة، إضافة إلى كونها الحرفة الوحيدة التي يتقنونها ويعتاشون منها.
ويضيف: “نبدأ صباحاً بإطعام الجمل وربط عينيه، ثم نقوم بسكب حبات السمسم داخل وعاء كبير مصنوع من جذوع الأشجار المعمرة، يتم تجويفه بطريقة خاصة، ويوضع بها عصى مثلثة تشبه الحرف “N” ليربط بين الجذع عبر العصى ويتصل بمساحة خشبية توضع عليها الأثقال وبها عمود معكوف يلتف حول الجذع ويوصل بالجمل أثناء حركته لعصر السمسم واستخلاص الزيت”.
الجمل والدوران
ويشير إبراهيم إلى أن تغطية عيني الجمل أثناء عملية العصر تساعده على مواصلة الدوران لفترات طويلة، إذ يعتقد أنه يقطع مسافات ممتدة، لا أنه يدور في مساحة ضيقة بشكل متكرر.
ويوضح أن ترك عيني الجمل مكشوفتين قد يدفعه إلى التوقف أو الهيجان بسبب الإرهاق النفسي الناتج عن الدوران المستمر في دائرة صغيرة.
تغطية عيني الجمل أثناء عملية العصر تساعده على مواصلة الدوران لفترات طويلة (ريف اليمن)
كما تُوضع -بحسب إبراهيم- أحمال ثقيلة، مثل الحجارة أو أكياس الرمل، فوق المساحة الخشبية للمساعدة في الضغط على حبات السمسم داخل التجويف، ما يسهم في استخلاص الزيت بطريقة تقليدية، معتبرا أن بقاء هذه الطريقة تمثل واحداً من التجسيد الحقيقي للحفاظ على التقاليد القديمة للحرف المتقنة والمميزة في بعض المناطق التهامية.
خلال حديثنا، كان أحد الجمال يواصل الدوران عكس اتجاه عقارب الساعة، في مشهد يعكس واحدة من أقدم طرق استخراج زيت السمسم ذائع الصيت في الكثير من المناطق اليمنية.
ويقول المزارع عبدالله الزيلعي إن كثيرا من اليمنيين لا يزالون يفضلون زيت السمسم أو ما يسمى محليا بـ”سليط الجلجل” المستخرج عبر “معصرة الجمل”، لما يتميز به من جودة ونكهة خاصة مقارنة بالطرق الحديثة.
منافسة الطرق الحديثة
مع تمسكهم بهذه الحرفة يواجه أصحاب المعاصر التقليدية تحديات متزايدة مع انتشار وسائل العصر الحديثة، التي باتت تغزو الأسواق بسبب انخفاض تكلفتها وسرعة إنتاجها.
ويقول الزيلعي لـ”ريف اليمن”، إن هذه الوسائل الحديثة خلقت منافسة صعبة، وسببت للمعاصر التقليدية معاناة إضافية في مواكبة السوق بالزيت المستخلص بالطريقة التقليدية رغم تمسك شريحة واسعة من المستهلكين بجودته.
الصحفية المهتمة بالشأن الاقتصادي أمل جابر ترى أن الحرب أسهمت في نزوح كثير من الأسر من مناطق المواجهات في حرض وميدي إلى مناطق أخرى، واستحداث معاصر جديدة لزيت السمسم ما خلق أسواقاً محلية جديدة ومنافسة كبيرة بين تجار ومزارعي المنتج في المنطقة.
وتضيف لـ”ريف اليمن”، أن تحسين عمليات التسويق ساعد في إيجاد سوق داخلية بديلة عن السوق السعودية، التي كانت تمثل وجهة رئيسية لتجارة السمسم، موضحة أن ذلك أسهم في توفير المنتج محلياً، وكسر جزءاً من حالة الاحتكار، رغم الفارق الكبير في الأسعار.
وتشير بيانات رسمية منشورة عام 2024 إلى تراجع إنتاج اليمن من السمسم خلال السنوات العشر الأخيرة من 25.3 ألف طن إلى 22.6 ألف طن، فيما تراجعت مساحة الأراضي الزراعية المنتجة للسمسم من 23 ألف هكتار إلى 18 ألف هكتار منذ مطلع عام 2016.
زيت السمسم من الزيوت الغنية بالعناصر الغذائية، وله دور مهم في صحة الإنسان (ريف اليمن)
دعم الاقتصاد المحلي
من جهته، يقول المهندس الزراعي حسن زايد إن زيت السمسم، المعروف محلياً بأسماء مثل “الجلجلان” و”السليط” و”الترتر”، يحظى بإقبال واسع لدى اليمنيين، داعياً المزارعين إلى التوسع في زراعته والاستفادة منه كمصدر دخل يساعد الأسر الريفية على تأمين احتياجاتها المعيشية.
ويضيف لـ”ريف اليمن”، أن إنتاج زيت السمسم محليا يمكن أن يقلل من تكاليف الاستيراد، ويسهم في دعم الاقتصاد المحلي عبر بيع السمسم الخام أو الزيت المنتج داخل الأسواق المحلية، كما يُمكن أن يسهم في خلق فرص عمل جديدة ضمن سلسلة قيمة المنتج من الزراعة وحتى التسويق والاستهلاك.
ويواجه أصحاب المعاصر التقليدية، خصوصاً ممن يمتلكون مزارع خاصة، الكثير من العوائق، أبرزها قلة توفر المعدات والمعدات الحديثة والبذور الجيدة، وغياب الآلية الكفيلة بتنظيم عملية ضبط حركة السوق في ظل الظروف الاقتصادية والحرب المستمرة.
أقرت الحكومة اليمنية، تحويل فرع جامعة تعز في مدينة التربة إلى جامعة مستقلة باسم ‹جامعة المعافر› في خطوة منتظرة لتسهيل التعليم الجامعي لآلاف الطلاب في كثير من المناطق الريفية.
ووافق المجلس الأعلى للتعليم العالي في اجتماع الاثنين 11 مايو/ آيار 2026 برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني في عدن، على تحويل فرع جامعة تعز بالتربة الى جامعة مستقلة باسم ‹جامعة المعافر للعلوم والتكنولوجيا›.
وفوضت الحكومة، وزير التعليم العالي الدكتور أمين نعمان باستكمال الإجراءات القانونية اللازمة، وفق ما نقلت وكالة «سبأ» الرسمية. ويأتي ذلك ضمن اهتمام الحكومة بالتعليم العالي معالجة التحديات القائمة وفق الإمكانات المتاحة.
وتعد هذه أول جامعة حكومية ريفية في اليمن ومن شأنها أن تكون رافداً تنموياً لخدمة الطلاب في كثير من القرى النائية البعيدة عن المدن، حيث تختصر المسافات عن الطلاب في المحافظة اليمنية الأكثر في عدد السكان.
ومن المرتقب أن يتم استكمال الإجراءات القانونية لتأسيس الجامعة، والتي تمتلك البنية التحتية اللازمة حيث كانت تعرف بـ”جامعة تعز فرع التربة”، وكانت تتبع جامعة تعز، وتقع في التربة التي تبعد عن المدينة نحو 70 كيلومتر.
وأسهم الفرع الذي تم افتتاحه عام 2001، في التخفيف عن طلاب المناطق الريفية المجاورة، مثل مديريات المقاطرة، الصلو، الشمايتين، والوازعية، سامع، ومديريات الساحل الغربي، بالإضافة إلى مديرية القبيطة في لحج، بتوفير تخصصات أكاديمية وكوادر تعليمية تلبي احتياجات أبناء هذه المناطق.
مباني جامعة المعافر في التربة على بعد نحو 70 كيلومتر من مدينة تعز (تـ وليد الأصبحي/ فيسبوك)
وشهدت الكلية تطورا كبيرا، مما جعلها مهيأة لتكون جامعة مستقلة تستفيد منها مديريات في ريف تعز ولحج. ووفق منصة وافد يمنية تتكون البنية التحتية حاليا من ستة مجمعات تعليمية، و24 قاعة دراسية، ويعمل فيها 373 كادراً إرادياً وأكاديمياً.
ويقدر عدد الطلاب في المناطق الريفية المستفيدة من الجامعة، نحو 261 ألفاً، بينهم 12500 طالب بالثانوية العامة يُفترض أن توفر لهم جامعة المعافر المعلن إنشاؤها مشقة السفر للتعلم.
ويُقدّر عدد الطلاب الخريجين من كلية التربة منذ ربع قرن، بحوالي 6000 طالب وطالبة، وفي تصريح سابق لـ”ريف اليمن”، قال نائب رئيس جامعة تعز لشؤون فرع التربة، الدكتور أحمد الرباصي، إن عدد الطلاب حاليا حوالي 5000 طالب وطالبة.
وعبر “الرباصى” -في تصريح للمنصة العام الماضي- عن آمال أن تتحول كلية التربة من فرع إلى جامعة تكنولوجية مستقلة لأهميتها للطلاب في المناطق الريفية. وأشار إلى افتتاح تخصصات نوعية؛ مثل تقنية المعلومات، الأمن السيبراني، والصيدلة الصناعية.
وتطمح الجامعة لافتتاح أقسام جديدة تلبي احتياجات سوق العمل المحلي والدولي، وقال الدكتور الرباصي: “مستقبل التعليم الجامعي في الريف واعد، ونحن نعمل على تمكين الطلاب في كافة التخصصات، ليصبحوا أدوات فاعلة في تنمية مجتمعاتهم”.
خطوة إستراتيجية
واعتبرت مؤسسة “ألف” لدعم وحماية التعليم في اليمن، إعلان تأسيس “جامعة المعافر” بمحافظة تعز، خطوة استراتيجية مهمة نحو توسيع فرص التعليم العالي وتعزيز التنمية الأكاديمية في الريف اليمني.
وقالت -في بيان- إن “إنشاء جامعة جديدة في مديرية المعافر سيمثل إضافة نوعية للمشهد التعليمي في محافظة تعز، وسيسهم في تخفيف معاناة آلاف الطلاب والطالبات الباحثين عن فرص تعليم جامعي قريب وآمن”.
وأشارت مؤسسة ألف إلى أن “الاستثمار في التعليم الجامعي يُعد من أهم أدوات بناء السلام والاستقرار والتنمية المستدامة”، ولفتت إلى الدور المتوقع من الجامعة في “إعداد كوادر أكاديمية ومهنية قادرة على خدمة المجتمع والتنمية المحلية”.
ودعا بيان المؤسسة، إلى توفير البيئة الأكاديمية والإدارية الداعمة لنجاح الجامعة، وضمان جودة التعليم وربطه باحتياجات سوق العمل ومتطلبات المستقبل.
في ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها اليمن، تبرز المبادرات المجتمعية كنافذة أمل حقيقية لأهالي المناطق الريفية، حيث تتجلى معاني التكافل والتضامن الاجتماعي في أبهى صورها، ويكتسب التضامن المجتمعي في الريف أهمية خاصة؛ كونه يمثل شبكة أمان اجتماعي تدعم الأسر المحتاجة، وتعزز من تماسك المجتمع ووحدته.
يروي نواف الوجيه، أحد سكان ريف الضالع، تفاصيل محنة قاسية عاشتها عائلته، حين أدخل حادث مروري أحد أعمامه في غيبوبة استمرت ثلاثة أشهر، وسط عجز مادي تام. ويقول لـ ريف اليمن: “كانت المبادرات الاجتماعية المنقذ الأول، إذ تكفلت بكامل مصاريف المستشفى، وشكّل حضورها سنداً معنوياً ونفسياً لنا في أصعب مراحلنا”.
وتعد المبادرات المجتمعية في قرية بيت النهام نموذجاً بارزاً في تجسيد روح العمل التطوعي، من خلال مبادرات إنسانية متكاملة تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً، وتعمل على تقديم الدعم المباشر للأسر الفقيرة والإسهام في تخفيف الأعباء المعيشية، عبر جهود أهلية.
كما تساهم المبادرات بدور حيوي في تعزيز قيم الرحمة وإحياء روح المسؤولية المجتمعية؛ ما يمثل شبكة أمان حقيقية في ظل غياب الدعم الكافي من الجهات الرسمية.
بناء الحياة
لا تتوقف حدود جهود المبادرات عند الإغاثة العاجلة، بل تمتد لتشمل إعادة بناء حياة الأسر من الصفر، حيث يؤكد نواف الوجيه أن الدعم لم ينتهِ بوفاة عمه، بل استمر ليشمل بناء منزل من ثلاث غرف يأوي أرملته وأطفاله بعد فقدانهم المعيل، في لفتة تؤكد امتداد التكافل لتأمين الاستقرار طويل الأمد.
وعلى ذات النسق، تبرز قصة صالح النهام، الذي فجع بوفاة نجله بحادث في المملكة العربية السعودية، حيث تدخل الأهالي من خلال المبادرة المجتمعية لبناء منزل يمنح أسرته المكلومة نوعاً من الاستقرار، مؤكداً أن المبادرة كانت دعماً معنوياً أعاد له الطمأنينة،
وفي عبارة تلخص المشهد الإنساني، أكد النهام لـ “ريف اليمن” قائلاً: “قد لا يعوض البيتُ فقدان ابني، لكنه أعاد لنا جزءاً من الأمان، وأثبت أن الخير ما زال موجودًا”.
الشامي: ما تشهده المجتمعات الريفية ليس مجرد مبادرات خيرية عابرة بل هو تعبير عميق عن بنية اجتماعية متماسكة
وفي شهادة إنسانية مؤثرة أخرى، يروي عيسى المريسي تفاصيل معاناته مع مرض القلب الذي استدعى جراحة دقيقة لتغيير الصمامات في وقت عجز فيه عن تحمل التكاليف، قائلاً: “كنت أمام خيار صعب، إما إجراء العملية أو مواجهة مصير مجهول، إذ كان المبلغ يفوق قدرتي تماماً”.
ويضيف لـ ريف اليمن: “تدخلت المبادرة في الوقت الحرج بتكفلها بمبالغ العملية البالغة نحو عشرة آلاف دولار، ما شكل نقطة تحول في حياتي”، مؤكداً: “وقوفهم إلى جانبي لم ينقذ حياتي فقط، بل أعاد لي الأمل وشعرت أنني لست وحدي”، وهي شهادة تبرهن أن دور المبادرات يتجاوز الدعم المالي ليمنح المرضى فرصة جديدة للحياة.
اقتصاد التضامن
ويرى المختص في علم الاجتماع، جمال الشامي، أن ما تشهده المجتمعات الريفية ليس مجرد مبادرات خيرية عابرة، بل هو تعبير عميق عن بنية اجتماعية متماسكة تقوم على ما يسمى بـ “الاقتصاد التضامني”، حيث تُدار الموارد وفق منطق الحاجة لا الربح، ويُقدَّم الإنسان فيها على رأس المال.
ويشير الشامي في حديثه لـ “ريف اليمن” إلى أن هذا النمط يندرج ضمن التضامن الميكانيكي، حيث تنتج وحدة القيم والظروف وعياً جمعياً يجعل من مساعدة الآخرين واجباً اجتماعياً ملزماً لا خياراً فردياً.
ويؤكد أن العلاقات الاجتماعية في البيئات تمثل شكلاً جوهرياً من رأس المال الاجتماعي؛ إذ تتحول روابط الجوار والمصاهرة والتفاعل اليومي إلى أدوات فعالة للصمود في أوقات الأزمات.
ويلفت الشامي إلى أن عنصر الثقة المتبادلة يعد عاملاً حاسماً في تقليل تكاليف التنسيق وتسريع الاستجابة الجماعية رغم محدودية الإمكانيات، مفسراً قوة هذه الروابط بسيادة العلاقات المباشرة “وجهاً لوجه”، وتراكم الثقة عبر الأجيال؛ مما يخلق قناعة بوحدة المصير في ظل حضور الأعراف مقابل المؤسسات الرسمية.
ويخلص إلى أن هذه المبادرات تجسد نموذجاً لـ”رأس المال الاجتماعي الترابطي” الذي يترجم التماسك الداخلي إلى منافع ملموسة كتمويل العلاج ودعم المشاريع.
الشوكي: الجهود تعتمد بشكل أساسي على توظيف منصة التواصل الاجتماعي واتساب كغرفة عمليات لحشد الدعم الشعبي والمناشدات العاجلة
وفي ما يخص المستقبل، يشدد الشامي على أهمية التطوير عبر التوثيق المنظم واعتماد “حوكمة خفيفة” تضمن الشفافية دون تعقيدات بيروقراطية، لافتا إلى أن هذه النماذج تقدم درساً بليغاً في قدرة المجتمعات على إنتاج حلولها الذاتية عندما تتوفر الثقة، ويتجذر الشعور بالمسؤولية المشتركة.
تكاتف رقمي
وعلى مقربة من تجربة بيت النهام، تمتد جسور التكافل إلى قرية “القعرة” بالعود، حيث أُسست جمعيات تعاونية مماثلة تضع إنقاذ الحالات الطبية الطارئة على رأس أولوياتها.
ويوضح الناشط الاجتماعي، مجاهد الشوكي، أن الجهود تعتمد بشكل أساسي على توظيف منصات التواصل الاجتماعي واتساب كغرفة عمليات لحشد الدعم الشعبي والمناشدات العاجلة؛ وهي الآلية التي أثمرت بإنقاذ حالة أم سفيان المصابة بالسرطان، حيث أُطلقت حملة تبرعات واسعة مكنتها من السفر إلى دولة مصر وتلقي العلاج حتى تماثلت للشفاء.
ورغم النجاحات، يؤكد الشوكي لـ “ريف اليمن” ثقل التحديات التي تواجهها هذه المباردات؛ إذ يفرض الارتفاع المتزايد في أعداد المرضى والظروف الاقتصادية القاسية حالة من العجز المتكرر، مما يجعل الاستجابة الأهلية، رغم فعاليتها، محدودة أمام حجم الاحتياج المتصاعد الذي يفوق الإمكانيات المتاحة.
وخلال السنوات الماضية، ساهمت المبادرات المجتمعية في مختلف المحافظات اليمنية بتقديم الدعم والمساعدة للسكان، لا سيما المرضى والمحتاجين، في العديد من المناطق الريفية، وتنوعت بين حملات طبية مجانية، وتوفير الأدوية الأساسية، وتنفيذ مشاريع صغيرة لتأمين مصادر دخل للأسر الفقيرة.
في عام 2006، التحق عبدالله محمد (19 عاما) بقسم اللغة العربية في كلية التربية بمحافظة حجة، حاملاً حلمًا بسيطًا متمثلا بوظيفة تضمن له الاستقرار وحياة كريمة، أربع سنوات بين المحاضرات والامتحانات رسمت ملامح مستقبله، لكن منذ تخرّجه عام 2010 لم يجد عملاً في تخصصه، فتحوّلت شهادته من جسرٍ للاستقرار إلى ورقة بلا أفق.
يقول عبدالله لـ”ريف اليمن”: “كنت أطمح إلى خدمة التعليم، لكن الواقع بدّد الحلم. لو عاد بي الزمن لاخترت تخصصًا مهنيًا أو تقنيًا… لم أكن أدرك إلى أين سيقودني هذا الطريق”. قصته تختصر واقعًا يعيشه كثير من خريجي كليات التربية في ظل تراجع أوضاع التعليم.
معلمون بلا رواتب
يواجه قطاع التعليم تحديات غير مسبوقة، ويعيش المعلمون أوضاعًا معيشية قاسية بعد انقطاع رواتبهم لسنوات في بعض المناطق، وتدنيها في مناطق أخرى، ما دفع كثيرين إلى ترك المهنة أو البحث عن مصادر دخل بديلة.
ويؤكد عبدالله أن هذه الظروف تركت أثرًا عميقًا في مساره المهني, موضحًا: “حاولت الحصول على وظيفة في مدارس خاصة بعدة محافظات، غير أن ارتفاع تكاليف السفر، واشتراط السكن القريب، وضآلة الرواتب، حالت دون ذلك”.
ويضيف بنبرة يغلفها الأسى: “أثّرت هذه الظروف في حالتي النفسية وفي رغبتي في الاستمرار في مهنة التعليم، في ظل شح الفرص المهنية وغياب الدعم والحوافز”. ويشير إلى أن هذه الظروف القاسية انعكست سلبا على أداء كثير من المعلمين, وأضعفت قدرتهم على جذب انتباه الطلاب وتحسين جودة التعلّم.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن العجز بلغ خلال العام الدراسي المنصرم نحو 50%، أي أكثر من 91 ألف معلم، فيما يقترب نحو 40% من المعلمين المثبَّتين من سنّ التقاعد، ما ينذر بتفاقم الفجوة خلال السنوات المقبلة.
الأستاذ الدكتور رياض منقوش، عميد كلية التربية – جامعة سيئون، يؤكد أن المعلم الذي كان رمزًا للعلم والمعرفة أصبح اليوم يرزح تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية تدفعه إلى مغادرة المهنة، ويضيف لـ«ريف اليمن»: “استمرار هذا التدهور سينعكس سلبًا على مستقبل الأجيال”.
أما محمد السقاف، موجه تربوي، فيشير إلى تراجع المكانة الاجتماعية والمهنية للمعلم مقارنة بالسابق ، قائلًا: “لم يعد المعلم يحظى بالاحترام كما كان، ولا بدخل يوازي حجم رسالته”.
مفارقة مستمرة
تشير بيانات حديثة (غير رسمية) إلى تراجع حاد في أعداد المتقدمين للدراسة في كليات التربية في عموم المحافظات. ففي جامعة عدن، لم يتجاوز عدد المقبولين 94 طالبًا وطالبة، بعد أن كانوا يقاربون الألف. وفي تعز، انخفض العدد من نحو 1,200 إلى 185 طالبًا.
وفي جامعة حضرموت، لم يتجاوز عدد طلاب بعض الأقسام خمسة طلاب، فيما أُغلقت أغلب الأقسام الرئيسة في كلية التربية – جامعة سيئون نظرًا لضعف الإقبال عامًا بعد عام. تاريخيًا، تراجع عدد طلاب جامعة عدن من 2,276 في العام الجامعي 2009/2010 إلى 99 في 2022/2023م.
بلغ العجز في عدد المعلمين خلال العام الدراسي المنصرم نحو 50% فيما يقترب نحو 40% من المثبَّتين من سنّ التقاعد
أما شبوة فقد تراجع عدد المتقدمين من 2,100 إلى 200، ما دفع عمادة الكلية إلى إغلاق ثلاثة أقسام نهائيًا هذا التراجع الحاد ينعكس مباشرة على مستقبل التعليم؛ إذ يهدد القدرة على توفير كوادر مؤهلة للأجيال القادمة.
ولا تقتصر الأسباب على الحرب وتوقف التوظيف؛ إذ يشير السقاف إلى أن عزوف الطلاب عن التخصصات التربوية يعود إلى عوامل متعددة، منها تفضيل بعض الأسر التحاق أبنائها بالكليات المهنية كالطب والهندسة وعلوم الحاسوب، وتوجه عدد من الطلاب الذكور إلى المعسكرات والألوية العسكرية التي تقدم رواتب تفوق دخل المعلم الحكومي بثلاثة إلى سبعة أضعاف.
كما أن الأسباب كذلك انقطاع رواتب المعلمين أو ضعفها منذ اندلاع الحرب، وهشاشة مخرجات الثانوية العامة، ما يدفع بعض الطلاب إلى دخول سوق العمل مبكرًا أو الالتحاق بالجبهات.
تأثير الأزمة على المجتمع
لا تنعكس أزمة التعليم على المدارس وحدها، بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله. فضعف جودة التعليم واتساع الفجوة في الكادر المؤهل ينعكسان مباشرة على كفاءة الأجيال القادمة وسوق العمل، ما يهدد مسار التنمية على المدى الطويل.
كما يؤدي تراجع التعليم الحكومي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية بين من يستطيعون تحمّل كلفة التعليم الخاص ومن لا يملكون ذلك الخيار. وفي بيئة اقتصادية هشة، قد يدفع ضعف المنظومة التعليمية بعض الأطفال إلى التسرب المبكر من المدارس والانخراط في أعمال شاقة أو مسارات محفوفة بالمخاطر؛ ما يعزز دورة الفقر ويؤثر في استقرار المجتمع.
وتشير بيانات نقابة المعلمين اليمنيين إلى أن الأزمة التعليمية في البلاد تجلت في استمرار انقطاع رواتب أكثر من 170 ألف معلم لسنوات، فضلًا عن حرمان نحو 3 ملايين طفل من مقاعد الدراسة، وهو ما يعكس عمق التحديات التي تواجه العملية التعليمية في اليمن.
الأكاديمي بلخشر: دعم الطلبة ماليا ورفع رواتب المعلمين أو صرف حوافز تعويضية، بات ضرورة لاستعادة جاذبية مهنة التعليم
ويرى محمد السقاف أن استمرار ضعف الإقبال على كليات التربية قد يقود مستقبلًا إلى فجوة حادة في أعداد المعلمين، ما قد يضع الجهات المعنية أمام خيارات صعبة، مثل الاستعانة بمعلمين من خارج البلاد، أو مواجهة جيل يعاني ضعفًا في التأهيل والمعرفة، الأمر الذي قد ينعكس على وعيه وقدرته على اتخاذ القرار.
تحديات وحلول مطلوبة
مع استمرار تراجع أعداد المعلمين والملتحقين بكليات التربية، تتزايد الدعوات إلى تحرك عاجل يعيد للتعليم مكانته، ويمنع تحوّل الأزمة إلى واقع دائم في وقت يواجه التعليم اليمني اختبارًا حاسمًا قد يؤثر في جودة العملية التعليمية لسنوات قادمة، فالعجز لا يقتصر على النقص العددي، بل يمتد إلى ضعف الخبرة وتراجع الدافعية.
ويشدد الدكتور خالد بلخشر، الأكاديمي والباحث في جامعة حضرموت، على أن الأزمة ليست مجرد نقص في الرواتب أو المباني، بل انعكاس لاختلال القيم الوظيفية. ويقول في حديثه لـ”ريف اليمن”: “حين يصبح راتب العسكري المستجد بالعملة الأجنبية أعلى من راتب رئيس جامعة وأضعاف راتب المعلم، فإن المشكلة لم تعد أرقامًا على كشف حساب، بل تحوّلًا في ترتيب الأولويات”.
ويضيف أن هذا التوازن المختل يدفع بعض المعلمين إلى مغادرة مدارسهم، ويدفع الطلاب إلى إعادة حساباتهم، ما يهدد العملية التعليمية، مؤكدًا: “الوطن لا يُحرس بالبندقية وحدها، بل بمعلم لا يُذلّه راتبه، وبجامعة مصونة المكانة، وبمدارس توفر مستلزمات التعليم”.
الدكتور منقوش يرى أن دعم الطلبة ماليًا، ورفع رواتب المعلمين أو صرف حوافز تعويضية، بات ضرورة لاستعادة جاذبية المهنة. كما تبرز الحاجة إلى حملة إعلامية وطنية تعيد الاعتبار لمكانة المعلم وتشجع على الالتحاق بكليات التربية، إلى جانب تحسين آليات القبول، وتطوير البرامج الأكاديمية، وإتاحة مسارات تأهيل تربوي لخريجي الكليات غير التربوية لسدّ جزء من العجز.
وبين قاعات جامعية شبه خالية ومدارس تعاني نقصًا متزايدًا في المعلمين، يبقى السؤال مفتوحًا: من سيُعلّم أجيال اليمن القادمة؟
يعد نبات الأزولا سرخسي مائي صغير يطفو على سطح الماء، يعيش في علاقة تكافلية مع طحالب خضراء مزرقة تقوم بتثبيت النيتروجين الجوي، مما يجعل الأزولا نباتًا غنيًا بالبروتين والعناصر الغذائية المهمة، إضافة إلى دوره في تحسين خصوبة التربة وتقليل تكاليف الأعلاف.
أهمية الأزولا
يُعد الأزولا من أفضل البدائل العلفية منخفضة التكلفة، حيث يتميز بسرعة نموه وارتفاع قيمته الغذائية، ويمكن استخدامه في تغذية الدواجن والمجترات والأسماك، كما يستخدم كسماد أخضر لتحسين التربة الزراعية.
1. تجهيز الأحواض: إنشاء أحواض بعمق يقارب 20 سم (ترابية مبطنة بالبلاستيك “طرابيل” أو أحواض إسمنتية) مع ضمان عدم تسرب المياه.
2. إضافة المياه: يضاف الماء بارتفاع مناسب؛ فالأزولا حساسة جداً للجفاف وقد تموت خلال ساعات عند نقص الماء.
3. إضافة بادئ الأزولا: يحتاج المتر المربع إلى حوالي 1 كجم من الأزولا كبداية، وتتضاعف الكمية سريعاً في الظروف المناسبة.
4. توفير الظل: يفضل توفير تظليل بنسبة 50% لتقليل تأثير الحرارة المرتفعة وأشعة
5. التسميد والتغذية: يمكن استخدام أحد الخيارات التالية حسب الإمكانيات:
– إضافة 5 جرام سماد عناصر كبرى مع حديد لكل متر مربع كل 10 أيام.
– إضافة كميات بسيطة من السماد العضوي المتحلل.
– استخدام “المولاس” بكميات محدودة لتحفيز النمو.
– إضافة طبقة خفيفة من التربة الزراعية أو الرمل لتحسين البيئة الغذائية.
الظروف المناسبة لنمو الأزولا
– درجة حرارة الماء: 20–30°م
– درجة الحموضة PH: بين 5–8
– الملوحة: أقل من 1000 جزء بالمليون
مواعيد الزراعة: يمكن زراعة الأزولا طوال العام
القيمة الغذائية
تتميز الأزولا بمحتواها العالي من العناصر:
بروتين بنسبة 25–30%
كالسيوم بنسبة 0.5–1.5%
بوتاسيوم بنسبة 2.5–3%
فوسفور بنسبة 0.5–1%
مغنيسيوم بنسبة 1–1.2%
الاستخدام في تغذية الحيوانات
– سهلة الهضم وذات استساغة جيدة للمجترات
– تقدم طازجة أو مجففة
– يمكن إضافتها تدريجياً في علائق الدواجن
– تستخدم للأبقار والأغنام والماعز بعد التجفيف الجزئي.
الفوائد الاقتصادية والزراعية
– تخفيض كبير في تكاليف الأعلاف المركزة.
– تحسين خصوبة التربة.
– زيادة المادة العضوية في التربة.
– مصدر علف أخضر سريع الإنتاج ومستدام.
– مناسبة للمزارع الصغيرة والمتوسطة وحدودي الدخل.
نصائح مهمة لنجاح الزراعة
– استخدام مياه نظيفة غير مالحة دائماً.
– احذر من وصول أي مبيدات حشرية للأحواض.
– قم بتغيير جزء من الماء دورياً في حال تغير لونه أو انبعاث روائح كريهة.
– تجنب تكدس المخلفات العضوية بكميات كبيرة داخل الحوض لتجنب العفن.
الخلاصة
الأزولا مشروع زراعي بسيط وقليل التكلفة، لكنه قد يمثل حلاً استراتيجياً لتقليل تكاليف التغذية وتحسين الإنتاج الحيواني إذا تمت إدارته بالشكل الصحيح.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
دشن اليوم السبت عمليات مشروع صيانة وإعادة تأهيل طريق ممتدة بين منطقتي حبيل جبر والعسكرية بمديرية ردفان في محافظة لحج جنوبي اليمن.
وسيتم تأهيل وصيانة طريق بطول 17.75 كيلومتراً بعد الأضرار التي لحقت بها خلال الفترة الماضية، بتمويل من صندوق صيانة الطرق للحكومة اليمنية، وفق ما نقل إعلام وزارة الأشغال العامة والطرق.
ويشمل المشروع مقطعين رئيسيين، يمتد الأول من منطقة حبيل جبر إلى جسر وادي بناء بطول 12 كيلومتراً، فيما يمتد الأخر من جسر وادي بناء إلى العسكرية بطول 5.75 كيلومتراً.
تحسين البنية التحتية
وقال وزير الأشغال العامة والطرق المهندس حسين العقربي “أن المشروع سيسهم في خدمة المواطنين وتسهيل حركة نقل البضائع، بما ينعكس إيجاباً على تنشيط الحركة الاقتصادية والاجتماعية في المحافظة”.
جاء ذلك خلال التدشين الرسمي للمشروع ووضع حجر الأساس، وأضاف “إن هذه التدخلات تأتي ضمن خطة شاملة تهدف إلى تحسين البنية التحتية”، وأشار إلى حرص الحكومة استكمال تنفيذ المشاريع المتعثرة.
من جانبه، اعتبر محافظ لحج مراد الحالمي، تدشين هذا المشروع انطلاقة مبشرة لتنفيذ حزمة من المشاريع المستقبلية، بما يدعم جهود السلطة المحلية إلى تطوير البنية التحتية في المحافظة.
وزير الأشغال العامة “العقربي” ومحافظ لحج مراد الحالمي خلال التدشين الرسمي لصيانة طريق حبيل جبر (إعلام رسمي)
طريق حيوي
ويعد طريق الممتد بين منطقتي حبيل جبر والعسكرية شرياناً مهماً يربط عدداً من المديريات في لحج، ومن شأن عملية تأهليه تحسين مستوى السلامة المرورية وتسهيل حركة تنقل المواطنين والبضائع.
خلال السنوات الماضية تعرضت الطريق لتدهور كبير والتي يخدم شريحة واسعة من السكان، وتعد طريق حيوية تربط محافظة لحج بعدد من المحافظات اليمنية الأخرى شمالي البلاد.
وبدأت أعمال إعادة تأهيل الطريق مطلع الشهر الجاري بإزالة الطبقة الإسفلتية في جبيل حبر، وفي منتصف إبريل الماضي بدأ العمل من منطقة العسكرية.
ويأتي المشروع في إطار خطة وزارة الأشغال العامة والطرق الرامية إلى صيانة وإعادة تأهيل شبكة الطرق في مختلف المحافظات، بما يسهم في تعزيز التنمية وتحسين مستوى الخدمات الأساسية للمواطنين.
كشفت دراسة حديثة أن قطاع العسل في اليمن يمتلك إمكانات هائلة لتعزيز الاقتصاد الوطني وتحسين سبل العيش في المناطق الريفية، وأن الجودة الاستثنائية التي يتمتع بها تمنحه قدرة تنافسية عالية للتوسع في الأسواق الدولية وزيادة الأرباح في حال معالجة التحديات.
ووفق دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي «UNDP» فإن النزاع المستمر، ونقص البنية التحتية، ومحدودية الوصول إلى الأسواق، وتأثيرات التغير المناخي، تشكل عوائق رئيسية تحد من نمو سلسلة قيمة العسل مشيرةً أن الإنتاج اليمني يعتمد على مزيج من الأساليب التقليدية والحديثة يلعب دوراً حاسماً في تحقيق الأمن الغذائي للأسر.
كما دعت الدراسة إلى تبني استراتيجية تسويقية دولية تُبرز الخصائص الفريدة للعسل اليمني وتسهل وصوله إلى المعارض العالمية، وحثت النحالين على التحول نحو الممارسات المستدامة والحصول على شهادات المنتجات العضوية.
إلى ذلك يبرز الدور المحوري في حماية التنوع البيولوجي وتحديث أساليب الإنتاج سيحولان قطاع العسل إلى محرك نمو اقتصادي مستدام يوفر فرص عمل واسعة في السوق المحلية والعالمية. وفق الدراسة.
تمثل سلسلة قيمة العسل في اليمن ركيزةً استراتيجية في القطاعين الزراعي والاقتصادي، حيث تمتد من خلايا النحل في المنحدرات الجبلية وصولاً إلى الأسواق العالمية، معتمدةً على شبكة معقدة من النحالين والمعالجين والتجار الذين كرسوا المنتج كمصدر دخل رئيس لأكثر من 100 ألف عامل.
وفي حين تتصدر مناطق “العصيمات” في عمران و”دوعن” في حضرموت المشهد بإنتاج أفخر الأنواع كالسدر والسمر، والتي تعكس تنوعاً نباتياً فريداً وممارسات تقليدية عريقة، يواجه القطاع اليوم تحديات كبيرة فمنذ عام 2015 تسبب النزاع المستمر في تقليص الصادرات بنسبة تجاوزت 50%، بعد أن كان اليمن يضخ نحو 50 ألف طن سنوياً في الأسواق الدولية.
تظل الخلايا التقليدية للنحل هي الضامن الأول للعسل ذي القيمة الطبية والذوقية العالية الذي يُباع بأسعار مرتفعة
وعلى الرغم من مكانة العسل اليمني، تبرز عقبات هيكلية ومهددات بيئية تقوض استدامة القطاع؛ إذ أدى عدم الاستقرار السياسي إلى إضعاف الدعم المؤسسي وعزل المنتجين عن الأسواق، تزامناً مع أزمة البنية التحتية وغياب معايير الجودة الحديثة.
كما لم تقتصر الأزمات على العوامل البشرية، بل امتدت لتشمل التغيرات المناخية التي ضربت التنوع البيولوجي، حيث أدى جفاف المراعي وندرة الأشجار الأصيلة إلى انخفاض حاد في الإنتاج، مما وضع النحالين أمام خيارات قاسية بين تحمل تكاليف أعلاف باهظة أو التخلي القسري عن خلاياهم، وهو ما يفرض ضرورة التدخل العاجل لإنقاذ هذا المورد وتحويله إلى محرك للتعافي الاقتصادي المستدام.
رغم مكانة العسل اليمني تبرز عقبات هيكلية ومهددات بيئية تقوض استدامة القطاع، وأدى عدم الاستقرار السياسي إلى إضعاف الدعم المؤسسي
الوفرة والجودة
تتداخل الجغرافيا اليمنية مع حرفة تربية النحل لتشكل لوحة زراعية فريدة، حيث تتربع شجيرة “السدر” البرية على قمم التلال وسفوح الجبال كمصدر أول لأجود أنواع العسل، يشاركها في ذلك طيف واسع من أشجار الأكاسيا والحمضيات والخزامى البري.
تُمثل سلسلة قيمة العسل ركيزة استراتيجية ومحركاً اقتصادياً حيوياً يؤمن سبل العيش لأكثر من 100 ألف عامل
وفي قلب البيئة، ينفرد النحل اليمني المعروف علمياً باسم ‹Apis mellifera jemenitica› كنوع سلالي أصيل يمنح المنتج خصوصيته العالمية. وتتنوع استراتيجيات النحالين اليمنيين بين الاستقرار في مواقع ثابتة لحماية الخلايا من السرقة والافتراس، وبين “الترحال الرعوي” الذي يقطعون فيه مئات الكيلومترات تتبعاً للمراعي.
ويستخدم النحالين مزيجاً من الخلايا الطينية التقليدية والخشبية الثقيلة، وصولاً إلى ‹خلايا الصناديق› الحديثة التي بدأت تفرض حضورها بنسب متفاوتة تصل إلى 87% في المناطق الجنوبية و72% في الشمال، بحثاً عن كفاءة إنتاجية أعلى وقدرة أكبر على المناورة التسويقية.
وعلى الرغم من التحول نحو العناية الحديثة بالنحل، لا تزال فجوة التحديث تفرض تحدياتها؛ حيث يواجه النحالون ندرة في موردي المعدات الحديثة وارتفاعاً في تكاليفها، فضلاً عن الحاجة الماسة لبرامج تدريبية تدمج بين الخبرة التراثية العميقة والتقنيات المعاصرة.
وتبرز معادلة الجودة مقابل الكمية؛ فبينما تضمن الخلايا الحديثة وفرة الإنتاج، تظل الخلايا التقليدية هي الضامن الأول للعسل ذي القيمة الطبية والذوقية العالية الذي يُباع بأسعار مرتفعة.
ومع ذلك، يظل هذا النشاط الاقتصادي المترنح تحت رحمة تقلبات المناخ وهطول الأمطار غير المنتظم الذي يربك إزهار الأشجار، يضاف إليه خطر الاحتطاب الجائر الناتج عن الفقر، وغياب الأطر التنظيمية التي تحمي سمعة العسل الملكي من عمليات الخلط والغش التجاري، مما يستدعي تدخلاً وطنياً عاجلاً لحماية الغطاء النباتي ودعم سلاسل التوريد المحلية لضمان استدامة الإرث الوطني.
تصدر مناطق “العصيمات” في عمران و”دوعن” في حضرموت المشهد بإنتاج أفخر الأنواع كالسدر والسمر
تحدي الدعم
على مستوى الأسر الريفية، لا تزال تربية النحل في اليمن تقاوم الاندثار بالاعتماد على ممارسات تقليدية متوارثة حيث تشكل خلايا الجذوع ولحاء الأشجار في مناطق شمال البلاد الملاذ الأخير للنحالين الصغار لقلة كلفتها، رغم محدودية إنتاجها الذي يتراوح بين 3.5 و5 كيلوغرامات في الموسم الواحد.
غير أن الإنتاج المثقل بالتقاليد يواجه اليوم أزمة مزدوجة فمن جهة، جعلت النزاعات عملية تتبع المراعي الموسمية عبئاً مادياً يفوق طاقة الأسر، ومن جهة أخرى، يظل استخدام المعدات الحديثة كالملابس الواقية وأجهزة الاستخلاص حلماً بعيد المنال نظراً لغلاء أسعارها وصعوبة الحصول عليها، مما يترك جودة المنتج النهائي عرضة لتقنيات معالجة “بدائية” تفتقر للمعايير الحديثة.
و يكشف الواقع المالي عن فجوة عميقة بين النحالين والمؤسسات التمويلية؛ إذ تشير البيانات إلى أن 2% فقط من المنتجين يسعون للحصول على تمويل رسمي، في حين تحجم الغالبية العظمى لأسباب تعكس تعارض الآليات المالية مع السياق الثقافي والواقع العملي.
بينما تحول صعوبة تقديم الضمانات دون وصول 39% من النحالين للقروض، يرى 27% أن أنظمة السداد لا تراعي الطبيعة الدورية لمواسم العسل، فيما تشكل الاعتبارات الدينية المتعلقة بـ”الربا” عائقاً أمام 12%، فضلاً عن أسعار الفائدة التي يراها 20% غير مجدية اقتصادياً.
ورأت الدراسة، أن الأمر الذي يفرض ضرورة تصميم تدخلات تنموية تراعي الخصوصية الثقافية وتوفر قنوات تمويل بديلة، لتمكين النحالين الصغار من كسر حلقة الفقر والانتقال من الإنتاج المعيشي إلى المنافسة السوقية.
يعتمد الإنتاج اليمني للعسل على مزيج من الأساليب التقليدية والحديثة
الحصاد ومعضلة الأسعار
تخضع عملية حصاد العسل في اليمن إلى تقويم طبيعي دقيق، حيث يضبط النحالون ممارساتهم على إيقاع إزهار نباتات السدر والسمر، في رحلة تمتد من أربعة إلى ستة أشهر من الرعاية والترحال الرعوي لضمان جني الذهب السائل في ذروة خصائصه.
ولا تقتصر الهندسة على الجانب الفني، بل تمتد لتشمل خططاً تسويقية استباقية؛ إذ يسابق عسل السدر الزمن ليتصدر الرفوف بأسعاره المرتفعة وقيمته الطبية، يليه السمر الذي يناور ضمن ديناميكيات عرض متغيرة.
و يصطدم الجهد الاحترافي بواقع تعبئة متواضع في السوق المحلية، حيث تسيطر العبوات البلاستيكية (سعة 5 إلى 20 لترًا) على مشهد البيع، في حين تظل المرطبانات الزجاجية والمعايير الدولية للتغليف حكراً على التصدير الخارجي للامتثال لبروتوكولات السلامة العالمية.
أما بخصوص التسعير، فتكشف الدراسة عن مشهد معقد تتحكم فيه قوى العرض والطلب بنسبة 75%، بينما ينفرد البائعون بتحديد السعر في 16% من الحالات بناءً على كلف الإنتاج. وفي مفارقة لافتة، يرى 71% من المشاركين أن الأسعار الحالية “منخفضة” ولا تعكس القيمة الحقيقية للمنتج، في حين يؤكد 28% أن “نوع العسل” وخصائصه الحسية كاللون والمذاق هما المحركان الأساسيان لشهية الدفع لدى المستهلك.
ويفرض الاختلال في تقدير القيمة على القطاع تبني استراتيجيات جديدة، تبدأ من تثقيف المستهلك والحصول على شهادات الجودة كالعضوية ، وصولاً إلى تقليص سلاسل التوريد والاعتماد على التسويق المباشر، لضمان عدالة السعر للمنتج، وتحويل العسل اليمني من مجرد سلعة محلية إلى علامة تجارية فاخرة تستحق مكانتها في الأسواق العالمية مثل “هونغ كونغ” وغيرها.
خارطة التعافي
لا يمثل العسل اليمني مجرد سلعة اقتصادية، بل هو إرث سيادي تتطلب استعادته حزمة من التدخلات الهيكلية العاجلة؛ تبدأ بإطلاق برنامج وطني شامل لمراقبة الجودة يمتد من شمال البلاد إلى جنوبها، لضمان توحيد أساليب الإنتاج وإدارة الخلايا وفق معايير احترافية.
وتبرز أهمية صياغة استراتيجية تسويقية عابرة للحدود، تضع “عسل السدر” وأقرانه في واجهة المعارض الدولية كمنتجات فاخرة، مع ربط المنتجين مباشرة بالأسواق الواعدة كالسوق الآسيوية في هونغ كونغ.
كما أن تحويل هذا القطاع من النشاط الفردي المشتت إلى العمل التعاوني يعد حجر الزاوية لتحسين القدرة التفاوضية وتسهيل الوصول للموارد، فضلاً عن دور التعاونيات في فرض رقابة صارمة تجتث جذور الغش التجاري وتوثق أصالة المنتج لبناء جسور الثقة مع المستهلك العالمي.
و يبقى رهان النجاح معلقاً على قدرة اليمن في بناء شراكات استراتيجية مع المنظمات الدولية لتأمين التمويل اللازم لتطوير البنية التحتية، مما يحول سلسلة قيمة العسل من قطاع يصارع البقاء إلى محرك تنموي يضخ الحياة في شرايين الاقتصاد الوطني.