الخميس, مارس 5, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 60

تعز: الصرف الصحي في قَدَسْ كارثة صحية بلا حلول

تعز: الصرف الصحي في قَدَسْ كارثة صحية بلا حلول

في منطقة قَدَسْ بريف محافظة تعز، يعيش كارم عبدالكريم (34 عاما) مع أسرته في منزل متواضع بالقرب من مكان مخصص لمياه الصرف الصحي، حيث أصبح مصدرًا يوميًا لمعاناتهم، بفعل ما تخلفه من مخاطر على حياتهم الصحية والبيئية.

ويواجه سكان القرى الريفية مشكلات صحية وبيئية خطيرة؛ نتيجة غياب خدمات الصرف الصحي، والتصريف العشوائي للمجاري، حيث تضاعفت معاناة الأهالي جراء انتشار البعوض والروائح الكريهة في القرى الريفية بشكل غير مسبوق.

منطقة قَدَسْ: واقع مؤلم وحلول غائبة

يقول عبدالكريم لمنصة “ريف اليمن”: “تتفاقم معاناتي وأسرتي بسبب انتشار الروائح الكريهة، البعوض والذباب في كل زوايا المنزل، حينما نذهب إلى العمل أو يذهب أطفالنا إلى المدرسة يزيد خوفنا على صحتنا وصحة أطفالنا”.

وتتضاعف معاناة عبدالكريم ومعه مئات الآلاف من السكان الريفيين من مخاطر مياه الصرف الصحي وتأثيرها على الأراضي الزراعية إذ يقول: “ما يزيد الوضع سوءاً هو تصريف مياه الصرف الصحي إلى الأراضي الزراعية، خصوصًا خلال فترة هطول الأمطار، وانتشار المياه الملوثة في كل مكان، والتي تهدد حياة السكان والزراعة التي نعتمد عليها في معيشتنا”.

وتُشكل أنظمة الصرف الصحي التقليدية وغير المعالجة -التي يستخدمها سكان ريف تعز- إحدى التحديات الكبيرة التي تواجه المناطق الريفية، ورغم أن هذه الأنظمة تُعتبر حلولاً مؤقتة ذات تكلفة تشغيلية منخفضة، إلا أنها تحمل أضرارًا بيئية وصحية تهدد المجتمعات على المدى الطويل.


      مواضيع ذات صلة


مدير مشاريع المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي في تعز، زايد التميمي قال إن “الاعتماد على أنظمة الصرف الصحي التقليدية يعود إلى عدة عوامل رئيسية؛ أولها انخفاض التكاليف التشغيلية مقارنة بالأنظمة الحديثة التي تحتاج إلى تجهيزات ومعدات متطورة”.

وأشار التميمي في حديثه لمنصة ريف اليمن إلى أن “هذه الأنظمة تمتاز بمرونتها في التوسّع؛ إذ يمكن تمديدها بسهولة لتلبية الاحتياجات المتزايدة للمجتمعات مع نمو السكان، كما أنها لا تتطلب لوحدات معالجة ابتدائية معقدة، حيث يتم تصريف المياه مباشرة دون أي تجهيزات متقدمة، ما يجعلها خيارًا عمليًا وبسيطًا في ظل الظروف الحالية”.

غير أن التميمي شدد على أن تلك الحلول -رغم فعاليتها الاقتصادية على المدى القصير- تترتب عليها مخاطر جسيمة تؤثر سلبًا على البيئة وصحة السكان.

الصرف الصحي والتأثيرات البيئية

تعد مشكلة الصرف الصحي من أخطر التهديدات على الإنسان، إذ يؤكد مدير عام هيئة حماية البيئة بمحافظة تعز المهندس بدري حسن أن “المخلفات الصلبة المكشوفة تُشكل بيئة مناسبة لانتشار البعوض الذي ينقل أمراضًا مثل التيفوئيد والكوليرا عبر الأطعمة المكشوفة، كما تؤدي المخلفات السائلة إلى تلوث المياه السطحية والجوفية، وتسبب أمراضًا كالإسهالات الحادة والكوليرا”.

تعز: الصرف الصحي في قَدَسْ كارثة صحية بلا حلول
تعتبر أنظمة الصرف الصحي غير الآمنة إحدى التحديات الكبرى التي تؤثر على البيئة (ريف اليمن)

وأوضح بدري لمنصة ريف اليمن أن “المياه الراكدة تُعد بيئة مثالية لتكاثر البعوض، ما يؤدي لانتشار الأوبئة مثل الملاريا وحمى الضنك، بالإضافة إلى الأمراض الجلدية وأمراض القلب”، مشيراً إلى أن محطات المعالجة غير المصممة وفق معايير بيئية تُسهم في تسرب الملوثات إلى المياه، مما يزيد من تفاقم المشكلة.

من جانبه قال التميمي إن “الملوثات الرئيسية للمياه تشمل: البكتيريا، والفيروسات، والطفيليات، والأسمدة والمبيدات التي تلوث المياه الجوفية والسطحية، بالإضافة إلى النفايات الصيدلانية والبرازية التي تزيد من المواد الكيميائية السامة”.

وأكد التميمي لمنصة ريف اليمن “خطورة الملوثات غير المرئية التي لا تغير دائمًا لون الماء، لكنها تتسلل إلى السلاسل الغذائية وتُسبب آثارًا صحية طويلة المدى على البشر والكائنات الحية” ، مشدداً على “ضرورة مراقبة جودة المياه واعتماد أنظمة معالجة فعالة للحد من هذه المخاطر” .

وتعتبر أنظمة الصرف الصحي غير الآمنة إحدى التحديات الكبرى التي تؤثر على البيئة بشكل مباشر، إذ تشمل التأثيرات البيئية مخلفات عضوية، ومواد كيميائية، ومعادن ثقيلة ناتجة عن الأنشطة المختلفة، خاصة في التربة.

الحلول والمعوقات

في ظل المخاوف الكبيرة من تفشي الأمراض والأوبئة، والتحديات البيئية المرتبطة بأنظمة الصرف الصحي، يؤكد المهندس بدري على ضرورة اتخاذ خطوات إستراتيجية لحماية البيئة وصحة الإنسان.

ويقترح بدري على المكاتب المعنية بمشاريع البناء والإسكان الالتزام بمعايير بيئية صارمة، وضرورة الرجوع إلى مكتب حماية البيئة قبل البدء في أي مشروع، خاصة مشاريع الصرف الصحي؛ لضمان تقييم الأثر البيئي والاجتماعي والصحي.

وتطرق إلى مخاطر الإهمال البيئي المتمثلة في غياب المعايير البيئية، والتي تؤدي إلى تلويث مصادر المياه، مما يهدد الأمن المائي، وتدهور التربة الزراعية من خلال تسرب المخلفات إلى التربة، ويؤدي إلى تملُّحها وفقدان جودتها، مما يهدد الأمن الغذائي.

من جانبه شدد التميمي على أهمية نشر الوعي المجتمعي حول الحفاظ على شبكات الصرف الصحي، والتأكيد على دور المعالجة الصحيحة لمياه الصرف في تقليل التلوث البيئي، والاستفادة منها في الري والزراعة.

لكن تحسين أنظمة الصرف الصحي بريف تعز يواجه معوقات أبرزها: التكلفة الباهظة لتقنيات معالجة مياه الصرف الصحي، والتي تتطلب استثمارات كبيرة قد لا تكون متاحة في بعض المناطق، بالإضافة لعدم تقبُّلِ المجتمع لاستخدام التقنيات الحديثة في المعالجة، بسبب غياب التوعية بفوائد هذه الأنظمة. وأشار التميمي إلى ضعف القناعة لدى المجتمع بفكرة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والري، أو اعتمادها في إنتاج الأسمدة، الأمر الذي يعيق تبني تلك الحلول المستدامة.

وأدت الحرب المندلعة في البلاد منذُ عشر سنوات إلى تدمير البنية التحتية، بالإضافة إلى توقف كافة المشاريع الخدمية؛ أبرزها إصلاح شبكات الصرف الصحي، سواء في المدن الحضرية أو الريف. وتشير تقارير دولية إلى أن أكثر من 14 مليون شخص يُحرَمون من إمدادات المياه الصالحة للشرب، وخدمات الصرف الصحي، وجمع القمامة في اليمن.

سكان باقَرْوَان حضرموت: عندما تصبح الخدمات الصحية أُمْنِيَة

“تجرعتُ الألم لساعات طويلة دون أدنى مساعدة طبية، كدت أموت، ولم أكن أتوقع انني سأبقى على قيد الحياة”، بهذه العبارة وصفت السيدة أم مريم معاناتها القاسية أثناء مخاضها الأول، بسبب غياب الرعاية والخدمات الصحية في منطقة حصن باقَرْوَان بمحافظة حضرموت.

ويتكبّد السكان بمختلف فئاتهم، نساء، وأطفال، وكبار سن، في منطقة حصن باقَرْوَان التابعة لمديرية حَجْر، مشقة مضاعفة بسبب غياب الرعاية الصحية؛ إذ لا يتوفر في المنطقة التي يقطنها نحو 45 ألف نسمة، سوى مركز صحي وحيد، يفتقد إلى أبسط الخدمات؛ مما يؤثر سلبًا على السكان، ويجعلهم عرضة للمخاطر، لا سيما النساء الحوامل.

سكان باقَرْوَان مشقة مضاعفة

تروي أم مريم البالغة من العمر 30 عاما، معاناتها لـ”منصة ريف اليمن” قائلة: “كانت لحظات المخاض قاسية ومؤلمة بشكل يفوق التصور، أجبرت على تحمل الآلام لساعات طويلة دون أي مساعدة بسبب غياب الخدمات الصحية في المنطقة”.

وتضيف: “استمر المخاض ساعات طويلة، في ظل ظروف بدائية لا تتوفر فيها أدوات طبية أو أدوية تسكن الألآم أو تساعد في إنقاذ الجنين”. وبعد معاناتها الكبيرة ومَخاضها القاسي، فقدت أم مريم طفلها نهاية العام الماضي، إن تقول بحسرة”: فقدت حلمي الذي انتظرته بسبب غياب الرعاية”.

أم مريم انموذج مصغر لما يعانيه السكان، وخاصة النساء، إذ تؤكد أن هذه المعاناة ليست مقتصرة عليها، بل تشاركها معظم النساء في حصن باقروان، خاصة الحوامل اللواتي يواجهن مخاطر كبيرة أثناء الحمل والولادة بسبب غياب المرافق الصحية والأطباء المتخصصين، ما يجعل كل ولادة مغامرة محفوفة بالخطر قد تنتهي بفقدان الأم أو الجنين.


     مواضيع مقترحة


ومنطقة حصن باقروان من المناطق الريفية التي تتميز بتضاريس جبلية صعبة الوصول مما يجعل التنقل فيها محدوداً ويزيد من عزلتها عن المناطق الأخرى، وتعد من المناطق التي تفتقر لأبسط المقومات والخدمات التعليمية والصحية وغيرها، ما يضاعف من معاناة سكانها و خاصة النساء والأطفال. وتُقدّر المسافة بين المنطقة ومدينة المكلا عاصمة المحافظة بحوالي 145 كيلومتر.

ونتيجة للطرق الوعرة؛ وضعف البنية التحتية يستغرق نقل المرضى من المنطقة إلى أقرب مشفى نحو ساعتين على الأقل؛ خاصةً أن الطرق غير معبّدة بشكل كامل، مما يضاعف معاناة المرضى، وسط انتشار وتفشي العديد من الأمراض أبرزها: سوء التغذية، وفقر الدم، والحميات، والإسهالات المائية المنتشرة بين النساء والأطفال، فضلا عن معاناة الحوامل.

يحكي المواطن أبو سالم باقروان، وهو أب لخمسة أطفال، معاناته اليومية مع غياب الخدمات الصحية، قائلاً: “أحد أطفالي البالغ من العمر سبع سنوات، أصيب بحمى شديدة ليلاً، وكانت الوحدة الصحية الوحيدة مغلقة، ولم يكن هناك أي وسيلة لإسعافه سوى قطع مسافة طويلة على دراجة نارية للوصول إلى أقرب مركز طبي خارج المنطقة”.

سكان باقَرْوَان حضرموت..عندما تصبح الخدمات الصحة أمنية
المبنى الصحي الخاص بالمنطقة تحول إلى مبنى مهجور بسبب عدم استكماله (ريف اليمن)

ويضيف أبو سالم في حديثه لمنصة ريف اليمن: “الطريق الوعرة وانعدام الإسعافات الأولية في المنطقة جعلا الأمر محفوفاً بالمخاطر، حيث كاد الطفل يفقد حياته بسبب التأخر في إسعافه لتلقي العلاج”، مؤكدا أن ما حدث مع ابنه يتكرر كثيراً مع الأطفال وكبار السن في المنطقة، مشيراً إلى أن غياب الرعاية الصحية الأساسية جعل من أبسط الأمراض تهديداً كبيراً لحياة السكان.

خدمات صحية بطرق تقليدية

يؤكد عمر باقاسم، وهو ناشط مجتمعي، أن المعاناة تتضاعف بفعل عناء السفر، لافتا إلى أن “السكان يتكبدون أسعاراً كبيرة للوصول إلى مستشفى المديرية الريفي دون الحصول على الرعاية المطلوبة، فيضطرون للسفر ساعات إلى عاصمة المحافظة المكلا، وهذا يلخص بشكل موجز حجم المعاناة التي يعاني منها أبناء المديرية”.

ويضيف باقاسم خلال حديثه لمنصة ريف اليمن: “خلال موسم هطول الأمطار تتضاعف المعاناة بشكلٍ أكبر، غالبية الطرق جبلية وفي مجاري السيول؛ مما يؤدي إلى تأخير إسعاف الكثير من الحالات الحرجة، ويضطر البعض إلى حمل مرضاهم على الأكتاف للعبور إلى الاتجاهات الأخرى من الطريق في مشهدٍ قاسٍ يرسم حجم المعاناة”.

ويواجه السكان تحديات متعددة، من أبرزها ضعف وغياب الوعي الصحي، والنقص الكبير في الكادر الصحي، خصوصاً النسوي، إلى جانب استمرار تقديم الخدمات الصحية بالطرق التقليدية، التي تتسبب أحيانا بمضاعفات خطيرة على الأم أو الجنين.

تحتل المديرية المركز الثاني على مستوى المحافظة من حيث المساحة، وعلى الرغم شدة حجم الاحتياج فيها إلا أن معظم مناطقها لا تتواجد بها غير وحدات صحية صغيرة لا تلبي حجم احتياج الناس فمعظم تلك الوحدات لا توجد بها الخدمات الصحية المتكاملة، ومنها على سبيل المثال المحاليل المخبرية، وأجهزة الفحص الحديثة، ناهيك عن الأجهزة والمتطلبات الأخرى.

ويقول عوض باموزة (فني مختبر): “تعاني المديرية من غياب التطوير الذي ينقل الوضع الصحي في المديرية إلى الأفضل، وأيضاً العبث في تصريف أعمال المنظمات، وعدم الاستفادة القصوى منها في تحسين البنية التحتية للمرافق الصحية”.

سكان باقَرْوَان حضرموت..عندما تصبح الخدمات الصحة أمنية
منطقة حصن باقروان من المناطق الريفية التي تتميز بتضاريس جبلية وتفتقر لأبسط الخدمات

وأكد باموزة لمنصة ريف اليمن أن “هناك إهمال كبير من قبل السلطة ومكتب الصحة في بعض المراكز الصحية بعدم استكمالها وتشغيلها، وعدم تفعيل بعض المراكز وتوفير المعدات والأدوات الصحية والكادر الطبي فيها بشكل مستمر”.

تدخلات مجتمعية محدودة

في ظل التحديات الصحية المتفاقمة برزت العديد من المبادرات المحلية المتنقلة التي تقدم خدماتها بشكل مجاني لتحسين واقع الرعاية الصحية وتلبية احتياجات السكان كعيادة النساء والولادة والأطفال وإجراء الفحوصات الطبية، والعلاجات الأساسية، وتثقيف المجتمع لكنها لم تستمر سوى فترة قليلة، نتيجة عدم توفر الدعم.

وقال باقاسم إن المبادرات المحلية تكاد تكون نادرة ووقت انتشار الأوبئة والأمراض، وتتلخص في عمل بعض المؤسسات والمنتديات الشبابية على تنسيق وتنفيذ بعض المخيمات والعيادات الطبية المجانية لفترة زمنية محددة.

أما عن الجهود الحكومية فيقول باموزة بأنها “عبارة عن جهود روتينية من قبل مكتبي الصحة بالمديرية والمحافظة، وتشمل قطاع الرعاية الصحية الأولية وقطاع الحملات التطعيمية، ومرافقة عمل المنظمات الدولية العاملة في المديرية من أجل تنفيذ مشاريعها من أجل الكسب المادي والظهور الإعلامي”، حسب قوله.

يشار إلى أن منصة “ريف اليمن” حاولت التواصل مع مدير مكتب الصحة بالمديرية للوقوف على المعاناة، والأسباب التي وقفت عائقا أمام انتشال الوضع الصحي، لتقديم الخدمات بشكل أفضل للسكان، لكنها لم تلقَ أي استجابة.

ويبقى الوضع الصحي في مديرية حجر بمحافظة حضرموت مرآة لضعف التدخلات الحكومية والمحلية، مما يعكس الحاجة الملحة لتكاتف الجهود بين الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني لتعزيز القطاع الصحي، وتوفير الخدمات الأساسية للسكان. ومن دون أي تحرك جاد ستظل معاناة الأهالي مستمرة ماينذر بتفاقم الوضع الصحي، وزيادة الأعباء على الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع.

المطاحن القديمة.. حكايات من كفاح سكان الريف

قبل ظهور المطاحن الحديثة، اعتمدت النساء الريفيات في اليمن على طُرق تقليدية قديمة لطحن الحبوب المتنوعة من الذرة الرفيعة، والذرة الشامية، والدخن وغيرها من الحبوب، من أبرزها: حجر المطحنة، والرحى، والطاحونة الهوائية التي كانت تستخدم بشكل نادر.

حكايات تُجسد كفاح سكان الريف

وعلى مدى سنوات طويلة، لعبت المرأة الريفية دوراً كبيراً في التنمية، حيث مارست العديد من النساء بعض الأنشطة الزراعية المتمثلة في إصلاح الأراضي الزراعية، في الوقت الذي ظل طحن الحبوب جزءًا من الحياة اليومية للكثير من اليمنيات حتى وقتنا الحاضر.

تتكون المطحنة الحجرية من حجرين كبيرين، يتم وضْعُ الحبوب بينهما ثم يدور الحجر العلوي لطحن الحبوب وتحويلها إلى دقيق. أما الرحى فتُستخدم فيها الأحجار أو الخشب لطحن الحبوب بشكل يدوي. ويعد حجر الرحى من أكثر التجارب التي خاضتها النساء طوال العقود الماضية.

السيدة حسنة عبدالوهاب (60 عاماً) خاضت مع نساء قريتها الواقعة بريف جبل حبشي غرب محافظة تعز، تجربة هذه المطاحن القديمة قبل دخول الطواحين والآلات الحديثة إلى البلاد، وكان ذلك الأمر شيئاً مرهقا ويستهلك وقتا أطول، لكنه كان جزءاً من حياتها اليومية.


     مواضيع مقترحة


تقول حسنة لمنصة ريف اليمن: “كنت أعمل في طحن الذرة منذ الصباح الباكر حتى ساعات النهار، من خلال وضع حجرين كبيرين فوق بعض ويدور الحجر العلوي لطحن الحبوب، وكنا نضع المطحنة بشكل مربع ونستخدم فيها عوداً يسمى القطب، ويدور الحجر العلوي حول الحجر السفلي حتى تحويل الحبوب إلى دقيق، وتجهيزه لإعداد وجبة الطعام للعائلة”.

وأضافت: “تُعتبر الرحى من الأدوات الشعبية الأكثر شيوعاً لطحن الحبوب، وتُصنع عادةً من الأحجار أو الخشب، وتستخدم يدوياً، وتتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا من النساء اللواتي يعتمدن عليها كأداة أساسية لطحن الحبوب، ويعد ذلك جزءاً من الروتين اليومي”.

أما محمود عبدالله (65 عاماً) المنحدر من عزلة الشراجة غرب تعز فيقول:” كان أول شكل لطحن الحبوب وتحويلها إلى دقيق يتم عبر “مدقات حجرية” تتكون من حجرتين متساويتين بشكل دائري حيث يتم فتح الحجرتين في المنتصف، وتكون فتحة الحجرة السفلى أصغر من الفتحة العليا”.

ويقول عبدالله لمنصة ريف اليمن: “يتم وضع الحجرة السفلى بشكل ثابت، حيث يهبط المدق على الحبوب داخل التجويف الحجري، ثم يتم تثبيت عود من الأرض برأس مدبب يمر من الفتحة، مما يسمح بالتحكم في رفع وخفض الحجرة العليا ثم يُرفع المطحن بشكل مربع من 90 إلى 100 سم، مع ارتفاع العودين من 5 إلى 7 سم، بحيث لا يتسرب الطحين إلى خارج المطحن”.

تراث وتقاليد يومية

ويضيف: “تطورت المطاحن من الشكل البدائي القديم إلى الطاحون بالشكل الحالي، الذي يعود إلى “الثورة الثانية” في حياة الإنسان، بعد اكتشاف المحرك، حيث بدأ تصميم الآلات شيئًا فشيئًا”.

في السياق قال أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز الدكتور محمود البكاري: “مرت المجتمعات البشرية عبر المراحل التاريخية المختلفة بالعديد من المحاولات الإنسانية التي تؤمِّن للإنسان الحياة والبقاء على قيد الحياة، ففي كل مرحلة حاول الإنسان أن يبتكر طرقا ووسائل تساعده على التكيف مع البيئة التي يعيش فيها”.

وأوضح البكاري لمنصة ريف اليمن: “لعل من أبرز هذه الطرق ما يتعلق بمحاولات الإنسان معرفة الوسائل التي تستخدم في توفير الطعام، وكانت عملية اكتشاف الرحى كمطاحن يدوية إنجازاً وتطوراً كبيراً عرفه الإنسان في تلك المرحلة ساعده على تحسين مستوى المعيشة”.

تعكس تقاليد طحن الحبوب أهمية كبيرة في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية، إذ تقول حسنة: “كانت تجمع بين العائلات، وتعتبر فرصة للتواصل والتفاعل الاجتماعي، كما أنها تعتبر جزءًا من الطقوس الزراعية التي تُظهر ارتباط الناس بأرضهم”.

ويقول البكاري: “ظلت هذه الأداة اليدوية تؤدي دورها في المجتمع لعصور عديدة، وأتقن الإنسان استخدامها لدرجة أنها أصبحت تمثل تراثاً إنسانياً يحكي تاريخاً طويلاً من حياة المجتمع، واستمرت حتى ظهور الآلات الحديثة (الطواحين) بفعل ظهور الصناعات الحديثة ما أدى إلى توقف هذه الأداة في عملية طحن الطعام، وإحلال الآلات الحديثة التي وفرت الوقت والجهد”.

يؤكد البكاري أيضاً بأن “غالبية الأسر الريفية لا تزال تعتمد على المطاحن القديمة في ظل وجود محلات تعمل في هذه المهنة، إذ تظل لعملية الطحن اليدوية مدلول ومذاق وقيمة خاصة ربما ستظل لعقود قادمة متوارثة عبر الأجيال”.

مطحن قديم

ويقول محمود عبدالله: “المنازل في الريف أصبحت تستعمل المطحن، ليس لطحن الذرة فقط، وإنما تستخدم لطحن الحناء، والكركم، وغيرها من الأشياء حتى على مستوى طحن أعشاب الأوراق باختلافها وأشكالها، مما يعكس تنوع استخداماتها”.

الطواحين الحديثة

خلال السنوات الماضية تطورت وسائل طحن الحبوب في الريف من أدوات الحجارة إلى مطاحن كهربائية تعمل على الدينمو ومادة الديزل، لكنها تواجه في الوقت الحالي تحديات كبيرة جراء تداعيات الحرب المندلعة في البلاد منذُ عشر سنوات.

بعد عقود من استخدم المطاحن التقليدية تستخدم السيدة حسنة في الوقت الحالي طاحوناً يعمل على مادة الديزل، وتقول: “كانت النساء الريفيات قديماً في اليمن، تستخدم آلة طحن الحبوب على الحجارة والرحى؛ لأنهم لا يمتلكون أدوات أخرى لطحن الحبوب من أجل تجهيز الطعام، بالإضافة إلى تدهور وضعهم الاقتصادي الذي حال دون استخدام الآلات والمعدات”.

“خففت الطواحين الحديثة علينا كثيراً من الجهد والتعب، نعمل لساعات من دون تعب أو جهد، معظم نساء الأرياف لم تعد تستخدم المطاحن القديمة التي كانت تعتمد عليها الأمهات لطحن الحبوب سابقاً”، تضيف حسنة.

وفي ظل عمل النساء في الطواحين الحديثة والأدوار التي لعبتها النساء الريفيات في التنمية قبل وبعد إندلاع الحرب في اليمن، تشير تقارير مجموعة البنك الدولي إلى أن المرأة الريفية تتولى أعمالاً مختلفة مثل جلب المياه والزراعة، وحتى دخْلِ الأسرة في المناطق الريفية.

مصورو ريف اليمن: عيونٌ عاشقةٌ وملهمةٌ توثق الجمال

مصورو ريف اليمن: عيونٌ عاشقةٌ وملهمةٌ توثق الجمال
صور مدمجة من مناطق ريفية في حجة وريمة ولحج

اليمن ليس مجرد تلك المشاهد المحدودة لبعض المعالم الجامدة أو الشوارع المكتظة بالفوضى، والتي عادة ما تُكررها وسائل الإعلام، والتي رسخت ربما صورة نمطية أخفت الصورة الأخرى من ريف اليمن المتنوع وباذخ الجمال.

هنالك ما هو أكثر جمالا وإشراقا في ريفها الساحر والممتلئ بالدهشة في كافة تفاصيله، وذلك يتكشف من خلال ما تنقله عيون عشاق الريف اليمني من الشباب الهواة والمحترفين لفن التصوير وصناعة المحتوى.

في هذا الاستطلاع، تستعرض منصة “ريف اليمن” نماذج مجموعة من تلك التجارب المبدعة في مجال التصوير وصناعة المحتوى التي ركزت اهتمامها في إظهار كل ما له صلة بالريف اليمني على امتداد مساحته الواسعة.

وتتنوع تضاريس ريف اليمن بين سهول ووديان ومرتفعات وجبال شاهقة، ويحاول مصورون وهواة توثيق عادات وتقاليد حياة سكان الريف البسيطة ونقل معاناتهم ومشكلاتهم ومبادراتهم إلى المجتمع اليمني والعالم، وهي مبادرة لافتة.


    مواضيع ذات صلة


وجه معبر عن اليمن الفريد

المصور الفوتوغرافي “حاشد القيدلة”، واحد من الشباب المبدعين الذين تحولت حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي إلى نافذة سياحية مطلة على الريف، يتحدث لـ”ريف اليمن” عن بداية تجربته ودافعه في صناعة المحتوى المرئي، وأسباب اهتمامه بالترويج السياحي للريف اليمني تحديدا.

وقال: “قراري في خوض التجربة جاء نتيجة تراكم قناعة بأهمية تغيير الصورة النمطية السلبية المرسومة عن اليمن كمجرد بلد للحروب والإرهاب والفقر والخراب فقط، وهو ما لمسته بنفسي لدى الكثير من الناس الذين قابلتهم في عدة دول عربية وأجنبية-سمحت لي الفرصة زيارتها- وكان يحز في نفسي أنني لا أملك دليلاً حسيّاً لأقدم لهم اليمن الجميل الذي تراه عيوني، ويسكن حنايا روحي على حقيقته”.

ويضيف: “حينما عدت إلى أرض الوطن من إحدى تلك الزيارات، عزمت بألا أحجز تذكرة سفر مجددا قبل أن أتمكن من تحرير بهاء اليمن المحبوس في عيوني وترجمته ونقله إلى اللغة التي يفهمها كل العالم”.

ويشير صانع المحتوى القيدلة إلى أنه وجد في “الريف بطبيعته الخلابة ومعالمه الأثرية المغمورة وعادات وتقاليد سكانه المتسمة بالأصالة، الوجه المعبر عن فرادة اليمن أرضا وإنسانا، والأجدر بالجميع أن يراه”.

استطاع صانع المحتوى حاشد القيدلة توجيه الأضواء نحو الكثير من المناطق الريفية التي زارها كرحالة؛ ابتداءً من مسقط رأسه في محافظة حجة، مروراً بصنعاء، إب، والحديدة والبيضاء وريمة وغيرها، حتى غدا المحتوى السياحي الذي ينشره عن تلك المناطق يتصدر منصات التواصل الاجتماعي، بل ويفرض حضوره على فضائيات ووسائل إعلام محلية وعربية ودولية.

مصورو ريف اليمن: عيونٌ عاشقةٌ وملهمةٌ توثق الجمال
تجفيف البُن في أسطح المنازل بمنطقة بني عوام حجة شمال اليمن (حاشد القيدله)

شغف وإبداع يتجاوز التحديات

شغف التصوير والطبيعة الريفية ثنائية ملهمة ومحفزة للإبداع، خاصة حينما تجتمع في عيون الشاب الموهوب “يوسف الجبل” (22عاما) الذي يحاول صناعة ذاكرة مرئية بعدسته التي أصبحت مفتاحاً لمعرفة تضاريس وجمال الطبيعة في محافظة ريمة الجبلية، غربي اليمن.

ويحرص الجبل على توثيق مظاهر الحياة من مسقط رأسه في ريمة. ويقول في حديثه لـ”ريف اليمن”، أن ذلك ينبع من “كوني ابن هذه المحافظة الزاخرة بالمناظر الطبيعية، ويختزل أهلها كل معاني الأصالة من كفاح وتعاون وحب للخير، والشاهد في ذلك المبادرات المجتمعية لشق وتعبيد الطرقات التي تنشط حالياً في معظم قراها”.

وأضاف أن “غياب التنمية -وفي مقدمتها شبكة الطرقات عن محافظة ريمة- يعيق وصول الناس إليها والتعرف على تفاصيلها الجميلة عن قرب، ويسهم -مع تهميشها إعلامياً، كما غيرها من المحافظات اليمنية التي يغلب عليها الطابع الريفي- في فرض ما يشبه جداراً من العزلة”.

ويشير الجبل إلى أنه يهدف من خلال أعماله كمصور وصانع محتوى، أن “يسهم في تجسير التواصل بين ريمة ومحبيها في الداخل والخارج”. حيث تمتلئ حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي بالمناظر الساحرة عن ريمة.

وكان للمصورين وصانعيِّ المحتوى المرئي دور مهم في إنجاح المبادرات المجتمعية التي ازدهر نشاطها -سواء في ريمة أو غيرها من محافظات البلد- بشكل لافت خلال سنوات الحرب، حيث تحولوا إلى مراسلين لنقل مستجدات أعمالها والتحديات التي تواجهها والإنجازات التي تحققها للآخرين عبر حساباتهم في مواقع التواصل، بغية حشد الدعم وإشعال الحماس.

ورداً على سؤال “ريف اليمن” عن أبرز الصعوبات التي تواجه عمله، يوضح الفوتوغرافي الجبل: “اضطراري قطع مسافات طويلة قد تصل إلى عشرات الكيلو مترات بغية الوصول إلى بعض المناطق لتوثيق صورة أو مشهد، وعادة ما تفاجئني مخاطر كبيرة في التصوير لا تكون بالحسبان بالذات في المرتفعات الجبلية الشاهقة، فيما يعد العائق الأكبر عدم امتلاكي كاميرا ومعدات تصوير حديثة تسمح بإنتاج أعمال أكثر جودة”.

بالإضافة إلى الصعوبات التي تواجه المصور “يوسف الجبل”، يُجمِع الكثير من المصورين وصانعي المحتوى المرئي في مختلف المناطق الذين تواصلت معهم “ريف اليمن”، أن الظروف التي أفرزتها الحرب -كالأوضاع الاقتصادية والتعقيدات الأمنية المفروضة على التنقل- تُعيق ممارستهم شغفهم وتطويره.

على الرغم من اعتماد صانع المحتوى “الجبل” على استخدام جواله الشخصي كأداة للتصوير فإن احترافه جعل لأعماله زخماً ورواجاً كبيراً في وسائل التواصل. ويأمل مستقبلا أن يقتني كافة الأدوات الحديثة للتصوير الفوتوغرافي، ويتمكن من زيارة كافة المناطق اليمنية التي تشتهر بجمال الطبيعة والمعالم التاريخية الأثرية، والطراز المعماري الفريد.

مصورو ريف اليمن: عيونٌ عاشقةٌ وملهمةٌ توثق الجمال
قرية سحمة وسط طبيعة خضراء بمنطقة بني واقد في مديرية الجعفرية بمحافظة ريمة (يوسف الجبل)

تاريخ مستمر بالتدفق

محاولة إبراز جانب مما تزخر به المناطق الريفية اليمنية من وفرة المناطق السياحية الجذابة والمعالم والشواهد التاريخية، وتنوع فريد في الفلكور الشعبي والطراز المعماري، إحدى أهم الفوائد التي يمكن أن تحسب لتجارب العديد من المصورين وصناع المحتوى من الشباب اليمني.

“عبدربه شنظور” (22 عاماً) أحد المصورين المهتمين بإنتاج محتوى إيجابي، ويتجول بعدسته في مناطق “يافع” الممتدة في 8 مديريات بين محافظتي أبين ولحج (جنوبي اليمن)، ويختزل شغفه في أن كل ما في يافع يحفز على التصوير، ويوثيق الدهشة في لقطة.

يقول عبد ربه “كل ريف يافع دون استثناء له طابع خاص، وفي كل منطقة ما يميزها، سواء من التلال والجبال أو حقول البُن في الوديان المكسوّة بالخضرة، مع ذلك يحافظ أهاليها جميعا على موروث شعبي متقارب كالملبوسات والرقصات الشعبية والأغاني والفنون وغيرها مما يتصل بالأعراف والعادات والتقاليد التي تميز هوية المنطقة”.

ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن”: “في كل زيارة لقرى يافع أكتشف شيء جديد ويحليني إلى مكتشف بدلا من مجرد زائر، وهذا هو السر والجانب الذي أحبه ويجعلني خفيفا وتواقا إلى التصوير”.

ويلفت المصور وصانع المحتوى عبد ربه إلى أن “أبرز ما تنفرد به يافع عن غيرها من الأماكن، يتمثل في طابعها المعماري العبقري الذي شُيِّدت به المنازل والقلاع والحصون في قراها وحواضر سلطناتها القديمة”.

ولعل أحد أسرار جمال ذلك النمط المعماري هو التناغم النابض بالحياة في كافة ملامحه، حيث يمكنك أن تجد في كل طوبة أو جدار من بنيانها تقاسيم بديعة وزاوية مناسبة للتصوير، تتناغم مع بعضها لتولد مشهداً مفعماً بالحياة يمكن له أن يحكي في صورة واحدة من عدسة ثابتة تاريخاً مستمراً بالتدفق.

الحنين إلى الريف

مشاعر الاعتزاز والانتماء والحنين التي تربط اليمني بمسقط رأسه في الريف، بالإضافة إلى جاذبية البيئة الريفية بهوائها النقي وإنسانها البسيط المبتعد عن التكلف، ليست وحدها العوامل الأساسية التي تفسر أسباب تصاعد اهتمام اليمنيين بالمحتوى السياحي والترفيهي عن الريف، بحسب الاستشاري السياحي فاروق العبسي، في حديثه لـ”ريف اليمن”.

مصورو ريف اليمن: عيونٌ عاشقةٌ وملهمةٌ توثق الجمال
جزيرة النوبة في سواحل جنوبي اليمن (عبدربه محمود شنظور)

ويوضح العبسي أن “العامل الأهم والمستجد يكمن في تأثير تداعيات الحرب التي تشهدها البلد منذ عشرة أعوام، حيث فضّل الكثير من اليمنيين- بالذات النازحين- العودة إلى المناطق الريفية كونها الملجأ والموطن الآمن نسبيا والأقل تكلفة اقتصادية، وبدأوا يكتشفون إمكانيات الريف ويعيدون تواصلهم معه من منظور العائد إلى الذات، الذي عادة ما تنتهجه الشعوب في لحظاتها العصيبة”.

العبسي يشير إلى أن مساحة إنتاج المحتوى المهتم بالريف -سواء من الأشخاص أو المؤسسات الإعلامية- ما زال حتى اللحظة غير كافٍ مقارنة بالاحتياج والفرص الموجودة، ويشيد بالتجارب المبدعة التي صنعت فارقا حقيقيا بإعادة تصديرها الريف اليمني إلى مكانه الحقيقي في المتن، بعد فترة طويلة ظل فيها ومعه البلد، في خانة الهامش.

وبرزت المناظر الطبيعية الساحرة لشلالات وعيون المياه الصافية في الوديان، والقرى المعلقة في الجبال، والمرتفعات المتوجة بالغيوم، والغيوم المتصاعدة من مواقد النار في المنازل الريفية والمهاجل والشعبية، المدرجات الزراعية المرتبة كالنقوش، والنقوش التي تشكلها السواعد بالمعاول التي تحاكي ابن الريف اليمني في صلابته، وينفرد بالإرادة والصبر وعدم الانكسار، كل هذا وأكثر وثقته عدسة انعي المحتوى المبدعين من الشباب.

التعليم الجامعي: حلم فتيات الريف الذي لا يتحقق

التعليم الجامعي.. حلم فتيات الأرياف الذي لم يتحقق

تخطت “سحر”، ذو العشرين عاما، كل العراقيل التي تواجه فتاة الريف، وتحول دون مواصلة مشوارها التعليمي بعد الثانوية العامة، وبدأت مشوارها الجامعي في كلية التربية بجامعة “إقليم سبأ” الواقعة بمحافظة مأرب شمالي اليمن.

التحقت سحر بالجامعة خلال العام 2024، وتسكن في مديرية “الوادي” شرق المدينة (35كم)، تقول “سحر” إنها وجدت دعما من عائلتها لاستكمال تعليمها، لكن التنقل من وإلى الجامعة كان تحديا أمام وصولها الى قاعات الدراسة.

التعليم الجامعي حلم لم يتحقق

وجود الحافلات المجانية لنقل الفتيات من الريف إلى الجامعة والعكس مثّل فرصة ذهبية لـ”سحر” لمواصلة تعليمها، مشيرة في حديثها لمنصة “ريف اليمن” إلى أن “وجود هذه الخدمة كان مشجعاً ومحفزاً لي، ودافعاً قوياً لعائلتي في تشجيعي على مواصلة التعليم”.

لكن انقطاع الطريق الواصل بين مأرب المدينة ومديرية حريب جنوبا حرم المئات من الطالبات هناك من التعليم؛ حيث تعذَّر وصول الحافلات إلى المديرية  منذ 2020، بسبب ظروف الحرب، كما أن غياب هذه الخدمة (الباصات المجانية) عن مخيم “السويدا”، والذي يبعد عن الجامعة نحو 18كم، وغيره من المخيمات البعيدة، حرم المئات من الطالبات من مواصلة تعليمهن الجامعي.


      مواضيع ذات صلة


ويقول المركز اليمني للدراسات: “على الرغم من أن عدد الجامعات في اليمن قد ازداد تدريجياً (حيث يوجد الآن حوالي تسع جامعات عامة وثمانية عشر جامعة خاصة، يقع معظمها في العاصمة صنعاء)، فإن التحاق النساء بالتعليم الجامعي لا يزال منخفضًا للغاية. وطبقا لآخر بيانات متوفرة من العام 2011، فقد كان معدل التحاق الإناث بالتعليم العالي 6٪ فقط من إجمالي الإناث الواصلات إلى سن التعليم الجامعي”.

ورغم الأهمية الاستراتيجية لتعليم الفتاة إلا أن التحديات تضاعفت خلال السنوات الأخيرة نتيجة الحرب. تقول الدكتورة بدور الماوري إن التحديات التي تواجه الفتيات والنساء في مواصلة تعليمهن في الأرياف اليمنية كثيرة في ظل الحرب المستمرة والصراع الدائم؛ منها الوضع الاقتصادي المتردي الذي يشكل عائقا أساسيا في التعليم.

وفي حديثها لمنصة “ريف اليمن” أضافت الدكتورة بدور، وهي أستاذ دكتور تعمل نائب رئيس جامعة “إقليم سبأ” أن “توقف أغلب المعلمين والمعلمات بسبب الوضع المعيشي، وارتفاع الرسوم الدراسية، وعدم قدرة الأهل على تحمل الأعباء أدى إلى تدني مستوى التعليم، وأدى ذلك إلى تسرُّب كثير من الفتيات من الجامعات والمدارس”.

وبيّنت أيضاً أن “من التحديات التي تواجه تعليم الفتيات: البعد الجغرافي بين القرى والجامعات، وارتفاع تكاليف الدراسة في المدن، وعدم توفُّر الأمان المالي للأسر نتيجة التدهور الاقتصادي الحاصل في البلاد”.

عادات وتقاليد

ونوهت “الماوري” بأن العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية أدت إلى عدم التحاق الفتيات بالتعليم منها “التفرقة والتمييز بين الأبناء في المعاملة، وتشجيع الذكور ودعمهم، وأن الفتاة مكانها المنزل وتربية الأطفال والقيام بالأعمال المنزلية والزراعية ورعاية كبار السن، وأن تعليمها لا قيمة له”.

من جانبها ترى الطالبة “عبير محمد” (22عاماً) -تدرس مختبرات بجامعة خاصة في محافظة إب وسط اليمن- أن “المشكلة لا تقف عند حدود البُعد المكاني وصعوبة الوصول إلى الجامعة، حيث تشكّل العادات والثقافات القبلية قيوداً أخرى لحرمان الفتيات من التعليم العالي”.

وقالت في حديثها لمنصة “ريف اليمن” إن “الكثير من المجتمعات الريفية ترى أن زواج الفتاة أكثر أهمية من الدراسة التي يعتبرونها إهداراً للوقت وتضييعاً للفتاة، علاوة على مواقفها المتشددة من الاختلاط في قاعات الدراسة”.

وأضافت أن الأمر الأكثر صعوبةً يكمن مع الفتيات القادمات من الأرياف الجبلية البعيدة عن المدن؛ حيث تحتاج الفتاة إلى سكن واستقرار بالقرب من الجامعة وهو ما يضاعف الاحتياج المادي، ويثقل كاهل الأسرة.

يقول المركز اليمني للسياسات إن “الأعراف الدينية والاجتماعية والثقافية والجندرية تعزز بعضها البعض، وتؤثر سلبًا على إمكانية متابعة الإناث للدراسة في مساق التعليم العالي، مما يساهم بشكل مباشر في عدم مشاركة المرأة في أدوار خارج المنزل”.

الفتيات في مخيمات النزوح -والتي تقع معظمها في المناطق الريفية لمحافظة مأرب- يواجهن تحديات مضاعفة أمام مواصلة تعليمهن الجامعي، حيث أثَّر النزوح نفسيا على معظم الأسر النازحة.

تؤكد الدكتورة “بدور الماوري” لمنصة “ريف اليمن” أن النزوح أدى إلى آثار سلبية على نفسية الفتيات الأمر الذي أدى إلى تنامي الإحباط واليأس من التعليم لعدم توفر الاستقرار في الجانب المعيشي والصحي.

تحديات وحلول ممكنة

وعبّر الأستاذ “عبدالسلام كريشان” وكيل مدرسة “الرقل” في مخيم “السويدا” عن أسفه لتنامي ظاهرة توقف الفتيات في المخيم -وغيره من المخيمات- عن مواصلة تعليمهن بعد الثانوية، وغياب الثقافة المشجعة على الذهاب للجامعة.

وفي حديثه لمنصة “ريف اليمن” خلال عمله في المدرسة يقول كريشان: “للأسف هذه الظاهرة موجودة وملموسة في مخيم السويدا وغيره من مخيمات النزوح، ومعظم الأهالي لا يدركون أهمية مواصلة التعليم، والزواج مصير الفتاة بعد الثانوية”.

وعن الأسباب الدافعة إلى ذلك أوضح “كريشان” أن “ضعف الوعي لدى الأهالي، وأجواء المخيمات، والتردي الاقتصادي، وغياب التسهيلات والتشجيع المجتمعي أسباب تدفع الفتيات إلى عدم مواصلة تعليمهن”، موضحاً أن “هناك فتيات يواجهن التحديات، ويواصلن تعليمهن لكنهن أعداد محدودة”.

“وفضلا عن ذلك، فإن معظم الطالبات يدرسن ضمن تخصصات محدودة تحاشيا لبيئات تعليمية يكون فيها اختلاط بين الجنسين، وعلى سبيل المثال، فعندما يتعلق الأمر باختيار التخصص، تفضّل معظم العائلات أن تسجل بناتها في مجال التربية والتعليم؛ وذلك أن عملهن كمعلمات في المستقبل يرجح أن يكون بعيدا عن الاتصال بالرجال”، بحسب المركز اليمني للدراسات.

تشدد الدكتورة “بدور الماوري” على أهمية نشر الوعي المجتمعي، وتعزيز ثقافة الأسر بأهمية تعليم الفتيات وذلك بوضع برامج وخططاً للقضاء على ظاهرة التسرب في صفوف الفتيات، والدفع بهن لمواصلة تعليمهن.

وقالت لمنصة “ريف اليمن” إنه “من الضروري اتخاذ إجراءات فعالة لمعالجة هذه المعوقات من خلال تعزيز الوعي بأهمية التعليم للفتيات، وتوفير الدعم المالي، وتحسين البنية التحتية للتعليم في المناطق الريفية”.

ودعت الدكتورة “الماوري” الحكومة والسلطات المحلية في المحافظات إلى إيجاد مساكن خاصة للفتيات القادمات من الريف إلى المدن لمواصلة تعليمهن الجامعي، مؤكدة أن ذلك هو الحل الأسرع لمساعدة الفتيات.

بدوره طالب “عبد السلام كريشان” بتوفير وسائل نقل مجانية للفتيات في مخيمات النزوح تسهل نقلهن إلى الجامعة والعودة، مؤكدا أن ذلك سيشجع كل الفتيات على الذهاب إلى الجامعة.

بائعات الكراث.. مكافحات يقاومن التمييز المجتمعي

بائعات الكراث.. مكافحات يقاومن التمييز المجتمعي
بائعات الكراث.. مكافحات يقاومن التمييز المجتمعي

تستيقظ السيدة ذكرى محمد، البالغة من العمر 32 عاماً، مع أول خيوط الفجر يومياً لجمع وترتيب نبات الكراث، ثم تتوجه بها إلى السوق لبيعها للمواطنين، وتقضي يومها في العمل الدؤوب حتى تعود إلى منزلها في ساعات العصر، منهيةً يوماً شاقاً مليئاً بالجهد، قليل الأرباح.

والكراث نبات عشبي ينتمي إلى الفصيلة الثومية، ويُعتبر من الخضروات الغنية بالفيتامينات مثل A وB وC وD، بالإضافة إلى أملاح الكالسيوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم والحديد والفوسفور، ويقبل عليه المواطنون اليمنيون في مختلف المحافظات، ويستخدم مع وجبة الغداء بشكل رئيسي لدى معظم الأسر.

بائعات الكراث ومقاومة التمييز

تقول ذكرى، وهي واحدة من بين مئات النساء المهمشات اللاتي يعملن في بيع الكراث لتأمين لقمة العيش: “بدأت في هذه المهنة منذ أن كنت في الثالثة عشرة من عمري، إذ كنت أذهب مع والدي للمزرعة لحصد الكراث صباحا، ونقلها للسوق وبيعها من الظهر حتى وقت العصر أو عندما تنفد الكمية”.

وتضيف ذكرى في حديثها لمنصة “ريف اليمن”: “حاليا الأمر تغير، فأنا أستيقظ مبكراً، وأتجه نحو السوق بدلا من المزرعة، وأصبحنا نشتري من تجار الجملة، ومن ثم نقوم ببيعها بين حرارة الشمس، بدءاً من الصباح وحتى أذان العصر أو عندما نستكمل الكمية”.

ويُقدر عاملون في الاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرا (المهمشين) عدد النساء اللواتي يعملن في بيع الكراث لتأمين لقمة العيش وإعالة أسرهن، بنحو 1280 امرأة، يتوزعن على محافظات عدة، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تخمينية، ومبنية على استنتاج تقديري، بسبب غياب المعلومة الصحيحة.


       مواضيع مقترحة

ورغم الجهد والتعب الذي تبذله ذكرى، إلا أن العائد المالي الذي تكسبه بسيط خلافا عن السابق، إذ تقول: “كان العمل في بيع الكراث قبل الحرب فيه فوائد نوعا ما، رغم أن الأسعار كانت أقل، أما الآن فالأسعار أكثر والفائدة قليلة”، وهذا نتيجة انهيار العملة الوطنية.

وحول تداعيات الحرب على مهنة بيع الكراث تقول السيدة ذكرى: “قبل الحرب كان العمل في بيع الكراث مربحاً، لكن بعد اندلاعها تغيرت الأمور، سابقا كان المواطنون يمنحوننا الأرض ونحن نقوم بزراعتها، أم الآن فهم من يقومون بزراعتها إما بشجرة القات، أو الكراث ووقت الحصاد يقومون ببيع المحصول علينا بالجملة ونحن نقوم ببيعه في الأسواق وندفع أجور الأماكن التي نجلس فيها، وما تبقى نقوم بصرفه على أطفالنا”.

ويوضح عبدالجليل محمد ( 48 عاماً): “كنا نؤجر للمهمشين الأراضي الزراعية وهم يقومون بزراعة الكراث فيها وبيعها في القرى والأسواق لأننا لا نستطيع أن نعمل في هذه المهنة”. ويضيف محمد لمنصة “ريف اليمن”: “لدينا قطعة أرض تقع على مجرى المياه بمديرية المسراخ جنوب تعز، كانت مؤجرة على المهمشين مدة 20 عاما، وكانوا يقومون بزراعتها، لكن مؤخرا تم أخذها منهم من أجل زراعتها بشجرة القات بحثاً عن الربح والدخل السريع”.

والمهمشون فئة اجتماعية تعاني من التهميش والحرمان من حقوقها الأساسية منذ عقود، ويعود ذلك إلى أسباب تاريخية واجتماعية مثل العبودية والتمييز العنصري. وتُقَدر نسبتهم بنحو 12 في المئة من إجمالي سكان اليمن، أي ما يعادل 3 ملايين ونصف، حسب آخر تعداد سكاني في عام 2004، ويتواجدون في مختلف مناطق البلاد، ويتركزون في المناطق الوسطى والجنوبية، القريبة من سواحل البحر العربي والبحر الأحمر.

نظرة دونية

وتواجه السيدة ذكرى ومعها العديد من رفيقاتها تحديات كبيرة بسبب النظرة المجتمعية الدونية تجاههن، وتقول: “نعاني من التمييز بسبب لون بشرتنا، لكننا لا نعبأ بذلك لأننا نبحث عن لقمة العيش بطرق مشروعة”.

وتُعبر الناشطة الحقوقية ريمان حميد عن أسفها لهذه النظرة، مؤكدة أن الفقر وارتفاع نسبة الأمية دفع العديد من النساء المهمشات للعمل في بيع الكراث في الأسواق البعيدة كوسيلة لكسب الرزق.

وأوضحت حميد لمنصة “ريف اليمن”، أن “هذه النظرة سببها تدني الوعي لدى الكثير، بالإضافة للموروث الاجتماعي الممارس ضد النساء المهمشات منذ زمن طويل على الرغم من أن بيع الكراث ليس عيبًا”، مؤكدة أن النساء لديهن طموح لتحسين وضعهن الاقتصادي وتحسن مستوي الدخل إذا أتيحت لهن الفرص في مختلف المجالات”.

يوفقها الرأي الصحفي المهتم بشؤون المهمشين إياد البريهي إذ يقول: “هناك تمييز على المهمشات العاملات في بيع الكراث، ويرجع السبب إلى تهاون الجهات الحكومية في تطبيق القوانين التي تناهض التمييز وعدم تطبيق المساواة على الجميع”.

وأضاف البريهي لمنصة ريف اليمن: “توجد انطباعات مغلوطة وعدم وعي مجتمعي، فهم يتعاملون مع المهمشين باعتبارهم ناقصين” حسب تعبيره، لافتا إلى أن دعم محصول الكراث مغيب تماما عن مشهد الدعم الذي تقدمه بعض المنظمات للمزارعين كونه محصولاً هامشياً في ظل غياب دور وزارة الزراعة.

ويلفت شكيب قائد، (35 عاما) إلى أن مهنة بيع وزراعة الكراث تخصصت في الغالب للمهمشين، ويوضح: “يقوم الرجال باستئجار الأراضي وزراعتها، بينما تتولى النساء حصاد الكراث وتجهيزه وبيعه، وهذه المهنة أصبحت جزءاً من ثقافة النساء المهمشات منذ أجيال”.

ويضيف قائد لمنصة ريف اليمن: “رغم محدودية فوائدها، لكنها مصدر رزق  للمئات من الأسر التي تعتمد عليها لتوفر الاحتياجات الأساسية، والعديد من النساء يقمن بهذه المهنة منذ عقود، ويتواجدن في معظم الأسواق، خاصة في المحافظات الشمالية”.

ابتسامة رغم الألم

ومن دون توقف يكافح هؤلاء النسوة في محاولة للخروج من دائرة الفقر وللتخفيف من المعاناة، كما يسهمن في تعليم أولادهن وبناء مسكن متواضع، ورسم ابتسامة رغم الألم وسط مجتمع لا يزال ينظر لهن نظرة دونية، مكبلة بقيود الموروث الاجتماعي.

ويقول صالح عبده صالح الأمين العام للاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرا (المهمشين) فرع تعز: “رغم الجهود التي تبذلها النساء في بيع الكراث فإنهن لا يحصلن على المال الكافي، وما يكسبنه خلال اليوم كاملا لا يكفي لتوفير احتياجات الأسرة بشكل كامل”.

ويضيف لمنصة ريف اليمن: “تقوم النساء بهذه المهنة منذ زمن، حتى أني عندما كنت صغيراً كنت أرى النساء المهمشات يقمن ببيع الكراث في سوق حبل رأس (بمحافظة الحديدة)، وهي مهنة يتم توارثها رغم محدودية دخلها؛ لكن الحاجة والظروف تجعلهن يعملن لساعات طويلة”.

ويلفت صالح إلى أن بائعات الكراث -ورغم محدودية ما يكسبنه- فإنهن يجبرن على دفع مبلغ من 200 الى 500 ريال لعاقل السوق مقابل المكان الذي يجلسن عليه، دون أن يحصلن على أي خدمة مقابل التحصيل المالي اليومي.

وكانت دراسة مسحية لمجتمع المهمشين في اليمن، أعدّتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وشملت 9200 أسرة (51406 أشخاص)، كشفت عن ارتفاع مستويات الفقر مع انخفاض الإلمام بالقراءة والكتابة والالتحاق بالمدارس. وتشير الدراسة إلى أن الظروف المعيشية للأسرة سيئة للغاية، وتواجه صعوبة في الحصول على الخدمات الاجتماعية الأساسية.

الزراعة المستدامة.. وسيلة فعّالة لمواجهة التحديات المناخية

في ظلّ التحديات المتزايدة التي يواجهها المزارعون اليمنيون، بدءًا بندرة الموارد المائية وارتفاع تكاليف المبيدات والأسمدة، وصولًا إلى التأثيرات المتفاقمة للتغيرات المناخية، تبرز الزراعة المستدامة حلّا ضروريا لتحقيق الأمن الغذائي، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتعزيز الإنتاجية بطرق صديقة للبيئة.

الزراعة المستدامة

وتُصنف اليمن حالياً واحدةً من أكثر الدول المتأثرة بالتغيّر المناخي وأقلها قدرة على مواجهة هذه التغيرات، ومع ذلك يمكن تدارك الوضع بتطبيق أساليب الزراعة المستدامة على أرض الواقع، وقد أثبتت نجاحا لدى كثير من المزارعين باتباع طرق متاحة وغير مكلفة.

وأظهرت السنوات الأخيرة نتائج وأرقاما بيّنت عدم جدوى أساليب الزراعة التقليدية المتوارثة التي يتبعها المزارع اليمني، ولا تعكس الكفاءة المطلوبة في ظل التحديات، ويظهر ذلك جليا مع نهاية مواسم الحصاد، حيث تنتج الأرض أقل من نصف المتوقع، بحسب أقوال المزارعين.


       مواضيع مقترحة

ويمكن للزراعة المستدامة أن تسهم في تحسين معيشة المزارعين وضمان استدامة القطاع الزراعي للأجيال القادمة، وذلك بتبني تقنيات مبتكرة، مثل إدارة الموارد بكفاءة وتنويع المحاصيل واستخدام تقنيات الري الحديثة لتقليل استهلاك المياه، واستخدام السماد العضوي لتغذية التربة والحفاظ على بنيتها.

وقد تأثر القطاع الزراعي في اليمن بشكل كبير، وانخفض إجمالي إنتاج الحبوب بمقدار الثلث، كما انخفضت مساحة زراعة الحبوب في اليمن بنسبة 41‎%، بحسب مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مما يستدعي إيجاد حلول جذرية، وذلك بتبني الزراعة المستدامة، كما يفيد المهندس الزراعي عسكر عزيز.

ويؤكد المهندس عزيز في حديثه لمنصة ريف اليمن قائلا: “الزراعة المستدامة تعد وسيلة فعالة لإحداث تغيير إيجابي في البيئة ومواجهة التحديات المناخية لاعتمادها على أساليب زراعية تقلّل من الأضرار التي تلحق بالكائنات الحية والتربة، وتهدف إلى حماية البيئة والنظم الإيكولوجية وتوفير الظروف المناسبة لتعزيز الإنتاجية الزراعية”.

“كما تعزز الزراعة المستدامة من الإنتاجية والجودة، وتسهم في تقليل الآثار السلبية على البيئة، مع التركيز على زيادة الإنتاج إلى الحد الأقصى من دون التأثير على الموارد الطبيعية”، يضيف عزيز.

أهمية الزراعة المستدامة

تتميز الزراعة المستدامة بالتأسيس الكامل على العلم والتقنية، مما يحقق فرص نجاح أكثر للمحاصيل، وبالنظر للمقومات التي تعتمد عليها الأساليب المستدامة، فهي تضع في المقام الأول توفير المياه عن طريق الخزانات، والقنوات المائية، والري بالتنقيط، بالإضافة إلى اختبار نوع التربة والمحاصيل التي تتناسب معها، مما يعزّز قدرتها على التكيّف مع التغيرات المناخية، وتدعيم النظم البيئية، كما أن تطبيقها بالشكل الصحيح يحقق دخلا عاليا للمزارع، مما يحسن جودة الحياة والوضع الاقتصادي بشكل عام، ويخلق فرص عمل أكثر.

ويشكل العاملون في المجال الزراعي الشريحة الأكبر في البلاد؛ إذ يحتل القطاع الزراعي المرتبة الأولى في استيعاب العمالة، كما يعد أحد دعائم ومرتكزات الاقتصاد الوطني مع مساهمته بنحو 13.7% من إجمالي الناتج المحلي، وفق بيانات المركز الوطني للمعلومات.

المناخ القاسي أجبر الكثير من الناس على التخلي عن أراضيهم والانتقال إلى المدن بحثاً عن سبل عيش أخرى (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)

تتظافر مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية في وجه المزارع اليمني لتحدّ من إنتاج الأرض، وتتمثل هذه العوامل في نقص المعلومات والإرشادات الزراعية الصحيحة، بالإضافة إلى الظروف المناخية المتقلبة والمتمثلة بفترات طويلة من الجفاف، تليها فترات من الأمطار الغزيرة والفيضانات، وما ينجو من موجات الحر القاتلة تجرفه السيول المدمرة.

ويوجه المهندس الزراعي عسكر عزيز عددا من النصائح للمزارعين، منها تجنّب تكرار زراعة محصول واحد طوال العام للمحافظة على جودة التربة الزراعية وتعويض العناصر الغذائية المفقودة، واستخدام بقايا الفواكه سمادا طبيعيا من أجل الحفاظ على التربة من دون اللجوء إلى المواد الكيميائية، وأكد عزيز على ضرورة إزالة الأعشاب الضارة وزراعة الأعشاب العطرية التي تعمل على طرد الحشرات.

وتروي المزارعة هناء محمد تجربتها في تطبيق أساليب الزراعة المستدامة في مديرية شرعب قائلة: “حصلنا على دعم مادي من إحدى الجهات لبناء خزانات لتجميع مياه الأمطار، وبهذه الخطوة تغلبنا على مشكلة الجفاف التي كانت تصيب المحاصيل في فترات انقطاع الأمطار”.

وتضيف لمنصة ريف اليمن: “بدأتُ في البحث عن أساليب مستدامة أخرى لتعزيز الإنتاج، منها الزراعة المستقيمة التي وفرت المساحة، وقد أنتجت الطماطم بكمية أكبر وبجودة مثالية، وذلك بالتسميد الطبيعي ومكافحة الآفات باستخدام مواد طبيعية”.

في ظل انعدام الأمن الغذائي في اليمن، تشكل الزراعة المستدامة حلاً ذا أبعاد مستقبلية واعدة وضرورة قصوى لتحدي التغيرات المناخية، فاليمن تمتلك مساحات زراعية شاسعة وأيادٍ عاملة، وجل ما ينقصها هو الخطط الزراعية المعتمدة على الاستدامة، التي يمكن بها تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل تتعدى ذلك إلى إمكانية التصدير.

ويقول المهندس الزراعي محمد الحزمي: “إن الزراعة المستدامة تحافظ على الموارد الطبيعية والبيئة، وتضمن استمرارية الإنتاج للأجيال القادمة، وبتطبيقها يُحفاظ على الموارد المائية وعلى التربة وتُحسّن جودة المنتجات”.

وأكد على أهمية العمل على تطبيق هذه الزراعة باليمن، خاصة مع التغيرات المناخية وانتشار الملوحة في الأراضي بسبب الاستخدام العشوائي للأسمدة الزراعية، لافتا النظر إلى أهمية التوعية بأهمية هذه الزراعة بشتى الوسائل المتاحة، وإيجاد دعم حكومي في هذا الجانب، وعملية بحث وتطوير من مراكز البحوث الزراعية والجامعات.

جدوى تطبيقها في اليمن

وعن كيفية تطبيق الزراعة المستدامة، يقول الحزمي: “يمكن تلخيص ذلك في عدة نقاط، منها تدوير المخلفات الزراعية والاستفادة من مخلفات الحيوانات بعد تخميرها لمدة ثلاثة إلى أربعة أشهر؛ لأن استخدامها مباشرة يحرق النباتات، كذلك استخدام وسائل الري الحديثة بالتنقيط والرش والري المحوري، وتطبيق الدورة الزراعية، أي عدم زراعة المحصول نفسه لفترة طويلة، بل يجب التنويع”.

مزارع في حضرموت يجمع مخلفات الماشية لإستخدامها كسماد في الآراضي الزراعية (مواقع التواصل)

ومن الخطوات، بحسب المهندس الحزمي، العمل على تطبيق الإدارة المتكاملة لمكافحة الآفات بالطرق الطبيعية الآمنة أو عن طريق استخدام المبيدات بطريقة مقننة جدا، أو زراعة نباتات ثانوية تجذب الآفات إليها أكثر من المحصول الرئيسي، وحماية التربة من الانجراف بسبب السيول والملوحة التي تصيبها بسبب التسميد العشوائي، لافتا النظر إلى أن الزراعة المستدامة تحافظ على الموارد المائية والتربة ومختلف النظم البيئية، وبالتالي تتحسن جودة المنتجات.

ويروي المزارع يحيي ناصر معاناته نتيجة التغيرات المناخية قائلا: “كنتُ في السابق أجني كمية وفيرة من الكشت (أحد أنواع النباتات البقولية) والحبوب، وأخزّن ما يفيض منها للعام القادم، لكن الأوضاع اختلفت بسبب التغيرات المناخية”.

ويضيف لمنصة ريف اليمن: “حاليا أصبح المزارع يعاني من عدة مشاكل، منها الأمطار الغزيرة والسيول التي تأتي في غير وقتها، فتجرف التربة والمحاصيل، بالإضافة للآفات التي أصبح من الصعب مكافحتها، ولكننا لاحظنا اختلافا في هذا العام بعد الاعتماد على مجاري المياه والخزانات في الري واستخدام المحميات، وأصبحت المحاصيل تنتج أكثر من المتوقع، حتى إننا بدأنا بزراعة الكراث والفلفل الحلو”.

وتحظى اليمن باهتمام خاص من المنظمات الدولية، ومع تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية، أبدت بعض الجهات اهتمامًا بالجانب الإنساني وسبل تحسين الحياة بدعم المشاريع الزراعية، مما يعطي بصيص أمل للمزارع اليمني الذي يمتلك أراضٍ خصبة ومصادر مائية قابلة للتطوير، ويزيد من فرص نجاح الزراعة المستدامة.

زراعة فاكهة الخرمش

زراعة فاكهة الخرمش

تُعد فاكهة الخرمش، المعروفة أيضاً بـ”القشطة” من الفواكه الاستوائية التي تتميز بقيمتها الغذائية العالية ونكهتها الفريدة، حيث تنمو هذه الشجرة المعمرة في المناطق ذات المناخ الدافئ والرطب، وتتميز بقشرتها الخارجية الخضراء ولبها الأبيض الكريمي الغني بالسكريات، مما يجعلها خياراً مفضلاً لدى الكثيرين.

في هذا الدليل الإرشادي، تستعرض منصة “ريف اليمن”، معكم خطوات زراعة فاكهة الخرمش والعناية بها لتحقيق إنتاجية مثلى، بناءً على ما أوجزه الخبير الزراعي في المنصة محمد الحزمي.

الظروف المناخية

تنمو أشجار فاكهة الخرمش بشكل أفضل في المناطق الحارة وتحت الاستوائية، وهنا نورد أهم المتطلبات المناخية لهذه الفاكهة:

  • درجة الحرارة: تتراوح بين 18-25 م صيفاً و5-18 م شتاءً.
  • الرطوبة: تفضل فاكهة الخرمش المناطق ذات الرطوبة العالية.
  • الرياح: يجب حماية الأشجار من الرياح القوية التي قد تؤثر على التلقيح وعقد الثمار.
  • الأمطار: تحتاج إلى أمطار معتدلة أو نظام ري مُنظم.
  • الارتفاع عن سطح البحر: تنمو الأشجار بشكل طبيعي على ارتفاع 1200-1400 متر.

التُربة المناسبة لزراعة فاكهة الخرمش

يمكن زراعة الخرمش في أنواع مختلفة من التربة بشرط أن تكون ذات تصريف جيد، حيث تفضل الأشجار التربة المزيجية الخصبة، ولكن يمكن زراعتها أيضًا في التربة الرملية أو الكلسية مع توفير الري والتسميد اللازم، وهنا يجب تجنب زراعة الخرمش في الأراضي الملحية أو تلك التي تعاني من مستوى مائي مرتفع، لأن ذلك قد يتسبب في اختناق الجذور وتعفنها.


      إرشادات ذات صلة

طريقة الزراعة والعناية بشتلات الخرمش

التحضير والتجهيز:

  1. حراثة الأرض وتنظيفها من الحشائش.
  2. تسوية الأرض وتنعيم حبيبات التربة.
  3. حفر حفرة بأبعاد (80-80-80 سم).
  4. إضافة كمية مناسبة من الأسمدة العضوية لتحسين خواص التربة.

زراعة الشتلات:

  • وضع الشتلة في الحفرة.
  • ري الشتلة مباشرة بعد الزراعة.
  • حماية الشتلة من أشعة الشمس الحارقة في الصيف ومن برودة الشتاء في الموسم البارد.
زراعة فاكهة الخرمش
فاكهة خرمش من مزراع يمنية (وسائل التواصل)

طرق إكثار الخرمش

1. الإكثار عن طريق البذور:

  • يمكن إكثار فاكهة الخرمش عبر زراعة البذور مباشرة، وعلى الرغم من أن نسبة الإنبات تكون منخفضة في البداية، إلا أن تخزين البذور لمدة عام يعزز من نسبة الإنبات لتصل إلى حوالي 80%.
  • تنبت بذور الخرمش بعد حوالي 30-40 يوماً، ويعود تأخر الإنبات إلى وجود غلاف سميك يحيط بالبذرة، ولتحسين نسبة الإنبات، يمكن اتباع الإجراءات التالية:
  • تخزين البذور في الثلاجة تحت درجة حرارة 5 درجات مئوية لمدة أسبوع.
  • خدش غلاف البذرة.
  • تنقيع البذور في ماء حار لمدة أسبوع.
  • معاملة البذور بحمض الجبرليك بتركيز 1000 جزء بالمليون لمدة 24 ساعة قبل الزراعة.

ملاحظة: تُزرع البذور في فصل الربيع في المشتل في سطور بمسافة 50-60 سم بين سطر وآخر، وبمسافة 5 سم بين البذور في نفس السطر، ويجب ريها رياً غزيراً بعد الانتهاء من الزراعة.

2. الإكثار الخضري:

  • التطعيم البرعمي: يتم في بداية الربيع أو الخريف، حيث يتم نقل برعم من شجرة إلى أخرى.
  • التطعيم بالرقعة: يتم عن طريق قطع جزء من اللحاء في الشجرة وزرع جزء آخر من شجرة مختلفة عليها.
  • إكثار الأقلام: يتم بأخذ قطع خشبية بطول 13-15 سم وسمك 1-1.5 سم، ويجب معاملتها بهرمونات مشجعة للتجذير مثل الأوكسينات الصناعية.

أهم عمليات الخدمة البستانية:

  • التقليم: يُعد التقليم من العمليات الأساسية التي تؤثر بشكل كبير على إنتاجية الشجرة. الهدف منه هو تحقيق توازن بين النمو الخضري والثمري، مما يعزز من قدرة الشجرة على الإنتاج.
  • الري: تتمتع أشجار الخرمش بقدرة كبيرة على تحمل جفاف التربة والعطش، ومع ذلك، فإن الاهتمام بالري يساهم في زيادة إنتاجية الشجرة من الفاكهة. تختلف كمية الري حسب نوع
  • التربة ودرجة الحرارة. وفي حال تعرض الشجرة للتعطيش، يؤدي ذلك إلى تساقط الثمار، بينما يؤدي الإفراط في الري إلى تعفن الجذور وتساقط الأوراق والأزهار والثمار.
  • التسميد: تختلف كمية السماد التي تحتاجها الشجرة بناءً على عدة عوامل، مثل عمر وحجم الأشجار، مرحلة النمو، نوع وخصوبة التربة، والظروف الجوية المحيطة.
  • الإثمار وإنتاج الفاكهة: تبدأ الشجرة في الإثمار بعد 3-4 سنوات من الزراعة، ويزداد المحصول مع تقدم عمر الشجرة.

اذا تعد زراعة فاكهة الخرمش فرصة جيدة للمزارعين في المناطق اليمنية الاستوائية والدافئة، ومن خلال اتباع الخطوات الصحيحة في الزراعة والرعاية، يمكن تحقيق إنتاجية جيدة من هذه الفاكهة وزيادة العوائد الاقتصادية.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاد بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية:-
فيسبوك .  تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

الماشية بمرمى الإفتراس: مراعي غير آمنه للمزارعين

الماشية بمرمى الإفتراس: مراعي غير آمنه للمزارعين

“ذهبتُ بالأغنام إلى الجبل عصرًا للرعي، وعدتُ إلى المنزل على أن أعود إليها صباحًا مثل كل يوم، ولكن في الصباح التالي، لم أجدها إلا جثثا ملقاة على الأرض، رؤوسها مفصولة عن أجسادها”، بهذه الكلمات المليئة بالحسرة، تحدّثت قَبول مطهّر، خمسينية من ريف تعز الغربي، لريف اليمن، بعد أن فقدت 7 من مواشيها نتيجة انتشار الحيوانات المفترسة في جبال مديرية جبل حَبَشي.

تقول قبول: “باتت الحيوانات المفترسة تشكّل تهديدًا حقيقيًا على الثروة الحيوانية ومواشي المواطنين في قرى المنطقة. أصبحنا نعثر على بقايا أغنام في الجبال الشاهقة. وفي شهر واحد، فقدتُ 7 من المواشي افترسها أحد النمور، وهذه الخسائر ترهق مُلاك المواشي في ظلّ غياب أي حلول جادة لهذه الظاهرة”.

مراعي غير آمنه بريف تعز

وفي السنوات القليلة الماضية تصاعدت شكاوى الأهالي في منطقتي الشراجة والأشروح بمديرية جبل حبشي من حالات افتراس مواشيهم في الجبال من قبل النمور وحيوانات أخرى، مما كبدهم خسائر فادحة، لا سيما أن معظم هؤلاء المواطنين يعتمدون بدرجة أساسية على رعي الأغنام والزراعة مصدرا رئيسيا للرزق.

ولأجل ما سبق، اضطر كثير من الأسر إلى إبقاء مواشيها داخل المنازل بدلًا من إرسالها للرعي في الجبال خوفا من الافتراس، ويقول جسّار محفوظ (40 عاما)، وهو راعي أغنام: “الجبل لم يعد آمنًا، أصبح الرعاة يخشون حتى على حياتهم، الحيوانات المفترسة تنتشر بشكل مقلق، ولا نملك القدرة على مواجهتها”.


      مواضيع ذات صلة

ويضيف لمنصة ريف اليمن: “كان الجبل مصدرًا خصبًا لرعي الأغنام خاصة في موسم الزراعة الذي يُعدّ موسم خير، لكنه الآن يشكل عبئًا كبيرًا على الرعاة، الذين يضطرون لإبقاء الأغنام داخل المنازل ويسعون لتوفير الأعلاف بأنفسهم، وهو أمر صعب خصوصًا لمن يملكون قطعانًا كبيرة”.

خسائر كبيرة في الماشية

إلى جانب قبول، خسر كثير من المواطنين أيضا مواشيهم السائمة في الجبال في ظلّ استمرار هذه الحيوانات المفترسة بالتفشي والتزايد، ويقول راعي الأغنام الثلاثيني حميد مجيد: “منذ سنة تقريباً خسرتُ أكثر من 20 رأسا من الماعز وسط الجبال بسبب الحيوانات المتوحشة”.

وأضاف لمنصة ريف اليمن: “هناك حيوانات، مثل النمر وحيوان آخر يُسمى محليّا (الإصبيب)، تسببت بخسارة كبيرة في صفوف للرعاة الذين يعتمدون على هذه المواشي في معيشتهم”. ويتابع بالقول: “كنا نترك الأغنام ترعى في الجبال بأمان، لكننا الآن مضطرون لحبسها في المنازل خوفا من الحيوانات المفترسة، حتى في موسم الأمطار، مما يزيد من معاناة الرعاة”.

ويشابه حال سالم الشرجبي حال مجيد وقبول، ويقول لـمنصة ريف اليمن: “لم أظن يوما أن قطيع الأغنام سيحرم من الجبل الذي كان سكنا دائما لها يوفر الأعلاف والمياه”، ويشير الشرجبي إلى أنه كان يذهب إلى قطيع أغنامه كل ثلاثة أيام إلى الجبل لكي يتفقّدها فقط، ومن ثم يعود إلى البيت غير آبه بأمرها، لكنه اليوم أصبح لا يترك القطيع يتعدّى تلة جبل قريبة من منزله إلا ويهرع ليعيدها خوفا من المُفترِسات التي جعلت حال السكان خوفا وقلقا”.


يقول راعي الأغنام الثلاثيني حميد مجيد: “منذ سنة تقريباً خسرتُ أكثر من 20 رأسا من الماعز وسط الجبال بسبب الحيوانات المتوحشة”


حاول الأهالي إيجاد حلول تقليدية للحدّ من خطر الحيوانات المفترسة، لكنها لم تحقّق النتائج المرجوة، سعيد أحمد الدخيني، أحد وجهاء المنطقة، أوضح قائلا: “لجأنا إلى وضع السم في جثث المواشي المذبوحة لتقليل خطر هذه الحيوانات، لكن التجربة فشلت، يبدو أن هذه الحيوانات تمتلك حاسة شم قوية تجعلها تتجنب الجثث المسمومة”.

وبحسب بيان أصدرته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة الفاو في 2020، فإن “الثروة الحيوانية توفّر الدخل الرئيسي لأكثر من 3.2 مليون شخص، في جميع أنحاء اليمن، حيث تربي الأسر الأغنام والماعز والماشية، وتعتمد على استهلاك وبيع منتجاتها للبقاء على قيد الحياة”.

مطالب عاجلة 

وجّه أهالي منطقة جبل حَبَشي بريف تعز الغربي مناشدة عاجلة للجهات المعنية ممثلة بوزارة الثروة الحيوانية للتدخل العاجل ووضع حلول جذرية لهذه المشكلة التي تهدّد مصدر رزقهم الرئيسي، لكن لم يتلقّوا أي استجابة.

مدير قطاع الإنتاج الحيواني بمكتب الزراعة في تعز، دماج نصر، أكّد في حديثه لمنصة ريف اليمن أن البلاغات حول اعتداءات الحيوانات المفترسة وخاصة الكلاب المسعورة تتزايد يوميًا، وأضاف: “وسائل المكافحة ضعيفة في ظل الحرب وضعف مؤسسات الدولة، نحاول معالجة القضايا بشكل عاجل، لكن الموارد شحيحة”.

وأشار دماج إلى أن الحيوانات المفترسة، مثل أسود الجبال والنمور، تشكل خطرًا كبيرًا على المواشي، فهي قادرة على مطاردة فرائسها والكمون لها، وقد تهاجم البشر إذا كان الشخص بمنطقة مقفرة بعيدًا عن الأنظار، وقد ينفرد الحيوان المفترس به ويقضي عليه.


أسود الجبال والنمور، تشكل خطرًا كبيرًا على المواشي، فهي قادرة على مطاردة فرائسها والكمون لها، وقد تهاجم البشر إذا كان الشخص بمنطقة مقفرة بعيدًا عن الأنظار


وأكد دماج أن الجهات المختصة ستعمل جاهدة على وضع حلول لهذه المعضلة المقلقة التي يعاني منها أبناء ريف تعز الغربي، والتجاوب مع الأهالي لمكافحة ظاهرة الحيوانات المفترسة في الجبال والمهدّدة للثروة الحيوانية لأبناء الأرياف.

وتشكل الثروة الحيوانية نحو 25 بالمئة من القوى العاملة في الأرياف اليمنية، في حين يستوعب القطاع الزراعي الشريحة الأكبر من الأيادي اليمنية العاملة، وفق بيانات حكومية رسمية. كما توفر الثروة الحيوانية الدخل الرئيسي لأكثر من 3.2 مليون شخص، في جميع أنحاء اليمن، بحسب منظمة الفاو.

وبحسب بيانات وزارة الزراعة في الحكومة المعترف بها دوليا، فقد تراجع حجم الثروة الحيوانية مقارنة بحجمها قبل الحرب والتي كانت تقدر بأكثر من 35 مليون رأس ما بين أغنام وماعز وأبقار وجِمال، بينما يصل حجم الإنتاج الحيواني إلى 570 ألف طن سنوياً من اللحوم الحمراء والبيضاء والألبان، إضافة إلى منتجات البيض والجلود والصوف والعسل.

أرخبيل سقطرى: الجوهرة الطبيعة وثروة اليمن الخفية

جزيرة سقطرى اليمنية تعد من أهم الوجهات السياحية والتي تحظى بتنوع طبيعي نادر وتوصف بأنها الجنة المصغرة على الأرض، وهي من أبرز التحف الطبيعة في البحر العربي وتبعد عن أقرب نقطة في الساحل اليمني بنحو 380كم من رأس فرتك بمحافظة المهرة (شرقي اليمن).

يتكوّن أرخبيل سقطرى من مجموعة من الجزر الفريدة التي تبدو وكأنها درر متناثرة بين البحر والمحيط، هذا الأرخبيل الفريد يقع في أقصى شرق خليج عدن، ممتدّاً في قلب البحر العربي على الطريق البحري نحو شمال غرب المحيط الهندي.

تُعد جزيرة سقطرى، وجهة بيئية فريدة من نوعها، ومقصداً سياحياً عالمياً يتصدّر اهتمامات الباحثين عن التجارب الأصيلة والاستثنائية. ونشطت مؤخرا زيارات السُياح الأجانب والعرب إلى الجزيرة المدرجة في قائمة التراث العالمي الطبيعي لليونسكو في العام 2008.


      مواضيع ذات صلة


سقطرى الأرخبيل النادر

جزيرة سقطرى متنوعة سياحياً في سواحلها الجميلة ووديانها وجبالها الفريدة والتي موطناً لأنواع من الطيور والزواحف والنباتات التي لا توجد في أي مكان آخر على وجه الأرض. بالإضافة إلى موقعها الإستراتيجي حيث شكل أرخبيل سقطرى منظومة بحرية مدهشة ومتداخلة مع مياه المحيط.

وتبرز شجرة دم الأخوين كأحد أندر النباتات المستوطنة في جزيرة سقطرى منذ أقدم العصور، وتعد من ضمن 73% من النباتات والحياة البرية الموجودة في الجزيرة ولا توجد في أي منطقة أخرى بالعالم. وتحتاج الجزيرة إلى مشروع إستراتيجي يهدف إلى جعلها من أهم الوجهات السياحية في العالم.

أرخبيل سقطرى
شجرة دم الأخوين الأكثر إنتشاراً في جزيرة سقطرى (نادي السياحة الروسي)

جغرافيا تُعد جزيرة سقطرى الكبرى جوهرة التاج، أكبر جزر الأرخبيل تليها جزيرة عبد الكوري، ومن ثم جُزر: سمحة، درسه، وصيال. إلى جانب سبعة جزر أصغر حجما عبارة نتوئات صخرية صغيرة وهي (صيره، ردد، عدله، كرشح، صيهر، ذاغن ذتل، وجالص) وتقع في الجهة الغربية والجنوبية الغربية من الجزيرة الأم.

تحتاج سقطرى إلى وضع معايير بيئية صارمة تُنظّم عمليات الإدارة السياحية، بما يضمن استدامة الموارد والحفاظ على الهوية الطبيعية والثقافية لهذا الأرخبيل. وتهدد الممارسات الخاطئة تهدد جزيرة سقطرى على المدى المتوسط والبعيد.

فيما يلي، نستعرض أبرز مقوّمات العرض السياحي الفريد للجزيرة وجزر الأرخبيل، مع تسليط الضوء على ضرورة تطوير السياحة البيئية ضمن إطار قانوني وإداري، يضمن الحفاظ على الموارد وحماية الموروث الثقافي والطبيعي من العبث والاستغلال غير المنظّم.

الكهوف والمغارات: كنوز طبيعية منسيّة

تعد سقطرى إحدى أقدم المستوطنات البشرية في اليمن، حيث لجأ الإنسان القديم إلى الكهوف والمغارات كسكن آمن منذ أزمنة سحيقة. وتزخر سقطرى وسائر جزر الأرخبيل بالعديد من الكهوف والمغارات اللافتة للنظر.

وقد تخصصت البعثة العلمية البلجيكية بدراستها، فتمكنّت حتى الآن من توثيق 52 كهفاً في الجزيرة الأم، بينما ما زالت العشرات الأخرى كامنة في سلسلة جبال حجهر بانتظار من يكتشفها.

  • كهف حوق

ومن بين هذه الكهوف المكتشفة يبرز كهف “حوق” كأهم وأضخم وأجمل كهف في سقطرى، ويقع في منطقة “حالة”. يمكن الوصول بالسيارة إلى منطقة قريبة من الكهف، ثم يتطلب الوصول إلى بوابته مسيراً على الأقدام لمدة ساعة وربع تقريباً.

في داخل هذا الكهف، تتجسد عجائب طبيعية فريدة، إذ يبلغ متوسط ارتفاعه نحو 8 أمتار، وعرضه 700 متر، وطوله الإجمالي نحو 13 كيلومتراً، حيث لم تتوغل البعثة العلمية البلجيكية في داخله سوى لمسافة 3 كيلومترات، قبل أن تتراجع.

وفي تلك المسافة القصيرة، وثّقت البعثة تكوينات كلسية ملونة على شكل ستائر متدلية من السقف وصاعدة من الأرض، تشكّل لوحات طبيعية مذهلة تشبه الثريات المعلّقة والأشجار المتشابكة الفروع، وقد تشكلت عبر آلاف السنين.

يضاف إلى ذلك وجود ينابيع مياه داخلية ومجسّمات طبيعية ورسوم وكتابات تاريخية، ما يجعل زيارة الكهف تجربة فريدة من نوعها. يجذب “حوق” السياح رغم شح الخدمات السياحية الأساسية، مما يؤكّد جاذبية هذه الكهوف وقدرتها على استقطاب مزيد من الزوار عند تحسين بنيتها التحتية.

سائح إحدى الكهوف والمغارات في جزيرة سقطرى، 2019 (نادي السياحة الروسي)
  • مغارات وكهوف أخرى

وبالمثل، نجد في منطقة “ديكسم” كهفاً سياحياً متميزاً يبلغ طوله 7 كيلومترات، وعلى الرغم من افتقار الكهف إلى البنية التحتية، فإنه يملك إمكانات سياحية هائلة.

أما كهف “ديجب” في سهل نوجد جنوب الجزيرة، فما زال مأهولاً بالسكان، إذ يضم ست أسر تعيش بداخله مع توفر الينابيع وستائر كلسية بديعة. ورغم استقبال السكان للزوار في بدايات الكهف، إلا أنّ أعماقه ما زالت مجهولة، تحمل أسراراً لم تكشف بعد. وفي جبال حجهر، تنتشر كهوف صغيرة مأهولة أيضاً.

واشتهر مؤخرا “رجل الكهف” في مديرية قلنسية غرب الجزيرة بمبادة ذاتية للترويج لكهفه، مستعيناً بحكايات وأساطير بحيرة “ديطواح” وشاطئها القريب، ليخلق تجربة سياحية بدائية مثيرة.

هذه المغارات والكهوف تعد كنوز طبيعية منسيّة لا تقتصر قيمتها على جاذبية المشهد الطبيعي، بل يمتد إلى آلاف السنين من التشكّل والتاريخ الجيولوجي والإنساني، وهي بالتالي تحتاج إلى خطط تنمية متوازنة تكفل الحفاظ على مكوناتها الفريدة وتحسين جودة الخدمات السياحية المتاحة.

التنوع البيئي الفريد

يعتبر التنوع البيئي الفريد من مقوّمات العرض السياحي الفريدة التي تؤهل أرخبيل سقطرى ليصبح الوجهة المثالية لعشاق الطبيعة والمغامرة على حدّ سواء. بدءاً من شواطئها ناصعة البياض مروراً بالشلالات العذبة والجبال الشامخة وصولاً إلى غطاء نباتي نادر وكائنات حيّة فريدة.

يعكس غنى سقطرى بالمقوّمات الطبيعية التي لا تزال بحاجة إلى إدارة واعية ومقنّنة، قادرة على وضع الجزيرة في طليعة الوجهات السياحية البيئية العالمية. وتبرز شجرة دم الأخوين كأحد أهم الأشجار النادرة في الجزيرة ويوجد 73% من أنواع النباتات، غير موجودة في أي مناطق أخرى من العالم. بحسب اليونسكو.

وعلاوة على جزيرة سقطرى الأم، يبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه الجزر التابعة لها، مثل جزيرة عبد الكوري، في إثراء التجربة السياحية وتحويل الأرخبيل إلى مختبر طبيعي ومفتوح لاستكشاف التاريخ والجغرافيا والتنوع الحيوي.

هذه الجزر ليست مجرد امتدادات جغرافية عابرة، بل هي قطع متكاملة من فسيفساء التراث الإنساني والطبيعي الذي لا زال بانتظار اكتشافه وتطويره بما يصون قيمته للأجيال القادمة.

  • شواطئ سقطرى.. لوحات كالقطن الأبيض

تمتد سواحل جزيرة سقطرى طويلاً على امتداد البحر، وتنتشر فيها شواطئ من الرمال البيضاء الناصعة التي صقلتها الرياح الموسمية عبر آلاف السنين. هذه الكثبان الرملية الباهرة تبدو من بعيد وكأنها أكوام من القطن الأبيض النقي، خالية من التلوث.

وفي بعض المواقع تزيّنها أشجار النخيل التي تعانق نسيم البحر لتضيف إلى المشهد بعداً استثنائياً من الجمال، وفي وقت غروب الشمس، تُرسم مناظر بديعة تتفرد بها شواطئ سقطرى، ما يجعل هذه الوجهات محطة مفضّلة لممارسة الاستجمام والتأمل.

أحد سواحل جزيرة سقطرى اليمنية الفريدة

تفتح هذه الشواطئ الباب واسعاً أمام أنشطة السياحة الشاطئية والبحرية، حيث يمكن للسائح الاستمتاع برياضات رملية ومائية متنوّعة، من السباحة ورياضة التجديف وركوب الأمواج، وصولاً إلى الغوص بكل أنواعه.

تحت سطح المياه النقية، يكمن عالم حيوي زاخر بألوان الشعاب المرجانية والمرجان، وكذلك السلاحف البحرية الخضراء والسلحفاة الصقرية صغيرة الحجم. وتتميز الحياة البحرية في سقطرى بتنوع كبير، مع تواجد 352 نوعاً من المرجان الباني للشعب، و730 نوعاً من الأسماك الساحلية، و300 نوع من السراطين والكركند والإربيان.

ومن بين أشهر المواقع السياحية المخصصة لهذا الغرض، تبرز محمية ديحمري التي تمثل نقطة جذب رئيسية لهواة الغوص، إذ تتوفر فيها مقومات فريدة مثل تنوع المرجان والأسماك الملونة، ما يجعل تجربة الغوص أشبه برحلة إلى عالم موازٍ زاخر بالجمال.

  • الشلالات وينابيع المياه العذبة

تشتهر سقطرى أيضاً بشلالات وينابيع مياه عذبة متناثرة في مواقع مختلفة من الجزيرة، وتمثّل عنصراً بالغ الأهمية في تنوعها البيئي. لعلّ أبرزها شلال “دنجهن” الذي ينساب من جبل حجهر المطل على مدينة حديبو، حيث يبعد الشلال عن مركز المدينة ستة كيلومترات، ويشكّل مصدراً للمياه العذبة التي تغذي جزءاً كبيراً من المدينة، فيما تتدفق بقية مياهه إلى وادي حديبو وتصُبّ في البحر عند منطقة حولاف.

وتتنوع الشلالات الأخرى لتشمل “كليسهن” في الشرق بمنطقة مومي، و”بربهر” في منطقة قعرة بجنوب نوجد، حيث ينساب الماء بغزارة إلى أحد الوديان قبل أن يتسرّب إلى تجاويف أرضية ويختفي فجأة في ظاهرة طبيعية نادرة.

أما الينابيع، فأغربها ينبوع “حيباق” بالقرب من حديبو، وهو ينبوع يقع في البحر على مسافة نحو 50 متراً من الشاطئ. في حالة الجزر القوية لمياه البحر، تصعد مياه الينبوع العذب كنافورة طبيعية، في مشهد طبيعي مبهر، يعرفه جيداً الصيادون والغواصون، ويشكّل إضافة فريدة لعناصر الجذب السياحي في الجزيرة.

  • سلاسل جبال سقطرى

تُعد جبال سقطرى مصدراً للحياة والمياه العذبة التي تغذي الشلالات، وموطناً للسكان في بعض مناطقها. على رأس هذه السلاسل الجبلية تأتي جبال حجهر، التي تقسم الجزيرة إلى سهل شمالي تتوسطه حديبو، وسهل جنوبي مركزه نوجد.

يبلغ ارتفاع أعلى قمة في حجهر منطقة ماشينج بنحو 1520 متراً فوق سطح البحر وهذا يمنح الجزيرة بيئة جبلية مميزة. كما توجد جبال قولهل في الجنوب الغربي للجزيرة بارتفاع 978 متراً، وجبال فالج في الشرق بارتفاع يصل إلى 640 متراً.

سقطرى
يوجد في سقطرى حوالي 850 نوعاً من النباتات، منها 270 نوعاً لاتتواجد في أي مكان آخر على وجه الأرض

هذه السلاسل الجبلية تشكّل أماكن مثلى لممارسة العديد من الأنشطة السياحية مثل المشي على الأقدام لمسافات طويلة، ورحلات الطيران الشراعي، وتسلق الجبال بالحبال. ويمكن من خلال بناء مشاريع سياحية تصبح هذه الجبال محطات مهمة على خارطة السياحة البيئية والمغامرات في الجزيرة.

  • النباتات النادرة

تضم سقطرى حوالي 850 نوعاً من النباتات، منها 270 نوعاً مستوطنة في الجزيرة ولا تتواجد في أي مكان آخر على وجه الأرض. من بين هذه النباتات الشهيرة شجرة دم الأخوين الأسطورية، التي تمنح الجزيرة سمة استثنائية وتاريخية.

إلى جانب ذلك، توجد أعشاب ونباتات طبية نادرة، ومنها عشرة أنواع مهددة بالانقراض من أصل 18 نوعاً مهددة عالمياً. كما يتوارث أهالي الجزيرة زراعة النخيل منذ القدم، ويوجد الآن أكثر من مليون نخلة تشكّل لوحات طبيعية لغابات جميلة.

في موسم حصاد التمور بشهر يوليو، يترنّم السكان بأغاني تراثية وأهازيج فلكلورية تعكس عمق ارتباطهم بأرضهم ونخيلهم، يمثل هذا الغطاء النباتي ثروة وطنية وإنسانية متجددة، تحتاج إلى حماية وترشيد للاستفادة منها سياحياً وثقافياً بشكل مستدام.

  • قط الزباد السقطري

يعيش قط الزباد السقطري في براري الجزيرة وبين غابات النخيل، وهو حيوان نادر غير مستأنس، أكبر حجماً من القط المنزلي العادي. يتغذى على تمور النخيل ويمتص دم الدجاج البري دون أن يأكل لحمها.

يقوم السكان باصطياده بوضع أشراك داخل أقفاص تحتوي على التمر، ثم يقومون باستخراج مادة الزباد من غدة تقع بين ساقيه الخلفيتين، إمّا بالضغط الشديد أو باستخدام مشرط لفتح الغدة. بعد الحصول على الزباد، يطلق سراح القط فيفرّ إلى غابات النخيل. و

ما إن تنضج الغدة من جديد حتى يعاد اصطياده لاستخراج الزباد، وهي مادة سوداء اللون ذات رائحة طيبة تشبه المسك، تستخدمها النساء في التعطر وعلاج العقم – وهي ثقافة شائعة – ورغم أن هذه الممارسات قد تبدو بدائية، لكنها تعكس جانباً من التراث المحلي في التعامل مع البيئة الطبيعية.

وبإمكان السياحة المنظمة تسليط الضوء على هذه العلاقة الفريدة بين السكان والبيئة، وذلك من خلال تقديم برامج توعوية تُشجع على استخدام أساليب أكثر إنسانية ورفع الوعي بأهمية الحفاظ على هذا الحيوان النادر.

سقطرى
تهاجر 58 نوعاً من الطيور بانتظام إلى جزيرة سقطرى بينها أنواع مهددة بالانقراض
  • الطيور الفريدة

تُعتبر سقطرى ملاذاً طبيعياً للطيور، إذ تضم 291 نوعاً من الطيور، منها 44 نوعاً تتكاثر في الجزيرة، فيما تهاجر 58 نوعاً آخر بانتظام في مواسم معينة من بينها ستة أنواع مهددة بالانقراض.

وتعد مراقبة الطيور نشاطاً سياحياً بيئياً بالغ الأهمية، ومتنامي الشعبية عالمياً ومع ازدياد عدد هواة مراقبة الطيور، ويمكن لسقطرى أن تبرز كوجهة استثنائية في هذا المجال، حيث يجد السائح هنا عروضاً نوعية لا تتوفر في الكثير من أنحاء العالم.

  • الوديان وسياحة المغامرة

تنتشر في سقطرى مجموعة من الوديان التي تنساب بين تضاريس الجزيرة، ويصبّ كل منها في اتجاه مختلف. من أبرزها وادي دي عزرو، الذي يقسم الهضبة الوسطى – المهيمنة على المساحة الكبيرة من الجزيرة – إلى هضبة شرقية وأخرى غربية.

إضافة إلى وادي دير هور، الذي يعدّ أعمق الوديان في الجزيرة، حيث يمكن إدماج هذه الوديان ضمن برامج سياحية للمغامرين، عبر تنظيم رحلات استكشافية للمشي والتصوير، ما يضيف بُعداً آخر لتنوع المقوّمات الطبيعية في سقطرى.

  •  رؤوس والخلجان البحرية وعروض الدلافين

تتميّز سقطرى بوجود عدد من الرؤوس والخلجان البحرية التي تضفي على الخارطة الجغرافية للجزيرة طابعاً مميزاً، حيث تبرز عروض الدلافين كجزء من الجذب السياحي للكثير من زوار الجزيرة.

أهم هذه الرؤوس في جزيرة سقطرى رأس مومي (شرق)، ورأس شوعب (غرب)، أما الخلجان فهي تُستغل أحياناً كمراسي طبيعية للقوارب التي تنقل السياح، وأهمها خليج بندر قلنسية في الغرب، وخليج إرسال في الجنوب.

ضمن البرامج السياحية الحالية، تُعد زيارة رأس مومي لتصوير مشهد التقاء مياه البحر العربي مع المحيط الهندي ساعة الأصيل من أبرز نقاط الجذب. كما يمكن للزوّار الانتقال إلى رأس شوعب والمرتفعات الغربية لمشاهدة عروض الدلافين اليومية، في مشهد لا يمكن نسيانه، يعكس التناغم بين الطبيعة والحياة البحرية.

الدلافين في “رأس شوعب” بجزيرة سقطرى

جزيرة عبد الكوري

لا تقتصر المقوّمات السياحية على جزيرة سقطرى الأم، فجزيرة عبد الكوري تأتي ثانية في الترتيب من حيث المساحة ضمن محافظة أرخبيل سقطرى. تقع جنوب غرب الجزيرة الأم على بعد 110 كم، وتبلغ مساحتها نحو 133 كم²، بطول يصل إلى 36 كم وعرض يبلغ 6 كم في أوسع نقطة.

وتتكون الجزيرة جغرافياً من منطقة شبه صحراوية وسلسلتين من التلال الصخرية، ترتفع إحداهما إلى قمة جبل صالح بارتفاع 743 متراً. والشمال عبارة عن ساحل رملي يحوي ميناءً بحرياً صغيراً، فيما يتكون الجزء الجنوبي من نتوءات صخرية.

في عام 1985م، وصلت بعثة علمية سوفيتية-يمنية إلى جزيرة عبد الكوري، ونفّذت دراسات أنثروبولوجية وثقافية ولغوية وبيئية، أكدت نتائجها أطر الحقائق العلمية التي توصلوا إليها سابقاً في جزيرة سقطرى.

تتميز جزيرة عبد الكوري بتنوع حيوي بري وبحري. وتشير الدراسات إلى وجود 115 نوعاً نباتياً، منها 38 نوعاً مستوطناً، و15 نوعاً لا توجد سوى في هذه الجزيرة. يكثر الغطاء النباتي في جبل صالح، حيث تنمو نباتات “الفرحل” وأشجار دم الأخوين الشهيرة.

أما التنوع الحيوي فيشمل أنواعاً متعددة من الزواحف والطيور، إضافة إلى الثروة الحيوانية التي تمثلها الماعز والأغنام والحمير، المستخدمة في النقل، ما يعكس أسلوب حياة بدائي يعود إلى قرون مضت.

  • السياحية في جزيرة عبد الكوري

زيارة جزيرة عبد الكوري تُعدّ مغامرة من نوع خاص، حيث تكاد تخلو من أبسط الخدمات السياحية، ما يمنحها طابعاً بدائياً يسمح للزائر بالعودة إلى زمن سحيق. هذه الجزيرة تمتلك مقومات سياحية طبيعية وبحرية متكاملة، بالإضافة إلى كهوف ومغارات يمكن استكشافها، ونباتات وحيوانات فريدة، فضلاً عن نمط حياة اجتماعية تمتدّ بجذورها في أعماق الماضي.

إنّ الوصول إلى عبد الكوري ليس مجرد رحلة جغرافية، بل هو انتقال إلى عالم شبه بدائي لم تمسّه الحداثة بشكل كبير، بما يفتح مجالاً واسعاً لسياحة المغامرات والسياحة البيئية المتخصصة في استكشاف البيئات غير المأهولة أو التي لم تطلها أي تعديلات بشرية ملموسة.

ويمكن لهذه الوجهة، مع الوقت والتخطيط، أن تتحوّل إلى مقصد سياحي نادر لمن يبحث عن تجارب فريدة خارج المألوف.

سقطرى
أشجار نادرة في أرخبيل سقطرى

جزيرة صيال

وفي أرخبيل سقطرى توجد أيضاً توجد جزيرة صيال – والتي تسمى أيضا كمال فرعون وتسمى أيضا صيال عبد الكوري أو صيال سقطرى– وتقع إلى الشمال من عبد الكوري على بعد 20 كم تقريباً هذه الجزيرة غير مأهولة ولا تتوافر معلومات كثيرة عنها حتى الآن.

وبسبب أنها غير مأهولة لم يتم اكتشافها إلى الان مما يجعلها لغزاً بحرياً آخر في أرخبيل سقطرى، قد يكشف في المستقبل عن أسرار إضافية تضيف إلى رصيد التنوع الحيوي والبيئي والسياحي في المنطقة.

جزيرة سمحة

جزيرة سمحة هي إحدى الجزر المأهولة التابعة لأرخبيل سقطرى، والذي يقع تحت إدارة محافظة أرخبيل سقطرى. تتميز الجزيرة بمساحتها الصغيرة التي تبلغ حوالي 41 كيلومترًا مربعًا، ما يجعلها واحدة من أصغر الجزر المأهولة في الأرخبيل.

تعد الجزيرة جزءاً من البيئة الطبيعية الفريدة لأرخبيل سقطرى، الذي يشتهر بتنوعه البيئي وثرائه الطبيعي، حيث تحتوي على أنواع نادرة من النباتات والحيوانات النادرة، يعيش سكان الجزيرة حياة بسيطة تعتمد بشكل كبير على الأنشطة التقليدية مثل الصيد والرعي.

جزيرة درسة

جزيرة درسة هي إحدى الجزر غير المأهولة في أرخبيل سقطرى، وتخضع كذلك لإدارة محافظة أرخبيل سقطرى. تبلغ مساحة الجزيرة حوالي 17 كيلومترات مربعة، وتتميز بكونها خالية من السكان.

تعد الجزيرة موطناً لمجموعة من الطيور البحرية والكائنات الفريدة التي تعزز من التنوع البيئي للأرخبيل، وتُعتبر جزيرة درسة وجهة مثالية لاستكشاف الطبيعة البكر، إذ لم تتأثر بالتطور البشري مما يجعلها مكاناً هاماً للحفاظ على البيئة ودراسة الحياة الطبيعية.

بهذا، تتجلى سقطرى وأرخبيلها كمسرح طبيعي يجمع ملامح قلّ نظيرها، ويمزج بين الماضي السحيق وحاضر متأرجح بين التنمية العشوائية والأمل في التخطيط المستدام. إذا نجحت الجهود الحقيقية في صون هذا التراث الطبيعي والإنساني وإدارته بإبداع وحرفيّة، فإن مستقبل السياحة في سقطرى سيكون مشرقاً.

ولن يقتصر الأمر على جذب المزيد من الزوار العالميين فحسب، بل سيمتد ليشمل تحسين مستوى الحياة للسكان المحليين، والحفاظ على الهوية اليمنية الفريدة، وترسيخ مكانة الأرخبيل على خارطة السياحة البيئية الدولية.


المراجع:
– الندوة الدولية العلمية الأولى “سقطرى الحاضر والمستقبل”، جامعة عدن 24-28 مارس 1996م، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، طبعة 1999م، ج1 – ج2 – ج3.
– “سقطرى جزيرة الأساطير” فيتالي ناومكين، ترجمة خيري جعفر الضامن، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، دار الكتب الوطنية، 2015م.
– الهيئة العامة للسياحة – صنعاء، مجلة السياحة، العدد 4، يوليو 1996م.
– مجلة العربي الكويتية، العدد 152، يوليو 1971م.