الخميس, فبراير 19, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 6

مزارعو البصل في مأرب: إيقاف التصدير يضاعف الكساد والخسائر

يعد البصل واحداً من أبرز المحاصيل الزراعية في اليمن، غير أن زراعته تصنف ضمن المحاصيل الحساسة التي تتطلب متابعة دقيقة لحركة السوق وطبيعة التصدير قبل الإقدام على زراعته؛ إذ قد لا يحقق أي عائد اقتصادي في حال تسويقه محليا فقط، ما لم تتوافر فرص تصدير خارجية تضمن امتصاص فائض الإنتاج.

رغم ما يتمتع به البصل من جودة عالية، وتوافر مقومات بيئية مشجعة على زراعته، مثل المناخ والتربة الخصبة في محافظات كمأرب وحضرموت، إلا أن هذه المقومات قد تتحول إلى فخ يستدرج المزارع في حال فشل تسويق المنتج أو تعثر تصديره.

ويتعرض المزارعون لخسائر فادحة قد تجبر بعضهم للتوقف عن الزراعة كليا إذا تعثر التصدير، فيما يضطر آخرون إلى تقليص أو تعليق نشاطهم الزراعي، ويحتاجون بعدها إلى وقت طويل وجهد كبير للتعافي من الصدمة الاقتصادية كما حدث مع عدد من المزارعين في مأرب.


مواضيع مقترحة


خلال العام الماضي، تكبد عدد كبير من المزارعين والتجار خسائر كبيرة جراء كساد محصول البصل، نتيجة توقف التصدير عبر منفذ الوديعة إلى المملكة العربية السعودية، من بين المتضررين، المزارعان “عبدالله شمسان” و”سلطان بن أحمد” في وادي حريب، اللذان شكلت تجربة زراعة البصل لهما نقطة تحول قاسية في مسيرتهما الزراعية.

ويردد اليمنيون مثلا شعبيا قديما يقول: “بع البصل بما حصل”، في إشارة إلى تقلب أسعاره وعدم استقرار الطلب عليه في السوق المحلية، حيث غالبا ما يرتفع العرض في السوق المحلية وينخفض الطلب.

هذا المثل كان يحمل نصيحة تقليدية للمزارعين بضرورة البيع بأي سعر متاح لتجنب الخسارة، غير أن الواقع اليوم تغير، إذ أصبحت زراعة البصل مكلفة جدا؛ ما يجعل بيع المحصول بأسعار متدنية خسارة فادحة لا يمكن للمزارع تحملها، وقد تدفعه في النهاية إلى ترك الزراعة بالكامل.

خسائر وتوقف

يقول سلطان لـ “ريف اليمن”: “زرعت بصلا على مساحة بعرض 70 مترا وطول 130 مترا، وكان سعر الكيس بوزن 26 كيلوجراما يعادل 25 دولارا، وهو ما شجعني على الإقدام على زراعته أملا في تحقيق ربح جيد”.

الصورة تغيرت بالكامل عند الحصاد، كما يوضح سلطان، إذ لم يجد الأسعار التي بنى عليها قراره الزراعي، بسبب توقف تصدير البصل إلى الخارج، ورغم السماح بدخول البصل منتصف العام الماضي، إلا أن الطلب ظل منخفضا جدا، نتيجة فقدان ثقة التجار في استمرارية التصدير، وتعاملهم بحذر مع محصول سريع التلف في ظل زيادة العرض وغياب أي مؤشرات على تحسن الطلب.

مزارعو البصل في مأرب: إيقاف التصدير يضاعف الكساد والخسائر
تعرض العديد من المزارعين لخسائر فادحة وأجبر بعضهم على اعتزال الزراعة كليا (ريف اليمن)

ويضيف: “أنتجت 650 شوالة من البصل بوزن 26 كيلوجراما، ولم أتمكن من بيع سوى 150 كيسا فقط، أي قرابة 3 أطنان و900 كيلوجرام، وبسعر دولار واحد للكيس، وهو ما شكّل خسارة كبيرة بالنسبة لي”.

لم تتوقف الخسارة عند هذا الحد، إذ يوضح سلطان أنه أنفق نحو مليون وثمانمائة ألف ريال على البذور والحرث ومشاريع الري، إضافة إلى مليون وأربعمائة وخمسين ألف ريال في عمليات الغرس والسقي والحصاد والجمع، فضلا عن 325 ألف ريال تكاليف تسويق، بتكلفة إجمالية بلغت 3.580.000 ألف (2200 دولار).

ويتابع: “ما تبقى من المحصول تلف بالكامل، ويقدر بأكثر من 450 سلة، أي ما يعادل نحو 12 طنا من البصل”، مشيرا إلى أنه “نتيجة لهذه الخسارة الفادحة علقت نشاطي الزراعي، ولم تعد لدي القدرة على الاستمرار بعد خسارة كل ما أملك في زراعة البصل وتسويقه وكساده”.

في تجربة مشابهة، قرر المزارع عبدالله شمسان اعتزال زراعة البصل نهائيا، بعد أن خاض تجربته الأولى فيها، وتعرض لخسارة كبيرة نتيجة كساد المحصول وعدم وجود سوق لتصريفه.

يقول شمسان لـ”ريف اليمن”: “شجعتني الأرباح التي حققها بعض المزارعين العام الماضي، وكان الحديث سائدا عن أن زراعة البصل مربحة، فقررت خوض التجربة، لكني منيت بخسارة كبيرة أجبرتني على اعتزال زراعته كليا”.

وأوضح أنه زرع مساحة واسعة من الأرض المجاورة لمنزل أسرته في وادي حريب، مشيرا إلى أن المشروع كلفه مبالغ كبيرة في عمليات الحرث وإنشاء منظومة الري بالتقطير.

مزارعو البصل في مأرب: إيقاف التصدير يضاعف الكساد والخسائرولفت شمسان إلى أنه فشل في عملية الحصاد، ولم يتمكن من إخراجه وجمعه من التربة بالكامل بسبب شحة السيولة المالية لديه، فقد كان يعتقد بأنه سيخرج جزءاً منه ويقوم ببيعه ويدفع بعضا من عائده المالي في عملية حصاد وجمع ما تبقى منه في الحقل.

ويضيف أنه جمع نحو 700 كيس من البصل، ما يعادل قرابة 17 طنا فقط، لكن غياب السوق لذلك المنتج الثمين وكساده في يده، وإغلاق منفذ الوديعة، وزيادة العرض مقابل انخفاض الطلب، أجبره على ترك جزء كبير من المحصول في الحقل دون حصاد، لعدم قدرته على تغطية تكاليف إخراجه.

ويقول بحسرة: “قررت اعتزال الزراعة، وأوقفت نشاطي الزراعي كليا، وإذا كانت الخسارة بهذا الشكل فلن أعود إليها، أما البصل فلن أزرعه إلى الأبد، فقد تلف جزء كبير مما زرعته وبقي جزء آخر في الحقل”.

ما الحلول؟

يرى مكتب الزراعة والري بمحافظة مأرب، أن ما يتعرض له المزارع اليمني من خسائر فادحة نتيجة فشل التسويق والتصدير الذي يقع على عاتق الحكومة، ويرى أنها المسؤول الأول عن تسويق وتصدير ما يزيد عن حاجة المستهلك اليمني من المنتجات الزراعية.

ويقول “أحمد العزعزي” مدير إدارة الإنتاج بالمكتب، لـ”ريف اليمن”، إن إغلاق المنافذ ووقف التصدير الخارجي يؤديان إلى نتائج كارثية على المزارعين، في ظل ارتباط السوق بعاملي العرض والطلب.

العزعزي:إغلاق المنافذ ووقف التصدير الخارجي يؤديان إلى نتائج كارثية على المزارعين (ريف اليمن)

وتابع: “نحن بحاجة إلى دولة تكون مسؤولة عن استقبال منتجات المزارعين ومن ثم هي من تقوم بالتسويق وطالما الوضع كما نعرفه حاليا، الحل عمل جمعيات تعاونية ستكون مهمتها التسويق الخارجي والداخلي”.

ويلفت إلى أن الجمعيات ستخفف على المزارع أسعار المدخلات وستقوم بفتح أسواق جديدة وتقوم بالتنسيق نيابة عنهم لتسويق منتجاتهم والعثور على أسواق لها تحافظ عليهم من الخسارة وكساد منتجهم الزراعي.

ويوضح أن البصل في محافظة مأرب توسع توسعا كبيرا في السنوات الأخيرة وازدادت مساحته الزراعية ويمثل تقريبا 30%من إنتاج الجمهورية اليمنية، لافتا إلى أن مواعيد زراعته تبدأ من شهر فبراير وحتى شهر أغسطس.

ونصح مدير ادارة الانتاج النباتي بمكتب الزراعة والري بمحافظة مأرب، المزارعين بالتوجه ناحية الري الحديث في زراعة البصل كونه يستهلك الكثير من المياه، وفي زراعة المحاصيل الأخرى وذلك حفاظا على المياه وعدم استنزافها.

ونبه العزعزي المزارعين إلى أن  زراعة محصول معين يجب أن يكون في ثلاث فترات مختلفة وبفاصل شهر عن كل مرحلة من أجل أن يحصل على محصول يغطي عن بقية المحاصيل لأن الزراعة في وقت واحد يمكنها أن تقصم ظهر المزارع في حالة كانت الأسعار منخفضة.

طالبات نخلة بتعز.. طريق شاق نحو التعليم الجامعي

في ريف محافظة تعز، تبدأ رحلة التعليم الجامعي للطالبات من طرق جبلية وعرة تختبر صبرهن وإرادتهن للمواصلة، كما هو الحال مع “أبرار عمر”، التي تغادر منزل أسرتها في منطقة نخلة بمديرية شرعب السلام، قبل أن تكتمل خيوط الفجر حاملة حقيبتها الجامعية، لتبدأ رحلة شاقة للكلية تمتد لأكثر من ثلاث ساعات ذهابا وإيابا.

أبرار ورفيقاتها يقطعن مسافات طويلة سيرا على الأقدام، وينتظرن أحيانا أخرى وسيلة نقل قد لا تأتي، وسط طرق جبلية وعرة، تتحول في موسم الأمطار إلى مسارات موحلة؛ ما يجعل الوصول إلى كلية التربية فرع المخلاف، مغامرة محفوفة بالإرهاق والمخاطر.

تقول أبرار وهي طالبة في المستوى الثالث بقسم مساعد طبيب لـ”ريف اليمن”: “نستيقظ قبل الخامسة صباحا كي لا نتأخر عن المحاضرات، وأحيانا لا نجد حافلة، فننتظر لساعات أو نمشي مسافات طويلة، ومع ذلك نضطر للمواصلة حتى لا نفقد حقنا في التعليم”.


مواضيع مقترحة


وتوضح أن كلفة التنقل اليومية ذهابا وإيابا تتراوح بين 2500 و3000 ريال يمني (5 دولارات)، وهو مبلغ يفوق قدرة الكثير من الأسر على تحمله بشكل مستمر، لافتة إلى أن القرى التي تنطلق منها الطالبات تتفاوت مسافاتها ما بين 25 إلى 50 كيلومترا عن مقر الكلية.

خوف وإرهاق

لا تقل رحلة العودة قسوة عن الذهاب، إذ تضطر بعض الطالبات للعودة في ساعات متأخرة عبر طرق مظلمة وغير آمنة، وبحسب الطالبة “سمية العسالي”، تعود الطالبات مشيا على الأقدام، وتضيف: “نشعر بالخوف والإرهاق، فالطرق التي نسلكها غير آمنة، وكثير من زميلاتنا أصبحن يفكرن في ترك الدراسة بسبب الضغط اليومي والخوف المستمر”.

وتؤكد العسالي لـ”ريف اليمن” أن هذه الظروف تنعكس بشكل مباشر على التحصيل العلمي، موضحة أن التأخر عن المحاضرات أو مغادرتها مبكرا أصبح أمرا شائعا، ما يؤثر على مستوى الطالبات ويقلل من اندماجهن في الأنشطة الجامعية.

من داخل الكلية، تتكشف الصورة الأوسع لحجم المشكلة وتأثيرها على انتظام التعليم، إذ يوضح “إبراهيم محمد”، أستاذ في قسم اللغة الإنجليزية، أن الكلية التي تأسست عام 2005 م وفيها أكثر من ستة آلاف طالبة، تنحدر نسبة كبيرة منهن من مناطق ريفية متفرقة وبعيدة في شرعب السلام وشرعب الرونة.

العسالي: نشعر بالخوف والإرهاق، فالطرق التي نسلكها غير آمنة، وكثير من زميلاتنا أصبحن يفكرن في ترك الدراسة (ريف اليمن)

يشير محمد لـ “ريف اليمن”، إلى أن الطالبات يأتين من أكثر من 15 عزلة، من بينها نخلة وسوق الربوع، إضافة إلى طالبات يقطعن مسافات طويلة للوصول إلى الخط الرئيسي في النجدين، في ظل وعورة الطرق وغياب النقل العام، موضحا أنه لا تتوفر حافلات تابعة للكلية أو الجامعة لنقل الطالبات، ويعتمد الجميع على وسائل نقل خاصة وغير منتظمة، وهو تحد حقيقي يؤثر على انتظام العملية التعليمية، خاصة بالنسبة للطالبات، مؤكدا أن العديد من الطالبات انقطعن عن الدراسة بسبب المسافة والأوضاع الاقتصادية.

هذه الصعوبات اليومية ليست طارئة، بل فاقتهما الحرب التي عقدت الأوضاع العامة في البلاد ورفعت أسعار المواصلات، ما جعل بعض الأسر عاجزة عن دفع تكاليف النقل اليومية، كما تؤكد “حليمة أحمد”، أم إحدى الطالبات الدارسات في الكلية.

غياب الدعم الحكومي

تقول حليمة لـ “ريف اليمن”: “الوضع المالي صعب جدا، وأحيانا نضطر للاختيار بين تعليم البنات وشراء احتياجات المنزل الأساسية”، وتشير إلى أن غياب الدعم الحكومي يزيد من احتمالات انقطاع الطالبات عن التعليم، خصوصا من الأسر محدودة الدخل.


د. المخلافي: نحذر من الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على هذه المعاناة وغياب أي دعم نفسي أو مجتمعي يزيد من تعقيد المشكلة


وتشير إلى أن الفتاة الريفية تواجه أكثر من تحد في آن واحد: طرق غير صالحة، وأجور نقل مرتفعة، وغياب أي دعم رسمي يخفف من هذه الأعباء يضع مستقبل تعليم الطالبات على المحك، مشيرة إلى أن وسائل النقل المحدودة تعكس حجم العجز المفروض على الجميع.

يوضح أسامة وهو أحد سائقي الباصات في المنطقة، تأثير الأوضاع الاقتصادية على استمرار تعليم الفتيات، ويقول لـ”ريف اليمن”: “نحاول تغطية مناطق الطالبات، لكن الطرق وعرة، والأسعار مرتفعة، وبعض الأسر لا تستطيع الدفع”.

ويضيف:” نتيجة هذه الأسباب أصبحنا مضطرين لتحديد أولويات النقل حسب القدرة المادية، وأحيانا نتلقى نداءات استغاثة من طالبات، لكن إمكانياتنا محدودة”.

تأثير نفسي واجتماعي

استاذ علم الاجتماع بجامعة تعز، الدكتور “عبدالله المخلافي”، حذّر من الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على هذه المعاناة اليومية، موضحا أن الطالبات يعانين من إرهاق جسدي مستمر نتيجة المشي الطويل أو الانتظار لساعات، إضافة إلى شعور دائم بعدم الأمان بسبب الطرق الخالية.

ويضيف المخلافي لـ “ريف اليمن” أن غياب وسائل النقل المنتظمة يضاعف الضغط النفسي على الطالبات، إذ إن كل يوم يصبح مصدر قلق متواصل، إضافة إلى تأثير ذلك على تحصيلهن الدراسي، وعلاوة على ذلك، يعاني بعضهن من قلة النوم والتوتر المستمر، ما يزيد من المشكلات النفسية على المدى الطويل.

الكلية تأسست عام 2005 م وفيها أكثر من ستة آلاف طالبة، تنحدر نسبة كبيرة منهن من مناطق ريفية متفرقة (ريف اليمن)

يشير المخلافي إلى أن هذا الضغط يمتد ليؤثر على العلاقات الأسرية والاجتماعية للطالبات، إذ قد يؤدي الإحباط إلى الانطواء وصعوبات في التواصل مع الأسرة، مؤكدا أن غياب أي دعم نفسي أو مجتمعي يزيد من تعقيد المشكلة، ما يستدعي تدخلا عاجلا عبر برامج متابعة نفسية واستشارات أسرية وأنشطة مجتمعية تعزز شعور الفتيات بالأمان والانتماء.

أمام هذا الواقع، تبرز مسؤولية الجهات الرسمية عن الطرق والنقل التي تقع على عاتق مكتب النقل والأشغال، الذي أكد مصدر فيه لـ”ريف اليمن” أن المكتب وضع خطة لتحسين الطرق الرئيسية والفرعية التي تؤدي إلى الكلية، تشمل الصيانة وإزالة العوائق.

وقال المصدر إن الطرق المؤدية إلى الكلية تحتاج صيانة عاجلة، وأصبحت غير مؤهلة، منوها بأن المكتب وضع دراسة لإمكانية توفير حافلات مخصصة لنقل الطالبات من القرى البعيدة بما يخفف عنهن المعاناة اليومية ويضمن وصولهن بأمان، إلا أن الأمر يقع على عاتق السلطة المحلية والجهات الحكومية.

حلول ممكنة

ويرى مختصون أن تجاوز الأزمة يتطلب حلولا شاملة لا تقتصر على جانب واحد، وهو ما طرحه الخبير التربوي والمجتمعي الدكتور “عبدالله حمود القاضي”، حيث أكد أن الحل يكمن في نهج متكامل يراعي جميع الجوانب المرتبطة بالتعليم الجامعي للطالبات الريفيات.

وبحسب القاضي فإن الحل يبدأ من توفير نقل منتظم وآمن، وتحسين البنية التحتية للطرق الريفية، وصولا إلى تقديم دعم مالي للأسر محدودة الدخل، وتعزيز التوعية المجتمعية بأهمية تعليم الفتاة وحمايتها من الضغوط النفسية.

القرى التي تنطلق منها الطالبات تتفاوت مسافاتها ما بين 25 إلى 50 كيلومترا عن مقر الكلية(ريف اليمن)

ويلفت إلى أن هذه الإجراءات مجتمعة تساهم في حماية الطالبات نفسيا وجسديا، وأن غياب أي عنصر منها قد يقلل من فعالية الحلول وعدم ضمان استمرار التعليم للفتيات، مشددا على أن تكون الجهود متزامنة ومنسقة بين الجهات المعنية والمجتمع المحلي.

ورغم قسوة المشهد، يواصل كثيرون الرهان على إرادة الفتيات وقدرتهن على الصمود، ويشير الناشط التربوي “خالد الشرعبي” إلى أن طالبات نخلة يواصلن تعليمهن رغم كل الصعوبات، ويظهرن إصرارا لافتا على الوصول إلى الجامعة ومواصلة التعلم.

ويلفت إلى أن هذه الإرادة انعكاس واضح لإيمانهن بأهمية التعليم لمستقبلهن رغم التحديات الاقتصادية والنقل غير المنتظم، مؤكدا أن دعم المجتمع المحلي والجهات الرسمية يبقى ضرورة ملحة لضمان استمرار هذا الصمود، وتحويل رحلة التعليم من معاناة يومية إلى طريق آمن ومستدام.

‹الوكيرة› تقليد ريفي لمواجهة الجفاف في تعز

يعد موسم ‹الوكيرة› في ريف محافظة تعز أحد أهم التقاليد الزراعية والشعبية المتوارثة، إذ يشكل محطة سنوية ينتظرها المزارعون خلال شهري ديسمبر ويناير (كانون الأول وكانون الثاني)، لما يحمله من أهمية اقتصادية ومعيشية في ظل تراجع الغطاء النباتي وشح المراعي الطبيعية.

خلال هذا الموسم، يجري قطف أشجار السدر، المعروفة محليا بـ”العِلْب”، ثم تترك لتجف تحت أشعة الشمس لمدة ثلاثة أيام، تمهيدا لاستخدام أوراقها كأعلاف للمواشي خلال فترات الجفاف وتراجع الغطاء النباتي التي غالبا ما تمتد في المناطق الجبلية والوديان.

تعرف “الوكيرة” محليا بأنها عملية موسمية تشبه حصاد الذرة، تبدأ بقص أشجار السدر وتجفيفها، ثم جمع أوراقها وتخزينها في أماكن مخصصة مثل الطرابيل والجواني، لاستخدامها لاحقا عندما تقل المراعي الطبيعية، لا سيما في البيئات الريفية المعتمدة على تربية المواشي كمصدر دخل أساسي.


مواضيع مقترحة


استعداد مبكر

يقول المزارع “مهيب سعيد الفقيه” إن أعلاف “الوكيرة” تقطف من أشجار السدر خلال شهري ديسمبر ويناير، وهو موسم زراعي يتم فيه جمع أوراق السدر قبل أن يبدأ الجفاف، الذي يؤدي إلى تساقطها من الأشجار.

ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن”: “نقوم كمزارعين بقطف هذه الأعلاف وتخزينها في أماكن مخصصة، لاستخدامها لاحقا كعلف للمواشي، خصوصا في أيام الجفاف، عندما تقل الحشائش في الجبال والوديان”.

يشير الفقيه إلى أن شهري فبراير/شباط ومارس/آذار يعدان من أشد فترات الجفاف؛ ما يدفع المزارعين ومربي المواشي إلى الاعتماد بشكل أساسي على أعلاف “الوكيرة” المخزنة سابقا لإطعام مواشيهم.

‹الوكيرة› تقليد ريفي لمواجهة الجفاف في تعز
امرأة تشارك أسرتها العمل في تجميع السدر بمديرية جبل حبشي غربي تعز (ريف اليمن)

من جانبها، تسلط المزارعة ومربية المواشي “حسناء أحمد النمر” الضوء على الصعوبات التي ترافق هذا الموسم، موضحة أن توقيته يتزامن مع تقلبات جوية حادة، فتقول: “نواجه صعوبات كبيرة خلال موسم الوكيرة، خاصة أنه يأتي في شهري كانون الأول وكانون الثاني، حيث يكون الطقس متقلبا بين الضباب وتقطع الغمام”.

وتلفت إلى أنهم يتمكنون في بعض الأيام من قطف أشجار السدر عندما يكون الجو صافيا، لكن في اليوم التالي يتفاجأون بتشكل الغيوم وهطول الأمطار الخفية، التي يسميها المزارعون بـ”الهثيم”؛ ما يؤخر عملية التجفيف بسبب غياب الشمس”.

وتضيف حسناء أن هذه التقلبات الجوية تتسبب بمعاناة إضافية على المزارعين ورعاة المواشي، مؤكدة أن الموسم يمثل مصدرا رئيسيا لتأمين أعلاف الأغنام والماعز والأبقار خلال فترات الجفاف.

فوائد متعددة

لا تقتصر أهمية موسم الوكيرة على توفير الأعلاف فقط، بل تمتد إلى فوائد زراعية وبيئية متعددة، ويقول المزارع “عوض حاجب” من ريف تعز إن قطف أشجار السدر خلال هذا الموسم يساعد في حماية الأشجار من الإصابة بدودة القحطة، كما يسميها المزارعون.

ويشرح أن عملية القطف تنتج عدة استخدامات؛ إذ يستخدم “السدف” كحطب، بينما تستغل الأغصان المليئة بالأشواك في حماية أحواش المزارع وأسقف المنازل القديمة، أما “القُصع”، فهو عبارة عن حضيرة (مجموعة من العصي) تستخدم في ربط أجزاء الخشب ببعضها داخل المنازل القديمة، ما يعكس أهمية شجرة السدر ليس فقط كعلف، بل كمورد متعدد الاستخدامات في الحياة الريفية.

"الوكيرة"تقليد ريفي لمواجهة الجفاف في تعز
يتم قطف أشجار السدر وتركها تجف تمهيدا لاستخدام أوراقها كأعلاف للمواشي خلال الجفاف (ريف اليمن)

بدوره، يستعيد المزارع “أحمد نعمان” تجربة الماضي، قائلاً: “كنا سابقا نعتمد على أعلاف الوكيرة وحشائش الجبال التي نقطفها خلال موسم الأمطار، ونربطها على شكل حزم ونخزنها لأيام الجفاف، لكن اليوم أصبح الوضع مختلفاً”.

ويضيف “: التغيرات المناخية وهطول الأمطار الغزيرة أدت إلى جرف المدرجات الزراعية، وجعلت الجبال أكثر وعورة وخطورة؛ ما صعب على المزارعين الوصول إليها لجمع الحشائش، ودفعهم للاعتماد بشكل أكبر على تجفيف أوراق السدر كحل عملي لمواجهة الجفاف”.

خبرة متوارثة

من جانبه، يؤكد الخبير الزراعي “محمد الراجحي” أن تربية الحيوانات تعد من أقدم المهن التي مارسها الإنسان اليمني، مشيرا إلى أن طبيعة البلاد الجافة وشبه الجافة تؤثر بشكل مباشر على توفر المراعي، التي تتوسع أو تتقلص تبعا لمواسم الأمطار.

ويوضح الراجحي أن المزارع اليمني بفضل خبرته الطويلة واحتكاكه المباشر بالطبيعة، ابتكر حلولا عملية للتغلب على نقص المراعي، من أبرزها حفظ الأعلاف خلال مواسم الوفرة، مشيرا إلى أن تقطيع أوراق أشجار السدر خلال شهري كانون الأول وكانون الثاني يعد التوقيت الأمثل.

"الوكيرة"تقليد ريفي لمواجهة الجفاف في تعز
لا يقتصر موسم الوكيرة على كونه نشاطا زراعيا فحسب، بل يحمل بعدا اجتماعيا وموروثا ثقافيا راسخا (ريف اليمن)

وينوه الراجحي إلى أن الشجرة خلال هذين الشهرين تكون في طور السكون؛ ما يعني توقف النمو واكتمال نضج الأوراق، وبالتالي زيادة محتواها من المادة الجافة عند تجفيفها وتخزينها لاستخدامها لاحقًا كعلف للحيوانات.

ولا يقتصر موسم الوكيرة على كونه نشاطا زراعيا فحسب، بل يحمل بعدا اجتماعيا وموروثا ثقافيا راسخا في الذاكرة الريفية. ويتحول قطف الوكيرة في كثير من المناطق إلى عمل جماعي يتعاون فيه المزارعون، ويتبادلون المنافع، ويخرجون لمساعدة بعضهم البعض خلال الموسم.

ويشارك في هذا النشاط الرجال والنساء والأطفال، في مشهد يعزز روح التعاون، ويخلق بيئة تعليمية تنتقل فيها المعرفة الزراعية من الآباء إلى الأبناء، بما يسهم في حفظ العادات والتقاليد المتوارثة جيلًا بعد جيل، ويجعل من موسم الوكيرة أكثر من مجرد عمل موسمي، بل ذاكرة حيّة في مواجهة الجفاف.

السكون الشتوي وساعات البرودة للأشجار متساقطة الأوراق

السكون الشتوي وساعات البرودة للأشجار متساقطة الأوراق

مع دخول فصل الشتاء، ينصبّ اهتمام كثير من المزارعين على عمليات الري والتسميد، بينما يُغفل عامل فسيولوجي بالغ الأهمية لنجاح الأشجار المثمرة، يتمثل في السكون الشتوي وساعات البرودة، حيث يُعد هذا العامل حجر الأساس لانطلاقة قوية في الربيع، وتزهير منتظم، وإنتاج وفير، خصوصاً في الأشجار متساقطة الأوراق التي تعتمد دورتها الإنتاجية على استيفاء احتياجها من البرودة.

في هذه المادة الإرشادية التي أعدها الدكتور مختار الخامري والمهندس محمد الحزمي، تستعرض منصة ريف اليمن بصورة مبسطة وعملية المفاهيم الأساسية المرتبطة بالأشجار متساقطة الأوراق، والسكون الشتوي، وساعات البرودة، مع توضيح أهميتها في تحسين التزهير والإنتاج، وتسليط الضوء على أبرز الإشكالات التي يواجهها المزارع اليمني في البيئات قليلة البرودة، إلى جانب تقديم جملة من الإرشادات والتوصيات الزراعية التي تساعد على اتخاذ قرارات صحيحة في اختيار الأصناف، وإدارة الأشجار خلال فصل الشتاء، بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج الزراعي والتكيف مع الخصوصية المناخية لليمن.

ما هي الأشجار متساقطة الأوراق؟

هي الأشجار التي تفقد أوراقها كلياً أو جزئياً خلال فصل الشتاء كتكيف طبيعي مع انخفاض درجات الحرارة، ومن أبرز الأنواع المزروعة في اليمن:
– الفِرسك( الخوخ).
– اللوز.
– المشمش(البرقوق).
– التفاح.
– الكمثرى (العنبرود).
– الكرز.
ـ العنب
ـ الرمان


مواد ذات صلة

– إرشادات وقائية لمواجهة موجات البرد القارس
– طرق تخفف آثار الصقيع (الضريب) على الزراعة
– هل الطماطم خضاراً أم فاكهة؟


السكون الشتوي – مفهومه وأهم عملياته

السكون الشتوي مرحلة فسيولوجية تمر بها الأشجار غالباً خلال أشهر نوفمبر وديسمبر ويناير، تهدأ خلالها النموات الخضرية، وتُجرى عمليات حيوية دقيقة، أبرزها:
الاسترجاع الغذائي: حيث تستعيد الشجرة المواد الكربوهيدراتية والعناصر الغذائية من الأوراق وتخزنها في الجذور والساق قبل تساقطها.
تكوين منطقة الانفصال: وهي طبقة فلينية (كلسية) تتشكل عند عنق الورقة، تعمل على فصل الورقة بأمان، ومنع دخول الآفات والأمراض، وغلق الأوعية الناقلة (اللحاء والخشب) بصورة محكمة.
سكون البراعم مؤقتاً: تدخل البراعم في حالة استعداد للتزهير مع تحسن الظروف في الربيع.
ملاحظة: لا يتوقف النشاط الحيوي للشجرة كلياً خلال السكون، إذ يستمر نشاط الجذور بدرجة محدودة عند توفر رطوبة التربة.

ما هي ساعات البرودة؟

ساعات البرودة هي عدد الساعات التي تتعرض فيها الأشجار لدرجات حرارة منخفضة تتراوح غالباً بين 0 و7 درجات مئوية خلال فترة السكون، وهي ضرورية لكسر سكون البراعم الزهرية والورقية.

وفي الظروف المناخية اليمنية، يتراوح الاحتياج التقريبي لمعظم الأصناف بين 250 و400 ساعة، ويختلف ذلك بحسب نوع الشجرة، الصنف، والارتفاع عن سطح البحر.

أهمية ساعات البرودة

تلعب ساعات البرودة دوراً محورياً في:
– كسر سكون البراعم بشكل منتظم.
– تحقيق تزهير قوي ومتجانس.
– تحسين عقد الثمار ورفع الإنتاجية.
– زيادة حجم الثمار وتحسين لونها وصفاتها.
– توحيد موعد النضج وتقليل تكاليف الحصاد.

آثار نقص ساعات البرودة

عند عدم استيفاء الاحتياج الكافي من البرودة، تظهر مشكلات إنتاجية واضحة، من أبرزها:
– تزهير ضعيف أو غير منتظم، أو تأخره.
– تساقط نسبة كبيرة من الأزهار والعقد الصغيرة.
– صغر حجم الثمار وتشوهها.
– انخفاض ملحوظ في الإنتاج الكلي للمزرعة.

أهم الأعمال الزراعية خلال فصل الشتاء

لضمان استفادة الأشجار من فترة السكون، يُنصح المزارع اليمني بما يلي:
– التقليم الشتوي المعتدل، مع إزالة الأفرع الجافة والمصابة والمتشابكة لتحسين التهوية.
– إضافة السماد العضوي (البلدي) المتخمر لتحسين بناء التربة.
– إضافة الأسمدة الفوسفاتية لتعزيز نمو الجذور.
– إضافة الأسمدة البوتاسية لزيادة مقاومة البرودة وتحسين جودة الثمار.
– الرش بالزيت الشتوي المعدني لمكافحة الحشرات القشرية والبيوض الشتوية.

الاحتياج التقريبي لساعات البرودة لبعض الأشجار

(قد يختلف حسب الصنف والبيئة):

– التفاح:
أصناف مرتفعة الاحتياج: 800–1200 ساعة.
أصناف منخفضة الاحتياج (أنسب لليمن): 400–600 ساعة.
– اللوز: 250–600 ساعة.
– الخوخ: 400–900 ساعة.
– الكرز: 700–1200 ساعة (يناسب المرتفعات الباردة فقط).

كيف يتعامل المزارع مع نقص البرودة؟

في المناطق الدافئة أو المواسم قليلة البرودة، يُنصح بـ:
– اختيار الأصناف منخفضة الاحتياج لساعات البرودة.
– عدم المبالغة في التقليم الشتوي.
– تحسين التهوية داخل تاج الشجرة.
– الاستمرار في استخدام الرش الزيتي الشتوي.
– تنظيم الري قبل وبعد مرحلة التزهير.

السكون الشتوي وساعات البرودة للأشجار متساقطة الأوراق
السكون الشتوي مرحلة فسيولوجية تمر بها الأشجار غالباً خلال أشهر نوفمبر وديسمبر ويناير، تهدأ خلالها النموات الخضرية

ملاحظات خاصة بالبيئة اليمنية

تشير البيانات المناخية إلى أن معظم المناطق الزراعية في اليمن لا تتجاوز فيها ساعات البرودة 200 ساعة، كما أن درجات الحرارة دون الصفر المئوي نادرة. وعليه، ينبغي مراعاة هذا العامل عند استقدام أصناف جديدة من الخارج، أو نقل زراعة الأشجار بين محافظات ذات مناخات مختلفة.

كما أسهمت التغيرات المناخية والاحتباس الحراري في ظهور ظواهر غير معتادة، من بينها نجاح زراعة بعض الأشجار متساقطة الأوراق على ارتفاعات أقل (500–1000 متر) بعد أن كانت تنجح فقط فوق 2000 متر، ما يفرض إعادة النظر في التخطيط الزراعي المستقبلي واختيار الأصناف بما يتلاءم مع الواقع المناخي المتغير.

مما سبق وجدنا أن فهم السكون الشتوي وساعات البرودة لم يعد مسألة نظرية، بل ضرورة عملية لنجاح زراعة الأشجار متساقطة الأوراق في اليمن، إذ ينعكس مباشرة على انتظام التزهير وجودة الإنتاج وحجمه.

كما يتضح أن مواءمة الأصناف والممارسات الزراعية مع الواقع المناخي المحلي، في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، تمثل المدخل الأهم لتعزيز استدامة الإنتاج الزراعي وتقليل المخاطر، وتمكين المزارع من تحقيق أفضل عائد ممكن بإمكانات متاحة وتخطيط مدروس.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

‹العسل الوصابي› منتج فاخر يكافح للبقاء

يعد ‹العسل الوصابي› واحدا من أثمن أنواع العسل اليمني وأكثرها جودة، مستفيدا من طبيعة وصاب الجبلية الخصبة ومناخها المعتدل، الذي ينعكس مباشرة على وفرة المرعى ونقاء المنتج؛ ما أكسبه شهرة واسعة محليا وخارجيا، لا سيما في دول الخليج.

تبدأ رحلة إنتاج السدر الوصابي بمحافظة ذمار مع تفتح أزهار السدر في نوفمبر من كل عام، وهو الموسم المعروف محليا بـ”موسم الفشع”، ومع حلول يوم 11 نوفمبر يبدأ النحالون بجني العسل بعد أسابيع من المراقبة الدقيقة للنحل وتنقيله بين المراعي، في فترة تبلغ فيها أزهار السدر ذروة عطائها؛ ما يمنح العسل خصائصه الفريدة من حيث الكثافة والطعم والرائحة.

رغم المشقة الكبيرة التي ترافق هذه العملية، إلا أن العائد غالبا ما يكون مجزيا؛ إذ يتراوح سعر جالون عسل السدر الوصابي (5 لترات) من الدرجة الأولى بين 200 و300 ألف ريال يمني (سعر الدولار 530 ريالاً) وهو ما يعكس قيمته العلاجية وندرته، إلى جانب الطلب المرتفع عليه، خاصة في أسواق السعودية ودول الخليج.


مواضيع مقترحة


لا يقتصر إنتاج العسل في وصاب على موسم السدر وحده، بل تسبقه رحلة ترحال شاقة يخوضها النحالون بحثا عن المرعى الأفضل، فخلايا النحل تنقل من منطقة إلى أخرى وفق التوقيت الزراعي ومواسم الإزهار، في سباق مستمر مع الطبيعة.

يقول “محمد عبدالله (38 عامًا)”، وهو أحد نحالي وصاب، في حديثه لـ”ريف اليمن”: “نبدأ غالبا بالنزول إلى تهامة في مواسم معينة، لأن النباتات هناك تتفتح مبكرًا وتوفر مرعى جيدا للنحل، نتحرك قبل موسم السدر بأشهر لتقوية النحل، وبعد انتهاء مرعى تهامة نعود إلى وصاب قبل بداية الفشع مباشرة، لأن السدر الوصابي هو الهدف الأساسي الذي ننتظره طوال العام”.

ويضيف أن التنقل بين المناطق ليس بالأمر السهل، خصوصا في ظل وعورة الطرق الجبلية، مشيرا إلى أن ملاحقة المرعى ضرورة لا غنى عنها، لأن ضعف المرعى يعني ضعف النحل وتراجع الإنتاج.

تمثل تهامة محطة رئيسية في دورة إنتاج العسل؛ إذ يعتمد عليها النحالون في بناء قوة خلاياهم قبل العودة إلى وصاب، ويوضح “علي يوسف”، أحد ملاك النحل في وصاب، أن غالبية النحالين من وصاب العالي والسافل ينزلون إلى تهامة قبل موسم السدر بفترة طويلة، ثم يعودون مع بداية الفشع.

ويقول لـ”ريف اليمن”: “في موسم الفشع تعود كل الخلايا إلى وصاب، وحتى نحالون من مناطق أخرى يأتون إلينا لأنهم يعرفون قيمة هذا الموسم. يوم 11/11 بالنسبة لنا موسم رزق لا يمكن التفريط فيه”.

يصف علي يوسف مشهد الإزهار بقوله إن أشجار السدر تكون مغطاة بالزهور الصفراء “كأنها مرشوشة بالعسل”، مشيرا إلى أن هذه الفترة حساسة جدا، حيث يمنع خلالها إزعاج الخلايا أو نقلها حفاظا على جودة الإنتاج.

تستقبل منطقة وصاب خلال هذه الفترة نحالين من محافظات عدة، أبرزها ريمة، وإب، للاستفادة من جودة السدر وارتفاع نسبة العسل فيه مقارنة بمناطق أخرى، ويشير سكان محليون إلى أن حركة النحالين تعد واحدة من الظواهر السنوية التي تشاهد بوضوح في المنطقة؟

ويؤكد “عبدالله المرشد”، وهو نحال قادم من مديرية الزيدية في الحديدة، أنه اعتاد منذ سنوات نقل خلاياه إلى عزلة الأجراف في وصاب خلال موسم الفشع، رغم مشقة الطريق وصعوبة التضاريس.

ويقول لـ”ريف اليمن”: “وصاب مختلفة عن أي منطقة نعمل فيها، العسل هنا ثقيل، رائحته قوية، والنحل يعمل طوال اليوم وكأنه يدرك أن الموسم قصير ويجب استغلال كل دقيقة”.

ويلفت المرشد إلى أن مشقة النقل والمخاطر لا تثني النحالين عن العودة كل عام، لأن الإنتاج يعوض كل شيء، مؤكدًا أن وصاب أصبحت بمثابة محطة سنوية للنحالين من مختلف المناطق.

يقول مع ابتسامة تعبّر عن مزيج من الرضا والتحدي: “إحنا نقطع المسافات على أمل موسم ناجح، ولما نشوف أول قطرة عسل في القَرعة نعرف إن كل التعب كان يستاهل”.


رغم السمعة الواسعة لا يخلو طريق عسل السدر الوصابي من المشقة؛ إذ يواجه النحالون جملة من التحديات التي تؤثر على حجم الإنتاج وجودته


يمثل عسل السدر الوصابي جزءا أصيلا من هوية وصاب، وارتبط اسمه بسمعة أهل المنطقة وإتقانهم لمهنة تربية النحل، التي توارثوها جيلا بعد جيل، كما يشكل هذا المنتج موردا اقتصاديا مهما لعشرات الأسر، في ظل الظروف المعيشية الصعبة.

ورغم السمعة الواسعة، لا يخلو طريق عسل السدر الوصابي من المشقة؛ إذ يواجه النحالون في وصاب جملة من التحديات المتراكمة التي باتت تهدد استمرارية المهنة، وتؤثر بشكل مباشر على حجم الإنتاج وجودته، فخلف هذا المنتج الفاخر، تختبئ معاناة يومية يعيشها النحالون بين تقلبات الطبيعة وضغوط الواقع الاقتصادي.

يوضح النحال “عبدالحميد الصالحي” أن مواسم السدر لم تعد كما كانت سابقا، مشيرا إلى تأخر الإزهار أحيانا وضعفه في أحيان أخرى بسبب قلة الأمطار أو تغير درجات الحرارة؛ ما ينعكس على كمية العسل وجودته.

ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن”: “كنا نعرف مواسم السدر بدقة، متى تفتح ومتى تنتهي، اليوم تغير كل شيء، أحيانا يتأخر الفشع، وأحيانا يضعف الإزهار بسبب قلة الأمطار أو تغير درجات الحرارة، وهذا ينعكس مباشرة على كمية العسل وجودته”.

ويشير الصالحي إلى أن الحرب فاقمت من صعوبة العمل، ليس فقط من خلال ارتفاع تكاليف النقل والوقود، بل أيضا بسبب تدهور البنية التحتية، وصعوبة الوصول إلى بعض مناطق المرعى، ويقول: “نقل النحل أصبح مغامرة حقيقية، الطرق متضررة، وأحيانًا نضطر لترك المرعى الجيد لأن الوصول له صار مكلف أو خطر، هذا كله يخلي النحال يتحمل خسائر كبيرة”.

ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ يشكو النحالون من انتشار أمراض وآفات تصيب النحل، في ظل غياب الإرشاد الزراعي، ويوضح الصالحي بالقول: “الأمراض تصيب النحل، والنحال اليوم يعتمد على خبرته فقط، ما في دعم ولا إرشاد، وإذا خسر النحال خلاياه، يخسر رأس ماله بالكامل”.

من جانبه، يرى المهتم بالشأن الاقتصادي “رياض العُمري” أن “عسل السدر الوصابي يمثل موردا اقتصاديا مهما للاقتصاد المحلي، إلا أنه يؤكد أن هذا المورد لا يزال غير مستغل بالشكل المطلوب والنحالون يعملون بشكل فردي، دون إطار مؤسسي يحمي المنتج من الغش أو يفتح له أسواق تصدير منظمة”.

ويضيف العُمري أن الحرب أدت إلى إضعاف سلاسل التسويق والتصدير؛ ما جعل النحالين يعتمدون على تجار وسطاء يفرضون أسعارا غير عادلة أحيانا، ويقول: “في ظل غياب التنظيم، يخسر النحال جزءا كبيرا من القيمة الحقيقية للعسل، بينما المستفيد الأكبر هو الوسيط، لو وجدت جمعيات نحالين أو علامات تجارية محمية، لتغيّرت المعادلة”.

ويشير العمري إلى أن التغيرات المناخية تمثل تهديدا طويل الأمد، للأمن الغذائي عموما، مؤكدا أن الحفاظ على هذا المنتج يتطلب تدخلا زراعيا واقتصاديا متكاملا، يبدأ بدعم النحالين بالتدريب، وتحسين طرق الإنتاج، وتنتهي بفتح قنوات تسويق خارجية تضمن استدامة المهنة.

إرشادات وقائية لمواجهة موجات البرد القارس

إرشادات وقائية لمواجهة موجات البرد القارس
إرشادات وقائية لمواجهة موجات البرد القارس

في ظل موجات البرد القارس التي تشهدها اليمن وما يرافقها من تفاقم لمعاناة المواطنين لا سيما في المناطق الريفية النائية تبرز الحاجة الملحة لتعزيز الوعي الصحي وسبل الحماية الذاتية.

يستعرض موقع «Great Falls Clinic» مجموعة من الإرشادات الوقائية المهمة للحد من التداعيات الصحية، نلخص النصائح من أجل تعزيز قدرة المجتمع الريفي على مواجهة مخاطر البرد القارس.


مواضيع مقترحة


الحفاظ على سلامة الجهاز التنفسي

تتفاقم مشاكل الجهاز التنفسي في الطقس البارد، حيث يُهيّج الهواء البارد المجاري التنفسية، مما يُسبب تشنج القصبات وزيادة إفراز المخاط. كما تُضيّق درجات الحرارة المنخفضة المجاري التنفسية، مما يُصعّب التنفس على المصابين بالربو أو مرض الانسداد الرئوي المزمن أو التهاب الشعب الهوائية.

الأعراض: أزيز، سعال، ضيق في الصدر، وضيق في التنفس. حيث تمكن عوامل الخطر من خلال: أمراض الجهاز التنفسي الموجودة مسبقًا، والتدخين، والتعرض لتلوث الهواء.

يشمل العلاج استخدام البخاخات الموصوفة قبل التعرض للهواء الطلق، وارتداء الأوشحة على الفم لتدفئة الهواء المستنشق، واستشارة مقدمي الرعاية الصحية بشأن تعديل الأدوية خلال أشهر الشتاء.

احمِ قلبك من ضغوط الطقس البارد

يزداد الإجهاد القلبي الوعائي بشكل ملحوظ في الطقس البارد، حيث تتقلص الأوعية الدموية ويرتفع ضغط الدم. ويضطر القلب للعمل بجهد أكبر لضخ الدم عبر الأوعية المتضيقة، مما يزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية. كما يُحفز الهواء البارد تشنجات الشرايين ويزيد من تجلط الدم.

الأعراض: ألم في الصدر، ضيق في التنفس، عدم انتظام ضربات القلب، والتعب.
عوامل الخطر: أمراض القلب الموجودة، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع نسبة الكوليسترول، وأنماط الحياة الخاملة.

يشمل العلاج الحد من التعرض للهواء الطلق خلال البرد الشديد، والتدفئة تدريجياً قبل القيام بأي نشاط بدني شاق، والتماس الرعاية الطبية الفورية في حالة ألم الصدر أو أعراض القلب.

إرشادات وقائية لمواجهة موجات البرد القارس

أوقف انخفاض حرارة الجسم قبل حدوثه

يحدث انخفاض حرارة الجسم عندما تنخفض درجة حرارة الجسم الأساسية إلى أقل من 95 درجة.

الأعراض: رعشة شديدة، خدر، تشوش، صعوبة في الكلام، وفقدان التوازن. ومع تقدم الحالة، تتوقف الرعشة ويتلاشى الوعي.

الفئات المعرضة للخطر: كبار السن، والرضع، والمصابون بأمراض مزمنة، وأي شخص يرتدي ملابس مبللة.

يشمل العلاج إعادة تدفئة الشخص تدريجياً، وإزالة الملابس المبللة، وتقديم مشروبات دافئة إذا كان الشخص واعياً، وطلب الرعاية الطارئة الفورية في الحالات الشديدة.

تجنب أضرار الصقيع على أطرافك

تؤدي قضمة الصقيع إلى تجميد الجلد والأنسجة الكامنة تحته، وعادة ما تؤثر على الأصابع وأصابع القدم والأنف والأذنين.

الأعراض: خدر، وخز، جلد شاحب أو ذو مظهر شمعي، وفي الحالات الشديدة، مناطق صلبة متقرحة تتحول إلى اللون الأسود.

عوامل الخطر: الملابس غير المناسبة، والأحذية الضيقة، والتدخين، وحالات مثل مرض السكري.

يتطلب العلاج الانتقال إلى مكان دافئ، وتجنب فرك الأنسجة المتجمدة، وإعادة تدفئتها تدريجياً في الماء الدافئ، وطلب الرعاية الطبية في الحالات الشديدة.

كُشَر حجة: صراع يومي للحصول على شربة ماء

معاناة يومية وعطش متواصل؛ هكذا تبدو الحياة في مديرية كُشَر بمحافظة حجة شمالي اليمن، حيث تحوّل الماء إلى سلعة نادرة، لا ينالها إلا من استطاع إليها سبيلا، في منطقة أنهكها الجفاف، وأصبح الحصول فيها على المياه من حق أساسي إلى حلم مؤجل، ويكلف الكثير من الانتظار والمعاناة.

على الطرق الوعرة والخطوط المتعرجة، وفي أطراف القرى المتناثرة على قمم الجبال، يقف الأطفال والنساء لساعات طويلة تحت حرارة الشمس، بانتظار وايت ماء قد يصل وقد لا يصل، انتظار ثقيل لكنه إجباري، ويعكس حجم أزمة تتفاقم عامًا بعد آخر بدون حلول من الجهات المختصة.

“نعيش واقعًا مريرًا”، بهذه العبارة يلخص المواطن “يونس العجري” يوميات سكان كُشر، لافتا إلى أن الأهالي يقطعون مسافات طويلة للحصول على كميات محدودة من مياه مبادرة يقودها أحد المواطنين، فيما يضطر آخرون إلى شراء المياه من الـ”وايتات” بأسعار تفوق قدراتهم.


مواضيع مقترحة


عنوان البقاء

يؤكد العجري لـ”ريف اليمن”، أن سعر الوايت الماء بسعة 12 ألف لتر يصل إلى نحو 40 ألف ريال، (75 دولار) ويرتفع كلما زادت المسافة أو كانت القرى بعيدة ووعرة.

ويشير إلى أن سنوات الجفاف الأخيرة ضاعفت الأعباء على السكان في ظل أوضاع اقتصادية متردية وبطالة متزايدة، وتراجع النشاط الزراعي الذي يعد مصدر الدخل الرئيس لمعظم السكان.

أما منى (اسم مستعار) وهي امرأة في عقدها الرابع فأكدت أن معاناة الحصول على المياه أصبحت الهمّ اليومي الأكبر لها ولأسرتها كما هو حال بقية السكان، مؤكدة أن الماء لم يعد مجرد حاجة، بل عنوان البقاء في تلك الرقعة الجغرافية التي تكاد تكون منسية.

وأضافت لـ”ريف اليمن”:”منذ وُجدنا في هذه المديرية ونحن نحلم بمشروع مياه يصل إلى كل بيت، لكن الحلم طال انتظاره، والواقع تغير للأسوأ، واليوم بتنا نفكّر بالنزوح، لكن إلى أين؟”.

وتابعت بأسى: “قلّلنا استخدام المياه إلى الحد الأدنى، وخصصناها فقط للشرب كي نبقى أحياء، واستغنينا عن غسل الملابس إلا نادراً”.

"كُشَر حجة":صراع يومي للحصول على شربة ماء
سكان يقومون بجلب الماء من ناقلة مياه مجانية جاءت ضمن مبادرة أطلقها أحد السكان بتعاون متبرعين (ريف اليمن)

وأوضحت منى أن قريتها لا تمتلك أي مصدر للمياه سوى الشراء بأسعار تفوق قدرة السكان، مشيرة إلى أن المياه تُستهلك بكميات كبيرة للشرب وللحيوانات وللاستخدامات المنزلية الأساسية؛ ما اضطر بعض الأهالي إلى بيع مواشيهم بسبب عدم قدرتهم على توفير الماء لها.

“محمد مثنّى (29 عاما)”، أحد أبناء المديرية، يصف الوضع بأنه من أسوأ أزمات شحّ المياه التي شهدتها كُشر خلال السنوات الأخيرة، لافتا إلى أن ذلك يعود إلى جفاف معظم الآبار وتراجع هطول الأمطار بشكل غير مسبوق.

ويضيف مثنّى لـ”ريف اليمن” أن الأمطار أصبحت خفيفة وغير كافية لتغذية المياه الجوفية، فيما نضبت الآبار تدريجيًا عامًا بعد آخر، ولم تعد البرك الموسمية والمياه المكشوفة تلبي احتياجات السكان رغم مخاطرها الصحية؛ ما ضاعف معاناة آلاف الأسر التي باتت تبحث يوميًا عن كميات محدودة من الماء لتبقى على قيد الحياة.

تفسير علمي

المهندس الجيولوجي “علي غنام”، أوضح أن أزمة المياه في كُشر ليست وليدة اليوم، بل نتيجة تراكم عوامل طبيعية وبشرية.

ويوضح لـ”ريف اليمن”، أن الطبيعة الجيولوجية للمنطقة معقدة؛ إذ تتكون من صخور قديمة غير متجانسة تتخللها فوالق وصدوع وتكسّرات، إضافة إلى تأثرها بالنشاط التكتوني المرتبط بحركة الصفائح في البحر الأحمر وخليج عدن؛ ما يحدّ من قدرة الأرض على تخزين المياه الجوفية.

ويؤكد غنام أن غياب السدود والخزانات التي تعد المصدر الرئيس لتغذية المياه الجوفية أسهم في تفاقم المشكلة، إلى جانب الاستنزاف الجائر للمياه بنسبة تصل إلى 85% لري مزارع القات، مقابل نسبة محدودة للاستخدام البشري، فضلًا عن غياب المسوح الجيوفيزيائية الدقيقة التي كان من شأنها تحديد مواقع الأحواض المائية بدقة.

ويرى أن الخروج من الأزمة يتطلب دراسات دقيقة لطبيعة الأرض، تمكن من تنفيذ مشاريع مياه شاملة، تشمل إنشاء سدود وحواجز في مواقع مدروسة لإعادة تغذية المياه الجوفية.

ودعا المهندس غنام من خلال “ريف اليمن”، الجهات المختصة إلى إجراء مسوح علمية دقيقة لتحديد مواقع حفر الآبار، وتشغيلها بالطاقة الشمسية، وتوزيع المياه عبر خزانات ونقاط مدروسة وفق الكثافة السكانية.

ويشدد على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الموارد المائية، والحد من الحفر العشوائي الذي يزيد من استنزاف المياه الجوفية ويفاقم معاناة السكان.

مبادرة لكسر العطش

وسط هذا الواقع القاسي، برزت مبادرة أهلية لسقاية القرى الأشد فقرا، يقودها عدد من أبناء المنطقة بدعم من فاعلي خير وأصحاب ناقلات المياه، في محاولة للتخفيف من حدة العطش، وتوفير الحد الأدنى من الاحتياج.

ويقول القائم على المبادرة، “معتز الزعكري (42 عامًا)” لـ”ريف اليمن”، إن المبادرة استطاعت منذ الأول من أكتوبر 2025 وحتى منتصف يناير الجاري، توزيع أكثر من 400 ناقلة مياه، بالاعتماد على دعم فاعلي خير.

ويلفت الزعكري إلى أن العمل الإعلامي المتمثل في التوثيق بالصورة والفيديو ونشره على وسائل التواصل، أسهما في جذب المتبرعين وتوسيع التفاعل المجتمعي، لافتًا إلى أن ثلاثة من أبناء المنطقة تبرعوا بتوفير ست ناقلات يوميًا، ارتفعت لاحقًا إلى 12 ناقلة في اليوم؛ ما خفف جزئيًا من حدة الأزمة.

"كُشَر حجة":صراع يومي للحصول على شربة ماء
طفل يقوم بإيصال جوالين الماء الفارغة لمساعدة أسرته لجلب الماء في مديرية كُشر بمحافظة حجة(ريف اليمن)

رغم ذلك، يؤكد أن ناقلة المياه سعة 9 آلاف لتر لا تستمر أكثر من عشر دقائق عند وصولها إلى بعض القرى قبل أن تنفد بالكامل بسبب الإقبال الشديد، في مؤشر واضح على حجم العطش؛ الأمر الذي يتطلب تدخلا حقيقيا وعاجلا لإنهاء الأزمة بشكل مستدام.

السلطة غائبة

وعن دور السلطة المحلية أوضح معتز الزعكري أنهم طرقوا أبواب المسؤولين، تجاوب معهم مدير عام المديرية، وشارك بدعم تمثل في 200 لتر ديزل، إلا أن الأهالي يؤكدون أن الأزمة تتطلب تدخلا حقيقا، وعمل حلول مستدامة؛ كحفر آبار ارتوازية وإنشاء حواجز وسدود لتغذية المياه الجوفية.

الناشط الإعلامي “رضوان الحجوري” أوضح إن أزمة المياه اشتدت خلال العامين الأخيرين مع نضوب منابع المياه بشكل مخيف، في مقابل غياب أي بدائل، مؤكدا أن حل الأزمة يحتاج إلى تدخل أوسع وأكثر استدامة من الجهات الرسمية.

ويشير إلى أن جميع الآبار القريبة تعطلت، وأصبح الاعتماد الكامل على صهاريج المياه القادمة من مديرية مستبأ ووادي حيران، التي تقطع مسافة تصل إلى 70 كيلومترًا ذهابًا وإيابًا؛ ما يضاعف كلفة قيمة المياه، ويعمق معاناة السكان.

وعن المبادرة يشير الحجوري، إلى أنها ورغم محدودية مواردها، نجحت في التخفيف من حدة الأزمة وتحريك المجتمع، لكنه يعود ويؤكد أن الأمر يحتاج تدخلاً أوسع وأكثر استدامة من الجهات الرسمية.

وبحسب بيانات البنك الدولي فإن 18 مليوناً من سكان اليمن يعانون من عدم القدرة على الحصول على المياه المأمونة أو الصرف الصحي، في حين تظهر بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن اليمن أحد أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه.

البرد القاتل.. لماذا تتضاعف مخاطره في الأرياف؟

البرد القاتل.. لماذا تتضاعف مخاطره في الأرياف؟
قرية الروحان في محافظة المحويت (خالد الثور)

يواصل المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر في اليمن إصدار تنبيهاته بشأن موجات الصقيع التي تضرب المرتفعات الجبلية في محافظات: صعدة، وعمران، وصنعاء، وذمار، والبيضاء، والضالع، وإب، والجوف، بالإضافة إلى أجزاء من مأرب، وحضرموت، وشبوة، وتعز، وريمة، والمحويت، وحجة.

تأتي موجة البرد في اليمن في سياق تأثر المنطقة العربية بكتل هوائية قطبية المنشأ، وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث شدتها واتساع نطاق تأثيرها الجغرافي، إذ تمتد من المغرب غرباً وصولاً إلى اليمن وسلطنة عُمان شرقاً، وفقاً لنماذج الطقس العالمية.

وفي دول الخليج العربي، رُصد انخفاض حاد في درجات الحرارة، حيث صدرت تحذيرات من موجات غبارية في المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، في حين يسود طقس شديد البرودة في كل من قطر والبحرين، وسط استنفار للأجهزة المعنية للتعامل مع تداعيات التغيرات المناخية المتطرفة وتأثيرها على السكان.


مواضيع مقترحة


خطر البرد القارس

عادة ما تتصدر الوفيات المرتبطة بالحرارة عناوين الأخبار، لكن دراسة جديدة نُشرت في مجلة «Annals of Internal Medicine» الأمريكية أثارت مخاوف بشأن عدد وخصائص الأشخاص الذين يموتون بسبب البرد.

بحسب الدراسة اكتشف الباحثون أنه على مدار الخمسة والعشرين عامًا الماضية، كان 65% من جميع الوفيات المرتبطة بدرجات الحرارة ناجمًا عن البرد، بينما كانت النسبة المتبقية، والبالغة 35%، ناجمة عن الحر. وفي تلك الفترة، سُجِّل التعرض لدرجات حرارة شديدة كسبب أساسي أو مساهم في حوالي 69,256 حالة وفاة في الولايات المتحدة.

وقال المؤلف الرئيسي شادي أبو هاشم، من معهد ماساتشوستس العام بريغهام للقلب والأوعية الدموية، في بيان: “تشير نتائجنا إلى أن التعرض للحرارة والبرودة لا يزال يتسبب في وفاة الآلاف من الأشخاص كل عام في الولايات المتحدة، وهي وفيات يمكن الوقاية منها إلى حد كبير”.

وأضاف أبو هاشم، أن التعرض للحرارة والبرودة لا يزالان يتسببان في وفيات يمكن الوقاية منها، وأن هذه الوفيات ليست موزعة بالتساوي. إذ يواجه البالغون من العمر 65 عامًا فأكثر، والرجال، والسود غير اللاتينيين، باستمرار أعلى المخاطر من الطقس الحار والبارد.

تُمثل الدراسة نقلة نوعية، إذ اعتمدت معظم الأبحاث السابقة على التنبؤات أو النماذج البيئية، ودرس الكثير منها الحرارة والبرودة بشكل منفصل. إذ يقول أبو هاشم: “تستخدم دراستنا بيانات أمريكية حقيقية ومُلاحظة، تمتد لخمسة وعشرين عامًا، وتتناول الوفيات المرتبطة بالحرارة والبرودة جنبًا إلى جنب، مُصنفةً حسب العمر والجنس وهذا يُعطي صورة أوضح وأحدث عن الفئات الأكثر تضررًا ومواطن التفاوت الأكبر”.

وفيات بسبب الصقيع

بحسب أبو هاشم، تُعدّ الحرارة مصدر قلق متزايد بسبب تغير المناخ، وتستحق الاهتمام بلا شك. “لكن نتائجنا، والعديد من الدراسات العالمية، تُظهر أن التعرض للبرد لا يزال مسؤولًا عن معظم الوفيات المرتبطة بدرجات الحرارة. ويعود ذلك في معظمه إلى أن الوفيات المرتبطة بالبرد غالبًا ما تحدث في أيام معتدلة البرودة، وليس فقط خلال الظواهر الجوية المتطرفة، ومعظمها يرتبط بتفاقم الأمراض المزمنة أكثر من انخفاض حرارة الجسم نفسه.”

ومع ذلك، قال “يُغير تغير المناخ موازين القوى بسرعة. وكما أشارت أبحاث حديثة، من المتوقع أن يتجه العبء النسبي نحو ارتفاع درجات الحرارة، لأن الوفيات المرتبطة بالحرارة ترتفع بوتيرة أسرع من انخفاض الوفيات المرتبطة بالبرد”.

وأضاف “لذلك بدلاً من تحويل التركيز بعيدًا عن الحرارة أو البرد، فإن جهودنا في مجال الصحة العامة تحتاج إلى الاستعداد لكلا الخطرين في وقت واحد خاصة بالنسبة للمجموعات المعرضة للخطر، مع تزايد الإلحاح بشأن الحرارة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة”.

بحسب التقرير، تحدث العديد من هذه الوفيات داخل منازل سيئة التدفئة، وخاصةً بين كبار السن، ولهذا توصي بأن تحسين عزل المساكن، وضمان توفر التدفئة، والاطمئنان على صحة الأفراد المعرضين للخطر خلال فترات البرد، يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا.

وقال أبو هاشم: “تحدث معظم الوفيات المرتبطة بالبرد بهدوء في الداخل أو في الأيام الباردة المعتدلة وقد لا يتم الإبلاغ عنها أبدًا إلى هيئة الأرصاد الجوية الوطنية، ولكنها تظهر في شهادات الوفاة، ولهذا السبب تظهر البيانات الطبية باستمرار المزيد من الوفيات المرتبطة بالبرد”.

سكان الريف

أظهرت دراسة أجريت في مقاطعة تشجيانغ الصينية أن سكان المجتمعات الريفية في الصين أكثر عرضة لتقلبات درجات الحرارة الشديدة، سواء كانت حارة أو باردة، مقارنة بالأشخاص الذين يعيشون في المناطق الحضرية.

في اليمن ،يشار إلى أن الريف يشكل قرابة ال70% من التركيبة السكانية للبلاد إجمالاً، حيث يتمركز غالبية السكان على الرغم من استمرار تدفق الهجرة الداخلية نحو المدن.

وبحسب الدراسة فقد لوحظ هذا التفاوت في خطر الوفاة بين المناطق الحضرية والريفية في جميع أنحاء البلاد، ولكنه كان أكبر لدى النساء منه لدى الرجال، ولدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا.

يقول الباحثون إن نتائج دراستهم لها آثار مهمة على السياسات، لا سيما في البلدان النامية. فالاستثمارات في الرعاية الصحية في المناطق الريفية قد تساعد في الحد من الهشاشة، كما أن التدابير الموجهة لضمان قدرة الناس على تدفئة وتبريد منازلهم قد تساعد في الحد من التعرض للعوامل الجوية.

وبحسب ما يقوله خبراء “فعلى الرغم من التوسع الحضري السريع، لا تزال نسبة كبيرة من سكان العالم النامي تعيش في المناطق الريفية. وهؤلاء الأشخاص أكثر عرضة للعمل لساعات طويلة في الهواء الطلق، كما أنهم يعانون من ضعف التغطية الصحية العامة. وهذان العاملان يزيدان من هشاشتهم.

البرد القاتل.. لماذا تتضاعف مخاطره في الأرياف؟
يزداد الصقيع في المناطق الجبلية اليمنية خلال فصل الشتاء

إرشادات وقائية

في اليمن ينصح المركز الوطني للأرصاد كبار السن والأطفال بارتداء الملابس الشتوية للوقاية من البرد، كما نبَّه السائقين إلى توخي الحذر على الطرق نتيجة تدني الرؤية الأفقية بسبب الضباب، خصوصاً في المنعطفات الجبلية.

في السياق يُعد فهم كيفية تأثير الظروف شديدة البرودة على الجسم أمرًا ضروريًا للوقاية من مُضاعفات صحية خطيرة في الشتاء ،وفق تقرير لموقع “غريت فولز هوسبيتل” الأمريكي المتخصص في شؤون الصحة.

في حين أن الكثيرين يربطون الطقس البارد بمشاكل بسيطة مثل تشقق الشفاه أو جفاف الجلد، إلا أن الواقع هو أن التعرض لدرجات حرارة مُنخفضة يُمكن أن يُؤدي إلى حالات تُهدد الحياة وتتطلب عناية طبية فورية، بحسب الموقع.

ويشرح الموقع كيفية مقاومة جسمك للبرد، فعند التعرض له، يُفعّل الجسم آلية دفاعية متطورة للحفاظ على درجة حرارته الداخلية عند حوالي 37 درجة مئوية، تنقبض الأوعية الدموية في الأطراف، مُعيدة توجيه الدم الدافئ إلى الأعضاء الحيوية كالقلب والرئتين والدماغ، ورغم أن هذا الانقباض الوعائي يحمي الوظائف الأساسية، إلا أنه يجعل أصابع اليدين والقدمين والأذنين والأنف عرضةً للإصابات المرتبطة بالبرد.

يشير الموقع إلى أن الجسم ينتج الحرارة أيضًا من خلال الارتعاش، مما يزيد من النشاط الأيضي. ومع ذلك، فإن نظام الدفاع هذا له حدود، فالتعرض المطول أو الملابس غير المناسبة، أو الظروف الرطبة قد تُرهق هذه الآليات الوقائية، مما يؤدي إلى عواقب صحية وخيمة تتراوح من انزعاج طفيف إلى نتائج مميتة.

وذكر بأن قابلية الإصابة بالأمراض تزيد لأن الطقس البارد يجبر الناس على البقاء في الأماكن المغلقة، حيث تنتشر الفيروسات بسهولة أكبر، بينما يُضعف الهواء البارد دفاعات الجهاز المناعي في الجهاز التنفسي. ويُهيئ اجتماع التدفئة الداخلية الجافة والهواء الخارجي البارد ظروفًا مثالية لالتهابات الجهاز التنفسي.

وتشمل الوقاية غسل اليدين باستمرار، والحفاظ على مستويات الرطوبة داخل المنازل، والتطعيم ضد الإنفلونزا والالتهاب الرئوي، ودعم وظائف المناعة من خلال النوم والتغذية الكافيين.

كما أكد الموقع على أن فهم المخاطر الصحية المرتبطة بالطقس البارد يمكّن الأفراد من اتخاذ تدابير وقائية، والتعرف على العلامات التحذيرية المبكرة، والاستجابة بشكل مناسب لحماية أنفسهم والآخرين خلال فصل الشتاء.

انحسار الثروة الحيوانية.. أرقام صادمة تهدد الأمن الغذائي

انحسار الثروة الحيوانية في ريف العدين: أرقام صادمة تهدد الأمن الغذائي
انحسار الثروة الحيوانية في ريف العدين: أرقام صادمة تهدد الأمن الغذائي

تواجه القرى الريفية في محافظة إب، وسط اليمن، تراجعاً حاداً ومقلقاً في أعداد المواشي؛ وهي ظاهرة تتجاوز مجرد فقدان رؤوس الأغنام والأبقار لتشكل تهديداً بيئياً واجتماعياً واقتصادياً للأسر التي تعتمد على تربية الأبقار والأغنام لتلبية احتياجاتها الأساسية.

قرية مروة بمديرية العدين، واحدة من بين القرى الأكثر انحساراً، ففي القرية التي تقطنها نحو 142 أسرة، تبدو ملامح التغيير واضحة ومؤلمة حسبما أكد “طاهر مثنى (57 عاماً)” أحد سكان القرية، في توصيفه لحجم الكارثة من خلال معايشته اليومية والمقارنة بين الماضي والحاضر.

وفي حديثه لـ “ريف اليمن”، يوضح مثنى أن قرابة 70% من الأسر كانت تعتمد على امتلاك الأبقار أو الأغنام قبل عام 2010، إلا أن تلك النسبة انحدرت بحدة لتصل في الوقت الحالي إلى نحو 10% فقط؛ وهو تراجع يعكس حجم الفجوة التي خلفتها الظروف القاسية، وفقا لتقديراته الشخصية.


مواضيع مقترحة

• الثروة الحيوانية.. ركيزة اقتصادية مهملة في اليمن
• الحرب وتغير المناخ يقلصان الثروة الحيوانية في الضالع
• تأثير التغيرات المناخية على الثروة الحيوانية


تشير بيانات رسمية صادرة عن إدارة الإحصاء والأرصاد الزراعي إلى تراجع الثروة الحيوانية في اليمن من نحو 21.2 مليون رأس عام 2014 إلى 19.3 مليون رأس عام 2018. وشمل هذا التراجع الأغنام والماعز والأبقار والإبل على حد سواء.

كما تواجه تربية المواشي في اليمن تحديات جسيمة تراكمت خلال السنوات الماضية، أبرزها ندرة الأعلاف، وارتفاع تكاليفها، بالإضافة إلى موجات الجفاف المتكررة التي أدت إلى تدهور المراعي الطبيعية والضغوط الاقتصادية؛ مما أجبر الكثيرين على بيع الماشية لتغطية نفقات المعيشة الضرورية.

الجفاف وغلاء الأعلاف

أرجع السكان تراجع تربية المواشي إلى عوامل اقتصادية وبيئية متداخلة أثقلت كواهل المزارعين من بينهم “فؤاد أحمد( 48 عاماً)” الذي أوضح لـ “ريف اليمن” أن “هناك تراجعًا حادًا في إنتاج الأعلاف بسبب شح الأمطار، مما أجبرنا على شراء الأعلاف الواردة من تهامة بأسعار مرتفعة جدًا خلال فصل الشتاء”.

يضيف فؤاد أن البقرة الواحدة تحتاج يوميًا لخمس حزم من “العجور” بتكلفة تصل إلى 1500 ريال (حوالي ثلاثة دولارات)، إضافة للأعلاف المكملة، وهو مبلغ يقتطع 30% من دخل الأسرة، بينما لا يعادل العائد من البقرة هذه التكاليف الباهظة حاليًا.

تجدر الإشارة إلى أن هذا الواقع الاقتصادي المرير لم يكن موجودًا في السابق، حيث كانت الأرض تجود بخيراتها دون حاجة المزارع للشراء. وحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) الصادرة في يوليو 2025، فقد سجل اليمن جفافًا واسع النطاق في معظم المحافظات، باستثناء هطولات محدودة في مرتفعات إب.

وتؤكد دراسة حديثة أجراها الخبير في الشؤون البيئية والمناخية، عبد الغني اليوسفي، أن محافظة إب -التي لطالما عُرفت بخصوبتها ووفرة أمطارها- تشهد تراجعًا مقلقًا في معدلات الهطول المطري خلال السنوات الأخيرة.

بالنظر لموقع قرية مروة التي تبعد 55 كيلومترًا غرب مدينة إب، فإنها ظلت خارج نطاق تلك الأمطار، مما فاقم أزمة الجفاف وأدى لاختفاء المراعي الطبيعية التي كانت تشكل المصدر المجاني والأساسي لغذاء الحيوانات في المنطقة.

انحسار الثروة الحيوانية.. أرقام صادمة تهدد الأمن الغذائي
تواجه تربية المواشي في اليمن تحديات تراكمت خلال السنوات الماضية (لبنة أمين/ ريف اليمن)

من جانبه يؤكد أستاذ قسم الإنتاج الحيواني، في كلية الزراعة بجامعة إب الدكتور إسماعيل المصنف” أن تراجع أعداد الثروة الحيوانية في مديرية العدين بمحافظة إب يعود إلى عدة عوامل أبرزها الظروف الجوية القاسية، وتداعيات النزاع المستمر في البلاد، ناهيك عن شح الموارد المائية، وانتشار الأوبئة الحيوانية، في ظل غياب الدعم الحكومي وتدهور الغطاء النباتي والمراعي الطبيعية.

وأوضح المنصف لـ “ريف اليمن”، أن الثروة الحيوانية في عموم اليمن تشهد انخفاضاً تدريجياً مقلقاً؛ نتيجة الأوضاع الراهنة والتغيرات المناخية الحادة، فضلاً عن الإهمال الذي يشهده القطاع الزراعي، وتقلص مساحات الرعي، وارتفاع تكاليف المستلزمات البيطرية والعلفية الضرورية.

عزوف الشباب والنساء

أدت المتغيرات الثقافية والتكنولوجيا إلى عزوف الشباب والنساء عن تربية الأبقار والأغنام ، إذ تؤكد السيدة “صفية (51 عاماً)” وهي ربة بيت أن عزوف أبنائها وبناتها عن رعي الأغنام أجبرها على بيعها بعدما أصبحت عبئا عليها إلى جوار البقرة، بعد رفضهم القيام بهذه المهمة الشاقة حسب وصفها.

ومع تطور التكنولوجيا، أصبح غالبية الشباب يفضّلون الجلوس وقضاء الساعات الطويلة أمام الأجهزة الإلكترونية بدل العمل في الزراعة ولو ساعة واحدة، في حين ترى النساء أن ذلك يؤثر على مظهرهن؛ وهو ما ساهم انحسار وتراجع الاهتمام بتربية المواشي في الأرياف.


قبل عام 2010 كانت نحو 70% من الأسر الريفية في قرية مروة بمديرية العدين، تعتمد على الثروة الحيوانية لكنها تراجعت حالياً إلى نحو 10% فقط


تقول السيدة آسيا لـ “ريف اليمن” إن “النساء والشابات انشغلن بموضات العصر، وأصبح من النادر تقبل فكرة رعاية الأبقار إذ ترى بعضهن أن ذلك يؤثر على مظهرهن وأناقتهن”. وتضيف: “هذا التغير في المفاهيم جعل الآباء يواجهون العمل وحدهم، بالإضافة إلى غياب الرعاية البيطرية مما اضطرهم لترك المواشي”.

غياب الرعاية البيطرية

تؤكد آسيا، إحدى سكان المنطقة، أن قرية مروة في مديرية العدين تفتقر تماماً لوجود عيادة بيطرية؛ مما يضطر الأهالي لقطع مسافة تزيد عن 30 كيلومتراً للوصول إلى مركز المدينة، وهي رحلة محفوفة بالمخاطر والتكاليف الباهظة في ظل وعورة الطرق الجبلية وارتفاع أسعار المواصلات.

هذا النقص الحاد في الخدمات الأساسية حوّل إصابة أي رأس من الماشية بمرض عارض إلى كارثة حقيقية تهدد مدخرات الأسرة، حيث يجد المزارع نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما خوض رحلة علاجية مكلفة ومرهقة قد لا تضمن نجاة الحيوان، أو الاستسلام لإحباط الواقع وبيع الماشية لتجنب خسارتها كلياً.

ولم تكن الأسباب البيطرية وحدها هي العائق؛ بل لعبت الظروف الصحية للأسر دوراً حاسماً، كما هو حال رشاد (55 عاماً) الذي اضطر لبيع ما يملك من أبقار وأغنام إثر إصابة زوجته بمرض “احتكاك المفاصل”؛ فبعد أن كانت الزوجة هي المتولية لمهام الرعاية اليومية، أصبحت عاجزة عن الحركة بأمر الطبيب.

تقول بحسرة: “لو امتلكتُ القدرة الجسدية كما في السابق لما تخلّيتُ عن بقرتي، فهي بمثابة دكان البيت ومصدر رزقنا، لكن الظروف أقوى من إرادتنا”.

انحسار الثروة الحيوانية: أرقام صادمة تهدد الأمن الغذائي
أدت المتغيرات الثقافية والتكنولوجيا إلى عزوف الشباب والنساء عن تربية الماشية (لبنة أمين/ ريف اليمن)

في السياق، تشير الناشطة “فاطمة المليكي” إلى أن اتساع رقعة الفقر وتدني المستوى المعيشي الناجم عن النزاع المستمر، دفعا الكثير من الأسر إلى التخلي عن تربية الماشية. وتوضح المليكي لـ “ريف اليمن” أن “البقرة التي كانت رمزاً للاكتفاء، باتت تتطلب أعلافاً مكلفة تفوق قدرة الأسرة الشرائية، مما حولها من مصدر نفع إلى عبء مالي لا يطاق في ظل عجز الأهالي عن سد احتياجاتهم اليومية الأساسية”.

تداعيات اقتصادية وبيئية

لم يتوقف التراجع عند عدد رؤوس الماشية فحسب، بل امتد ليطال حجم الإنتاج القومي من اللحوم بشكل مقلق؛ حيث انخفض الإنتاج من 215 ألف طن عام 2014 إلى 180 ألف طن في 2018، وهو تراجع ينذر بخطر حقيقي يهدد الأمن الغذائي لملايين اليمنيين.

وبالنظر إلى أن قطاع الثروة الحيوانية يستوعب 25% من القوى العاملة الريفية ويوفر الدخل لأكثر من 3.2 مليون شخص وفقاً لمنظمة “الفاو”، فإن هذا التدهور يعني اتساع رقعة البطالة والفقر، وتحول الأسر من منتجة ومكتفية ذاتياً إلى مستهلكة تعتمد كلياً على الأسواق المستوردة.

على الصعيد البيئي، أدى انحسار تربية المواشي في العدين إلى ضرب صميم الدورة الزراعية؛ إذ أكد المزارعون أن غياب الحيوانات أدى إلى نقص حاد في السماد الطبيعي، مما أثر سلباً على خصوبة التربة.


أدت المتغيرات الثقافية والتكنولوجيا إلى عزوف الشباب والنساء عن تربية الأبقار والأغنام


وفي خضم التحديات، تبرز قصص التمسك بالتقاليد رغم مشقة الواقع؛ حيث تروي إيناس (اسم مستعار)، من ريف العدين، تجربتها في مساعدة والدي زوجها في رعاية الأبقار، رغم العزوف الجماعي الذي تشهده المنطقة عن تربية المواشي.

توضح إيناس دوافعها لـ “ريف اليمن” قائلة: أحرص على مساعدة الأسرة في هذا العمل لإدراكي القيمة الغذائية الكبيرة والفوائد الصحية التي توفرها لنا منتجات الألبان الطازجة.

ومع ذلك، تعترف بصراحة أنها لو ملكت القرار بمفردها لربما تخلت عن هذه المهمة التي وصفتها بـ”الشاقة”، لكنها تستدرك: “أستمر في العمل بدافع التقدير لوالدي زوجي، اللذين لا يزالان يتمسكان بهذا الموروث المعيشي كجزء أصيل من هويتهما الريفية”.

إجمالاً فإن الحفاظ على الثروة الحيوانية في ريف العدين وبقية الأرياف اليمنية يتطلب جهودًا تكاملية تشمل الدعم الحكومي، وتحسين الخدمات البيطرية، وتطوير برامج الإرشاد الزراعي، ومشاريع إدارة الموارد المائية والمراعي، إضافة إلى رفع الوعي وتشجيع الأسر على العودة للممارسات الزراعية المستدامة.

قلاب القمامة.. هل يُنهي أعواماً من التلوث في ريف إب؟

قلاب القمامة يُنهي أعواماً من التلوث في ريف إب
قلاب القمامة يُنهي أعواماً من التلوث في ريف إب(الصورة بالذكاء الاصطناعي)

يتنفس سكان القرى الريفية في محافظة إب الصعداء وهم يشاهدون أحياءهم السكنية نظيفة، بعد أن ساهمت سيارات النفايات في تخفيف معاناتهم المستمرة منذ سنوات طويلة، حيث استبشر الأهالي والمزارعون، كونهم الأكثر تضرراً من النفايات التي كانت تجرفها سيول الأمطار إلى مزارعهم.

ما إن يسمع «محمد عبده» (46 عاماً) النداء عبر مكبر الصوت لشاحنة نقل القمامة، حتى يسارع لإخراج النفايات من منزله إلى الطريق الرئيسي في قريته بمديرية السياني جنوبي المحافظة.

يقول محمد بابتسامة يملؤها الارتياح: “نحن في قرية محطب ذات الكثافة السكانية، بدأنا أخيراً نتنفس الصعداء بنقل النفايات بعيداً عن منازلنا، كانت تلك المخلفات تمثل تهديداً حقيقياً بتفشي الأمراض والأوبئة، بعد أن تحولت مجاري السيول والأودية إلى مستنقعات ملوثة”.


مواضيع مقترحة


قلاب القمامة

كانت منصة «ريف اليمن» قد سلطت الضوء، عبر سلسلة تقارير ميدانية، على أزمة تراكم النفايات والمخلفات البلاستيكية في القرى اليمنية، خصوصاً في ريف محافظة إب الذي أكد سكانها بأنهم يواجهون صعوبات جمة وتحديات بيئية معقدة في إيجاد سبل آمنة ومستقرة للتخلص من النفايات المتزايدة؛ وهو ما يجعل وصول شاحنات القمامة خطوة محورية لإنقاذ الأهالي من كارثة بيئية.

تتم عملية نقل النفايات بتعاون الأهالي والسلطات المحلية، حيث تكفلت الجهات المختصة بتوفير مركبات نقل النفايات المخصصة لجمع القمامة والمخلفات البلاستيكية ونقلها من القرى إلى المكبات المخصصة في محافظة إب، والتي تقع في مناطق نائية بعيدة عن الأحياء السكنية والمساحات الزراعية.

تصل ناقلات القمامة إلى القرى الريفية ذات الكثافة السكانية العالية بشكل أسبوعي، ومن بينها قرية “محطب” في ريف السياني، حيث اعتاد السكان تجميع نفاياتهم ووضعها في الطريق الرئيسي كل يوم خميس استعداداً لوصول الناقلة.

يساهم الأهالي بمبلغ رمزي يبلغ 500 ريال يمني كل شهرين، وهو مبلغ زهيد مقارنة بالخدمة التي يقدمها عمال النظافة. ورغم ضآلة المبلغ، إلا أن تقاعس البعض عن السداد يشكل عائقاً أمام استمرارية الخدمة، كونها تتطلب تكاليف تشغيلية وتغطية أجور العمال القائمين على جمع وتحميل القمامة.

يوضح “محمد عبده” لـ “ريف اليمن” الآلية المتبعة قائلاً: “جرى تكليف مجموعة من الأشخاص من أبناء القرية لجمع المساهمات المالية، من خلال تخصيص مسؤول عن كل حارة، لضمان سداد الـ 500 ريال بانتظام، مما يضمن استمرار مجيء القلاب أسبوعياً لنقل المخلفات”.

قلاب القمامة يُنهي أعواماً من التلوث في ريف إب
تتم عملية نقل النفايات بتعاون الأهالي والسلطات المحلية (ريف اليمن)

يضيف محمد: “500 ريال كل شهرين على ملاك المنازل هو مبلغ بسيط جداً مقابل الخدمة الكبيرة التي نتلقاها فبعد ثلاثة أسابيع فقط، لمسنا الأثر على أرض الواقع؛ إذ تبدو أزقة الأحياء السكنية نظيفة على غير عادتها، وهذه الخطوة الإيجابية أجبرت السكان تلقائياً على الالتزام بالنظافة والحفاظ على المظهر الحضاري”.

تحديات بيئية وصحية

يُبدي سكان المناطق الريفية في محافظة إب قلقاً متزايداً جراء تراكم النفايات في الأودية الزراعية ومحيط التجمعات السكنية، في ظل تحديات جسيمة تواجههم للتخلص منها بطرق آمنة. ومع غياب البدائل والحلول المؤسسية، يضطر الأهالي إلى اعتماد وسائل بدائية، كإلقاء المخلفات في مجاري السيول؛ مما يؤدي إلى تداعيات بيئية وصحية خطيرة تهدد سلامة المجتمع المحلي.

وتشير الدراسات البحثية إلى أن التلوث البلاستيكي بات يهدد الأمن الغذائي العالمي؛ حيث يُفقد ما بين 4% و14% من إنتاج المحاصيل الأساسية كالقمح والأرز والذرة سنوياً بسبب “الجزيئات البلاستيكية الدقيقة”. وفي السياق ذاته، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن هذا التلوث يتسبب في تدهور البيئة وتلوث التربة على المدى الطويل؛ مما يضع عراقيل كبرى أمام تحقيق الزراعة المستدامة.

ولا تقتصر المخاطر على التربة فحسب، بل تمتد لتشمل الموارد المائية؛ إذ يؤدي تراكم النفايات العضوية بالقرب من الآبار والعيون والسواقي إلى تلوث المياه الجوفية بالبكتيريا القولونية والمواد الكيميائية الضارة.

قلاب القمامة يُنهي أعواماً من التلوث في ريف إب
كانت مواقع جمع النفايات الرسمية تمثل معضلة حقيقية حتى قبل الصراع القائم منذ أكثر من عقد (ريف اليمن)

كما أن ظاهرة الحرق المكشوف – وهي سلوك شائع في الأرياف – تساهم في إطلاق غازات سامة مثل أكاسيد الكربون والديوكسينات والفورانات، وهي مركبات مسرطنة تتسبب في أمراض تنفسية حادة ومزمنة، مما يفاقم من الأزمة الصحية في المنطقة.

معضلة متعاقبة

مواقع جمع النفايات الرسمية تمثل معضلة حقيقية حتى قبل الصراع القائم منذ أكثر من عقد؛ إذ لا يتجاوز عدد المكبات الرسمية في البلاد 21 مكباً، ستة منها فقط تخضع للإشراف الفني، بينما تظل بقية المكبات مفتوحة وعشوائية. وفي ظل غياب عمليات الطمر الصحي لمعظم هذه النفايات، تفاقمت التهديدات البيئية والصحية بشكل خطير.

ووفقاً لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، فإن حوالي 65% من النفايات في اليمن هي مخلفات عضوية، بينما يتكون الباقي من: 10% بلاستيك، 7% ورق، 6% معادن، 1% زجاج، و11% مواد أخرى.

وتشير التقارير إلى أن النفايات البلاستيكية وحدها تشغل حيزاً كبيراً من إجمالي المخلفات، في حين كشف تحليل لـ (DW عربية) – استناداً إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء – عن ارتفاع مقلق في حجم النفايات؛ حيث قفزت من 3.7 مليون طن في عام 2011 إلى نحو 4.4 مليون طن في عام 2017.

تصف السيدة “زينب حسن ( 37عاماً)” مشكلة تراكم النفايات والمخلفات البلاستيكية بريف إب قائلة لـ “ريف اليمن” بأنها عبء مضاعف يثقل كاهل النساء إذ تزداد المعاناة تحديداً لدى الأمهات اللاتي لديهن أطفال رضع؛ حيث يواجهن صعوبة بالغة في التخلص من الحفاضات والمخلفات اليومية لعدم توفر أماكن مخصصة لها.

واختتمت حديثها بتأكيد الأثر الإيجابي للمبادرات الحالية، قائلة: “لقد خففت عنا مبادرات نقل النفايات عبئاً ثقيلاً، وهي من أنجح الأعمال التي لمسنا أثرها الحقيقي. كل ما نرجوه هو استمرار هذا الجهد وتوسيع نطاقه لضمان بيئة صحية لأطفالنا”.


*صورة الغلاف مولدة بالذكاء الاصطناعي